للكاتب/سعيد مكي
ربما بدا هذا الكون بناءً رائعاً له بنيته الثابتة ، ونظامه المستقر والمكرر ، الذي يعبر عنه اطراد قوانين الطبيعة واستقرارها . لكنه أبداً لم يكن كذلك ! إنه صورة هائلة تراها قابليتنا للتجريد والإبتكار ، وبناؤه المحكم هو خاصية لذلك التركيب المدهش الذي يتمتع به العقل .
وعلى هذا الأساس يمكننا تبرير الحياة بأسرها والنظر إليها من جديد على أنها مشاكل خاصة تعترض العقل أثناء عملية إسقاطه لذلك "الهولوغرام" المهيب – الحياة نفسها – داخل فراغ محدد كامن في ثنايا وجوده الغامض والغير معروف بالنسبة لنا حتى هذه اللحظة .
بهذا المنطق يصبح الوجود كله ، متضمناً حياتنا الإجتماعية ، وهماً ذاتياً يعيشه الفرد من خلال تلك الأداة الجبارة التي نسميها العقل .
إلا أن هذا الوهم يمتلك خاصية غريبة تميزه عن سائر الأنواع الأخرى .. إنه وهم جماعي .. وهم لا تعيش فيه بمفردك . وهم يشارككَ بخيراته مخلوقات أخرى تتطفل على غذائك الأثير فتتناول منه عدة رشفات قد تأتي عليه كله في نهاية الأمر.
لكن - لحسن الحظ - يملك كل إنسان ذلك القلب العميق الخاص به ، والذي لا يقوى أحد على مشاركته فيه . قلب من القوة حتى أنه يشكل قلعة غامضة كامنة في أعماق مملكة المجهول فيعجز حتى صاحبها نفسه عن سبر أغوارها .
قلب يختزن في طيَّاته الباردة القوانين الأولى .. قواعد لعبة العقل .. تلك التي حار في أمرها الفلاسفة ، فأسموها المسلمات الأولى للفكر حين اعترفوا بوجودها ، أو تداعيات عرضية حين أنكروا ذلك فأقاموا عالماً الفوضى قانونه الوحيد .
وبجوار تلك القوانين الصارمة ، فرسان المملكة الأشداء ، أشباح عديدة تحلق في السماء المكفهرة فتغمر فضاء الأرض كسحابة خلفها إعصار كاسح .
ومن ظل الأشباح الساقط على أرض مملكة المجهول ، تتولد احساسات العقل الأولى .. في أرض نائية نشأت وستبقى كذلك إلى الأبد .
من هذا المزيج المتناقض ، فرسان وأشباح ، تنشأ عواطف ومشاعر وأفكار الإنسان .. جنود يملئون الفراغ اللامتناهي خارج أسوار قلعة الباطن المظلم .
لقد كان من الضروري أن توجد في أعماق أي واحد منا منطقة نائية كهذه بعيداً عن متناول الجميع ، بما فيهم أصحابها أنفسهم ، لأنه لو اتفق أن للذات العارفة القدرة على أن تدرك كل ما انطوى بداخلها فإنها ستصبح مارداً قاهراً يسيطر تماماً على ما بداخل مملكة العقل ، فتتحول الذات إلى وضعية "الخصوصية المطلقة" بحيث يستحيل معها أن تعترف بوجود ذوات أخرى ، لأنها تنزع - والحالة هذه - إلى تفسير كل شيء خارج حدودها على أنه "إنعكاس" لنظرتها الخاصة إلى العالم الخارجي (هذا لو اعترفت بوجود مثل هذا العالم !) .
سيختفي كل أثر لما هو "مشترك" بين أفراد الجنس الواحد ، وسيغدو كل إنسان مقياس نفسه كما أراد "السوفسطائيين" أن يثبتوا ، فتغرق الحياة في فوضى رهيبة ، لأن معنى الحياة الجماعية نفسه سوف يزول ، ويغدو الوجود البشري بلا هدف ولا غاية مشتركة ، فلكل عقل غاياته الخاصة التي يبتكرها سيده (وهو هنا العقل الخاص بذلك الإنسان) .
هل يمكن تصور هذا العالم الذي لا يحتوي ذاتاً عامة فاعلة مشتركة توحد عناصره ؟!
أمن الممكن تخيل وجود عالم من الأفراد حيث لا عقل عام (كعقل هيجل المطلق في فلسفة متطرفة) يمثل أرضية قاعدة صلبة ترجع لها الذوات المختلفة حين نتفاعل مع بعضها البعض ؟
إن عالماً كهذا لا يجوز به حتى التفكير ، لأن العقل إذ يلجأ لمعالجة مسألة معينة فإنه يعمد إلى التعامل مع وحدات موضوعية يبني من خلالها المسألة نفسها . إذا انتفى وجود عقل مشترك أصبح من المستحيل الإتفاق على معنى موحد أو مشترك لهذه الوحدات (التي أصبح من الخطل تسميتها الآن "موضوعية") . أكثر من هذا .. فإنه لم يعد من الممكن التعامل مع أي معنى مجرد منفصل عن طبيعة الأشياء ، أي أنه لا وجود الآن "لأسماء" أو "رموز" للأشياء المختلفة لأنه لا يمكن الإنفاق على معنى واحد لها وبذلك تنهار اللغة فينهار أو يختفي على الفور التفكير نفسه .
ما معنى عالم من العقول لا يمكن للتفكير أن يقوم فيه ؟
هذا – ببساطة – عالم لا يمكن وجوده .. هو تناقض منطقي يجب إزالته بإزالة مقدماته المغلوطة ، وهي افتراض عدم وجود منطقة داخل العقل مجهولة حتى بالنسبة لصاحبها .
ولتوضيح سبب استحالة وجود مثل هذا العالم دعونا نعود لفحص أسس عملية التفكير نفسها التي اكتشفها سقراط .
بداية فمن أجل تكوين فكرة محددة عن شيء ما (أو قل معرفة) يجب أن نمتلك "معلومات" محددة عنه . الطريقة اليتيمة للحصول على مثل هذه المعلومات تكمن في حواس الإنسان ، البوابة الوحيدة المتاحة له للتفاعل مع العالم الخارجي ، وعندها نطلق على هذه المعلومات "بيانات حسية" Sense Data نقوم بتحليلها ومعالجتها باستخدام العقل للوصول إلى المعرفة . لكن نظراً لإستحالة الثقة بالحواس كمصدر للمعرفة (لإختلاف البيانات الحسية الصادرة عن نفس الموضوع من شخص إلى آخر) فإنه يجب البحث عن وسيلة أخرى للوصول إلى أي شكل صالح من أشكال المعرفة . الطريقة التي اكتشفها سقراط ، ربما لأول مرة ، هي أن ينتزع العقل معانِ مجردة من خلال تأمله الأشياء بواسطة الحواس . فمثلاً ينتزع العقل من كل صخور الأرض معنى مشتركاً جامعاً يحتوي بداخله مرة واحدة على كل صفات الصخر التي شكلها العقل من البيانات الحسية ، كالقساوة والملمس واللون .. إلخ .
الآن .. إذا لم يوجد اتفاق بين العقول المختلفة على معنى واحد لعملية التجريد هذه ، فإنه يصبح من المستحيل الزعم بوجود "معنى" للصخر ! بعبارة أخرى يصبح للصخور معانِ مختلفة ، وبما أن المعنى تعبير عقلي مجرد مكافئ للشيء المراد التعبير عنه ، يصبح الصخر - وهو شيء واحد - أشياء متعددة ، وهذا تناقض يجعل من المستحيل على العقل ، حتى لو كان منفرداً غارقاً بخصوصية مطلقة ، أن يمضي قدماً في عملية التفكير .
بالتالي ، يصبح الشرط الوحيد لإمكان التفكير ، ومن ثم المعرفة ، هو الرجوع إلى العقل بمعناه "المشترك" Common وليس الذاتي .
يشكل - إذن - ذلك القلب المجهول نقطة ينطلق منها العقل لبناء العالم من ناحية ، وقاعدة مشتركة مع العقول الأخرى يمكن بواسطتها أن تتكون اللغة والتفكير المشترك ، من ناحية أخرى .
ربما يعترض البعض على هذه الصورة بقولهم أنه ليس من الضروري إفتراض أن العقل إذا أدرك ذلك "القلب" فإن ذلك سيستتبع بالضرورة إلغاء الوجود الموضوعي المستقل لذوات أخرى ، إذ يكفي أن "نعقل" تلك الدنيا الخفية ، ثم نعترف بوجودها كقاعدة نحقق من خلالها الوظائف الضرورية التي نسبناها إليها دون أي إفتراض لوجود سيطرة مطلقة عليها !
في الحقيقة لا يمكن لإنسان أن يخلق نظاماً من الفوضى ، فينسب وجود كل الأشياء إلى العقل ، ثم ينفي إمكانية وجود حقيقة خفية مستقلة داخل دنيا العقل نفسه . سنوضح المقصود بهذا في الفقرات التالية.
إن معنى "خفية" هو أنها لا تُعقل ، ومعنى أن نعقل شيء هو أن نتمكن من تقديم توضيح وتفسير منطقيين متكاملين لذلك الشيء ، وبنفس الوقت مستقلين عنه .
النقطة الأساسية هي افتراضنا استحالة أن يعقل العقل حقيقة مطلقة في داخله ، لأنه لو فعل فسيصل للحالة القصوى من المعرفة Ultimate State of knowledge التي تجعله يفترض أن الذوات الأخرى - إن وجدت - لا تعدو أن تكون "ظواهر" خارجية Extrnal Subjects يمكن تعقلها . وإلا فلماذا تفترض هذه الذات وجود نظائر "مكافئين" لها بينما هي قادرة على تفسير كل شيء بالإعتماد على نفسها فقط ؟! إن الذات التي وصلت إلى الحدود القصوى للمعرفة هي ببساطة ذات مطلقة ، والمطلق لا يعترف بوجود مطلق غيره . بوجود المطلق ينمحي تماماً معنى الآخر ، ويستحيل الكون كله شيئاً واحداً هو ذات متوحدة على نفسها ، تضخمت حتى ابتلعت كل ما عداها !
أستطيع أن أسمع صوت معترض آخر يقول : لا أزال أتصور أن هذه الذات من الممكن أن تعترف بوجود الذوات الأخرى .. إن الإمكانية لوحدها تهدم برهانك بأكمله !
حسناً .. نحن نعلم أن المبحث الذي يندرج بداخله حديثنا السابق كله هو نظرية المعرفة ، وهي الشق الأساسي الثاني في الفلسفة حيث أيضاً بجانبها توجد الأنتولوجي أو علم الوجود Ontology .
في الأنتولوجي قسَّم الفلاسفة منذ أمد بعيد الأشياء إلى "واجب الوجود" و"ممكن الوجود" . الأول هو ما وجوده ضروري ولازم ، والثاني ما لا يستتبع عدم وجوده أي إستحالة منطقية . إن "واجب الوجود" يمثل القمة القصوى التي يمكن أن يبلغها أي عنصر من عناصر نظام أنتولوجي لأنه حقق الخاصية الكبرى فيه وهي وجوب الوجود وبنفسه . في نظرية المعرفة Theory of Knowldge يمكننا تصور موقف مماثل حيث هناك عنصر يمثل القمة القصوى للمعرفة ، وهو الذي أدرك المبادئ المطلقة للمعرفة إدراكاً كاملاً ، ولنسمي هذا العنصر "مطلق المعرفة" . يقابل "ممكن الوجود" في الأنتولوجي "القابل للمعرفة" في الإبستمولوجي Epistomology ، وهو يمثل - كما هو واضح من إسمه - أشياء لها القابلية أن تُعقل .
الآن .. سوف أثبت أن العنصر "المطلق المعرفة" The Absolute Element of Knowledge يجب أن يكون وحيداً Unique .
لو فرضنا جدلاً وجود ذوات أخرى مطلقة المعرفة فإن صاحبنا الأصلي - مطلق المعرفة - يجب أن يعقلها (لأن تعريفه يُلزم هذا) ، ولكن بما أنها قد عُقلت من قبل ذوات أخرى فإنها – بالتعريف أيضاً – قابلة للمعرفة ، فتصبح مطلقة المعرفة وقابلة للمعرفة في نفس الوقت ، وهذا تناقض ! إن هذا يماثل إلى حد بعيد البرهان الأنتولوجي القديم على وجود الله الذي يثبت أن واجب الوجود (الله) لا مُوجد له من قبل .
سأثبت هذا الآن بطريقة أخرى أبسط . افترض أن المحظور قد وقع ، أي أن العقل يدرك ويعلم حقيقة قلبه الأساسي ، أي قواعد الفكر الأولى والإحساسات . السؤال الآن هو كيف يمكن أن يعقل القواعد مثلاُ دون أن يستخدمها نفسها في عملية التعقل هذه ؟!
كيف يمكننا أن نعقل قانون العلية Cuasality Law مثلاً دون أن نستخدم قانون عدم التناقض (الشيء ونقيضه لا يحملان نفس القيمة المنطقية من صواب أو خطأ) ، أو حتى قانون العلية نفسه (إذ في سبيل أن نعقل القانون نؤمن بداية بوجود تفسير "عِلِّي" للأشياء) ؟! إذن نحن نستخدم الأشياء التي نريد إثباتها (تعقلها أو إدراكها) في إثبات نفسها وهذا مستحيل ! الحل الوحيد هو افتراض وجود مجموعة أخرى من القواعد الأولى للفكر ، غير التي نعرفها ، بحيث تُستخدم للوصول إلى تلك التي نعرفها ، إلا أن هذه القواعد لا بد أن تكون مجهولة وإلا عدنا لنفس التناقض السابق إذا أردنا أن نفسر كيف يمكن للعقل أن يعقلها بدوره ، وبالتالي ننتهي إلى عكس النتيجة التي افترضنا أنها صحيحة في البداية وهي أن العقل يعقل حقيقته الأساسية .
بهذا التصور ، أحاول أن أقدم خياراً بديلاً عن الوجودية Exitentialism التي غزت التفكير الفلسفي – ومن ثم الأدبي – في القرن العشرين . هذا التفكير الذي غرق في بحث الذات بعد أن أحال كل مشاكل الكون والحياة إلى مشاكل إنسانية بحتة (ولكن ليس بالمعنى الكانطي الذي يشير إلى أن العقل هو مركز الكون لأنه يبني بنفسه جميع الصور التي تنقلها إليه الحواس بما في ذلك الزمان و المكان ذاتهما) .
لقد أضحت الوجودية شكلاً من أشكال التعذيب المتعمد للإنسان يحاول "فلسفة" المشاعر والأفكار العادية العميق منها والسطحي . بالنسبة لي ، فإن الوجودية هي شكل متقدم جداً من أشكال التعبير الأدبي والفني الذي يحاول الغوص إلى أعمق أعماق الذات باحثاً – بلا جدوى – عن ملجأ أو مهرب من الضغوط النفسية الرهيبة التي تحملها لنا الحضارة المادية المعاصرة . لكنها – أي الوجودية – لا ترتقي إلى مستوى الفلسفة الحقيقي لتقارع أنظمة كانت أو هيجل أو شوبنهاور أو برغسون ، لأنها تبحث في عواطف الإنسان ومشاعره بشكل فج وصريح أكثر من اللازم .
العواطف الإنسانية موضوع من موضوعات الفلسفة ، لكن فهمها – داخل إطار الفلسفة - يستلزم في البداية نزع القشرة الضبابية المحيطة بها والتي تحول دون إدراك البنية الرياضية (العقلية بالتالي) التي تتشكل منها . إن الوجودية لا تحاول حل المشكلة لأنها تكتفي بالوصف فقط موظفة سلسلة من العبارات والتراكيب الفنية المعقدة أشد التعقيد ، والتي تعجز في النهاية عن تقديم أي حل جوهري للمعضلة الإنسانية .
بإثبات أن هناك مكاناً ما ، داخل الوعي أو العقل عموماً ، بمنأى عن عبث الإنسان ، فإنني أقدم الضمانة الأخيرة بأن لا يقودنا العقل إلى الجنون . هذا العقل الذي شغفته محاولات الفلسفة ، منذ أقدم الأحقاب ، لتقصي الكون والمحيط الخارجي ، فاتَّجه ، لا يعُوِّل على أي شيء ، نحو كينونته الخاصة ينقِّب بها بمعاوله وفؤوسه باحثاً عن "الحقيقة المطلقة" ، وقد اعتراه الهلع وحلت به الهستيريا عندما أدرك أخيراً - بعد قرون من العمل الشاق - أنه لم يعثر على شيء !
ينظر المسافر بطائرة تحلق على ارتفاع آلاف الأميال عن سطح الأرض من شباك طائرته إلى المحرك بخوف ورهبة . إنه يدرك تماماً أن عمل هذه الآلة بالطريقة الصحيحة هو الشيء الوحيد الذي يبقيه على قيد الحياة . لن يفكر أبداً ، وهو هكذا معلق بين السماء والأرض ، بأن يفتش عن طريقة أو مبدأ عمل هذه الآلة . سينتابه شعور جارف بالهلع إذا طرح عليه أحدهم فكرة أن يقوم برحلة استكشافية داخل المحرك لفهم تركيبه وديناميكيته الداخليين . لن يتمكن من منع نفسه من التفكير في إمكانية توقف المحرك عن العمل إذا قام بذلك ، حتى لو أقسم له أحدهم بأغلظ الأيمان باستحالة أن يتعطل هذا الجهاز .
و كمَثَل هذا الإنسان ، في رحلته و طيرانه في فضاء الكون . إنه يحلق بعقله عبر كل الأجواء ، إلا أنه لم يخلق عقله أو يبتكر طريقة عمله . إنه ينظر برهبة لذلك القلب العميق الذي تنبعث منه كل عمليات وأنشطة العقل الجبارة . إنه مذهول من تلك القدرة العجيبة – التي تبدو للجميع بلا حدود – على التحليق فوق أراضِ بكر جديدة ، بلا كلل أو ملل ، فتعبر فوقها سفينة العقل ماسحة بطريقها كل الإحتمالات والإمكانيات المختلفة لعالم في غاية التعقيد . أي رعب يجتاح كيانه إذا حاول الوصول إلى ذلك القلب الغامض .. المحرك الأولي لكل الأحداث !
وهكذا .. في ثنايا العقل يوجد المطلق ، إلا أن الوصول إليه مستحيل . في ذواتنا يكمن اللامحدود ، إلا أننا نعجز حتى عن الإقتراب منه .
في داخلنا يحيا المجهول إلا أن رعبنا حكم عليه بأن يبقى في دائرة الظل .. إلى الأبد .
~!@@ah
ربما بدا هذا الكون بناءً رائعاً له بنيته الثابتة ، ونظامه المستقر والمكرر ، الذي يعبر عنه اطراد قوانين الطبيعة واستقرارها . لكنه أبداً لم يكن كذلك ! إنه صورة هائلة تراها قابليتنا للتجريد والإبتكار ، وبناؤه المحكم هو خاصية لذلك التركيب المدهش الذي يتمتع به العقل .
وعلى هذا الأساس يمكننا تبرير الحياة بأسرها والنظر إليها من جديد على أنها مشاكل خاصة تعترض العقل أثناء عملية إسقاطه لذلك "الهولوغرام" المهيب – الحياة نفسها – داخل فراغ محدد كامن في ثنايا وجوده الغامض والغير معروف بالنسبة لنا حتى هذه اللحظة .
بهذا المنطق يصبح الوجود كله ، متضمناً حياتنا الإجتماعية ، وهماً ذاتياً يعيشه الفرد من خلال تلك الأداة الجبارة التي نسميها العقل .
إلا أن هذا الوهم يمتلك خاصية غريبة تميزه عن سائر الأنواع الأخرى .. إنه وهم جماعي .. وهم لا تعيش فيه بمفردك . وهم يشارككَ بخيراته مخلوقات أخرى تتطفل على غذائك الأثير فتتناول منه عدة رشفات قد تأتي عليه كله في نهاية الأمر.
لكن - لحسن الحظ - يملك كل إنسان ذلك القلب العميق الخاص به ، والذي لا يقوى أحد على مشاركته فيه . قلب من القوة حتى أنه يشكل قلعة غامضة كامنة في أعماق مملكة المجهول فيعجز حتى صاحبها نفسه عن سبر أغوارها .
قلب يختزن في طيَّاته الباردة القوانين الأولى .. قواعد لعبة العقل .. تلك التي حار في أمرها الفلاسفة ، فأسموها المسلمات الأولى للفكر حين اعترفوا بوجودها ، أو تداعيات عرضية حين أنكروا ذلك فأقاموا عالماً الفوضى قانونه الوحيد .
وبجوار تلك القوانين الصارمة ، فرسان المملكة الأشداء ، أشباح عديدة تحلق في السماء المكفهرة فتغمر فضاء الأرض كسحابة خلفها إعصار كاسح .
ومن ظل الأشباح الساقط على أرض مملكة المجهول ، تتولد احساسات العقل الأولى .. في أرض نائية نشأت وستبقى كذلك إلى الأبد .
من هذا المزيج المتناقض ، فرسان وأشباح ، تنشأ عواطف ومشاعر وأفكار الإنسان .. جنود يملئون الفراغ اللامتناهي خارج أسوار قلعة الباطن المظلم .
لقد كان من الضروري أن توجد في أعماق أي واحد منا منطقة نائية كهذه بعيداً عن متناول الجميع ، بما فيهم أصحابها أنفسهم ، لأنه لو اتفق أن للذات العارفة القدرة على أن تدرك كل ما انطوى بداخلها فإنها ستصبح مارداً قاهراً يسيطر تماماً على ما بداخل مملكة العقل ، فتتحول الذات إلى وضعية "الخصوصية المطلقة" بحيث يستحيل معها أن تعترف بوجود ذوات أخرى ، لأنها تنزع - والحالة هذه - إلى تفسير كل شيء خارج حدودها على أنه "إنعكاس" لنظرتها الخاصة إلى العالم الخارجي (هذا لو اعترفت بوجود مثل هذا العالم !) .
سيختفي كل أثر لما هو "مشترك" بين أفراد الجنس الواحد ، وسيغدو كل إنسان مقياس نفسه كما أراد "السوفسطائيين" أن يثبتوا ، فتغرق الحياة في فوضى رهيبة ، لأن معنى الحياة الجماعية نفسه سوف يزول ، ويغدو الوجود البشري بلا هدف ولا غاية مشتركة ، فلكل عقل غاياته الخاصة التي يبتكرها سيده (وهو هنا العقل الخاص بذلك الإنسان) .
هل يمكن تصور هذا العالم الذي لا يحتوي ذاتاً عامة فاعلة مشتركة توحد عناصره ؟!
أمن الممكن تخيل وجود عالم من الأفراد حيث لا عقل عام (كعقل هيجل المطلق في فلسفة متطرفة) يمثل أرضية قاعدة صلبة ترجع لها الذوات المختلفة حين نتفاعل مع بعضها البعض ؟
إن عالماً كهذا لا يجوز به حتى التفكير ، لأن العقل إذ يلجأ لمعالجة مسألة معينة فإنه يعمد إلى التعامل مع وحدات موضوعية يبني من خلالها المسألة نفسها . إذا انتفى وجود عقل مشترك أصبح من المستحيل الإتفاق على معنى موحد أو مشترك لهذه الوحدات (التي أصبح من الخطل تسميتها الآن "موضوعية") . أكثر من هذا .. فإنه لم يعد من الممكن التعامل مع أي معنى مجرد منفصل عن طبيعة الأشياء ، أي أنه لا وجود الآن "لأسماء" أو "رموز" للأشياء المختلفة لأنه لا يمكن الإنفاق على معنى واحد لها وبذلك تنهار اللغة فينهار أو يختفي على الفور التفكير نفسه .
ما معنى عالم من العقول لا يمكن للتفكير أن يقوم فيه ؟
هذا – ببساطة – عالم لا يمكن وجوده .. هو تناقض منطقي يجب إزالته بإزالة مقدماته المغلوطة ، وهي افتراض عدم وجود منطقة داخل العقل مجهولة حتى بالنسبة لصاحبها .
ولتوضيح سبب استحالة وجود مثل هذا العالم دعونا نعود لفحص أسس عملية التفكير نفسها التي اكتشفها سقراط .
بداية فمن أجل تكوين فكرة محددة عن شيء ما (أو قل معرفة) يجب أن نمتلك "معلومات" محددة عنه . الطريقة اليتيمة للحصول على مثل هذه المعلومات تكمن في حواس الإنسان ، البوابة الوحيدة المتاحة له للتفاعل مع العالم الخارجي ، وعندها نطلق على هذه المعلومات "بيانات حسية" Sense Data نقوم بتحليلها ومعالجتها باستخدام العقل للوصول إلى المعرفة . لكن نظراً لإستحالة الثقة بالحواس كمصدر للمعرفة (لإختلاف البيانات الحسية الصادرة عن نفس الموضوع من شخص إلى آخر) فإنه يجب البحث عن وسيلة أخرى للوصول إلى أي شكل صالح من أشكال المعرفة . الطريقة التي اكتشفها سقراط ، ربما لأول مرة ، هي أن ينتزع العقل معانِ مجردة من خلال تأمله الأشياء بواسطة الحواس . فمثلاً ينتزع العقل من كل صخور الأرض معنى مشتركاً جامعاً يحتوي بداخله مرة واحدة على كل صفات الصخر التي شكلها العقل من البيانات الحسية ، كالقساوة والملمس واللون .. إلخ .
الآن .. إذا لم يوجد اتفاق بين العقول المختلفة على معنى واحد لعملية التجريد هذه ، فإنه يصبح من المستحيل الزعم بوجود "معنى" للصخر ! بعبارة أخرى يصبح للصخور معانِ مختلفة ، وبما أن المعنى تعبير عقلي مجرد مكافئ للشيء المراد التعبير عنه ، يصبح الصخر - وهو شيء واحد - أشياء متعددة ، وهذا تناقض يجعل من المستحيل على العقل ، حتى لو كان منفرداً غارقاً بخصوصية مطلقة ، أن يمضي قدماً في عملية التفكير .
بالتالي ، يصبح الشرط الوحيد لإمكان التفكير ، ومن ثم المعرفة ، هو الرجوع إلى العقل بمعناه "المشترك" Common وليس الذاتي .
يشكل - إذن - ذلك القلب المجهول نقطة ينطلق منها العقل لبناء العالم من ناحية ، وقاعدة مشتركة مع العقول الأخرى يمكن بواسطتها أن تتكون اللغة والتفكير المشترك ، من ناحية أخرى .
ربما يعترض البعض على هذه الصورة بقولهم أنه ليس من الضروري إفتراض أن العقل إذا أدرك ذلك "القلب" فإن ذلك سيستتبع بالضرورة إلغاء الوجود الموضوعي المستقل لذوات أخرى ، إذ يكفي أن "نعقل" تلك الدنيا الخفية ، ثم نعترف بوجودها كقاعدة نحقق من خلالها الوظائف الضرورية التي نسبناها إليها دون أي إفتراض لوجود سيطرة مطلقة عليها !
في الحقيقة لا يمكن لإنسان أن يخلق نظاماً من الفوضى ، فينسب وجود كل الأشياء إلى العقل ، ثم ينفي إمكانية وجود حقيقة خفية مستقلة داخل دنيا العقل نفسه . سنوضح المقصود بهذا في الفقرات التالية.
إن معنى "خفية" هو أنها لا تُعقل ، ومعنى أن نعقل شيء هو أن نتمكن من تقديم توضيح وتفسير منطقيين متكاملين لذلك الشيء ، وبنفس الوقت مستقلين عنه .
النقطة الأساسية هي افتراضنا استحالة أن يعقل العقل حقيقة مطلقة في داخله ، لأنه لو فعل فسيصل للحالة القصوى من المعرفة Ultimate State of knowledge التي تجعله يفترض أن الذوات الأخرى - إن وجدت - لا تعدو أن تكون "ظواهر" خارجية Extrnal Subjects يمكن تعقلها . وإلا فلماذا تفترض هذه الذات وجود نظائر "مكافئين" لها بينما هي قادرة على تفسير كل شيء بالإعتماد على نفسها فقط ؟! إن الذات التي وصلت إلى الحدود القصوى للمعرفة هي ببساطة ذات مطلقة ، والمطلق لا يعترف بوجود مطلق غيره . بوجود المطلق ينمحي تماماً معنى الآخر ، ويستحيل الكون كله شيئاً واحداً هو ذات متوحدة على نفسها ، تضخمت حتى ابتلعت كل ما عداها !
أستطيع أن أسمع صوت معترض آخر يقول : لا أزال أتصور أن هذه الذات من الممكن أن تعترف بوجود الذوات الأخرى .. إن الإمكانية لوحدها تهدم برهانك بأكمله !
حسناً .. نحن نعلم أن المبحث الذي يندرج بداخله حديثنا السابق كله هو نظرية المعرفة ، وهي الشق الأساسي الثاني في الفلسفة حيث أيضاً بجانبها توجد الأنتولوجي أو علم الوجود Ontology .
في الأنتولوجي قسَّم الفلاسفة منذ أمد بعيد الأشياء إلى "واجب الوجود" و"ممكن الوجود" . الأول هو ما وجوده ضروري ولازم ، والثاني ما لا يستتبع عدم وجوده أي إستحالة منطقية . إن "واجب الوجود" يمثل القمة القصوى التي يمكن أن يبلغها أي عنصر من عناصر نظام أنتولوجي لأنه حقق الخاصية الكبرى فيه وهي وجوب الوجود وبنفسه . في نظرية المعرفة Theory of Knowldge يمكننا تصور موقف مماثل حيث هناك عنصر يمثل القمة القصوى للمعرفة ، وهو الذي أدرك المبادئ المطلقة للمعرفة إدراكاً كاملاً ، ولنسمي هذا العنصر "مطلق المعرفة" . يقابل "ممكن الوجود" في الأنتولوجي "القابل للمعرفة" في الإبستمولوجي Epistomology ، وهو يمثل - كما هو واضح من إسمه - أشياء لها القابلية أن تُعقل .
الآن .. سوف أثبت أن العنصر "المطلق المعرفة" The Absolute Element of Knowledge يجب أن يكون وحيداً Unique .
لو فرضنا جدلاً وجود ذوات أخرى مطلقة المعرفة فإن صاحبنا الأصلي - مطلق المعرفة - يجب أن يعقلها (لأن تعريفه يُلزم هذا) ، ولكن بما أنها قد عُقلت من قبل ذوات أخرى فإنها – بالتعريف أيضاً – قابلة للمعرفة ، فتصبح مطلقة المعرفة وقابلة للمعرفة في نفس الوقت ، وهذا تناقض ! إن هذا يماثل إلى حد بعيد البرهان الأنتولوجي القديم على وجود الله الذي يثبت أن واجب الوجود (الله) لا مُوجد له من قبل .
سأثبت هذا الآن بطريقة أخرى أبسط . افترض أن المحظور قد وقع ، أي أن العقل يدرك ويعلم حقيقة قلبه الأساسي ، أي قواعد الفكر الأولى والإحساسات . السؤال الآن هو كيف يمكن أن يعقل القواعد مثلاُ دون أن يستخدمها نفسها في عملية التعقل هذه ؟!
كيف يمكننا أن نعقل قانون العلية Cuasality Law مثلاً دون أن نستخدم قانون عدم التناقض (الشيء ونقيضه لا يحملان نفس القيمة المنطقية من صواب أو خطأ) ، أو حتى قانون العلية نفسه (إذ في سبيل أن نعقل القانون نؤمن بداية بوجود تفسير "عِلِّي" للأشياء) ؟! إذن نحن نستخدم الأشياء التي نريد إثباتها (تعقلها أو إدراكها) في إثبات نفسها وهذا مستحيل ! الحل الوحيد هو افتراض وجود مجموعة أخرى من القواعد الأولى للفكر ، غير التي نعرفها ، بحيث تُستخدم للوصول إلى تلك التي نعرفها ، إلا أن هذه القواعد لا بد أن تكون مجهولة وإلا عدنا لنفس التناقض السابق إذا أردنا أن نفسر كيف يمكن للعقل أن يعقلها بدوره ، وبالتالي ننتهي إلى عكس النتيجة التي افترضنا أنها صحيحة في البداية وهي أن العقل يعقل حقيقته الأساسية .
بهذا التصور ، أحاول أن أقدم خياراً بديلاً عن الوجودية Exitentialism التي غزت التفكير الفلسفي – ومن ثم الأدبي – في القرن العشرين . هذا التفكير الذي غرق في بحث الذات بعد أن أحال كل مشاكل الكون والحياة إلى مشاكل إنسانية بحتة (ولكن ليس بالمعنى الكانطي الذي يشير إلى أن العقل هو مركز الكون لأنه يبني بنفسه جميع الصور التي تنقلها إليه الحواس بما في ذلك الزمان و المكان ذاتهما) .
لقد أضحت الوجودية شكلاً من أشكال التعذيب المتعمد للإنسان يحاول "فلسفة" المشاعر والأفكار العادية العميق منها والسطحي . بالنسبة لي ، فإن الوجودية هي شكل متقدم جداً من أشكال التعبير الأدبي والفني الذي يحاول الغوص إلى أعمق أعماق الذات باحثاً – بلا جدوى – عن ملجأ أو مهرب من الضغوط النفسية الرهيبة التي تحملها لنا الحضارة المادية المعاصرة . لكنها – أي الوجودية – لا ترتقي إلى مستوى الفلسفة الحقيقي لتقارع أنظمة كانت أو هيجل أو شوبنهاور أو برغسون ، لأنها تبحث في عواطف الإنسان ومشاعره بشكل فج وصريح أكثر من اللازم .
العواطف الإنسانية موضوع من موضوعات الفلسفة ، لكن فهمها – داخل إطار الفلسفة - يستلزم في البداية نزع القشرة الضبابية المحيطة بها والتي تحول دون إدراك البنية الرياضية (العقلية بالتالي) التي تتشكل منها . إن الوجودية لا تحاول حل المشكلة لأنها تكتفي بالوصف فقط موظفة سلسلة من العبارات والتراكيب الفنية المعقدة أشد التعقيد ، والتي تعجز في النهاية عن تقديم أي حل جوهري للمعضلة الإنسانية .
بإثبات أن هناك مكاناً ما ، داخل الوعي أو العقل عموماً ، بمنأى عن عبث الإنسان ، فإنني أقدم الضمانة الأخيرة بأن لا يقودنا العقل إلى الجنون . هذا العقل الذي شغفته محاولات الفلسفة ، منذ أقدم الأحقاب ، لتقصي الكون والمحيط الخارجي ، فاتَّجه ، لا يعُوِّل على أي شيء ، نحو كينونته الخاصة ينقِّب بها بمعاوله وفؤوسه باحثاً عن "الحقيقة المطلقة" ، وقد اعتراه الهلع وحلت به الهستيريا عندما أدرك أخيراً - بعد قرون من العمل الشاق - أنه لم يعثر على شيء !
ينظر المسافر بطائرة تحلق على ارتفاع آلاف الأميال عن سطح الأرض من شباك طائرته إلى المحرك بخوف ورهبة . إنه يدرك تماماً أن عمل هذه الآلة بالطريقة الصحيحة هو الشيء الوحيد الذي يبقيه على قيد الحياة . لن يفكر أبداً ، وهو هكذا معلق بين السماء والأرض ، بأن يفتش عن طريقة أو مبدأ عمل هذه الآلة . سينتابه شعور جارف بالهلع إذا طرح عليه أحدهم فكرة أن يقوم برحلة استكشافية داخل المحرك لفهم تركيبه وديناميكيته الداخليين . لن يتمكن من منع نفسه من التفكير في إمكانية توقف المحرك عن العمل إذا قام بذلك ، حتى لو أقسم له أحدهم بأغلظ الأيمان باستحالة أن يتعطل هذا الجهاز .
و كمَثَل هذا الإنسان ، في رحلته و طيرانه في فضاء الكون . إنه يحلق بعقله عبر كل الأجواء ، إلا أنه لم يخلق عقله أو يبتكر طريقة عمله . إنه ينظر برهبة لذلك القلب العميق الذي تنبعث منه كل عمليات وأنشطة العقل الجبارة . إنه مذهول من تلك القدرة العجيبة – التي تبدو للجميع بلا حدود – على التحليق فوق أراضِ بكر جديدة ، بلا كلل أو ملل ، فتعبر فوقها سفينة العقل ماسحة بطريقها كل الإحتمالات والإمكانيات المختلفة لعالم في غاية التعقيد . أي رعب يجتاح كيانه إذا حاول الوصول إلى ذلك القلب الغامض .. المحرك الأولي لكل الأحداث !
وهكذا .. في ثنايا العقل يوجد المطلق ، إلا أن الوصول إليه مستحيل . في ذواتنا يكمن اللامحدود ، إلا أننا نعجز حتى عن الإقتراب منه .
في داخلنا يحيا المجهول إلا أن رعبنا حكم عليه بأن يبقى في دائرة الظل .. إلى الأبد .
~!@@ah