نبض المجتمع: التوعية أولا

    • خبر
    • نبض المجتمع: التوعية أولا

      Alwatan كتب:

      د.خصيب بن عبدالله القريني:
      تمثِّل المعركة ما بين الخير والشر منذ الأزل الموضوع الرئيس في الحياة، حيث تدور في فلكها مختلف القصص والروايات والملاحم، ذلك أن طبيعة الحياة قائمة في أصلها على هذين الضدين ولا يمكن الفكاك منهما، حتى الآخرة هي في الواقع خير وشر، بوجود جنة ونار.
      إن قدرتنا على إمساك ناصية الخير والعمل وفق منظومتها هو المجال الطبيعي الفطري الذي ـ بلا شك ـ يمارسه الإنسان السوي قبل أن تتدخل عوامل أخرى لتحيده عن هذه الناصية بالاتجاه المغاير. وربما من خلال تتبعي لهذا الجانب لاحظت أن الإنسان في داخله نظريا يسعى للخير بكل ما أوتي من قوة، ولكن المشكلة تكمن في زاوية النظر لذلك الجانب. فالكثير منا يقوم بأعمال يعتقد أو يدَّعي أنها في مجال الخير، ولكن الواقع يقول عكس ذلك، فهناك أشخاص يعتقدون أن دورهم المجتمعي يتمثل في قدرتهم على جذب أكبر عدد من المتابعين عبر منصَّات التواصل الاجتماعي؛ لكي يتمكنوا من إيصال رسائل هادفة تخدمهم وتخدم مجتمعهم، ثم ما يلبث أن يتحور هذا الجانب لجانب آخر نقيض ذلك؛ إذ إن الأساس الواقعي ليس فعل الخير للمجتمع، بل فعل الخير الشخصي والحصول على مكاسب مادية. وهنا يتداخل مفهوم الخير مع مفاهيم أخرى ضيقة لا همَّ لها سوى الإغراق في الأنانية الفردية على حساب الخدمة المجتمعية.
      والأمر لا يتوقف عند هذا الحدِّ، ففي حديث مع أحد أعضاء الفرق الخيرية يذكر أن معظم الإشكاليات المادية التي تعاني منها الأسر تتمثل في الخداع الاستهلاكي عبر منصَّات التواصل المجتمعي التي ما انفكت تصور بمختلف آلياتها كيف أن الشراء والاستهلاك هو طريق السعادة، ثم ما تلبث أن تتكالب عليها الديون من جرَّاء ذلك، حيث يضطر رب الأسرة إلى إيقاف المصروفات الأساسية لينفق جل دخله على كماليات روَّج لها هؤلاء الذين يدَّعون أنهم يفعلون الخير للمجتمع، ولكن الواقع ـ كما أسلفنا ـ أنهم يعملون الخير وفي أضيق معانيه لأنفسهم.
      إن التحدي الذي تواجهه هذه الفرق التطوعية لا يقف عند قلة الموارد المالية لمساعدة المحتاجين فقط، وإنما من هذه العوامل مجتمعة، ولعل أبرزها وجود سيل من الرسائل السلبية التي تحث على الاستهلاك وتصوير ذلك بأنه رديف الحضارة، وأنه كلما أنفقت أكثر على الجوانب الكمالية أصبحت متحضرا أكثر، في تحدٍّ صارخ لكل القِيَم والمُثل الإسلامية في مسألة الاعتدال. وهنا أستحضر موقفا طريفا، حيث يحدثني أحدهم بأن ابنته قد أصرَّت عليه لشراء عطر بمبلغ كبير؛ لأنها رأت أحد المشاهير يروِّج له، فكان سؤاله لها: وكيف عرفتِ أن رائحته تتناسب مع ذوقك، وأنها تدوم فترة طويلة؟ فقالت إجابة صعق لها وهي أنها لا يهمها ذلك، يهمها أنها اشترته فقط لأنه تم الترويج له.
      إن معظم المشاكل المادية التي تعاني منها الأسر العمانية اليوم وفق حديث أصحاب الفرق الخيرية ـ التي هي في الواقع أكثر قربا منا إليهم ـ تتمحور في الواقع في عدم وجود إدارة اقتصادية مع تكالب هذه المغريات التي زادت الطين بلة.
      إن وجود توعية إعلامية مضادة لهذه الثقافة الاقتصادية البائسة هو الحل الأبرز قبل معالجة أي مشكلة عبر المساعدة المالية، فالعمل وفق هذه المنهجية قد يكون له مردود أفضل، خصوصا على المستوى البعيد.

      كاتب عماني

      Source: alwatan.com/details/420474