"المنطاد" يعود مجددا للسباق نحو الفضاء

    • خبر
    • "المنطاد" يعود مجددا للسباق نحو الفضاء

      BBC كتب:

      سبقت المناطيد من قبل الأقمار الصناعية إلى عنان السماء، فهل بعد عقود تحل المناطيد مجددا محل تلك الأقمار في استكشاف الفضاء؟

      في المستقبل القريب، سيطل السائحون من نوافذ صغيرة في الفضاء وهم يسبحون بخيالهم في ظلمات الكون الذي يتلألأ بالنجوم أعلاهم ودائرة الأفق الأزرق أسفلهم. غير أنهم لن يستقلوا مركبة فضائية بل "منطادا فضائيا"، والذي سينطلق قريبا من منغوليا وليس من تكساس، وسيكون السائحون على متنه من الصين!

      تلك المناطيد تفتح أفقا جديدا، ففي عام 1958 أدهشت روسيا العالم بإطلاق أول قمر صناعي، القمر "سبوتنك". وسرعان ما أنشأ الأمريكيون وكالتهم للفضاء (ناسا) للحاق بسباق الفضاء وأصبحوا القوة العظمى الأولى في العالم في هذا السباق.

      وأثبتت الأقمار الصناعية فائدتها الجمة في الاتصالات والأرصاد الجوية وأنظمة الملاحة وغيرها. ولكن بعد ستين عاما من انطلاق القمر سبوتنك تدخل المناطيد عالية الارتفاع الحلبة لتنازع تلك الأقمار.

      وتتفوق المناطيد على الأقمار الصناعية في قربها أكثر من الأرض، إذ تحلق على ارتفاع 30 كيلومترا ما يجعلها أقرب للاتصال والرصد، كما أن تكلفتها أقل بكثير من تكلفة الأقمار الصناعية ويسهل إعادتها للأرض لإصلاحها وتطويرها.

      خلال الخمسينيات تصدرت ناسا جهود إطلاق المناطيد في طبقة الغلاف الجوي المعروفة بالستراتوسفير؛ واليوم تستعين الوكالة بتلك المناطيد لأغراض بحثية تتعلق بالأجواء فوق الأرض ولرصد الكوكب من أعلى واستكشاف الأشعة الكونية.

      وتلك المناطيد هائلة الحجم، إذ يناهز بعضها سبعة أضعاف كاتدرائية القديس بولس في لندن - وهي مصنوعة من مواد بلاستيكية بسمك شطيرة ومملؤة بغاز الهيليوم. أما عيبها فهو أنها غير ذاتية الدفع بل تعتمد على الريح في تحريكها، ولكن السنوات الأخيرة شهدت انفراجا في محاولات توجيه تلك المناطيد.

      ويقول جيفري مانبر، مدير شركة نانوراكس الفضائية الأمريكية: "نستكشف آفاقا جديدة للملاحة الجوية، فما نشهده الآن يعيد إلى الأذهان حقبة استكشاف البحار عبر مراقبة النجوم، ومتابعة حركة الرياح - إنها عودة إلى المستقبل!"

      وطبقة الستراتوسفير هي تلك الطبقة العليا من الغلاف الجوي للأرض وهي نفسها مكونة من طبقات عدة تسير فيها الرياح في اتجاهات مختلفة باختلاف الارتفاع. ومبدئيا وبتوافر المعلومات الجوية المطلوبة يمكن توجيه المنطاد في أي اتجاه برفعه للارتفاع المناسب لتدفعه الريح في الاتجاه المقصود.

      ويعد "المشروع لوون"، وهو أحد مشروعات شركة غوغل، في صدارة جهود الاستفادة بالريح لتسيير المناطيد العالية بغرض الاتصال بالمناطق النائية والمنكوبة.

      وفي البداية خطط لتسيير مجموعة من المناطيد اعتمادا على حركة الريح السائدة، حتى وجد الباحثون أن بالإمكان الإبقاء على المناطيد في مكانها عبر الاستفادة بالريح المعاكسة على ارتفاعات مختلفة، بينما يتم تعديل ارتفاع المنطاد وفق أنظمة حسابية معقدة لتكون في مهب الرياح المطلوبة.

      وبفضل "المشروع لوون" تم توفير الإنترنت لـ300 ألف شخص في محيط بورتو ريكو عقب الإعصار ماريا الذي أتى على البيئة التحتية للمنطقة عام 2017، ما أثبت نجاعة الفكرة رغم كونها بعد في إطار التجربة.

      وتخطط شركة "وورلد فيو"، ومقرها تاكسون-أريزونا، للاستعانة بمناطيد خاصة أطلق عليها اسم "ستراتولايت" لأغراض تتجاوز مجرد الاتصالات لاستخدامها كمنصات مراقبة، وقد زارت (بي بي سي فيوتشر) مقرات للشركة عام 2016.

      وتشير أنجيليكا ديلوتشيا موريسي العاملة بالشركة إلى تطبيقات متنوعة تشمل "حماية الغابات وإخطار أجهزة الإطفاء مع أول بادرة حريق، فضلا عن مكافحة القرصنة البحرية ومتابعة نمو المحاصيل الزراعية".

      وقبل ثلاث سنوات لم تكن "وورلد فيو" أكثر من حلم، ولكنه بات واقعا بعد سلسلة من الرحلات التجريبية الجسورة، حتى حازت الشركة على تعاقدات حكومية وصفقات تجارية خاصة. وينظر خبراء الدفاع لمناطيد "ستراتولايت" باعتبارها عين جديدة ترصد ما يجري على الأرض.

      ويعقب الأدميرال كورت تيد، القائد بالقيادة الأمريكية الجنوبية، على تجربة طيران ناجحة لمنطاد ستراتولايت قائلا: "نرى في نجاح هذا الأمر ما يبشر بتغير كامل في قواعد اللعبة على سبيل توافر منصة مراقبة طويلة الأجل بالغة الدقة".

      ونفس التقنية يمكن الاستعانة بها لمتابعة آنية لتغير حالة الأعاصير من الجو، ما يثير اهتمام الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والأجواء.

      ويمكن للمنطاد الواحد من نوع ستراتولايت في الوقت الراهن أن يحمل حمولة تزن 50 كيلوغراما ومواصلة العمل دون توقف مستعينا بالطاقة الشمسية لتشغيل راداراته وأجهزة اتصالاته القوية.

      والجهود مستمرة لإنتاج مناطيد أضخم قادرة على الطيران بحمولات أكبر، وعلى المدى الطويل يجري التخطيط لاستخدام تلك المناطيد للسياحة قرب الفضاء ولإيصال شحنات. وما إن ينتهي العمر الافتراضي للمنطاد إلا ويستقر في بقعة معينة في الجو قبل أن ينفك كمنطاد قفز ويهبط إلى الأرض.

      وبنفس الكيفية، يمكن الاستعانة بمناطيد لإيصال إمدادات إغاثية وشحنات عاجلة لأي مكان على سطح الكوكب.

      والمنافسة في تزايد على تلك المناطيد، والكثير منها يأتي من الصين، فهيئة "كوانغ-تشي للعلوم" التي تأسست في مدينة شنزن في 2010، تتخصص في الشحنات الجوية وأنظمة الاتصالات، وتطور منطادها الخاص "ترافيللر" مستعينة بالتحليق بدفع الريح في طبقة الستراتوسفير بالغلاف الجوي.

      يقول جو فاي، رئيس قسم البحوث والتطوير بالشعبة الفضائية للهيئة: "تركز الصين في الوقت الراهن على تقنيات للاستشعار عن بعد، والاتصالات وتلبية حاجات البلديات الراغبة في الاستفادة من مناطيد ترافيللر في تطوير أنظمة المدن الحديثة"، مقارنا تكلفة ذلك بتكلفة أنظمة الأقمار الصناعية.

      ويقول إن المناطيد يمكنها القيام بنفس المهمة بتكلفة ما بين عُشر وواحد في المئة من تكلفة تلك الأقمار.

      كما سيحمل "ترافيللر" كبسولة تقل ستة ركاب على ارتفاع عال من سطح الأرض. وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي أطلقت هيئة كوانغ-تشي منطادا حمل سلحفاة لارتفاع 21 كيلومترا فوق سطح البحر قبل العودة بسلام، ما يبشر بنقل ركاب بحلول عام 2021 بتكلفة نحو 96،600 دولار للراكب.

      ويقول فاي إنه يمكن الاستعانة بمناطيد ترافيللر كـ"منصات إطلاق ثانوية"، بمعنى استخدامها لرفع صاروخ متجاوزا أغلب طبقات الغلاف الجوي لينطلق بعد ذلك بصاروخ أصغر يحمله إلى مداره بأيسر مما لو انطلق من الأرض مثقلا بالجاذبية الأرضية. ويضيف أن ذلك سيلبي حاجة سوق متنام لإطلاق الأقمار الصناعية المكعبة الصغيرة.

      ويقول جيفري مانبر، الذي تتعاون شركته شركة نانوراكس مع كوانغ-تشي للعلوم في إطار برنامج "ترافيللر"، إن "الجميع يسعى بأي شكل لخفض تكلفة إطلاق الأقمار المكعبة".

      وكما ترتفع المناطيد لأعلى، يمكن أيضا أن ترسي مركبات لأسفل. ففي عام 2017 أطلق فريق تابع للأكاديمية الصينية للعلوم طائرتين صغيرتين دون طيار من منطاد ستراتوسفيري بحيث عمل المنطاد كمنصة إطلاق في الجو.

      وبنفس الطريقة يمكن إطلاق مهام بحث وإنقاذ ترصد خلالها مجسات بالمنطاد مواقع معينة وتقوم بإنزال مركبات مُسيَّرة للرؤية عن كثب. ويعتقد الفريق الصيني أن المنطاد الواحد يمكن أن يحمل مئات المركبات المُسيَّرة.

      كما يضع الجيش الصيني المناطيد نصب عينيه بالنظر لخطط الوجود على ساحة المدار الفضائي القريب من الأرض، وهي الساحة التي لا يسيطر عليها بلد بعينه بينما توفر المناطيد الطائرة في طبقة الستراتوسفير أفقا رخيصا للمراقبة العسكرية، وتطبيقات أخرى، ما يبشر بتعاقدات عسكرية قد تنهمر قريبا.

      لقد أثبتت مركبة سبوتنك الروسية قدرة الأقمار الصناعية على سبر أغوار الفضاء، ثم لحق الأمريكيون بالروس وتفوقوا عليهم في السباق الفضائي.

      وفي المستقبل القريب قد تنطلق المناطيد العليا بأعداد متزايدة تحمل سائحين لمشارف الفضاء داعمة الاتصالات وأنظمة الرصد والمراقبة. لقد انطلق سباق الفضاء القريب من الأرض بريادة أمريكية، ولحاقا صينيا ربما بات وشيكا!

      يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

      -----------------------------------------------------

      يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

      Source: bbc.co.uk/arabic/vert-fut-44388888