هل يمكن تحقيق أهداف أي رؤية اقتصادية بدون تطوير سياسي؟

    • خبر
    • هل يمكن تحقيق أهداف أي رؤية اقتصادية بدون تطوير سياسي؟

      Alwatan كتب:

      سعود بن علي الحارثي:
      تعرف الرؤية لغة بحسب “معجم المعاني الجامع”، بأنها “رؤية الأمور بشكل سليم والإبصار بالعين والقلب، وهي أيضا عبارة عن بيان تصدره المؤسسة لما تنوي أن تكون عليه في المستقبل، وتوضع الرؤية من الإدارة العليا للمساعدة على التخطيط والتوجيه”. ويُعد “التخطيط الاستراتيجي رؤية مستقبلية تطبق في المؤسسات والشركات”. وتحتوي “الرؤية المستقبلية” أي رؤية، على آليات عمل ومكنات ودعامات ووسائل وأدوات تضمن لها النجاح والتفوق، وتحقيق الأهداف والغايات التي من أجلها أعدت وأقرت الرؤية، وتتضمن كذلك محطات زمنية تؤسس وتشير وترصد أولا بأول نسبة الإنجاز المحققة تأكيدا على الصرامة والجدية والمتابعة والتقييم وضمان القدرة على تجاوز المعيقات والتغلب على المشكلات، مصحوب بالرصد وتقديم الملاحظات والتوصيات لتفعيل الأداء وتعزيز وتعظيم المكاسب، وتتمثل الدعامات والآليات، في توفير وإعداد وتهيئة الموارد المالية والكوادر البشرية المؤهلة وتسهيل الإجراءات وإلى كل ما تحتاج إليه الرؤية لتمكينها من النجاح المُشرِّف والمُرْضي، والرؤية قد تكون مخصصة لتنمية وتطوير وتفعيل قطاع من القطاعات لتمكينه وتعزيز أدواره ومراجعة مناهجه وآليات عمله وصلاحياته وتعظيم منافعه، سواء كانت بشرية أم موارد مالية كقطاع التعليم أو الصحة أو السياحة أو الاقتصاد على سبيل المثال، وقد تكون الرؤية شاملة لإحداث طفرات تنموية وتحقيق رخاء وازدهار في جميع مناحي الحياة وحقول المعرفة غايتها “النهضة الشاملة” والتغلب على المشكلات العالقة والإخفاقات المتتابعة، واللحاق بالركب الحضاري والإسهام في الثورة العلمية التي يشهدها العالم. وقد انطلق في السنوات الأخيرة الكثير من هذه الرؤى في عدد من البلدان العربية، وبالأخص الخليجية التي أقرتها الحكومات، وأعلن عنها وسوق لها الإعلام الرسمي، بل ويتم الترويج لها إقليميا وعالميا حتى، وحملت في صفحاتها أحلام وآمال وطموحات وتطلعات المواطن العربي في توفير العمل وزيادة دخل الأسرة ومكافحة الفساد، وتطوير وتنمية القطاعات الاقتصادية لتسهم في تنويع الموارد وتحقيق الرخاء والازدهار، وتعميق حقوق المواطنة، وتطوير الخدمات والتأكيد على حق مجانية التعليم والعلاج وغير ذلك الكثير من الإغراءات التي تحتويها الرؤية. فـ”رؤية قطر الوطنية 2030″، تُعد “التنمية الشاملة هي الهدف الأساسي لتحقيق التقدم والازدهار للمواطنين حيث تهدف إلى تحويل قطر إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة وعلى تأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلا بعد جيل”. وتسعى “رؤية المملكة العربية السعودية 2030” إلى “استثمار مكامن قوَّتنا التي حبانا الله بها، من موقع استراتيجي متميز، وقوة استثمارية رائدة، وعمق عربي وإسلامي، حيث تولي القيادة لذلك كل الاهتمام، وتسخّر كل الإمكانات لتحقيق الطموحات”. واعتبرت رؤية ٢٠٣٠ التي أقرتها مملكة البحرين، “رؤية شاملة من شأنها تحديد وجهة واضحة للتطوير المستمر للاقتصاد البحريني، وهي في جوهرها تعكس هدفًا أساسيًّا مشتركًا يتمثَّل في بناء حياةٍ أفضل لكافة المواطنين البحرينيين”. وفي السلطنة انطلقت مسيرة رؤية ٢٠٤٠م، في بدايات هذا العام ٢٠٢١م، وذلك بعد أن أغلقت ملفات وخطط وبرامج رؤية ٢٠٢٠م، التي كتب عنها الكثير ووجّه إليها سيل من الانتقادات اللاذعة؛ لكونها لم تحقق الكثير من أهدافها. وفي سلسلة المقالات التي كتبتها ونشرتها هذه الصحيفة الغرَّاء(الوطن)، طرحت عشرات التساؤلات عن مدى نجاح “الخطط والبرامج والسياسات والرؤى التي أطلقت عبر العقود الماضية وما زالت تطلق من قبل مسؤولينا ووزراء الحكومة في مختلف مؤسساتها في قاعات المجلسين الاستشاري للدولة والشورى والمضمنة في الموازنات السنوية والخطط الخمسية، ورؤية 2020 واستراتيجيات التعليم والسياحة والقطاعات الاقتصادية الأخرى التي يعلن عنها الإعلام الرسمي تباعا؟ وهل حققت أهدافها وتسير وفقا لما هو مخطط لها زمنيا؟ هل أدَّت إلى الرضا المجتمعي وقادرة على الحفاظ على مستوى معيشته، إن لم ترفع من مؤشراتها على أقل تقدير؟ هل كانت على درجة عالية من الاستعداد والجاهزية لمواجهة أية محنة اقتصادية تتسبب فيها انهيارات أسعار النفط عالميا وجائحة “كوفيد19″ كما حدث الآن؟ هل حققت القطاعات الإنتاجية الرئيسة التي يعوَّل عليها في تنويع مصادر الدخل الوطني النسب المستهدفة لمساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد خلال الخطط الخمسية المتعاقبة التي أعدت في إطار الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني (عُمان2020)؟ وأين نقف من تحقيق الهدف الرئيسي للرؤية القاضي بأن تتراجع نسبة مساهمة النفط الخام إلى 9% فقط من الناتج المحلِّي بحلول عام 2020م ونحن على أعقاب الخطة الخمسية الأخيرة من هذه الرؤية؟؟ ألا يحق لنا بعد عقود من الحديث عن الخطط والبرامج والرؤى الهادفة إلى تنويع مصادر الاقتصاد الوطني أن نتساءل عن مدى ما تحقق من تغيير في هيكل اقتصادنا في اتجاه رفع مساهمات القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي للبلاد بما يمكنها من أن تحل محل النفط أو تقليل الاعتماد عليه على الأقل…؟”. فهل تحقق هذه الرؤى أهدافها فعلا؟ وهل ستتمكن من بناء نهضة مجتمعية مستقبلية شاملة في بلداننا العربية؟ هل ستحقق الرخاء والازدهار والتقدم وتطلعات المواطن العربي؟ هل ستعالج مشاكل البطالة والفقر والتخلف المتراكم وضعف أداء الخدمات واستشراء الفساد وتسربات المال العام التي تصب سواقيها في حسابات وخزائن مسؤولين كبار ونافذين…؟ هل يمكن تحقيق أهداف وغايات الرؤى الاقتصادية بدون تطوير سياسي حقيقي؟ وبدون خطوات عملية وجادة لرفع وتوسيع وتعميق صلاحيات وأداء المؤسسات التشريعية والرقابية ووسائل الإعلام وأجهزة الرقابة والمساءلة، وتحقيق استقلاليتها التامة عن ضغوط وهيمنة السلطة التنفيذية؛ لتحقق مبدأ الشراكة والتمثيل الحقيقي للمجتمع، وتتمكن من مساءلة كبار المسؤولين والنافذين وسد منافذ الفساد وكفالة القانون لحرية التعبير ومراقبة وتقييم تنفيذ وتطبيق أداء أي رؤية اقتصادية نهضوية، ومحاسبة كل من تسبب في إخفاقاتها وإعاقة تحقيقها لأهدافها؟ هل يتحقق التطوير وتنهض المجتمعات وتتقدم الأوطان وترتفع مؤشرات الإنجاز في كل شيء بما في ذلك “براءة الاختراع والابتكار والتصنيع وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي…” ويطبق القانون وتضمحل بؤر الفساد وتردم، وتتطور مؤسسات التعليم ومراكز البحث العلمي وتحتضن المواهب في بيئة لم تترسخ بعد فيها قِيَم الديمقراطية، ولا مؤسساتها ومُثلها الإنسانية؟ أوليس تحقيق التقدم والثورات العلمية المتتابعة وتطبيق الرؤى ونجاحها أصبح لصيقا ونتاجا للنظم الديمقراطية كما نراه نموذجا واضحا في أوروبا وأميركا واليابان والصين التي أحدثت إصلاحات جوهرية في نظامها السياسي وغيرها الكثير من القوى الناشئة؟ لماذا عندما ننطلق في إعداد وتطبيق مراحل أي رؤية “شاملة”، نركز فقط على الجانب الاقتصادي، ونتجاهل الإصلاح السياسي واستقلالية المؤسسات ونتجاوز مسألة تمكينها من تأسيس ممارسات وتقاليد برلمانية تشريعية رقابية وانفتاح إعلامي يفتح نوافذ التعبير لكل الأطراف وتحفظ للمجتمعات حقوقها وتشعرها بالشراكة الحقيقية؟ ألا يعني تجاهل هذا المحور في أي رؤية واستراتيجية حرمانها من ضلعها أو عمودها الأساسي الذي لا تستوي ولا تنجح بدونه؟ أعتقد بأن الجدية والرغبة الحقيقية وتحقيق اشتراطات النجاح الضامن لأية رؤية مرهون في المقام الأول بإحداث تطوير سياسي يواكب ما يشهده العالم المتقدم من حريات وأدوات حديثة للمساءلة والمحاسبة وشراكة حقيقية بين الحكومات والمجتمعات، فلا يعول على تقدم في قطاع فيما قطاع آخر أو قطاعات رديفة لا تزال ترزح تحت ضغوطات واستحقاقات الماضي في بون شاسع يتطلب المنطق والواقع وحصيلة التجارب والخبرات من حولنا ردمها وانطلاقتها في مسار واحد ورؤية تتسم بالشمولية نحو المستقبل.

      Source: alwatan.com/details/436553