قيادة النساء

    • خبر
    • قيادة النساء

      Alwatan كتب:

      د.أحمد مصطفى أحمد:
      لم يعد وصول المرأة إلى أعلى درجات السلطة أمرا مثيرا للغرابة، كما كان قبل عدة عقود مضت، ذلك على الرغم من أن التاريخ القديم شهد قيادة النساء في حضارات قديمة. وعلى مدى نصف القرن الأخير وصلت 57 امرأة إلى منصب رئيس أو رئيس وزراء في بلدان العالم المختلفة. لكن هناك جانب مهم ظلت المرأة بعيدة عن مراكز القيادة فيه إلى حدٍّ ما، هو جانب الاقتصاد والأعمال. وحسب مسح لصندوق النقد الدولي لا تشكل النساء سوى 2 في المئة من الرؤساء التنفيذيين في المؤسسات المالية حول العالم ونحو 20 في المئة من أعضاء مجالس الإدارات، ذلك على الرغم من أن المؤسسات المالية التي تقودها نساء يكون أداؤها أفضل من تلك التي يقودها رجال، خصوصا في أوقات الأزمات. وبعيدا عن أي نظرة تمييزية على أساس النوع، لنتذكر جميعا أن أغلبنا يترك إدارة شؤون الأسرة للمرأة، فهي الأقدر على تنظيم الميزانية الأسرية في الأغلب. لذا تجد كثيرين يشيرون إلى زوجاتهم بأنها “وزير مالية” أو “وزيرة اقتصاد” الأسرة.
      يبدو أن ذلك النهج الذي أشار إليه صندوق النقد الدولي في المسح الأخير آخذ في التغير. فتلك المؤسسة نفسها ترأسها الآن امرأة هي كريستالينا جيورجييفا التي تدير نحو تريليون دولار من خطوط الإقراض لدول العالم. ومؤخرا انتخبت امرأة لرئاسة منظمة التجارة العالمية هي نجوزي أوكونجو-أويالا، وهناك ـ على سبيل المثال ـ كريستين لاجارد التي ترأس البنك المركزي الأوروبي بحسابه الجاري الذي يقترب من ثلاثة تريليونات دولار. وهناك الآن 16 امرأة يتولين وزارة المالية في حكومات بلدانهن و14 امرأة يرأسن البنوك المركزية في بلدانهن. إنما المهم حقا، أنه في أكبر اقتصاد في العالم تجد الفريق الاقتصادي الرئيسي من النساء. فوزيرة الخزانة في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن هي جانيت يلين ووزيرة التجارة هي جينا رياموندو ومسؤولة التجارة الدولية كاترين تاي. هذا بالإضافة إلى أن أغلب المستشارين الاقتصاديين للرئيس بايدن نساء. وعامة، يشكل النساء نحو نصف إدارة بايدن، لكن المهم أن الفريق الاقتصادي ذو قيادة نسائية.
      هل لذلك تأثير أبعد من محاولة تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، وتحديدا حين تأتي تلك المحاولة بقيادة النساء للاقتصاد؟ طبعا، ويبدو ذلك واضحا في سياسات إدارة بايدن. فمن بين خطة الإنفاق بأكثر من تريليوني دولار التي ستسعى الإدارة لتأمين موافقة الكونجرس عليها، هناك أربعمئة مليار دولار مخصصة للرعاية الاجتماعية وتحسين أحوال الأسر والتجمعات السكانية. صحيح أن الرجال كانوا ليضعوا ذلك البند في الخطة أيضا، لكن النساء بطبيعته، يهتمن أكثر بكل ما يخص الأسرة. في دراسة حديثة لرابطة علم النفس الأميركية أن الولايات الأميركية التي تحكمها نساء شهدت حالات وفاة نتيجة الإصابة بفيروس كورونا أقل من تلك الولايات التي يحكمها رجال. مرة أخرى، ليس هناك تمييز على أساس النوع، فيمكن أن تجد نساء في مراكز القيادة أداؤهن أسوأ من الرجال، كما هو الحال بين القيادات الرجال. لكن حتى الآن، يمكن القول إن قيادة النساء “أكثر تعاطفا وتمزج قراراتها بين العقل الجاف والمشاعر اللينة”، كما قالت مديرة صندوق النقد الدولي في تصريحات صحفية. ومن كثير من الإحصاءات والدراسات تجد المؤسسات والأعمال التي تقودها نساء أفضل أداء، خصوصا في أوقات الأزمات. وأثبتت أزمة وباء كورونا على مدى عام الآن ذلك إلى حدٍّ ما. ففي المجال الصحي ـ على سبيل المثال ـ نجد دور المرأة أبرز في الخطوط الأمامية كطبيبات ومسعفات، والأغلب ممرضات. صحيح أن الأطباء والمسعفين من الرجال لا يقلون كفاءة وتضحية، وأيضا الممرضين من الرجال، لكن في المجال الأخير تحديدا نجد المرأة أكثر بروزا.
      مثل موجات كثيرة شهدها العالم في العقود الأخيرة، تجد تصاعدا لدعوات “تمكين المرأة” حتى أن بعض الدول والمجتمعات وضعت حصصا محدَّدة للمرأة في السياسة والإدارة وغيرها. المشكلة أنه في بعض الأحيان يكون زيادة عدد النساء في البرلمانات والمؤسسات والشركات لمجرد تلبية مستهدف مطلوب أكثر منها ترقيات واختيارات على أساس الكفاءة والملاءمة للمنصب. وذلك نهج ضار، ليس للمجتمعات والدول ككل بل أيضا لقيادة النساء. وللأسف الشديد نجد الناشطين والناشطات في الحركات النسوية يضغطون من أجل الأعداد والحصص بشكل متعسف أكثر من التركيز على إبراز الكفاءات النسائية التي لا تأخذ حقها فعلا، وأسباب ذلك قد تكون في الواقع نتيجة سوء إدارة وتخطيط لا توفر الفرصة أيضا للرجال الأكفاء للترقي لمواقع القيادة. وأذكر هنا مثالا من الديموقراطية البريطانية العريقة: مارجريت تاتشر وتيريزا ماي، كلتاهما وصلت إلى منصب رئاسة الحكومة بالانتخاب بعد زعامتهما لحزب المحافظين. وبينما تركت تاتشر إرثا قويا ومؤثرا ما زال المحافظون وبريطانيا يشعرون به لم تترك ماي تأثيرا يذكر. تقع تلك الحركات النسوية وناشطوها في فخ تمييزي يضر بقضايا المرأة قبل غيرها. ولعل فيما فعلته إدارة بايدن في الولايات المتحدة ما يعزز أهمية تجارب في منطقتنا وبعض دولنا العربية تولت فيها النساء قيادة أعمال ومؤسسات وهيئات اقتصادية ومالية، وأثبتن فيها كفاءة عالية جدا.

      Source: alwatan.com/details/420887