عوامل وحدة المسلمين وترك التعصب المذهبى المقيت ( للشيخ عبدالله القنوبي)

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • - حاولت فتح الرابط ولكن ربما كان هناك خطا في وضع الوصلة ولكن سوف انقل لكم ما في الوصلة بإذن الله تعالى وهو موضوع للشيخ الأستاذ عبدالله القنوبي حفظه الله

      اخوتي في الله في كل بقاع الدنيا، ايها المسلمون يا من تجمعنا بهم رابطة الاخوة الاسلامية، احييكم بأعظم تحية ، تحية الاسلام:
      فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
      فكم هو جميل ان نجتمع على مائدة الاسلام ورباط التقوى والعمل من اجل رفعة شأن الاسلام متناسين خلافاتنا المذهبية، وتعصباتنا الطائفية، راجعين الى اصول الاسلام التي تحكمنا وتؤلف بيننا، وكم هي من نعمة عظيمة امتن الله بها علينا في قوله ( لو انفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله الف بينهم انه عزيز حكيم ) .

      لقد تشتت كلمة المسلمين ، وطمع فيهم عدوهم وذهبت ريحهم، بسبب طغيان التعصب المذهبي المقيت، الذي اصبح يعلو على ضياء الاسلام ونوره الساطع .

      وللأسف فعلى كثرة الصفعات التي تتلقاها هذه الامة لم تستفق من رقدتها، ولم تهب من غفلتها، اعراضها تمزق، ومقدساتها تنتهك، والمسلم يأكل عرض اخيه، ويعلن عليه الحرب، ويشهر في وجهه اسنة التكفير، حتى اصبح التكفير بالمجان، لأتفه القضايا وابسط الخلاف ، وصدق من قال :
      امتي هل لك بين الأمم*** منبر للسيف او للقلمِ
      اتلقاك وطرفي مطرق*** خجلا من امسك المنصرم
      ِ
      ويقول آخر :
      عبادك في شرق البلاد وغربها***كأصحاب كهف في عميق سباتِ
      بأيدهمو نوران : ذكر وسنة*** فما بالهم في حالك الظلماتِ

      فإلى متى سنظل نتقاذف بالتهم والسباب؟! الى متى يكفر بعضنا بعضا؟! الى متى تطغى المذهبية على جوهر الاسلام، لننظر الى ما آلت اليه منتدياتنا ومناقشاتنا، مهاترات كلامية، وسب وشتم، وهذا يظهر عوار ذلك، والاخ يسخر من اخيه، لمجرد انه يخالفه في المذهب، لقد ظلمت النعارات المذهبية من قبلنا، فهل نرضى ان تعيش الاجيال هذا الظلم ، ولا تعرف من الاسلام الا الهمز والغمز، أوصل بنا الحال لدرجة ان يقول احدهم من سويداء قلبه: انه عندما يقرأ القرآن لا يشعر بذلك الاتصال الروحاني، وذلك المدد الرباني الذي يستجليه من آي القرآن، وانما همه من وراء الآي المصطلحات الكلامية العقيمة ، والتجسيم المقيت، والرد على هذا وذاك، ولذلك لم يشعر بطعم القرآن، الذي انزله الله شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين .

      ونزولا عند رغبة بعض الاخوة الكرام ، فأخوكم يتطفل على مائدتكم، لعرض بعض العوامل الصحيحة لجمع الامة الاسلامية على كلمة سواء، ولا ادعي انني سآتي بجديد ولكن الساعي الى وحدة الامة ولو بالكلمة هو مأجور بمشيئة الله ، ولمشاركاتكم الدور الاكبر لانجاح هذا المشروع العظيم، لنتعرف على مكمن ادوائنا، فنضع لها البلسم الشافي بمشيئة الله .

      وسيكون عرض الموضوع من خلال الجامعة الاسلامية التي سعى لوضع قواعدها امامنا العظيم نور الدين السالمي رحمه الله ، وكذا سائر علماء المسلمين المصلحين ، الجامعة التي استمدوا منهجها من هدي كتاب الله وسنة رسول الله عليه وعلى آله افضل الصلاة وازكى التسليم .

      سؤال من قبل الشيخ المجاهد سليمان الباروني من ابطال نفوسة بليبيا ، اشتهر بالعلم والشجاعة، موجه الى الامام نور الدين عبدالله بن حميد السالمي - رحمه الله تعالى :
      المرجو من حضرتكم ايها الاستاذ الذي سنعتمد على اقواله واقوال امثاله ممن تمسك بالمذهب المحترم امعان النظر في المقالة المحررة تحت عنوان ( الجامعة الاسلامية ) في جريدة الاسد الاسلامي الآتية اليكم مع هذا ، ثم بعد اطلاق الفكر بحثا وراء عين الحقيقة نطلب ابداء ما اقتضاه نظركم السامي من الجواب عن الاسئلة الاتية بايجاز غير مخل بالمراد ، خدمة للجامعة والدين، ولحضرتكم الثواب والشكر .
      - هل توافقون على ان من اقوى اسباب اختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها؟
      - على فرض الموافقة ،فهل يمكن توحيدها بالجمع بين اقوالها المتباينة، والغاء التعدد في هذا الزمن الذي نحن فيه احوج الى الاتحاد من كل شيء؟
      - وعلى فرض عدم امكان التوحيد ، فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة ؟
      - وأي بلد يليق فيه ابراز هذا الامر ؟
      - وفي كم سنة ينتج ؟
      - وكم يلزم له من المال تقريبا ؟
      - وكيف يكون ترتيب العمل فيه؟
      - وعلى كل حال فما الحكم في الساعي في هذا الامر شرعا وسياسة ، مصلح ام مفسد ؟

      فأجاب الامام السالمي رحمه الله :
      قد نظرنا في الحامعة الاسلامية، فإذا فيها كشف الغطاء عن حقيقة الواقع، فلله ذلك الفكر المبدي لتلك الحقائق .
      نعم نوافق ان منشأ التشتيت اختلاف المذاهب ، وتشعب الآراء ، وهوالسبب الاعظم في افتراق الامة، على حسب ما اقتضاه نظركم الواسع في بيان الجامهة الاسلامية .

      وللتفرق اسباب اخرى منها : التحاسد ،والتباغض ، والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها طلب الرياسة، والاستبداد بالأمر ، وهذا هو السبب الذي نشأ عنه افتراق الصحابة في اول الامر في ايام علي ومعاوية، ثم نشأ عنه الاختلاف في المذاهب .

      وجمع الامة على الفطرة الاسلامية بعد تشعب الخلاف ممكن عقلا، مستحيل عادة ، واذا اراد الله امرا كان ( لو انفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله الف بينهم انه عزيز حكيم ) .
      والساعي في الجمع مصلح لا محالة، واقرب الطرق له ان يدعو الناس الى ترك الالقاب المذهبية، ويحضهم على التسمي بالاسلام، فإن الدين عند الله الاسلام، فإذا اجاب الناس الى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية ولو بعد حين ، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه ، ويكون الحق اولا عند آحاد من الرجال، ثم يفشو شيئا فشيئا، حتى يرجع الى الفطرة وهي دعاية الاسلام التي بعث بها محمد عليه الصلاة والسلام، وتضمحل البدع شيئا فشيئا، فيصير الناس اخوانا ، ومن ضل فإنما يضل على نفسه .

      ولو اجاب الملوك والامراء الى ذلك لأسرع في الناس قبولهم، وكفيتم مؤونة المغرم، وان تعذر هذا من الملوك فالأمر عسر، والمغرم ثقيل .

      واوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي، ومتردد الملائكة، ومقصد الخاص والعام، حرم الله الآمن، لأنه مرجع الكل .

      وليس لنا مذهب الا الاسلام ، فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وان كان بغيضا، ونرد الباطل على من جاء به وان كان حبيبا، ونعرف الرجال بالحق، فالكبير عندنا من وافقه، والصغير من خالفه، ولم يشرع لنا ابن اباض مذهبا، وانما نسبنا اليه لضرورة التمييز، حين ذهب كل فريق الى طريق، واما الدين فهو عندنا لم يتغير والحمد لله .

      آيات القرآن الكريم تدعو إلى الوحدة وعدم التفرق
      لقد جاء القرآن الكريم مؤكداً على هذه الوحدة ، منادياً بها ، زاجراً عن التفرق والاختلاف ، ومن ذلك قوله تعالى:

      1- ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) (آل عمران/97، 98)

      قال قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش في تيسير التفسير ج2/134:
      (كونوا على دين الله بالاتباع بالإسلام والاعتقاد والطاعة والإخلاص ، وعن ابن مسعود: بالطاعة والجماعة ، فينجو من النار إلى الجنة)
      وقال: ( " ولا تفرقوا" لا تتفرقوا عن الإسلام بالاختلاف فيه ، ولا بذكر ما يزيل الألفة ، كتفرق الجاهلية بالحروب ، وتفرق أهل الكتاب بعد كونهم معه ... فالمؤمنون من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإيمان ، كالأخوة المنتسبين إلى أب واحد وأم واحدة ، والأول سبب للحياة الأبدية ، والثاني سبب للحياة الفانية ) اهـ.

      ويقول العلامة محمد رشيد رضا في المنار ج4/20:
      (إن المختار ما ورد في الحديث المرفوع من تفسير حبل الله بكتابه ، ومن اعتصم به كان آخذا بالإسلام ... فهو يجب علينا أن نجعل اجتماعنا ووحدتنا بكتابه ، عليه نجتمع ، وبه نتحد ، لا بجنسيات نتبعها ، ولا بمذاهب نبتدعها ، ولا بمواضعات نضعها ، ولا بسياسيات نخترعها ، ثم نهانا عن التفرق والانفصام بعد هذا الاجتماع والاعتصام ، لما في التفرق من زوال الوحدة ؛ التي هي معقد العزة والقوة ، وبالعزة يعتز الحق فيعلو في العالمين)

      وقال: (فكأنه قال: ولا تتفرقوا باتباع السبل غير سبيل الله الذي هو كتابه ، فمن تلك السبل المفرقة إحداث المذاهب والشيع في الدين ، كما قال: ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ )

      ويقول سيد قطب في ظلال القرآن ج1/442:
      ("واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا " هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن بها على الجماعة المسلمة الأولى ، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائماً ، وهو هنا يذكرهم هذه النعمة ، يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية أعداء ... وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة ، وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانا ، وما يمكن أن يجمع القلوب إلا أخوة في الله ، تصغر إلى جانبها الأحقاد التأريخية ، والثارات القبلية ، والأطماع الشخصية ، والرايات العنصرية ، ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال)

      - قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) (الأنعام/159)
      قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير ج14/8:
      (واعلم أن المراد من الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة ، وأن لا يتفرقوا في الدين ، ولا يبتدعوا البدع. وقوله (لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) فيه قولان: الأول: أنت منهم بريء وهم منك برآء ، وتأويله: إنك بعيد عن أقوالهم ومذاهبهم )

      وقال العلامة الطبرسي في مجمع البيان ج4/600:
      (اختلف في المعنيين بهذه الآية على أقوال: ... وثالثها: أنهم أهل الضلالة وأصحاب الشبهات والبدع من هذه الأمة ، رواه أبو هريرة وعائشة مرفوعاً ، وهو المروي عن الباقر عليه السلام ، جعلوا دين الله أدياناً لإكفار بعضهم بعضاً ، وصاروا أحزاباً وفرقاٌ )

      وقال السيد محمد رشيد رضا في المنار ج8/213،214:
      (وتلا ذلك تذكيره لهم ولسائر المخاطبين بالقرآن بما ينتظر في آخر الزمان لكل من الأمم والأفراد ، ولما تمت بذلك الحجة ، ووضحت المحجة ، ذكَّــر تعالى جده وجل ثناؤه هذه الأمة بما هي عرضة له بحسب سنن الاجتماع ، من إضاعة الدين بعد الاهتداء به بمثل ما أضاعه به من قبلهم وهو الأختلاف والتفرق فيه بالمذاهب والآراء والبدع التي تجعلهم أحزاباً وشيعاً ، تتعصب كل منها لذهب من المذاهب أو إمام فيضيع العلم ، وتنفصم عروة وحدة الأمة الواحدة بعد أخوة الإيمان أمما متعادية ، ليس لها مرجع متفق عليه يجمع كلمتها ، فيحل بها ما حل بالأمم التي تفرقت قبلها).

      وقال: (وذهب آخرون إلى أنها في أهل البدع والفرق الإسلامية التي مزقت وحدة الإسلام بما استحدثت من النحل والمذاهب)

      وقال: (فجموع الأخبار والآثار الواردة في تفسيرها تدل على شمولها للتفرق في أصول الدين وفروعه وحكومته ، وتولي أهله بعضهم بعضاً ، فعصبية المذاهب الكلامية والفقهية كلها داخلة في ذلك كعصبية الخلافة والملك ، والعصبية الجنسية التي تفرق بين العربي والتركي والفارسي والهندي والملاوي الخ ؛ بحيث يعادي المسلمون بعضهم بعضاً ، ويقاتل بعضهم بعضاً ) اهـ.

      ومن مجموع كلام هؤلاء الأعلام يظهر التحذير واضحاً جليا من الفرقة والتحزب والتشيع إلى أشياع ، وأن هؤلاء ليسوا من الله في شيء وليسوا من الدين في شيء ، وليس نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام منهم في شيء ، أي أنهم بريئون منهم ومن اختلافهم ، فالدين واحد هو دين الإسلام ، وليس فيه هذا التفرق.


      - قوله تعالى ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) < الانعام / 153 >
      يقول القرطبي ج7 / 90 :
      " والصراط الطريق الذي هو دين الاسلام ( مستقيما ) معناه مستويا قويما لا اعوجاج فيه، فأمر باتباع طريقه الذي طرّقه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وشرعه، ونهايته الجنة، وتشعبت منه طرق ، فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج الى تلك الطرق أفضت به الى النار ... عن عبدالله بن مسعود قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا، ثم قال: ( هذه سبيل الله ) ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره، ثم قال: ( هذه سبل ، على كل سبيل منها شيطان يدعو اليها ) ثم قرأ هذه الآية .
      وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر اهل الملل واهل البدع والضلالات من اهل الاهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من اهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد " .

      ويقول الدكتور وهبة الزحيلي في تفسيره المنير ج8 / 104 :
      " واما آية ( وان هذا صراطي مستقيما ) فأرشدت الى ان كل ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم من دين الاسلام هو المنهج القويم والصراط المستقيم، وارشدت ايضا الى وجوب الاتحاد بين المؤمنين ، والتلاقي بينهم على ما امر الله به ، والتحذير من الاختلاف والفرقة واتباع غير سبيل الله ، وان الله اهلك الامم السابقة بالمراء والخصومات، ودلت الاية ايضا على ان كل ما كان حقا فهو واحد " .

      ويقول صاحب المنار ج8 / 196 :
      " ولما كان اتباع الصراط المستقيم، وعدم التفرق فيه هو الحق الموحِّد لأهل الحق الجامع لكلمتهم وتوحيدهم وجمع كلمتهم هو الحافظ للحق المؤيد له، والمعز لأهله- كان التفرق فيه بما ذكر سببا لضعف المتفرقين وذلهم وضياع حقهم - فبهذا التفرق حل بأتباع الانبياء السابقين ما حل من التخاذل والتقاتل والضعف وضياع الحق .

      وقد اتبع المسلمون سَنَنهم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى حل بهم من الضعف والهوان ما يتألمون منه ويتململون، ولم يردعهم عن ذلك ما ورد في التحذير منه في كتاب الله تعالى واحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم،وآثار الصحابة والتابعين، ولا ما حل بهم من البلاء المبين " .

      ويقول : " ( ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) أي ذلكم الامر باتباع صراط الحق المستقيم، والنهي عن سبيل الضلالات والاباطيل المعوجة، وهو جامع الوصايا النافعة البعيد المرمى، الموصل الى ما لا يحيط به الوصف من السعادة العظمى، وصاكم الله به ليعدكم ويهيئكم لما يُرجى لكل من اتبعه من اتقاء كل ما يشقيه ويرديه في دنياه وآخرته " .

      والايات في الدعوة الى الوحدة وعدم الفرقة كثيرة جدا لا يمكن استقصاؤها، وانما اردنا عرض بعضها، ثم نُثني بأحاديث سيد البشرية محمد بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .

      ( السنة النبوية تدعو الى الوحدة وذم الفرقة ) :
      - عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله ، ان هذه لموعظة مودع، فما تعهد الينا؟ فقال: ( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيع عنها بعدي الا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضوا عليها بالنواجذ، واياكم والامور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة ، وعليكم بالطاعة وان عبدا حبشيا ، فإنما المؤمن كالجمل الأنِف حيثما قيد انقاد ) اخرجه ابن ماجه.
      فهذا الحديث النوراني يوضح فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم - في موعظة بالغة ، حرصا على امته ان تصاب بما اصيبت به الامم من قبلها- يوضح بأنه ترك امته على المحجة البيضاء ، وهي الدين الحق والصراط المستقيم، من تمسك به نجا، ومن تركه غوى .

      وبين عليه الصلاة والسلام بأن من امتد به عمره فسيرى اختلافا كثيرا، ولكن المخلص من ذلك الاختلاف سنته وطريقته صلى الله عليه وسلم، وطريقة الخلفاء الراشدين، والصحابة المهتدين، رضوان الله عليهم اجمعين، واوصاهم ان يعضوا عليها بالنواجذ، وذلك كناية عن شدة الاتباع، وعظيم التمسك، كما ان فيه بيانا لكثرة اختلاف الامور والهرج والمرج الذي وقع في امته صلى الله عليه وسلم، اذ اصبح المختلفون كل منهم يدعي الحق، وان ما عداه باطل، فأصبح المتلمس للحقيقة في متاهة لا يعرف المخرج منها لكثرة الفتن والاختلاف، لولا نور القرآن وهدي سيد البشرية عليه الصلاة والسلام .

      وحذر صلى الله عليه وسلم من الابتداع في الدين ما لم يأذن به الله، فإن البدع هي الهلكة، ولا شك بأنها البدع المضلة التي تذر الحليم حيران، وتطغى على المنهج الرشيد، فتصير السنة منسية، وتصير البدعة من اسس الدين وركائزه عند اقوام ، فهذا الذي جعله صلى الله عليه وسلم يعظهم هذه الموعظة البالغة، ويوصيهم هذه الوصية الغالية،ورغم ذلك فإن امته لم تعمل بوصيته، فأصابهم ما اصابهم من الفرقة والتشتت والضعف .

      2- عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ان الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وان تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، واضاعة المال ) رواه الامام مسلم برقم ( 1715 ) .
      قال الامام النووي في شرح مسلم ج12/ 10 :
      " واما الاعتصام بحبل الله فهو التمسك بعهده ، وهو اتباع كتابه العزيز وحدوده، والتأدب بأدبه، ... واما قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا تفرقوا ) فهو امر بلزوم جماعة المسلمين، وتألف بعضهم ببعض، وهذه احدى قواعد الاسلام، واعلم ان الثلاثة المرضية :
      - احداها : ان يعبدوه .
      - ثانيها : ان لا يشركوا به شيئا .
      - ثالثها : ان يعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا " .
      3- عن عبدالله بن مسعود قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا، ثم قال: ( هذه سبيل الله ) ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره، ثم قال: ( هذه سبل ، على كل سبيل منها شيطان يدعو اليها ) ثم قرأ ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) رواه احمد والنسائي والبزار وابو الشيخ والحاكم ، وقد تقدم ذكره آنفا .

      4- عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ضرب الله مثلا صراطا مستقيما ، وعن جنبتي الصراط سوران فيهما ابواب مفتحة، وعلى الابواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: ايها الناس هلم ادخلوا الصراط المستقيم جميعا ولا تفرقوا، وداع يدعو من جوف الصراط ، فإذا اراد الانسان ان يفتح شيئا من تلك الابواب، قال له : ويحك لا تفتحه تلجه ( أي تدخله ) ، فالصراط الاسلام، والسوران حدود الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم ) رواه احمد والحاكم والنسائي .
      وفي هذا الحديث تحذير صارخ لكل من يحاول بث الفرقة ، والتشتت بعد الوحدة، واتباع السبل بدل الصراط المستقيم .

      الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين تدعو الى الوحدة وذم الفرقة
      لما للوحدة من اهمية في بناء الامة، وتوحيدها وجمع كلمتها، ولما للفرقة من التشتت والضياع فقد جاءت اقول السلف الصالح منوهة على هذه القضية تنويها بالغا :
      1- فقد ذكر الطبري في كتاب آداب النفوس ان رجلا قال لابن مسعود رضي الله عنه: ما الصراط المستقيم؟ فقال : تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في ادناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادّ ( جمع جادة وهي الطريق ) وعن يساره جوادّ، وثَم رجال يدعون من مر بهم ، فمن اخذ في تلك الجوادّ انتهت به الى النار، ومن اخذ على الصراط انتهى به الى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود ( وان هذا صراطي مستقيما ) الآية .
      2- وروى ابو داود بسنده عن سفيان قال: كتب رجل الى عمر بن عبدالعزيز رحمه الله يسأله عن القدر، فكتب اليه عمر :
      " اما بعد: فإني اوصيك بتقوى الله والاقتصاد في امره، واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك ما احدث المحدثون بعدما جرت به سنته، ، وكُفوا مؤونته، فعليك بلزوم الجماعة، فإنها لك بإذن الله عصمة .
      ثم اعلم انه لم يبتدع الناس بدعة الا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها او عبرة فيها، فإن السنة انما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق، فارضَ لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وانهم على كشف الامور كانوا اقوى، وبفضل ما كانوا فيه اولى .
      فإن كان الهدى ما اتنم عليه فقد سبقتموهم اليه، ولئن قلتم انما حدث بعدهم فما احدثه الا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، قد تكلموا فيه بما يكفي ، ووصفوا ما يشفي، ما دونهم من مقصر، وما فوقهم من مجسر، وقد صر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم اقوام فغلوا، وانهم مع ذلك لعلى صراط مستقيم

      بعد ما تقدم من عرض لنصوص الكتاب العزيز ونصوص السنة المطهرة واقوال السلف الصالح الداعية الى وحدة هذه الامة، ونبذ الشقاق والاختلاف من بينها ، فهيا بنا ندخل في صلب الموضوع الذين نحن بصدد الحديث عنه .
      ولقد تبين في مقدمة الحديث من خلال سؤال الشيخ الباروني ان الغيورين على دين الله كان مطمح آمالهم السعي لتكوين الجامعة الاسلامية ؛التي تؤلف ولا تفرق، وتجمع ولا تشتت، هذه الجامعة هي حلم المخلصين من مصلحي هذه الامة؛ حيث نرى كافة الامة بمختلف مذاهبها تأرز الى هذه الجامعة التي تمثل اصول الاسلام ودعائمه المتفق عليها عند الجميع ، متناسية فرقتها وخلافها .

      وسنتعرف بمشيئة الله فيما سيأتي من حديث على جهود علماء الامة في ايجاد هذه الجامعة الفتية، علّ الله يقيض من ابناء هذه الامة من يعيد مجدها، ويحذو حذو المصلحين المجاهدين .

      ولكن قيام هذه الجامعة منوط بعلاج ادواء هذه الامة، وذلك بمعرفة اسباب فرقتها واختلافها، فإنه لا يمكن القيام بأمر هذه الامة الا بعد معرفة دائها ودوائها، فإذا عُرفت ادواؤها سهل علاجها، اما اذا خفي الداء فقد يستعصي العلاج ، ومن المعلوم بأنه لا يمكن البناء الا بعد ازالة العوائق، لأن التحلي يأتي بعد التخلي، فقبل ان تتحلى هذه الامة بالفضائل،وذلك بوحدتها واجتماعها، فلا بد ان تتخلى عن اسباب انهيارها وضعفها واختلافها، وهذا ما سيأتي بيانه في ما يأتي من حديث .

      ( أسباب ضعف المسلمين وتفرقهم )
      ان معرفة الداء يسهل ايجاد الدواء، فهيا بنا نتعرف على سبب داء التفرق والتشرذم الذي اصبنا به، من ثَم نستطيع ان نوجد له العلاج الناجع من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
      في اول سؤال توجه به الشيخ الباروني للإمام السالمي رحمه الله ، بعد ان عرض عليه فكرة الجامعة الاسلامية التي هي مظلة الجميع ان استظلوا بظلها، جاء سؤاله كالآتي :

      هل توافقون على ان من اقوى اسباب اختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها؟

      فجاء جواب الامام السالمي رحمه الله، واضعا النقاط على الحروف، فقد اشاد بفكرة الجامعة الاسلامية ايما اشادة، حيث قال :
      ( قد نظرنا في الجامعة الاسلامية، فإذا فيها كشف الغطاء عن حقيقة الواقع، فلله ذلك الفكر المبدي لتلك الحقائق ) اهـ.

      وكيف لا يرغب هذا العالم الجليل في توحيد كلمة المسلمين ، وهو يرى ما حل بالمسلمين من الاختلاف والفرقة، لقد كان باع الامام السالمي واسعا، وفكره نيرا، فهو الذي خبر احوال امته، واطلع على دسائس اعدائها، فقد الف في ذلك رسالة قيمة بعنوان ( بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود ) وهذه الخبرة الواسعة، والمعرفة الدقيقة بأحداث امته الجسام جعلته يسعى للرجوع بالناس الى عهد الرعيل الاول ؛ الذي كان يعيش حياة النور والضياء النبوي، ولقد استطاع رحمه الله ان يجعل حلمه حقيقة واقعة في دولة فتية عظيمة ، طبقت المنهج الرباني ، والتزمت بالكتاب والسنة، واقامت حدود الله في الارض، وذلك في دولة إمامة عمان .

      لذلك استطاع هذا العالم الجليل ان يشخص علل امته الكامنة ويسطرها بيراعه وقوة ايمانه ، فقال مبينا لتلك العلل :

      " نعم نوافق ان منشأ التشتيت اختلاف المذاهب ، وتشعب الآراء ، وهو السبب الاعظم في افتراق الامة، على حسب ما اقتضاه نظركم الواسع في بيان الجامعة الاسلامية .
      وللتفرق اسباب اخرى منها : التحاسد ،والتباغض ، والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها طلب الرياسة، والاستبداد بالأمر " .

      ومن هذه الاجابة الشافية الكافية يمكن ان نلخص اسباب الفرقة في النقاط الآتية :
      1- اختلاف المذاهب ، وتشعب الآراء .
      2- التحاسد.
      3- التباغض .
      4- التكالب على الحظوظ العاجلة .
      5- طلب الرياسة والاستبداد بالأمر .

      وبمثل هذا التشخيص المبدع الذي اتى به هذا المصلح العظيم، رأينا العلامة السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار المجلة الاصلاحية، يشخص جملة من تلك العلل، وهذا الرجل العملاق هو امتداد لمدرسة الامام محمد عبده وجمال الدين الافغاني اللذين كونا مجلة العروة الوثقى؛ التي بثت فكرة الجامعة الاسلامية ، وحاولت اقامة دولة اسلامية موحدة .

      فمما جاء من كلام السيد محمد رشيد رضا في تفسير المنار ج8/ 217 قوله تحت عنوان ( تطبيق او اطباق في اسباب افتراق المسلمين وما آل اليه ) :
      " لافتراق هذه الامة في دينها وما تبعه من ضعفها في دنياها اربعة اسباب كلية :
      1- السياسة والتنازع على الملك .
      2- عصبية الجنس والنسب .
      3- عصبية المذاهب في الاصول والفروع .
      4- القول في دين الله بالرأي .
      5- وهناك سبب خامس قد دخل في كل منها ، وهو دسائس اعداء هذا الدين وكيدهم له " .

      وهذا الوصف العجيب لأسباب افتراق الامة من صاحب المنار ليس بغريب، وهو الرجل الذي شمر عن ساعدي الجد في الاصلاح وتوحيد الامة حتى آخر نفس من حياته .

      وانا اذ ننسى شيئا، فلا ننسى المجهود الذي بذله الداعية المصلح والشاعر الكبير الشيخ ابو مسلم البهلاني في مجلته النجاح، وما صدع به من حق، واستصراخه بأمته حتى تهب من رقدتها، وتستفيق من سكرتها .

      وغير هؤلاء كثير وكثير، ممن سعوا في الاصلاح لو عددنا اسماءهم لم نستطع لها حصرا، وستأتي كلماتهم مبثوثة اثناء عرض الموضوع بمشيئة الله .

      وبما ان المصلحين السالمي وصاحب المنار قد تقاربا في تشخيص امراض هذه الامة فسنقتصر على ما اتيا به، ونحلله سببا سببا وعلة علة ، وسنبدأ بمشيئة الله بأولها ، وهو اختلاف المذاهب ، وتشعب الآراء ،ونشوء الفرق المتعددة .
      عوامل ضعف المسلمين :
      أولها : اختلاف المذاهب ، وتشعب الآراء، ونشوء الفرق المتعددة :
      والاصل في ذلك الحديث الذي رواه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ستفترق امتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهن الى النار ما خلا واحدة ناجية، وكلهن يدعي تلك الواحدة ) رواه الامام الربيع في مسنده الجامع ورواه الامام ابو داود والترمذي .
      وفي رواية ابن ماجة عن ابي هريرة رفعه ( افترقت اليهود على احدى او اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى كذلك ، وتفترق امتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار الا واحدة ، قالوا : من هي يا رسول الله؟ قال : ما انا عليه واصحابي ) ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما، قال عنه الامام الحاكم: انه حديث كبير في الاصول، وقد روي عن سعد ابن ابي وقاص وابن عمرو وعوف بن مالك ، وقال السخاوي : وعن انس وجابر وابي امامة وابن مسعود وعلي وعمر وابن عوف وعويمر أبي الدرداء ومعاوية وواثلة .

      قال الامام نور الدين السالمي في شرح هذا الحديث ج1/ 67 :
      " قوله ( ستفترق امتي ... الخ ) هذا من اعلام النبوءة ايضا، فإنه اخبر عن شيء من الغيب، فوقع مشاهدا ، فإن افتراق الامة قد كان على ما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث وسبعين فرقة " .

      وقال : " قوله ( كلهم الى النار ) أي يصيرون اليها والعياذ بالله ، وذلك لخلاف الحق الذي اوجب الله عليهم اتباعه، ومن ترك الواجب القطعي هلك؛ لأن الله تعالى قد توعد على خلاف الحق، واوجب على ذلك النار والعياذ بالله، وهذه الفرق الضالة قد خالفت الحق من ابواب شتى ، وقد يوافق بعضها في شيء ويخالف في غيره ( ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) ، قوله ( ما خلا واحدة ناجية ) وهي التي ثبتت على كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وسنة الخلفاء المهديين ، عملا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

      وقال ايضا : " قوله ( وكلهم يدعي تلك الواحدة ) أي كل واحدة من تلك الفرق تقول انها المصيبة في ما ذهبت اليه ، وانها هي المصرح بنجاتها في نص الحديث ، وهذا شأن كل امة اختلفت بعد نبيها، ولولا هذه الدعاوى ما دام الخلاف الى يوم القيامة؛ لأن الباطل البحت لا ثبات له، وانما يثبته تزيينهم اياه واخراجه في صورة الحق، وتأييده بالشبه في صورة البرهان، فيخفى على كثير من الناس الا من هدى الله من المؤمنين، والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم " اهـ كلام النور السالمي رحمه الله .

      وسيأتي مزيد كلام على هذا الحديث ، وبيان الفرق بين التفرق المحمود والمذموم، ومن هي الفرقة الناجية الحقة، فارتقب ذلك قريبا اخي الكريم .

      وقال السيد محمد رشيد رضا في المنار ج8/ 218 :
      " وقد بدأ اصحاب كتب المقالات الكلامية بحث التفرق والشيع بالحديث المرفوع الذي رواه احمد واصحاب السنن وغيرهم من عدة طرق في ذلك ، وهو ( افترقت اليهود على احدى او ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على احدى او ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق امتي على ثلاث وسبعين فرقة) هذا لفظ ابي داود عن ابي هريرة .
      ورواه من حديث معاوية بلفظ ألا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: ( ان من قبلكم من اهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وان هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة ) وزاد في رواية ( وانه سيخرج في امتي اقوام تجارى بهم تلك الاهواء كما يتجارى الكلَب لصاحبه – وفي رواية : بصاحبه – لا يبقى منه عرق ولا مفصل الا دخله ) أي الكَلَب وهو بالتحريك الداء الذي يعرض للكلاب ولمن عضه المصاب به منها .

      ورواه الترمذي من حديث عبدالله بن عمرو ، واوله ( ليأتين على امتي كما اتى على بني اسرائيل حذو النعل بالنعل... وان بني اسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وستفترق امتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار الا ملة واحدة ) قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال: ( من كان على ما انا عليه واصحابي ) .

      ورواه ابن ماجه من حديث حذيفة بن اليمان بسند ضعيف ، ومن حديث انس بن مالك بسند رجاله ثقات، وعبر في كل منهما عن الفرقة الناجية بالجماعة ، ورواه ابن عبد البر من حديث عوف بن مالك الاشجعي بلفظ ( تفترق امتي على بضع وسبعين فرقة ، اعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم، يحرمون به ما احل الله ، ويحلون ما حرم الله ) " .

      وقال في صحيفة 220 من نفس الجزء :
      " وقد تعرض لهذه المباحث والمشكلات في الحديث شيخنا الاستاذ الامام الشيخ محمد عبده في حاشيته على شرح الجلال الدواني ( محمد بن اسعد الصديقي ) للعقائد العضدية ، وعد ما اطال به ايجازا بالنسبة الى ما يتسع له المقام ، وقال في اوله :

      لا بد ان اتكلم في هذا الحديث بكلام موجز ، فاسمع واعلم ان هذا الحديث قد افادنا انه يكون في الامة فرق متفرقة ، وان الناجية منهم واحدة ، وقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها التي على ما هو عليه واصحابه ، وكون الامة قد حصل فيها افتراق على فرق شتى تبلغ العدد المذكور او لا تبلغه ثابت قد وقع لا محالة، وكون الناجي منهم واحدة ايضا حق لا كلام فيه ، فإن الحق واحد هو ما كان النبي عليه واصحابه، فإن ما خالف ما كان عليه النبي فهو رد " .

      ملحوظة /
      هذا الموضوع كان عبارة عن حلقات وبإذنه تعالى نتابع هذا الموضوع القيم ، ونسأل المولى ان يبارك في وقت شيخنا لإكمال ما بدأه ولو بعد حين .