المشهد بعين ممرض

    • خبر
    • المشهد بعين ممرض

      Alwatan كتب:

      حارث بن صالح العبري:
      هل بالفعل يخوضُ الممرض حربًا في ساحة كورونا؟ أم أنها دعابة كما يعتقد الكثير من المستهترين الذين يرمون بأنفسهم وبأهلهم في غياهبِ الجب ولا يجدون بعدها سيارةً تلتقطهم، فيموتون حسرةً وألمًا وبعدها روحًا وجسدًا؟!
      على ما أظن أننا كممرضين نخوضُ حربًا حقيقيةً ضد خصمٍ لا يمكن رؤيته، لكنه موجودٌ في كل الأشياء التي تُحيط بنا وكأنه ينتظر غفلةً منا ليباغتنا بالهجوم فنسقط مهزومين. بينما نخوضُ هذه الحرب، نحن لا ندرك حقًّا كيف ستكون نهايتها، لكننا حقًّا نغامر بكل ما نملك فقط لنخرج براية الانتصار، نضحي بصحتنا ووقتنا وحتى فلذات أكبدنا؛ لنزرعَ الأمل بأعماقِ كل مريض بأنَّه سينجو وأننا جيشه الذي لن يأبه للصعاب بتاتًا فقط لينتصر. كثيرةٌ هي المواقف التي تمرُّ عليَّ وأنا أقفُ أمام مرضى “كوفيد ١٩”، أرى قدرَ الوجعِ الذي يمرُّ بهم، وأرى رغبةَ كلِّ مريضٍ بأن يسترجع قواه ليتنفس الأوكسجين من جديد! من بين كل تلك القصص، براءة روح العم سالم.
      نعم، لا أزالُ أتذكرُ ذلك المريض سالم بالتحديد، تلك اللحظة التي أخبرتُه فيها أننا سنضع له جهاز التنفس الاصطناعي، لم يتردد أبدًا في إعطاء الموافقة بذلك، فقط أغمضَ عينيه ونظر للأعلى متمتمًا بشيءٍ من الدعاء.. لحظات هي وبعدها التفتَ إليَّ ليسألني بصوتٍ خافتٍ: كم هي المدة التي سأستغرقها على جهاز التخدير؟ لم أكن أملك الإجابة أبدًا!
      في حقيقة الأمر لا يوجد إجابة لهذا السؤال، لا أعلمُ ماذا كان يتوجب عليَّ أن أقول له، ولكني سألته: كم هي المدة التي تتوقع أنت تمكثها أنت بهذا الجهاز؟ أخذ العمُّ سالم شهيقًا طويلًا ليلتقط بعضًا من الأنفاس، مجيبًا بصوتٍ مفعمٍ بالأمل: أسبوعين، أسبوعين فقط. آنذاك، أخبرني الطبيب المناوب أن أشرح له أنه لا يمكن التنبؤ بموعدِ خروجه، ولا يوجد جواب لسؤاله.. لم أتمكن من ترجمة تلك العبارات له.
      في حقيقية الأمر، لم أرغب أن أُكذِّب صوته الداخلي الذي بدا وكأنَّه واثق مما يقول تمامًا.
      مضى الأسبوع الأول وحالُ العمِّ سالم لم يتحسن، بل إن المؤشرات الخارجية توحي بأن الوضع غير مستقر بتاتًا، وأنه من غير المرجح أن يتعافى في الموعدِ المنشودِ.. انقضت المدة المعهودة، أسبوعان كما توقع هو بالتحديد، مات العمُّ سالم، صدق صوته حقًّا، أُزيل ثُقل الجهاز عنه وخرج من العناية بعد أسبوعين تمامًا، ولكن بطريقة لم تكن بحسبانه، خرج برداءٍ أبيض، محفوفًا بدموع من يحب، تاركًا الحسرة في قلوب كل من عرفه والتقى به!
      كل ذلك أقدارٌ مكتوبة، ولكن سببها كان “كوفيد ١٩”. لم يكن سالم عبئًا على أحد، كان رجلًا بكلِّ قوَّته، قادرًا على أن يمشي كما يحب ويريد، كان يتمتع بصحة جيدة ليؤمن بقرارة نفسه بأنه قادر على العطاء لسنوات أكثر وأكثر، لكن من خذل قواه وصحته، كان ابنه العشريني الذي استهان بشراسة كورونا ليأخذ منه أحب رجل على قلبه “أباه سالم”.
      عندما تكون في الصفوف الأمامية لمواجهة مرضى كورونا، يجب أن تكون متوقعًا دائمًا بأنك ستواجه مواقف عديدة قاسية، تجبرك على تحمُّل ثقل الألم النفسي الذي تراه في أعينهم. تحاول أن تطبطب على أوجاعهم بالأمل أن الشفاء قادم لا محالة، لينكسر شيءٌ بداخلك؛ لأنك تعلم بأنها “في بعض الأحيان” أوهام تصطنعها لا أكثر، ويبقى أمره لله سبحانه.
      وأخيرًا، رأفةً بحياة الذين تحبونهم، ورأفةً بالكادر الطبي الذي أصبح مصطلح “كوفيد ١٩” هوسًا في حديثه وحياته، حافظوا على أنفسكم، والتزموا بكل ما يحفظ حياتكم. دعونا نخرج من هذه الحرب براية الانتصار، لتعود الحياة إلى طبيعتها ويعم السلام بين أرواحنا وفي قلوبنا.

      ممرض بالمستشفى السلطاني
      al.abriharith@hotmail.com

      Source: alwatan.com/details/421046