بعض أسرار الحج

    • بعض أسرار الحج

      بعض أسرار الحج


      قد يبدو بادئ ذي بدء أن الحج عبادة رمزية غير معقولة المعنى، ولا ظاهرة الحكمة وأن ما يأتيه الإنسان من أعمال إنما هو امتثال للأمر، وإظهار للعبودية وقيام بحق الله (فحسب) ولكنه عند التأمل تتجلى أسراره وتظهر آثاره وتنكشف حكم الله في تشريعه، وأنه ما كان ليشرع لولا ما فيه من خير ومنافع للناس فهو نوع من السلوك أو من التدريب العملي على مجاهدة النفس من أجل الوصول إلى المثل الكامل، والاندماج في روحية خالصة، تمتلئ فيها القلوب بحب الله: والإخبات له، وتنطلق الحناجر هاتفة بذكره في نشيد علوي خالص لله لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك ، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك بينما يرتدي المرء ملابس خالية من الزينة، ومن كل ما يثير في النفس عوامل العجب والخيلاء وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني جبان وإني ضعيف، فقال: هلم إلى جهاد لا شوكة فيه: الحج.
      جاء في كتاب مختصر منهاج القاصدين ما موجزه عن اسرار الحج: اعلم أن في كل واحد من أفعال الحج تذكرة للمتذكر، وعبرة للمعتبر فمن ذلك أن يتذكر بتحصيل الزاد، زاد الآخرة من الأعمال.
      وليقصد بحجه وجه الله تعالى، بعيدا عن الرياء والسمعة.
      فإن الله سبحانه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا له وقد قال: ألا لله الدين الخالص
      فإذا فارق وطنه ودخل البادية وشهد تلك العقبات ، فليتذكر بذلك خروجه من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة ، وما بينها من الأهوال.
      ومن ذلك أن يتذكر وقت إحرامه وتجرده من ثيابه ، إذا لبس المحرم الإحرام لبس كفنه، وأنه سيلقى ربه على زي مخالف لزي أهل الدنيا.
      وإذا لبى، فليستحضر بتلبيته إجابة الله تعالى، إذ قال: وأذن في الناس بالحج وليرج القبول، وليخش عدم الإجابة.
      وكذلك إذا وصل إلى بيت الله الحرام، ينبغي أن يرجو الأمن من العقوبة ، وأن يخشى أن لا يكون من أهل القرب، غير أنه ينبغي أن يكون الرجاء غالبا عليه، لأن كرم الله سبحانه عميم، وحق الزائر مرعي، وذمام المستجير لا يضيع.

      ومن ذلك إذا رأى البيت الحرام، استحضر عظمته في قلبه ، وشكر الله تعالى على تبليغه رتبة الوافدين إليه وليستشعر عظمة الطواف في البيت فإنه صلاة.
      ويعتقد عند استلام الحجر الأسود أنه يبايع الله على طاعته، ويضم ذلك إلى عزيمته على الوفاء بالبيعة وليتذكر بالتعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم لجوء المذنب إلى سيده وقرب المحبة وقد أنشد بعضهم:



      ستور بيتك نيل الأمن منك وقد

      علقتها مستجيرا أيها البـارى
      وما أظنك لما أن علقت بهــا

      خوفا من النار، تدنيني من النار
      وها أنا جار بيت، أنت قلت لنا

      حجوا إليه، وقد أوصيت بالجار


      ومن ذلك: إذا سعى بين الصفا والمروة، ينبغي أن يتمثلهما بكفتي الميزان، وتردده بينهما في عرصات القيامة، أو تردد العبد إلى باب دار الملك، إظهارا لخلود خدمته، ورجاء الملاحظة بعين رحمته، وطمعا في قضاء حاجته.
      وأما الوقوف بعرفة: فاذكر بما ترى فيه من ازدحام الخلق، وارتفاع أصواتهم، واختلاف لغاتهم موقف القيامة، واجتماع الأمم في ذلك الموطن، واستشفاعهم. فإذا رميت الجمار: فأقصد بذلك الانقياد للأمر، وإظهار الرق والعبودية، ومجرد الامتثال من غير حظ النفس.
      وأما المدينة- المنورة- فإذا لاحت لك، فتذكر أنها البلدة التي اختارها الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وشرع إليها هجرته، وجعل فيها بيته، ثم مثل في نفسك مواضع أقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تردده فيها وتصور خشوعه وسكينته.
      فإذا قصدت زيارة القبر- بعد صلاة ركعتي تحية المسجد- فاستحضر مرتبته في قلبك، ثم سلم عليه واعلم بأن الله تعالى يرد عليه روحه ليرد عليك السلام كما جاء في الحديث الصحيح ا هـ بقليل من التصرف.