ســــــــــــــــلم لي عليــــــــــــــــه

    • ســــــــــــــــلم لي عليــــــــــــــــه

      ( لماذا السلام؟)


      والإنسان الذي هو جزء من هذا الوجود اكتنفه يقطين السلام منذ أن كان نطفة في رحم أمه حتى برز للوجود بل ربما أبعد من ذلك ،، فلأن حاجات الإنسان ومطالبه لا تنتهي أبدأ ومشاعره لا تهدأ ، فهو بحاجة ماسة إلى سلام أبدي مع نفسه ومع الآخرين ، فصلاح الإنسان وعيشه وأمانه واطمئنانه مرتبط بتوفر عنصر السلام في مجتمعه وبين جنبات نفسه !!
      فالسلام ليس ترفا بل حاجة إنسانية ماسة نسعى لتلبيتها ومالم يتحقق لنا فإننا سنظل في لجاج دائم وتبرم بالحياة !! إذ لا حياة بلا سلام !!

      في الحقيقة ليس هناك من أحد يرفض السلام ، لكننا إذا ما كنا مختلفين في المنهج فإنه لن يكون هناك شروط موضوعية للسلام ,
      وبذلك يصبح لكل واحد منا صورة بانورامية خاصة للسلام !! مما يعني أن السلام عند الآخر قد يكون عدم السلام أو الأمان لي . وهذه انتقائية واضحة ..فيصبح عدوي وعدو السلام ـ في خصوصية المعنى عندي ـ هو من يقف في طريق تحقق سلامي الخاص !!
      فكل إنسان ـ بعيدا عن المنهج ـ يكون ويشكل مفهومه الخاص للسلام من خلال مدى تحقيقه الأهداف التي يسعى إليها ، فإذا تحققت أهدافه تحقق له السلام الذي يرجوه .....
      فإذا كان هدفه في الحياة الشهرة ، فإن السلام يحصل له إذا حقق الشهرة .. وعدم السلام بالنسبة له هو في الأدوات والأشخاص والاشياء التي وقفت في طريقه !
      وإذا كان من أهدافه أن يكسب الأموال ، فإن السلام يتحقق له إذا كسب المال ،
      وإذا كان من أهدافه الحصول على وظيفة ، فإن السلام له هو أن يحصل على وظيفة ، فإذا لم يحصل عليها لم يتحقق له السلام ...!! وهكذا .
      والسلام عند إسرائيل هي أن تظل محتلة للأراضي الفلسطينية وأن تظل مرتقية على ظهر الثور الأوروبي ، والسلام عند أميركا هي أن تلوح بحق النقض ( الفيتو ) ضد من لا يستكين لجبروتها أما من يحاول الممانعة فهو عدو للسلام وللحرية ، والسلام عند الشيعي هو التقرب إلى الله عز وجل بدم السني !!..
      ولذلك جاء المنهج الإسلامي ليضع صورة موضوعية للسلام ( بعيدا عن تنازع الأهواء وتضارب الظنون ) وهي تحقيق العبودية لله ، لا للنفس ولا للأهواء ولا للشهوات ولا للظنون ولا للتخرصات !! فإذا ما حقق الإنسان العبودية الكاملة لله بما تأهل له من أدوات فإنه يتحقق له السلام رغما عن أنفه وأنف مشاعره ! وإن اجتمع عليه من بأقطارها !!
      فليس هدف المؤمن كسب الشهرة ، ولا المال ، ولا الجاه ، ولا النسب ، ولا الوظيفة ، وإنما العمل المخلص الجاد بالطرق المشرعة ليحقق في نفسه العبودية لله ( خلافة الله في أرضه )... فهو هنا يجعل من نفسه وظيفة أو أداة من الأدوات لا غاية !! أو قل هو يتحول إلى عمل صالح وكلمة طيبة !! ( إني جاعل في الأرض خليفة ) والإنسان لا يقيم عند الله عز وجل بالحسب ولا بالنسب ولا بالشخوص ولا بالشكل وإنما بالعمل أو الوظيفة ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) أما الشكل الإنساني فهو مبيان معرفي استلزم ظهوره بهذه الصورة مناسبة الإدراك العقلي للتمييز بين الشخوص والماديات !! وحضور الإنسان الحقيقي وشهادته تكون فيما يعمله من أعمال متعدية أو فيما يعبر عنه !!
      وتكليف المؤمن للقيام بأعباء الخلافة ليس من أهدافه إرضاء النفس ولا فرحها ولا استعلاءها ولا تحقيق المجد الدنيوي لها ..( لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) بل حتى أن هدف المسلم ليس هو تحقيق السلام في الأرض ، وإنما هو العمل بما يرضي الله عز وجل لما يرضيه !! وإذا تحقق السلام هنا فإنما هو نتيجة لسنة الله في الخلق والتدبير ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) فالنصر منا هو بفعل المأمورين به من تهيئة الأسباب للنصرة ولكن النصر من الله هو تحقيق النصر ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ) ، وأما طلب السلام من أجل السلام كغاية تهيء للنزوع إلى أفعال أخرى ناجحة مثل تحقيق المال وتحقيق الجاه وتحقيق الرفعة والمكانة الشخصية وتحقيق الميول والرغبات فإن هذا مما يقدح في الإخلاص لله ، والمشروع عند المسلم هو طلب السلام لتحقيق الخلافة التي أمر الله بها وتحقيق ذكر الله عز وجل ...... ولك أن تعلم أن من يرفض السلام ، فإنه إما أن السلام لا يرضي نزواته ، أو أنه لا يدور في فلكه ، ومن يرفض السلام فإنه إنما يرفض الحق ، ذلك أنه يرى الحق والسلام هي الدائرة التي ترضي نزواته وأهوائه ... ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ) .........