كتب (العربي) بتاريخ 16 - 12 - 1999، السابعة صباحا، في شبكة (هجر الثقافية) موضوعا بعنوان (عقيدة الله.. أم عقيدة المذهب؟!) وقد نقلت الموضوع كامل للأمانة العلمية

--------------------------------------------

--------------------------------------------
ظهرت الفرق الإسلامية (أو غالبها) في أواخر عصر الخلافة الراشدة، وفي عصر بني أمية. ثم في عصر بني العباس استقرت أصول هذه المذاهب، وظهر التمايز الواضح بين هذه الفرق، فبدأت كل فرقة تدعي أنها وحدها ( الفرقة الناجية) وما سواها فهالك وفي النار!
[ ورووا في ذلك حديثا لعلي، أفرد له بحثا لبيان بطلانه سندا ومتنا، وتوضيح أثره السئ على المسلمين ].
وفي سبيل سعي هذه الفرق إلى ترسيخ وجودها خاضت كل فرقة حروبا شرسة مع الفرق المخالفة لها، واستعملت (في بعض الأحيان) أسلحة غير أخلاقية ولا نزيهة! مثل تشويه الخصم، ورميه بالتهم والأقوال المستبشعة، ومحاولة اضطهاده والتضييق عليه ولو بالاستعانة بالسلطة!
فمثلا (أهل السنة) كانوا يصدرون فتاوى بقتل المناوئين لهم في الفكر، كما فعلوا بغيلان والجعد والجهم (مع ملاحظة أن هؤلاء كانوا من المعارضين للسلطة في زمانهم).
ومن فتاوى أهل السنة: الفتوى المشهورة للإمام مالك بن أنس أن المبتدع الداعية، يقتل.
وأهل السنة (يرون) الصلاة خلف الولاة من أهل الظلم والفجور والفسق والابتداع، و (لا يرون) الصلاة خلف (أهل الأهواء) من غير الولاة، وإن كانوا من أتقى الناس!
أما المعتزلة فمع ادعائهم التسامح واحترام العقل، فإنهم لا يتوانون إذا وجدوا الفرصة، في اضطهاد خصومهم، كما حصل في محنة خلق القرآن، أو قصة المنصور عبد الله بن حمزة مع المطرفية، وهذا تحت شعار (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الذي هو الأصل الخامس من أصولهم.
وهذا الواقع جعل العلماء المنتمين إلى هذه الفرقة أو تلك يخشون مخالفة المذهب الذي ورثوه عن آبائهم ومشايخهم، واقتصر بحثهم على تأييد قواعد مذهبهم (الفرقة الناجية)، عوضا عن البحث عن الحقيقة، مما قاد إلى جمود في الفكر العقدي، وظهور أدواء عدة منها:
أولا - التقليد:
وللتقليد في العقائد حديث عجيب، فإنه لا يخلو منه مذهب من المذاهب، بل لم ينج منه إلا أفراد قلائل، مثل: ابن حزم وابن الوزير والمقبلي، وبيان ذلك أن علماء كل فرقة كانوا يرسخون في أذهان أتباعهم أنهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة المتبعة للحق، وأما من عداهم فضال مبتدع أو كافر، وعند مناقشتهم للمذاهب الأخرى فإنهم يستوفون حجج مذهبهم ويبالغون في تقويتها، أما حجج المذاهب الأخرى فإنهم يسمونها (شبها) ولا يعرضون منها إلا ما يستطيعون الجواب عنه، وأيضا فعرضهم للحجة يكون عرضا مشوها، يخلطون فيه بين القول ولازمه.
ويحاول هؤلاء العلماء أن يرسخوا في أذهان تلاميذهم أن أئمة مذهبهم كانوا من العلماء الفضلاء المتقين، المرتفعين عن الدوافع البشرية. أما أئمة المذاهب المخالفة فهم مجموعة من الضلال الفساق الزنادقة الانتهازيين...
ويخرج الطالب بعد هذه التربية يظن أنه وطائفته وارثو الحق المطلق، وأما من سواهم ففي ضلال بعيد، ويرى هذا الطالب في نفسه أنه بلغ مرتبة العلم والاجتهاد.
كيف لا؟ وهو يعرف حجج مذهبه أتم معرفة، ويعرف كيف يناضل عنها، ويعرف أيضا (شبه) خصومه، ويعرف كيف يجيب عنها.
ولكنه للأسف لا يعلم أنه لا يعلم شيئا، فلا حجج مذهبه درسها بإنصاف، وبعد عن هالة التعظيم التي أحاطها بها مشايخ مذهبه، ولا (شبه) خصومه قرأها بإنصاف وعدل حتى ينظر إن كان يقدر على الإجابة عنها أو لا، وهو يرى في نفسه أنه ليس في حاجة إلى قراءة كتب (المبتدعة) لأن حججهم استوفى ذكرها علماء مذهبه، وهم أهل الإنصاف والعدل والصدق والتقوى والفهم، فلن يميلوا على خصومهم، وأيضا فإن (الشبه خطافة، والقلوب ضعيفة)!
وهو قبل ذلك وبعده يعيش حالة (برمجة) يقوم فيها بالدفاع عن مذهبه، لا الحق ويبحث عن حجج تؤيد مذهبه، لا الحق. وعن حجج للرد على خصومه، لا الباطل.
والتعلم على وسائل مغالطة الخصوم إذا أحكموا الحجة عليه عند النقاش، لا التسليم للحق واتباعه. ويظن مع ذلك أنه يحسن عملا.
لكن المذاهب تختلف عن بعضها في أساليب التقليد، وترسيخ مفهومه عند أتباعها، ولا بأس من ذكر أمثلة على ذلك:
1 - (أهل السنة والحديث): وعندهم يظهر التقليد جليا، لا سيما وهم لا يرضون أن يفهم أحد الكتاب والسنة إلا على ضوء فهم (السلف)، وطرقهم في ترسيخ التقليد كثيرة، فمن ذلك:
أ - تقديس علماء مذهبهم، وأن بهم تعرف السنة، ويوصل إلى الحق، فمن طعن في حماد بن سلمة، أو الأوزاعي، أو الأعمش، أو أبي مسهر...
فهو مبتدع، ومن طعن في أحمد فهو كافر، ومن ذم أهل الحديث فهو طاعن في السنن والآثار، زنديق، مبغض للرسول.
وفهم هؤلاء السلف مقدم على فهمنا، ومن خالفهم فليتهم نفسه، ومن أوضح النصوص على هذا: النص المنسوب إلى عمر بن عبد العزيز (وهو في ذم القول بالقدر.. فتنبه!) وفي هذا النص يقول عمر: (فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، وقف حيث وقفوا، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوا، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل فيه لو كان أحرى، فإنهم هم السابقون. ولئن كان الهدى ما أنتم عليه، لقد سبقتموهم إليه. (أي:
وهذا مستحيل!).
ولئن قلت: حدث بعدهم حدث. فما أحدثه إلا من تبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم. ولقد تكلموا، فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسر، لقد قصر دونهم قوم فجفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا، وإنهم مع ذلك لعلى صراط مستقيم.
فلئن قلت: فأين آية كذا؟ ولم قال الله كذا وكذا؟ لقد قرأوا منه ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم). انتهى.
ومن شعارات مذهب أهل السنة والحديث: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.
هذه حال السلف عندهم، أما مخالفو هؤلاء السلف، فهم مبتدعة، أهل سوء، تكتب الكتب والأبواب في ذمهم، وزيادة في التنفير من مذاهبهم نقرأ أبوابا مثل: (سياق ما روي من المأثور عن الصحابة، وما نقل عن أئمة المسلمين من إقامة حدود الله في القدرية).
ولا يكفي هذا بل يتبع بباب: (ما روي في منع الصلاة خلف القدرية، والتزويج إليهم، وأكل ذبائحهم، ورد شهادتهم) ولا يكفي هذا بل يتبع بباب: (ما ذكر من مخازي مشايخ القدرية، وفضائح المعتزلة).
ولا يكفي هذا بل يتبع بباب: (سياق ما رؤي من الرؤيا السوء أي: في الحلم! من المعتزلة).
وهذا الباب شبيه بباب سابق عنوانه: (سياق ما رؤي من الرؤيا السوء لمن قال بخلق القرآن).
ب - النهي عن الجدل والبحث، ونجد لهذا المعنى فصولا كثيرة في كتبهم، فمن ذلك باب: (كراهية التنطع في الدين، والتكلف فيه، والبحث عن الحقائق، وإيجاب التسليم).
وباب: (ذم المراء والخصومات في الدين، والتحذير من أهل الجدل والكلام).
ومن أعجبها باب: (التحذير من طوائف تعارض سنن النبي، صلى الله عليه وسلم، بكتاب الله، عز وجل).!
ج - النهي عن مجالسة المخالفين من أهل الأهواء، وعن مناظرتهم والكلام معهم، ووجوب هجرهم. فكيف لا يخرج الطالب بعد هذا كله متبعا لأقوال أئمة مذهبه، متجانفا عن غيرهم؟
ومما تعلمناه.. أن من كتب في العقيدة وهو يظن أنه سيأتي بجديد، فإنه لن يأتي إلا البدعة، ومن كتب في مسائل الاعتقاد بتجرد فإنه إنما يتجرد من عقيدته، ليصبح شخصا لا عقيدة له!!...
ثانيا: التكفير والتبديع:
والمراد عدم عذر المتأولين، والغريب أن الفرق الإسلامية تعذر في الاختلاف في المسائل الفقهية، أما المسائل العقدية (أو المتوهم أنها عقدية) فلا عذر فيها، عند هذه الفرق، وهذا تناقض لا برهان عليه إلا تحكيم الأهواء، وهذا التفريق وإن رده بعضهم نظريا، فإن غالب أهل الفرق يلتزمونه عمليا.
وأدلة عذر المتأول والمخطئ والجاهل كثيرة جدا، فمنها قوله تعال: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وقوله: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. وقبل الله هذا الدعاء.
ومثل حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وهم يقبلون هذه الأدلة في الفقه ويحتجون بها، أم في العقيدة فلا يرفعون بها رأسا، والسبب في ذلك:
أ - التقليد. فإنه يورث التعصب، وظن ملك الحقيقة المطلقة، كما تقدم.
ب - ظن أتباع المذاهب أن أدلة الفقه ظنية، وأن أدلة العقائد قطعية، ومخالف القطعي ليس كمخالف الظني. وهذا يعرف خطأه من له أدنى ممارسة لكتب العقائد.
ج - دخول الحسابات السياسية في الحكم على الفرق والمذاهب والأشخاص، وذلك أن الساسة استغلوا بعض الفرق لإصدار فتاوى بتكفير وتبديع بعض المخالفين السياسيين لهم، للتمكن من اضطهادهم باسم الذب عن العقيدة.
ومثال ذلك:
استغلال بني أمية وبني العباس والعثمانيين الخلاف بين أهل السنة والشيعة (وهو خلاف ليس في أصول الدين القطعية) لإصدار فتاوى بتكفير وتبديع (الروافض) وهو لقب للشيعة المخالفين سياسيا لهؤلاء الولاة.
ولما خرج الجهم بن صفوان مع الحارث بن سريج على بني أمية، وظفر به سلم بن أحوز، قال له سلم لما قدمه ليضرب عنقه: إني لا أقتلك لخروجك علينا، ولكني أقتلك لإنكارك تكليم الله لموسى.
وكذا فليكن استغلال الدين والعقيدة للقضاء على الخصوم، والتلبيس على الناس واللعب بمشاعرهم.
وهؤلاء الصحابة اختلفوا في مسائل كثيرة، مما يعدها المتأخرون من العقائد ولم يكفروا أو يبدعوا بعضا، ومن ذلك:
اختلافهم في صفة الساق، والكرسي،
ورؤية النبي لله في الإسراء،
وسماع الموتى في قبورهم،
والتفضيل بين الصحابة، وغيرها كثير.
وقد كتب علماء منصفون في عذر المتأولين، وقطع الطريق على استغلال السياسة باسم الدين، ليس هذا موضع ذكرهم. وفي الختام فهناك تنبيهات:
1 - غالب الكتب المصنفة في العقيدة (سوى الكتب المدرسية، بالطبع)، هي كتب الردود، والردود على الردود، للذود عن حياض المذهب، وسبب ذلك أن أسلوب التفكير العقدي عند أصحاب المذاهب مبني، في غالبه، على (ردود الأفعال)، لذا نجد الإمام أحمد، مثلا، كان يقول: القرآن كلام الله ولا يزيد، فلما قال المعتزلة: إنه مخلوق. زاد هو في عقيدته: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما خوطب في ذلك قال: لما زادوا زدنا!! وقال أيضا: إذا سكتوا سكتنا.
2 - وجوب التجرد في البحث عن الحقيقة، وعدم التسليم بما عليه الآباء والمشايخ.
3 - وجوب إحسان الظن بالمخالفين، وعدم المبادرة بعدائهم وهجرهم في وقت المسلمون فيه في أمس الحاجة إلى الاتحاد والتضامن.
4 - وجوب السعي إلى حل الخلافات بين المسلمين بعيدا عن جو التعصب والتحزب، و (مذهبنا ومذهبكم)، بل المسلمون جميعا ملة واحدة.
5 - التفطن لمواطن الاتفاق بين المسلمين، والسعي لتوسيعها ونشرها، والتنبه لمواطن الاختلاف، والسعي لتضييق دائرتها، وجعلها ضمن الخلاف المحتمل.
6 - قطع الطريق أمام المتعصبين والجهال والمقلدين من شتى المذاهب الساعين إلى نشر العداء والفرقة بين المسلمين باسم (العقيدة).
7 - الواجب على طالب الحق إصلاح عقيدته على ضوء كتاب الله، وما ثبت عن رسول الله، والبحث عن مراد الله، ولا يجعل همه تأييد مذهبه، ولو على حساب الحق، قناعة بالتقليد، أو لنيل رضى أئمة هذا المذهب.
بل يقول كما قال الإمام الشافعي: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله.
</SPAN></SPAN></SPAN>