- (نعم ؛ أنا مشتاقٌ وعندي لوعةٌ ... ولكن مثلي لا يُذاعُ له سرُّ) وكأنما يغرس الكلمات في صحارى الذاكرة، ويرويها بماء الوجد المنساب عبر أودية الروح؛ أعاد المقطع نفسه مرارا حتى تيقن من استقرار جذورها في أعماقه. اصطحب فنجان قهوته إلى الشرفة؛ امتزجت رائحتها بنسائم الصُبح المتراقصة في أحضان شجرة الصفصاف؛ فرد جذعه على المقعد الخشبي، وأغمض عينيه مطلقاً أشرعة الخيال في محيطات الذكرى، وفاتحاً نافذة صغيرة يتسلل عَبْرها صوت "أم كلثوم" ليغسل بقايا نشوة متناثرة بين الجوانح. ليس من عاداته الاستماعُ إلى الموسيقى في الساعات الأولى من الصباح؛ صوت قادمٌ من الزاوية الموحشة في أقصى الجُرج النازف؛ أغراه بالبحث بين أحرف الكلمات عن تلك الذات المتسكعة على أرصفة الحنين. طالع شاشة الهاتف؛ ارتسمت على شفتيه ابتسامة فاترة قبل أن يحمل أوراقه ويغلق الباب خلفه.
- (