Source: alwatan.com/details/433664Alwatan كتب:
مسقط – العمانية:
يكمل الكاتب العماني عادل المعولي، مسيرته مع الكتابة خلال الفترة الحالية، من خلال طرح فلسفي مغاير، حيث روايته الأخيرة (الغابة الفاضلة)، وهي تتوج أعماله الفكرية الأدبية التي بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة مع كتاب (لماذا تقدم العلم وتأخر الوعي)، الذي فاز بالجائزة التشجيعية في المسابقة السنوية للجمعية العمانية للكتّاب والأدباء إبان الاحتفال بجائزة الإبداع الثقافي لأفضل الإصدارات للعام 2016م، ومع (الغابة الفاضلة)، يقدم المعولي نسقًا تفصيليًّا وسافر مع فكرة قد تكون أقرب إلى التعقيد في أحيان كثيرة، لكنها تتطلب نَفَسًا رفيعًا للتواصل معها .. لأجل ذلك يطلعنا الكاتب على التفاصيل. هنا نقترب من روح رواية (الغابة الفاضلة)، وخصوصية الطموح (الحيواني) الذي أوجد ذلك النسيج المتصاعد لأحداثها ولأجل هذا يوضح المعولي: نعم في البدء تتحدث الرواية عن طموح حيواني جامح يجتاح غابةً كانت تقع في الجانب الشرقي من الأمل الإنساني، بعد طول عهد ورتابة طرأ اختلال في ميزان الغابة حين أسرف الضواري والكواسر على أنفسهم على حساب ذوات الحافر والمنقار العريضة التي قدمها عاقلات ذوات الحافر إلى مقام أبي الزعفران أحدثت وقعًا مؤلمًا في صدور الضواري ـ لكن ـ النسر لقمان، وغبطة الثعلب القاضي، كانا الندى الذي لطف وقع العريضة على فخامة الأسد، وإذ هناك في صف أصحاب العريضة، ميمون القردوح، والهدد سليمان، سارت الأمور وفق مقتضى العقل والمصلحة حتى حين.من شخصيات الغابة الفاضلة، ميمون القردوح، وهو من أعلى فروع القردة، وكبشها العظيم. كريمُ الطرفين. شريف الأبوة. رحب الأدب. إذ به شحوب الحق بعد أن أجهده طلبه، إلا أن روحه تشع مصابيح وأنوارا، كقمر الليل الأبكم، وكالشمس للنهار الأغبر. كل شخصية من شخصيات رواية الغابة الفاضلة، تحمل صفة مميزة قد تكون ضمن تلك الصفات، التأني أو العجلة أو الحكمة أو السذاجة.
المتتبع للرواية يرى ذلك التداخل الفلسفي الذي طغى على وقع السرد، وهنا يقدم المعولي ذلك التداخل والاتجاه إلى السرد الفلسفي ويشير إلى أن الرواية اختزلت في طيها كثيرًا من المضامين الجدلية في شتى مجالات المعرفية، وتلك المجالات التي تطرقت إليها الرواية تحتاج إلى تناول حكيم عند طرحها على طاولة النقد أو الإطراء حتى لو ذكرت على سبيل العرض. ومن المضامين التي وردت في الرواية شؤون الدين، والسياسة، والعلم، الأخلاق، وغيرها من المضامين التي تمس أي مجتمع. لذلك، جاء الطرح الفلسفي تحت إلحاح الضرورة الأدبية، ولكن بصيغة لطيفة جدًا وبالكاد يشعر القارئ بالطرح الفلسفي.”كما استعنتُ بالجملة الأدبية الرشيقة، إذ أجهدت نفسي كثيرًا في اختيار الكلمة الفصيحة المُبينة في المكان المناسب، محاولا ألا يُحمّل القارئ النص ما لا يحتمل، وأن تصل رسالة الجملة الأدبية صافية من أي شوائب فكرية تضفي على الجملة معاني غير مقصودة. وهذا العمل ليس بالسهل، حيث أخذ مني جهدًا ووقتًا لا بأس بهما، لكن النتيجة جاءت في صالح النص والقارئ وهذا ما كنت أرجوه بشدة”.
إجمالا إن طرح فكرة في هذه الرواية قد لا يبدو غريبا، فهناك من سبق الكاتب عادل المعولي للغوص في أعماق هكذا أفكار على لسان غير البشر، لكنه هو يفسر ذلك السبب الذي قد يجعل لهذا الطرح الأمان والفسحة الكبرى، ويشير إلى أن نص الرواية عندما اكتمل كان خامًا سميكًا ضِعف عدد الصفحات الحالية.
ويؤكد بقوله: كان مثخنًا بالندوب، لكن مع المراجعة المتكررة أصبح النص سهلا رشيقًا يختال ضاحكًا. وقارئ الرواية يدرك انسيابية النص وطلاوة فحواه. كان عملي في هذه الرواية كحال صائغ الذهب، الذي يتناول القطعة الخامة بعد إذابتها ثم يعيد سبكها على شكل حلية امتازت بالرؤية الفنية والصياغة المتقنة.
وحول الجانب الفلسفي يضيف الكاتب المعولي في حديثه: العمل الذي يخلو من فلسفة نَفسُه قصير – عمل ميت – إذ الفلسفة هي أس الأعمال الناجحة، سواء كانت تلك الأعمال أدبية أم كانت غير أدبية. وعند البحث عن دليل لإثبات هذا الرأي، نجد أن الإصدارات الناجحة، إصدارات أسست على رؤية فلسفية، وعلى قالب أدبي.على سبيل المثال، إصدارات الكاتب والمؤرخ والفيلسوف الأميركي، ويل ديورانت (1885-1981م)، مؤلف كتاب: قصة الحضارة، فرغم أن ديورانت يناقش قضايا تاريخية محضة، ومع ذلك، كُتب بطريقة أدبية شائقة، وتحليل فلسفي عميق، لذلك يُعد كتاب: قصة الحضارة، من الكتب المرجعية والممتعة قرائيًّا في الوقت ذاته. وحتى الأبيات الشعرية تقوى وتنشط إن عولجت برؤية فلسفية. فعلى سبيل المثال: أبو الطيب المتنبي، قبل أن يكون شاعرًا، كان فيلسوفًا في رؤيته للمشاهد التي مرت عليه أو التي مر عليها، لذلك جاءت صيغته الشعرية صيغة براقة لا يخفت بريقها مع مرور الأيام؛ لأنها تحمل أمثالا وحِكمًا صِيغت تحت مصباح الفلسفة. وفي الجانب الآخر، تجد الفلسفة حاضرة في كتاب: أدب الدنيا والدين، لأبي الحسن الماوردي (364 ـ 450هـ)، رغم أنه كان من كِبار قضاة الدولة العباسية ـ وهو فقيه – قبل أن يكون كاتبًا، فقد ألف كتابًا في الفقه تحت عنوان: الحاوي في فقه الشافعية. ويكمل حديثه حول مجيء رواية (الغابة الفاضلة) على لسان الحيوان يشير المعولي قائلا: لعدة اعتبارات جاءت الرواية على لسان الحيوان، أولًا، رؤية الرواية وفكرة كتابتها كانت مُتخيلة من حيث الأساس أن تكون على ألسنة الحيوانات – هكذا ـ من دون سابق تفكير. كذلك، عَالم الحيوان، عَالم فسيح يمكن للخيال أن يتجاوز فيه الواقع، مستخدمًا مساحة المجاز ذات الأبعاد اللامحدودة. نعم، هناك كُتب أُلفت على لسان الحيوان، وهذه ليست بدعة أدبية، إنما هي استكمال لمسيرة الأدب الإنساني في هذا المجال. وهذا العمل (الغابة الفاضلة) له خصوصية لا يشبه أيًّا من تلك الأعمال؛ لأن الزمان والمكان لهما خصوصية لا سيما وأن رؤية رواية الغابة الفاضلة رؤية مختلفة عن رؤية ابن المقفع (106-142هـ) في كتابه: كليلة ودمنة، وتختلف عن رؤية جورج أورويل (1903-1950م)، في كتابه: حديقة الحيوان. إذ، كل منهما عاش في عصرين مختلفين، وكاتب الرواية الفاضلة يعيش في عصر مختلف كليًا عنهما، بالتالي معارفي واستنتاجاتي تكون مختلفة، وإن اتفق بين تلك الأعمال أن تكون على لسان الحيوان، فهذا لا يلزم أن تكون الأفكار والأهداف ورسائل العمل متشابهة. فعصر الكاتب وظروفه وحصيلته الفكرية تُشكل عمله. ورؤية الكاتب لا تستطيع الفكاك من ملابسات العصر الذي يعيش فيه.
وكما تمت الإشارة في مقدمة هذا التفاعل الأدبي مع الكاتب عادل المعولي، نعود في ختامه إلى الإصدار السابق الذي تفرد في جزأين متتابعين، وطرح رؤية الكاتب الفكرية حول مدى تقدم العلم وتأخر الوعي، وهنا نقف عند تلك الرؤية، ويطلعنا المعولي على ما استند عليه، وكيف عولجت مشكلة تأخر الوعي تلك، وما إذا نحن نعيش أزمة وعي قد تبدو مكتملة النصاب، وهنا يفند الكاتب عادل قوله: جاءت معالجتي لقضية (سؤال)، لماذا تقدم العلم وتأخر الوعي؟ من منطلق أن الوعي والعلم بُعدان مختلفان، أي ليس كل متعلم واعيًا بالضرورة، فالوعي بُعد، والعِلم بُعد آخر، هما خطان مستقيمان متوازيان قد لا
يلتقيان وقد يلتقيان.
عادل المعولي يتوج أعماله الفكرية الأدبية بـ «الغابة الفاضلة»
- خبر
-
مشاركة
