في العمق : جهود تبحث عن وطن

    • خبر
    • في العمق : جهود تبحث عن وطن

      Alwatan كتب:

      د. رجب بن علي العويسي

      في مقالات سابقة وتحت عمودنا “في العمق” أشرنا إلى أننا في عمان نمتلك الكثير من المقومات السياسية والفكرية والثقافية والتراثية والقيمية، المعززة بالإنسان العماني الجاد الراغب في العطاء والإنجاز والعمل، ومن يمتلك حس المبادرة وشغف الرغبة في تقديم كل ما من شأنه خدمة وطنه وسلطانه، وهي أرصدة تعبر عن إرادة هذا الإنسان في مسيرته الحياتية المتواصلة الذي تركت بصمة له في تأريخ الإنسانية، وظلت شاهدة على منارة الوعي والمهنية والريادة لديه في إدارة مقدراته وموارده لن يخفت بريقها أو يبهت ضوؤها، كما عززت نهضة الثالث والعشرين من يوليو المجيد من قدراته ومنحته الثقة والقوة والريادة وعملت على توفير الحياة الآمنة المطمئنة له ليكون أولوية التنمية وغاياتها، وعند حديثنا عن هذا الجهود أدركنا أننا مع هذه الإرادة في الإنسان نمتلك البنية المؤسسية والتشريعية المؤصلة لبلوغ الهدف وتحقيق إنجازات أكثر نضجا وكفاءة، تتسم بالجودة والمعيارية في العمل، والتي كانت على موعد مع جهود حثيثة وعمل مضن قام به المخلصون من أبناء عمان وبناتها في كل القطاعات والمؤسسات وهو أمر لا يختلف عليه اثنان.
      وفي المقابل أشرنا إلى وجود منغصات تسببت في عرقلة هذه الجهود، أو وصولها إلى تحقيق أهدافها المرجوة منها بدرجة مرضية، لتشكل عقدة الممارسة كأحد هذه المنغصات التي وضعت هذه الجهود في حالة اختفاء لتبحث عن موقع لها في ضمير الإنسان رغم وجودها في قواعد التشريع ومواده وبنوده، ورغم وجود الأدوات الرقابية والضبطية التي تؤسس لاستدامة نهج العمل والاستمرار في العطاء وتقديم الأفضل، فأنتجت بذلك ترهلات وإخفاقات وانتكاسات في أجندة العمل ومسارات الإنجاز المتقدمة في الفترات الأولى للنهضة والتي كانت سابقة بشرية بحجم ما تحقق في عمان في فترة لا تتجاوز العقدين رغم صعوبة الظروف وشح الإمكانيات التي تأسست عليها النهضة، ولكنها كانت عظمة الإنسان ورغبته وإلهامه التي أعطت الدافع لسرعة التغيير وبناء دولة المؤسسات، لقد وضعت هذه الممارسة هذه الجهود في مهب الريح وعصفت بالمبادرات والتوجيهات والقرارات والأوامر والتشريعات لتظل هكذا حائرة معلقة في ذهن المواطن تبحث عن وطن لها.
      لنعترف بأن وطننا حقق في مراحل التخطيط المتعاقبة الكثير من الإنجازات، وكانت وما زالت عمان بيت خبرة إقليمية وعالمية في العديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، في مشروعات عمل وخطط اقتصادية تستهدف تمكين المواطن حازت على تقدير المنظمات الدولية المعنية واعترافها بالجهود الحثيثة التي بذلتها السلطنة من أجل الإنسان كما وكيفا، لتحقق له التنمية في أفضل معطياتها والقوة في أدق تفاصيلها ولإيماننا جميعا بأن وراء هذه الإنجازات عملا متقنا وجهدا نوعيا استوعب الحالة العمانية بكل تجلياتها، كما أن وجود القيادة الحكيمة في موقع التنفيذ التي كانت تتابع عن كثب كل محطات الإنجاز ومسيرات العطاء وكانت تقرأ في كل عمل تقوم به موقع التفرد والخصوصية العمانية، في سياساتها الخارجية أو في سياساتها الداخلية لبناء الإنسان وتحقيق استدامة التنمية وشموليتها واتساعها وترسيخ العدالة الضامنة للعيش في ولاء وانتماء ورسم نهج المواطنة الإيجابية.
      ويبدو لنا أن هذه الجهود في قاموس البعض لم تكن تحقق الطموحات أو تؤسس لمستقبل التنمية والأجيال القادمة، فتصريحات بعض المسؤولين في الدولة تحمل في طياتها مخاوف المستقبل وتجرح في الماضي لتعكس في حقيقة الأمر نبرات مجحفة في حق التنمية والتطوير وإساءة علنية لمعطيات هذه النهضة المباركة، عندما لا يعكس الخطاب المؤسسي حقيقة هذا التناغم ويظل يدور في حلقة مفرغة فلا يعترف بقصوره ولا يرغب أن يكون شريكا مع الآخر في البناء بقدر ما يحمله الخطاب من لغة الأنا، فهل من المقبول أو المعقول أن نصدق حقيقة بأن لا توجد لدينا مؤسسة معنية بالباحثين عن عمل ورعاية شؤونهم ومتابعتها ووضع التشريعات وتنفيذها؟ وهل من المقبول بعد هذه الفترة القول بأننا لا نمتلك مؤشرات عمل واضحة وسياسات أصيلة ناضجة تتعاطى مع هذا الملف بمهنية وقوة ومسؤولية سواء في القطاع الحكومي أو الخاص؟ وهل لنا أن نصدق أن القطاع الخاص يعمل بدون سياسات اقتصادية وما زال غير قادر على مواكبة التطوير؟ وهل من المهنية في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الحاصلة في حياة المواطن ووقوفه المخلص مع ما اتخذته الحكومة من خطوات بشأن التقليل من المصروفات وتقنين النفقات وتحمله مسألة إيقاف الترقيات ورفع الدعم عن الوقود وغيرها، في حين أن خطاب المسؤول يحمل لغة أخرى في التعبير عن التوجه المتداول بين متخذي القرار أقرب إلى حالة من السخرية والتلاعب بالعقول، وهو أمر لا تقبله الفطرة العمانية التي عرفت في خطاب باني نهضتها جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه؟ تلك الإرادة السامية التي وضعت إنسان هذا الوطن وأمنه وكرامته في أولويات عملها، ووقفت ضد أي ممارسات مهما كانت مبرراتها قد تؤثر على حياة المواطن المعيشية واستقراره وأمنه المعيشي والوظيفي، وقس على ذلك في قطاعات السياحة والخدمات والتخطيط الاقتصادي والإسكان والمياه والاتصالات وما يصاحبها من تعقيدات في إجراءات الدعم والاستثمار وغيرها، لقد أسهمت لغة الممارسة الحاصلة ونمطها في نشر هاجس الخوف والقلق وعدم الثقة في المستقبل، وأوجد حالة من عدم الأريحية في الإجراءات التي تمارس في حق المواطن.
      من هنا يأتي التأكيد على أهمية الوقوف على عين المشكلة ومسبباتها، وإدارة هذه الجهود بطريقة ذكية تتناغم مع فلسفة البناء والتطوير التي جاءت بها النهضة ورصدتها في كل محطاتها، والبحث عن كل ما من شأنه تقوية الممكنات التشريعية والرقابية المعززة للعمل معا بروح الفريق وتحقيق نجاحات مشتركة، وترقية جانب الوعي فيها، بحيث يتجه العمل الوطني إلى بناء نماذج أقوى للشراكة والتنسيق في أعلى مستوياتها، وفق أجندة عمل واضحة واطر مشتركة واستراتيجيات أداء تحقق هذا التنسيق في مختلف مفاصل العمل المؤسسي، لضمان تحقيق إنتاجية لهذه الجهود وتوحيدها وتعميق نواتجها وتوظيف ما توصلت إليه في أجندة عمل مشتركة، وعندها تصبح هذه الجهود بمثابة أدوات قياس واقعية للعمل الخلاق، طارقة سبيل العدالة، متخذة منهج التكامل، سالكة مسلك البحث والتشخيص والرصد الدقيق لاحتياجات المواطن، بما يبعدها عن أي مسلك يتجافى والأولويات، أو يضيّعها في متاهات البحث عن المبررات والأسباب، فيضيع بذلك وقت الإنجاز، وتُسيء إلى منهج العمل الوطني الذي ينشد التميز ويتناغم من أجل المنافسة، فيعيد صياغة الممارسة ويقف على السلوكيات التي تبرز حالة السلطوية والفردانية والفوقية وحسن توجيهها لتغرد داخل سرب الوطن وتتفاعل مع مؤسساته وتعمل وفق الاستفادة من كل ما أنجز وتحقق، كونه حقا مشاعا للجميع يعمل به الكل وفق اختصاصه وصلاحياته وبما يقره القانون، وعبر تعزيز الشراكات وتقوية المشتركات والتفاهمات الفعلية المستندة إلى موازين الحق والعدل والصدق والموضوعية والتكامل والترابط، لتتحول الجهود من مجرد حبر على ورق أو تفاهمات شكلية إلى تعبير دقيق عن مسارات التناغم الوطني في مواجهة تحديات التنازع في الاختصاصات أو التباعد في تشكيل صورة موحدة للعمل المؤسسي، فإن تحقيق ذلك في الواقع، الطريق لسلوك درب التميز ومعالجة الإخفاقات والتشوهات التي باتت تسيء إلى العمل الوطني المشترك والتفسيرات التي اتخذت من تصريحات البعض مدخلا لها في فقدان الأمل وصراع الأدوار والمسؤوليات، خصوصا عندما تثار القضايا بطريقة تنم عن الجهل بجهود الآخرين ونسف ما تم تقديمه من بدائل وأطروحات أو أسّس من برامج ومشروعات، فتضيع في دوامة الحلقة المفرغة التي لم تجد من يحتضنها أو من يوجه مسارها، في ظل اجتهادات آثرت على نفسها أن لا تفتح عيونها لتجارب الآخرين ومبادراتهم وإنجازاتهم، فأصبحت أكثر المهام ممارسات متكررة وجهودا مهدرة غير منتجة.
      وهو ما يعني في الوقت نفسه الحاجة إلى قراءة أعمق لمسببات تناثر هذه الجهود وتصدع مساحات التكامل والقوة، وأن ينطلق العمل المؤسسي من شراكات فعلية كمرتكزات كل النجاحات القادمة، لتضع بدورها الممارسة أمام مقاربات جديدة تستشرف التوقعات وتنسجم مع الآمال والطموحات، فتقل بشأنها علامات الاستفهام، وتصبح مسألة الوقوف عندها، زيادة في الدقة وريادة في العمل، وتأكيد على استدراك حدودها وفهم مقتضياتها وضبط مداخلها وتوجيه مسارها، وإمعان النظر في أساليبها وأدواتها على المستوى الشخصي أو المؤسسي أو المجتمعي، وتبني سياسات تقييمية وتشخيصية لقراءة مؤشرات هذا التناغم أو التباينات الحاصلة وقياس أثرها على واقع الأداء والقرارات المتخذة والأجندة المعتمدة بل أيضا عبر تحديد القواسم المشتركة التي يمكن أن تشكل منطلقا لإنتاجية أقوى في الأداء عندما تصب جهود المؤسسات فيها، والوقوف على جوانب الازدواجية والتباينات في الاختصاصات على مستوى إدارات المؤسسة الواحدة وعلى مستوى الجهاز الإداري للدولة، وتبني سيناريوهات عمل لتقاسم المسؤوليات وخلق الفرص، وتصحيح الأفكار والقناعات والمعتقدات التي باتت تبرز سلوك المؤسسات بطريقة تنم عن تعميق الأنا والفردية والعمل للذات، وما يظهر من طريقة التعامل المجحفة في حق المنجز الوطني السابق وتشويه صورته، وإعادة إنتاج هذه الجهود بشكل يضمن قدرتها على تحقيق رؤية الوطن وأهدافه العليا.
      وأخيرا نعتقد بأن ضمان كفاءة منظومة الشراكة والتعاون وجودة الممارسات وتوحيد الجهود بين المؤسسات، لا يوفره مجرد إصدار التشريعات وسن القوانين والشراكات والتفاهمات الداخلية بين المؤسسات، بل بتنمية وعي المواطن (المسؤول والموظف والشريك ومتلقي الخدمة)، ومسؤوليته في رسم ملامح التغيير وإعادة هندسة الممارسة لصالح رفع سقف التوقعات للعمل الوطني المشترك، وفق أطر محددة وأدوات مقننة يشترك الجميع في صياغتها من أجل بلوغ أهداف الوطن وتحقيق غاياته، متخذا من المراجعة والتشخيص لموقعه ومسؤولياته في منظومة الوطن مدخلا للبحث في إجابة مقنعة عن تساؤلاته حول مصير هذه الجهود، إذ من المسؤول عن تكاتف هذه الجهود وتفاعلها وخلق مسارات نجاحها في العمق المؤسسي؟ ومن يتحمل تبعات عدم التزام المؤسسات بتحقيق الشراكة وتكاتف الجهود؟ وما مؤشرات ضعف إنتاجية هذه الجهود على مستوى المؤسسة الواحدة أو القطاعات والمؤسسات الأخرى؟ وما حدود طبيعة الدور الذي تقوم به القطاعات والمؤسسات في تحقيق التكامل؟ فعلى الرغم من شعور الجميع بمسؤوليته نحو حضوره هذا الجانب في مساره الاختصاصي والتنظيمي والهيكلي، إلا أن الجميع ينكر أيضا أن يكون السبب في التقصير، أو أنه السبب في هذه الإخفاقات في الجهود وضعف التنسيق والتكاملية في العمل، فإلى متى ستظل الجهود في حالة تبعثر وتشتت تبحث عن وطن لها يعصمها من الانحراف ويحصّنها من خلل البيروقراطية والازدواجية التي عمّقت من الجرح ووسعت من الهوّة والفجوة في المنجز وأفصحت عن حالة من عدم التفاؤل لقرب انتهاء أزمة تبعثر الجهود وتعقد الإجراءات وعقم الممارسة؟

      Rajab.2020@hotmail.com

      Source: alwatan.com/details/328808