الحـيـــاة

    • الحـيـــاة

      السلام عليكم



      في رحاب شعرية العلامة فضل الله


      الدعاء في شعر السيد

      يبدأ السيد محمد حسين فضل الله رحابه الشعري بالدعاء، الدعاء الذي أحبه سماحته، وسكن قلبه، فكان أنيس الليل، وسمير اللحظات الأنسية، فللمناجاة في ضمير السيد عنوان أرخه بين حنايا النجف، فناجى وابتهل وتضرع ودعا:
      ويناجيك في ابتهالٍ مع الليل فتهمي الدموع من ناظريا
      لم يجد في الوجود قلباً حنوناً فأنله حنانك العلويا
      هكذا هكذا يعيش بدنياه يعاني شقاءه السرمديا
      ثم يذوي على الضلوع من الوجد ويلقي نداه في أذنيا
      خفقةً خفقةً ويهوي مع الروح فيلقى هدوئه الأبديا
      وتتوالى قصائد الروح، ومقطوعات الدعاء، لترسم بخطوطٍ من سحرٍ، انتفاضة آهات الجراح، في وقتٍ نأت فيه القيم والمثل والتعلق بالله، والاستمساك بالعروة الوثقى.. وينطلق نداء السيد في هدأة الليل البهيم، معبراً عما آلت إليه حالة العلامة الروحية، فإذا بسماحته يعيش الصراع في أفق نفسه، متسائلاً عن الحياة التي مصيرها إلى زوال، وهذا ما نقرأه في قصيدة «صوفية شاعر{، والتي تعد من روائع السيد الخالدة، ومن مطولاته الشعرية الحكمية، لأنها صلاة الوجدان والخواطر:
      «رب إني وفي انتفاضات آهاتي جراح، وفي حشاي نصول
      أتلظى بين الجحيم وفي روحي نداء إليك كيف السبيل
      تاه بي عالمي إلى حيث لا أدري، فدنياي وحشة وذهول
      ودعاء، في هدأة الليل يستهديك، والدرب موحش مجهول
      كيف أسمو إلى الحقيقة حراً وكياني مقيد مغلول.{
      الحقيقة التي بحث عنها السيد في توسله ودعائهس لأن الله هو الحق والحقيقة ولأن حياته لم تعد كما كان يأمل:
      «وحياتي شلو تناهبه الريح، وألوى بجانبيه الذبول
      وصراع في أفق نفسي، يجتاح شعوري به سؤال طويل
      عذبتني أوهامه زمناً مر تعاصت علي فيه الحلول
      ما حياتي هنا.. ونحن على الكون ظلال ستمحي وتزول
      رنحتنا الغيوم في هدأة الليل فماجت بنا الربى والسهول
      ومضينا مع الضباب كما يرتع في وحشة المكان النزيل
      هكذا نحن، حيرة يرقص الوهم عليها، وتستطيل السدول
      رب هبني برد اليقين فقلبي شعلة ماج حولها التضليل.{
      لم ينس السيد وهو في أوج دعائه واقعه الذي يئن ويرزح تحت وطأته، وهو واقع التضليل والوحشة والحيرة والوهم، لذلك كان كما أراد وكان علي(ع): «يأنس بالليل ووحدته ويستوحش من الدنيا وزهرتها{، فإذا ما حل الليل رفع يديه، وهو الذي ما رفعهما إلا لصلاةٍ أولدعاءٍ داعياً وراجياً، لأن هدأة الليل كانت بالنسبة إليه هدأة شعرية يتنسم من خلالها همسات العاشقين، وخشوع الزاهدين الداعين:
      «رب هذا الليل البهيم هدوء شاعري طلق وأفق جميل
      ونسيم يموج في سرحة الروح ندي كما تشاء عليل
      وشعاع ترقرقت فيه ألوان من السحر رجرجتها الحقول
      نورك الحر: منه ينبعث الطهر، ويندى به الصباح البليل
      يبعث الشاعر المدله صوفياً يناجيك: والنجوم مثول
      أنت رمز الهوى المشع بدنياه.. وأنت الهادي وأنت المقيل{
      هكذا كان النور ينبثق من عيني السيد في جو الظلام وهو يدعو ربه، وقد هدأت نفسه واستقرت آماله، واطمأنت أحلامه معبراً عن ذاته بقوله:
      أنا في لجه أطوف ولكن زورقي مجهد وعبئي ثقيل
      لم يزل في يدي يرتعد المجذاف، والموج هائج مخبول
      وشراعي مرنح، تلعب الريح بأطرافه، وطرفي كليل
      أتملى الضفاف، في حيرة الفكر، وقد لاح لي شعاع ضئيل
      أتملى بها مداي كأني تائه شاقه المدى المجهول
      أستحث الفجر الطليق يغني بسناه الضحى ويزهو الأصيل
      والدجى يصرع الحياة ويهوي من ذراها فيه كيان قتيل
      رب هبني إشعاعةً تبعث الوحي بروحي فقد دهاه المحول{
      هذا هو السيد في اتجاهه الروحي، سبيل النور والهداية، فالسيد تلميذ القرآن، والقرآن كتاب الله الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، لأن الله ولي الذين آمنوا، وهو ولي السيد في شتى لحظات حياته، فكيف إن كانت هذه اللحظات هي التي يشتاقها ويأنس بها. فالدعاء سلاح المؤمن، (وقال ربكم أدعوني أستجب لكم) (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)، فلئن رنحت الغيوم حياة العلامة السيد، ولئن لعبت الريح بأطراف شراعه، فإنه بقي يأمل طلوع الفجر الصادق، فجر النور الإلهي، وفجر الحياة والحقيقة في زمن الجدب والمحول والقحط:
      وأنا هائم وروحي تلتاع، ودنياي في سماك تجول
      أستحث الخطى إليك، كأن الشوق في جانحي نار أكول
      لقد صار السيد في أجواء روحيته، وعبقات إيمانه طائراً، تقتات جانحيه نار الحنين لعالم العدل الإلهي، حيث يرى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد الله وشكره:
      حملتني روحي إليك فباركها، وروحي كما علمت بتول
      سئمت أفقها المكبل بالأغلال فاقتادها إليك الدليل
      وتخلت عن عالمٍ يمرح الإثم عليه، ويسرح التدجيل
      لا ترى فيه غير مذأبةٍ تعوي وكونٍ على الضعيف يصول

      هوامش للكتابة:

      استمرار الماضوية الأدبية (۱-۲)


      أتصور أن هيمنة الماضوية الأدبية على عصر النهضة هي المسؤولة عن النظم الشعري الذي ظل سجين القوالب والأساليب التقليدية في الأغلب الأعم، صحيح أن رغبتي التميز والتفوق على القدماء، على رغم السير في مضمارهم، هي التي مايزت الصف الأول من شعراء الإحياء، خصوصاً في قصائدهم التي لم تخل من نزعة فردية، أو فتحت أفقاً جديداً من أبواب التصوير أو التأمل، سواء في مدى حركة الطبيعة أو حركة الإنسان الموازية أو المقابلة. وقد دفعت هذه الرغبة أحمد شوقي إلى فن المسرح، وكتابة مسرحياته الشعرية التي لم يخل مجموعها من مسرحية نثرية: «أميرة الأندلس.{ ولكن ظل الماضي هو الموضوع المهيمن على هذه المسرحيات، في منحاها الذي غلبت عليه الغنائية، فذهب النقاد إلى أن شوقي غنى، ولم يمثل، وأنه ظل منطوياً على ما يصله بأسلافه حتى في مسرحه الذي احتفى بالشعراء الأقدمين في ثلاث مسرحيات على الأقل، عنترة وقيس بن الملوح وابن زيدون، وكان ذلك موازياً لحركة الشعر الذي ظل منطوياً على تراثه حتى حين غادر شوقي وطنه إلى باريس التي أقام فيها زمناً لا بأس به، من دون أن يفارقه ديوان المتنبى، وسعى إلى الإفادة من آدابها، لكن على نحو لم يفارق المدارات الكلاسيكية التي ظلت قريبة إلى تكوينه، فأخذ كل ما جانس تكوينه، وانصرف عن غير المجانس الذي انطوى على نوع من التهديد للأنساق الراسخة التي انطوى عليها.
      ولا يختلف حافظ إبراهيم عن شوقي في رغبة التميز عن القدماء والانفتاح على العالم الجديد بما يضيف به الخلف إلى السلف، وصاغ ذلك في بيتيه الشهيرين:
      آن يا شعر أن نفك قيوداً
      قيدتنا بها دعاة المحال
      فارفعوا هذه الكمائم عنا
      ودعونا نشم ريح الشمال
      ولكن ظل الإعلان على مستوى التمني الذي لم يتحول إلى حقائق، وظل شعر حافظ بمنأى عن ريح الشمال، مخلصاً لنزعته الإحيائية، شأنه في ذلك شأن شوقي وأضرابه الذين تصوروا التجديد موازاة، أو منافسة مع الأقدمين، لكن من دون الخروج عليهم بما يؤسس ابتداء مغايراً، وانقطاعاً خلاقاً. ولذلك ظلت هيمنة الماضي قائمة، حتى في مدى التنافس معه، فكل منافسة تضع اللاحق في مسار السابق مهما كان تمرده، أو رغبته في التفوق.
      وظني بأن رغبة التمايز عن القدماء، مع السير في مضمارهم، كانت مجلى غير مباشر لهيمنة الماضوية الأدبية التي اكتسبت دوافعها بعض الإيجاب، في دفع الخلف إلى تأكيد حضورهم المغاير، ولكن بما ظل يصل بين السلف والخلف في دائرة المغايرة التي لم تنقطع لتتحول إلى استقلال واختلاف. وكانت النتيجة قرينة ما رأيناه قديماً من انطواء الماضوية على نزعة عصبية، لم تكتف بإعلان تفوق الشعر العربي فحسب، بالقياس إلى غيره الذي ظل أدنى منه، وإنما جاوزت ذلك إلى الانصراف عن الشعر الأجنبي. ولذلك لم تزدهر حركة ترجمة الشعر الغربي طوال عصر الإحياء الذي امتد إلى بداية الحرب العالمية سنة ،۱۹۱۴ وذلك على رغم ازدهار حركة الترجمة التي انصرفت إلى ترجمة الكتب العلمية والتاريخية، ولم تجاوزها إلى مجال الأدب، إلا بعد أن تكونت أجيال جديدة من تلامذة رفاعة في مدرسة الألسن. وكان من أشهرهم محمد عثمان جلال الذي ترجم حكايات لافونتين، كما ترجم عدداً لا يستهان به من مسرحيات راسين.
      ويلفت الانتباه - في هذا المجال - أن معدلات ترجمة المسرح والرواية تتجاوز على نحو بالغ الدلالة معدلات ترجمة الشعر التي ظلت أقل بما لا يقاس بازدهار ترجمة الروايات والمسرحيات الأجنبية على نحو يفرض دلالته، فقد اقترن هذا الازدهار- أولاً - بصعود الطبقة الوسطى التي توجهت إليها الصحف التي كانت علامة المدينة العربية الصاعدة، ومرآة أحوال الطبقة الوسطى الذين آزروها، وأقبلوا على قراءتها، كما أقبلوا على فني المسرح والقصة اللذين زاحما الشعر. وبقدر ما ظل الشعر فن الطبقة العليا بمعنى من المعاني أصبحت الكتابة النثرية - المقال والمسرحية والرواية - فن الطبقة الوسطى، ومطلب «الأفندية{ و«الهوانم{ من متعلمي هذه الطبقة التي رعت فني الرواية والمسرح إلى أن تأكد حضورهما وتواصل ازدهارهما.
      وكان من أسباب هذا الازدهار - ثانياً - أن فني المسرحية والرواية كانا فنين متحررين من التقاليد الطويلة القوية التي ظلت تشد المتأخر في الشعر إلى السابق في الوجود والرتبة، وذلك بما جعل اللاحق دائراً في مدار السابق، لا يملك التخلص منه، أو الخروج الجذري عليه. وعلى النقيض من ذلك فنا المسرح والرواية، فلا أمراس كتان تشدهما إلى جنادل الماضي، وما يقال عن أن «ظل الخيال{ أصل المسرح، والسير والملاحم وأمثال «ألف ليلة{ أصل القص إنما يقال على سبيل رد الجديد إلى أصل قديم، وتبرير قبول الجديد بما لا يفارق النزعة الماضوية. ولكن المسافة بعيدة في واقع الأمر بين أشكال القص الحديثة والسير والملاحم وحتى ألف ليلة، وبينها و{ظل الخيال{ الذي لا يمكن النظر إليه بصفته «مسرحاً، بالمعنى الحديث. ولذلك ظل فن الرواية - مثل فن المسرح - فناً لا تقاليد تحدد مساره سلفاً. ولذلك تميز هذان الفنان بحرية الحركة، وخرجا من المدار المغلق للنزعة الماضوية. صحيح أن المويلحي واليازجي وغيرهما ظلوا على ماضويتهم في الكتابة النثرية التي جعلتهم يؤثرون قالب المقامة المسجوع على قالب النثر المرسل. ولكن الذين أقبلوا على النثر المرسل كثيرون، تحدوهم رغبة الانطلاق في مدى جديد مغاير، واستغلال نوعين أدبيين واعدين، مستقلين ومتحررين من قيود التقاليد والتقليد، وذلك لمعالجة مشكلات المدينة العربية الحديثة التي أصبحت تجسيداً مغايراً لتنوع الأعراق واللهجات والطوائف، وأصبحت تجمع ما بين المصنع - رمز التقدم - والسجن - رمز السلطة، وتؤكد فيها المرأة حضورها على نحو غير مسبوق بالكتابة في الصحف التي شهدت صعود أمثال زينب فواز وهند نوفل وغيرهما من الكاتبات اللائي أقبلن على فن الرواية بوجه عام، وانتهين إلى تطبيع حضور المرأة في الكتابة بوجه خاص، وحضور ما أطلق عليه «الرواية الغرامية{ بوجه أخص. ولم يكن من الغريب على أبناء وبنات الطبقة التي أقبلت على مشاهدة المسرحيات، وجعل هذه المشاهدة طقساً اجتماعياً دالاً، أن تطلب المترجم من روايات العالم التي أصبحت متاحة بفضل الترجمة في المجالات التي نطق فيها المسكوت عنه من قبل ووجد مراحه.
      جابر عصفور


      رمضان في الادب الاسلامي قديماً وحديثاً


      توطئة:

      (رمضان).. لهذا الاسم في ذاكرة اللغة العربية أصول ضاربة ومتجذرة في أعماقها، وزاد هذا الاسم بهاءً وضياء تلك الغلالات الإسلامية الشفيفة التي جللت هذا الشهر، حيث باركه الله تعالى وأمر بصيامه وجعله ركناً من أركان الدين الإسلامي الحنيف.
      وبنظرة سريعة صوب كتب اللغة القديمة فإننا نجد ما ملخصه: (رمضان) اسم من أسماء الشهور، ويجمع على رمضانات ورماضين ورمضانون..وغيرها، وأما سبب التسمية فقد قيل إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق (ناتق) من الشهور القديمة زمن الحر والرمض.. فسمي رمضان، وقيل رمضان من رمض الصائم إذا اشتد حر جوفه، أو لأنه يحرق الذنوب.

      مدخل:

      الشعر كما هو معلوم؛ فيه حربهم وسلمهم.. حلهم ورحيلهم.. معاشهم وهمومهم.. لذا كان لا بد لمن يتصفح هذا الديوان أن يلمس نبضا رمضانيا يطفو على سطح الذاكرة الشعرية الممتدة عبر مساحات الأدب الاسلامي قديما وحديثا، ولعلنا فيما يأتي من حروف نستعرض لمعات من الصور الرمضانية المبثوثة في شعر المسلمين وشعورهم عبر العصور الأدبية.

      العصر الجاهلي والإسلامي.. رمضان الغائب

      فيما وقفت عليه من مصادر الأدب التي أرخت لهذين العصرين لم أجد صديً يومئ إلى شيء من انعكاساتٍ لشهر الصوم في شعر الشعراء. وهذا ما جعلني أقرن العصرين على تفاوت ما بينهما في عنصر واحد وسبب انعدام ورود الشهر الكريم في شعر الجاهليين واضح وجلي؛ فالجاهليون وثنيون لا يعني لهم رمضان شيئا إذ إنه كسائر الشهور، والذي يظهر أن العرب الجاهليين لم يكونوا يقيمون اعتبارا لأي من الشهور سوى الأربعة الحرم (رجب ذي القعدة ذي الحجة محرم) وذلك بالتوقف عن القتال فيها، بل حتى هذه الأربعة كانوا يتصرفون فيها بتقديم أو تأخير بما يناسب نزقهم للسطو والإغارة.
      وأما في صدر الإسلام وبرغم أن رمضان قد صار ذا صبغة دينية وفضيلة ربانية إلا أن ذلك كله لم يظهر في أشعارهم، على الأقل فيما هو بين يدي من مصادر المرحلة ولعل ذلك راجع إلى عدة أسباب من أهمها: انشغال المسلمين عموما عن اجتراح الشعر بالفتوح والجهاد في سبيل الله تعالى من جهة، وبتعلم الدين الجديد والقرآن المجيد من جهة أخرى كما هو واضح في سير الشعراء المخضرمين، وسبب آخر هو أن نفوس هؤلاء العرب لم تتشبع بعد بالإيمان أو تخضر قلوبهم به حتى يظهر ذلك في أشعارهم.

      العصر الأموي.. رمضان لم يكن سلطاناً

      وإذا تحدرنا قليلاً حتى سفوح العصر الأموي وجدنا صورة رمضانية مشوهة رسمها أولئك الماجنون وأهل الخمر والقيان ممن انصرفوا بعقولهم وقلوبهم عن روحانيات الدين والقيام بواجباته والتأدب بآدابه، فهذا الأخطل النصراني يقول في إحدى قصائده:
      ولست بصائمٍ رمضان طوعاًولست بآكل لحم الأضاحي
      إنه يعلن التمرد على كل أصول الدين وشرائعه، وبمثل هذا البرواز أطرت الصورة الرمضانية في شعر الأمويين، فهاهو الأقيشر الأسدي الذي وصفه الآمدي بصاحب الشراب كان يأتي الحيرة ليشرب الخمر، فلما دخل رمضان منعه ابن عمه أسيد فلقيه صاحب له فقال له: ما بالك شاحباً ؟ فأجابه بقوله:
      إما تراني قد هلكت فإنما رمضان أهلكني ودين أسيد
      هذا يصردني فلست بشاربٍ وأخٍ يؤرقني مع التصريد
      والحق أن الأدب الأموي لم يهتم كثيرا بهذا الشهر، وكان الشعراء في شغل عن مثله من الموضوعات بمدائح الخلفاء ونصرة الأحزاب السياسية التي قامت في تلك الفترة، والناظر إلى ساحة الأدب الأموي لا يستطيع بحال من الأحوال أن يتخلى عن استصحاب نظرية الصراع التي جللت هذه الحقبة من تاريخ الأمة، بدءً بصراعات الخلافة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه إلى تعدد المذاهب في نصرة الإمام علي(ع)، إلى اختلاف الأحزاب السياسية والقبلية... وبالتالي فقد خرج علينا الشعراء بأغراض شعرية مسايرة للحالة التي يعيشونها ؛ فكل منهم يناصر مذهبه ويبجل ممدوحه ويعلي من شأن حزبه الذي يواليه، وعلى ذلك فقد وقف طابور طويل من صف الشعراء بباب الولاة والحكام طلبا للنوال والعطاء، وعلى حد تعبير أحد الأدباء فإنه لم يكن ثمة حاكم يدعى رمضان ليقال فيه الشعر.

      العصر العباسي.. رمضان الصب

      تختلف الصورة في هذا العصر عن سابقه كثيرا، فكثير من الشعراء ذكروا رمضان والصيام بشيء من الكره والتأذي، فها هو بشار بن برد يتمنى قدوم شوال وانسلاخ رمضان كي يعوض النحول الذي براه جراء الصيام والجميع يعلم أن بشار كان ذا جثة عظيمة ومع ذلك يقول:
      قل لشهر الصيام أنحلت جسمي إن ميقاتنا طلوع الهلال
      اجهد الآن كل جهدك فينا سترى ما يكون في شوال
      وأما ابن الرومي فقد قال كارهاً الصوم، متمنياً أن تطول ليالي رمضان وتقصر نهاراته:
      إذا باركت في صوم لقوم دعوت لهم بتطويل العذاب
      فليت الليل فيه كان شهرا ومر نهاره مر السحاب
      فلا أهلاً بمانع كل خيرٍ وأهلاً بالطعام وبالشراب
      ثم نحن نجد أبا منصور الثعالبي صاحب ( اليتيمة ) ينشد بيتين في شكوى رمضان ويحشد فيها فيضا من تصرفه بفنون البديع اللفظي قائلاً:
      رمضان أرمضني فأمرضني بصا داتٍ على عدد الطباع الأربعة
      صوم وصفراء تجرعني الردى وصبابة وصدود من قلبي معه
      وإذا اقتربنا قليلا حتى زمن ابن رشيق القيرواني صاحب كتاب ( العمدة ) الشهير وجدناه يخاطب هلال رمضان مرحباً به لأجل الرياء والسمعة فحسب..
      لاح لي حاجب الهلال عشيا فتمنيت أنني من سحاب
      قلت أهلا وليس أهلا لما قل ت ولكن.. أسمعتها أصحابي
      مظهراً حبه وعندي بغض لعدو الكؤوس والأكواب
      والناظر في نصوص الشعر العباسي التي قيلت في هذا الشهر الكريم يجد عجبا؛ فقد قال بعض الشعراء - وهم غير معروفين بالفسق أو المجون كما مر معنا - أبياتا مشينة لا يليق ذكرها وهي مشتهرة عند من شدا من الأدب قليلا، أصون شهرنا أن نسود بها سطورنا.. ولست أدري هل قيلت تلكم الأبيات وأمثالها من باب التندر وإزجاء الحديث على ما فيها من تجاوز؟ أم أن قائليها حين أنشؤوها كانوا يعتقدون معانيها وما تنطوي عليه من اجتراح للخطايا؟ أحسب أن مراجعة سير أولئك الشعراء كفيلة بتجلية الأمر وبيانه.
      وفي جانب آخر متضائل في هذا العصر تلوح نقاط مضيئة مع هذا الشهر المبارك، من مثل قول ابن حمديس الصقلي عبد الجبار بن أبي بكر في هلال رمضان:
      قلت والناس يرقبون هلالاً يشبه الصب من نحافة جسمه
      من يكن صائما فذا رمضان خط بالنور للورى أول اسمه
      قلت: شتان بين هلاله وهلال ابن رشيق

      منعطف:

      وبما أن رمضان شهر كسائر الشهور من حيث معاش الناس وضربهم في الأرض وممارسة شؤون حياتهم المعتادة وبخاصة في الزمن الأول. فقد كان يحل الشهر وللناس فيه أحوال متباينة وظروف مختلفة، وقد ظهر ذلك في أشعارهم التي تكون متعلقة في بعض الأحايين بهلاله أو بصيامه أو بتصرمه وانسلاخه وحلول العيد.. أو غير ذلك، وأرى أنه لا بأس من المكوث قليلا مع تلك الأحوال.

      أحوال:

      من الأحوال التي تكررت كثيرا في الشعر اقتران التهاني الرمضانية والعيدية بمدائح الخلفاء والأمراء، كما في قصيدة ابن سهل الأندلسي التي يمدح فيها أبا علي بن خلاص ويهنؤه بحلول عيد الفطر المبارك:
      مضى رمضان كثير الثنا ء عليك وودع لا عن قلى
      فلو كان ينطق شهر الصيا م لقام بشكرك بين الملا
      ولو صافح العيد شخصاً إذن لصافحك العيد إذ أقبلا
      وللشاب الظريف (محمد بن سليمان التلمساني) حالة وقعت له في رمضان لخصها في أبياته التالية:
      لما درت أن المحب بغيرها وبغير ذكرى حبها لم يطرب
      هجرته حيناً ثم لما أنعمت جاءته في رمضان قبل المغرب
      وفي العصر الحديث يصور الشاعر علي الجارم حال بعض الناس مع الصيام ويرى أنه ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش.
      أتى رمضان غير أن سراتنا يريدونه صوماً تضيق به النفس
      يصومون صوم المسلمين نهاره وصوم النصارى حينما تغرب الشمس
      ومن أشهر الأحوال الرمضانية في الشعر الحديث تلك الصورة التي رسمها أحمد شوقي في شعره لمدمن الخمر حين منعه عنها الصيام ومن العيد عليهما بالتلاقي بعد لأي وشدة..
      رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاق
      ما كان أكثره على ألافها وأقله في طاعة الخلاق
      بالأمس قد كنا سجيني طاعة واليوم من العيد بالإطلاق
      ضحكت إلي من السرور ولم تزل بنت الكروم كريمة الأعراق
      وهنا حالة شعرية وتجربة إنسانية مثيرة للشجن وباعثة للأسى.. قريبة هي من ذاكرتنا إذ ما زالت بعض الشعوب تعاني تبعاتها حتى يوم الناس هذا، إنها الحرب العالمية الثانية بكل ما يهيجه هذا الاسم من مشاعر الألم والبؤس والدمار.. فما ظنكم بشاعر رقيق الإحساس يظله هلال رمضان وهو يكابد ويلات هذه الحرب الطاحنة لقد صور هذه الحالة الإنسانية شاعر السويس الشاعر المصري محمد فضل إسماعيل (۱۸۹۸ ۱۹۶۹)م وهو شاعر مبدع لكنه مغمور. فلم يظهر ديوانه إلا بعد رحيله، وكتب الدكتور طه حسين في مقدمته (على قدر ارتياحي لظهور هذه المجموعة الشعرية الخصبة بين دفتي كتاب واستخلاصها من يد الشتات كان شعوري العميق بالأسف على ما لقي الشاعر الراحل في حياته من غبن وحرمان..) وأما عن القصيدة فهي خطاب لهلال رمضان الذي يبدو من بين الركام..
      بح يا هلال بما لديك ولا تخف فلديك عند الفصل ما لا نعرف
      نقمت على الأرض السماء فلم تزل ترمي جوانبها بما لا يؤلف
      من في السماء طغى؟ وحلق فوقها وهوى على الحرمات لا يتعفف
      ما ذنب أمثالي؟ وقد حرموا الكرى وأمضهم في الليل هم متلف
      كم من عروسٍ تحت أنقاض البلى؟ خفيت ونم رداؤها والمعطف
      أشرق بوجهك يا هلال، وغننا حن السلام فذاك لحن يشغف
      لله صمنا وابتهجنا خشعاً والله بالشعب المسالم يلطف

      لوحة:

      لعل القارئ الكريم يلاحظ أننا لم نورد من النماذج الشعرية ما يندرج في خانة النظم، وذلك أن هذا النوع من الشعر على كثرة ما تحدث عن رمضان ليس مما تشد إليه الرحال، فهو قد أنشئ لأغراض معينة من الوعظ أو التعليم أو غيرها، وكذلك فإن هذا النمط من الشعر كثير جدا لو انسقنا خلفه فلن نفرغ قبل العيد.
      هذا.. والبحث عن روحانيات شهر الصوم في اروقة الديوان الاسلامي ماتزال مشرعة.. والأمر ولا شك الى المزيد.. ولا ازيد.
      علي زعلة


      في ذكرى الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان الشاعر المعلّم


      سجل في شعره مأساة فلسطين، ووسائل علاجها، وبطولات المجاهدين العرب.. عارض شوقي، وهاجم النفوس الصغيرة، واستخدم لغةً سهلةً، وردد الناس قصائده. هو شاعر وديع مرح من أهل نابلس بفلسطين المحتلة، وكان من أبرز شعراء جيله الرواد فيها، وقد حمل سلاح الشعر بكل ما أوتي من طاقة شعرية لخدمة قضية وطنه المغتصب، والتشهير بالدخيل البغيض، فكان شاعر فلسطين بحق، وقال عنه أحد كتابها: إنه شاعر «عذب النغمات، ساحر الرنات، تقسم بين هوى دفين ووطن حزين.{

      من اشعاره:

      شوقي يقول وما درى بمصيبتي
      قم للمعلم وفه التبجيلا
      اقعد فديتك هل يكون مبجلاً
      من كان للنشء الصغار خليلا
      ويكاد يفلقني الأمير بقوله
      كاد المعلم أن يكون رسولا
      لو جرب التعليم شوقي ساعةً
      لقضى الحياة شقاوةً وخمولا
      حسب المعلم غمةً وكآبةً
      مرأى الدفاتر بكرةً وأصيلا
      مئة على مئةٍ إذا هي صلحت
      وجد العمى نحو العيون سبيلا
      ولو أن في التصليح نفعاً يرتجى
      وأبيك لم أك بالعيون بخيلا
      لكن أصلح غلطةً نحويةً
      مثلاً واتخذ الكتاب دليلا
      مستشهداً بالغر من آياته
      أو بالحديث مفصلا تفصيلا
      وأغوص في الشعر القديم فأنتقي
      ما ليس ملتبساً ولا مبذولا
      وأكاد أبعث سيبويه من البلى
      وذويه من أهل القرون الأولى
      فأرى (حماراً ) بعد ذلك كله
      رفع المضاف إليه والمفعولا
      لا تعجبوا إن صحت يوماً صيحةً
      ووقعت ما بين البنوك قتيلا
      يا من يريد الانتحار وجدته
      إن المعلم لا يعيش طويلا

      منقوووووووووووووووووول

      اتمناء ان ينال أعجابكم