جـــبـــران خـــلـــيـــل جـــبـــران ( صراخ الفبور)

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • جـــبـــران خـــلـــيـــل جـــبـــران ( صراخ الفبور)

      اتربع الامير على منصة القضاء فجلس عقلاء بلاده عن يمينه وشماله وعلى وجوههم المتجعده تنعكس أوجه الكتب وألاسفار . وانتصب الجند حوله ممتشقين السيوف رافعين الرماح . ووقف الناس أمامه بين متفرج أتى به حب ألاستطلاع ،ومترقب ينتظر الحكم في جريمه قريبه ، وجميعهم قد حنو رقابهم وخشعوا أبصارهم وأمسكوا أنفاسهم كأن في عيني الامير قوة توعز الخوف وتوحي الرعب الى نفوسهم وقلوبهم . حتى أذا ما أكتمل المجلس وأزفت ساعة الدينونة ، رفع ألامير يده وصرخ قائلا : أحضروا المجرمين أمامي واحدا واحدا وأخبروني بذنوبهم ومعاصيهم .
      ففتح باب السجن وبانت جدرانه المظلمة مثلما تظهر حنجرة الوحش الكاسر عندما يفتح فكيه متثائبا . فحول الحاظرون أعينهم وتطاولت أعناقهم كأنهم يريدون مسابقة الشريعه بنواظرهم ليرو فريسة الموت خارجه من أعماق ذلك القبر .
      وبعد هنيهه خرج من السجن جنديان يقودان فتى مكتوف الساعدين يتكلم وجهه العابس عن عزة في النفس وقوة في القلب . وأوقفاه وسط المحكمه وتراجعا قليلا الى الوراء . فحدق اليه ألامير دقيقة ثم سأل قائلا : ما جريمة هذا الرجل المنتصب أمامنا برأس مرفوع كأنه في موقف الفخر لا في قبضة الدينونة؟
      فأجاب رجل من أعوانه قائلا :
      هو قاتل شرير قد أعترض بالأمس قائدا من قواد الأمير وجندله صريعا اذ كان ذاهبا بمهمة بين القرى ، وقد قبض عليه والسيف المغمد بدماء القتيل ما زال مشهورا في يده .
      فتحرك الأمير غضبا فوق عرشه وتطايرت سهام الحنق من عينيه وصرخ بأعلى صوته قائلا : ارجعوه الى الظلمه وأثقوا جسده بالقيود ، وعندما يجيء فجر الغد أضربوا عنقه بحد سيفه ثم أطرحوا جثته في البريه لتجردها العقبان والضواري وتحمل الرياح رائحه نتانتها الى أنوف أهله ومحبيه .
      أرجعوا الشاب الى السجن والناس يتبعونه بنظرات الاسف والتنهيدات العميقه لأنه كان فتى في ربيع العمر حسن المظاهر قوي البنيه .
      وخرج الجنديان ثانية من السجن يقودان صبية جميلة الوجه ضعيفة الجسد قد وشح معانيها أصفرار اليأس والقنوط ، وغمرت عينيها العبرات وألوت عنقها الندامه والحسرة.
      فنظر اليها الأمير قائلا : وما فعلت هذه المرأة المهزولة الواقفة أمامنا وقوف الظل بجانب الحقيقة ؟
      فأجابه أحد الجنود قائلا : هي أمرأة عاهرة قد فاجأها بعلها ليلا فوجدها بين ذراعي خليلها فأسلمها للشرطة بعد أن فر أليفها هاربا . فحدق الأمير اليها وهي مطرقه خجلا ثم قال بشدة وقساوة : ارجعوها الى الظلمه ومددوها على فراش من الشوك لعلها تذكر المضجع الذي دنسته بعيبها ، وعند مجيء الفجر جروها عارية الى خارج المدينة وارجموها بالحجارة واتركوا جسدها هناك لكي تنتعم بلحمانه الذئاب وتنخر عظامه الديدان والحشرات .
      توارت الصبية بظلمة السجن والحاظرون ينظرون اليها بين معجب بعدل الأمير ، ومتأسف على جمال وجهها الكئيب ورقة نظراتها المحزنة .
      وظهر الجنديان ثالثة يقودان كهلا ضعيفا يسحب ركبتيه المرتعشتين كأنهما خرقتان من أطراف ثوبه البالي ، ويلتفت جزعا الى كل ناحية ، ومن نظراته الموجعة تنبعث أخيلة البؤس والفقر والتعاسه .
      فالتفت الأمير نحوه وقال بلهجة الاشمئزاز : ما ذنب هذا القذر الواقف كالميت بين الأحياء ؟
      فأجابه أحد الجنود قائلا: هو لص سارق قد دخل الدير ليلا فقبض عليه الرهبان الأتقياء ووجدوا طي أثوابه آنية مذابحهم المقدسة .
      فنظر اليه الأمير نظرة النسر الجائع الى عصفور مكسور الجناحين وصرخ قائلا : انزلوه الى اعماق الظلمه وكبلوه بالحديد ، وعند مجيء الفجر جروه الى شجره عالية واشنقوه بحبل من كتان واتركوا جسده معلقا بين الأرض والسماء ، فتنثر العناصر أصابعه الأثيمه وتذري الرياح أعضاءه نتفا .
      أرجعوا اللص الى السجن والناس يهمسون بعضهم في آذان بعض قائلين : كيف تجرأ هذا الضعيف الكافر على أختلاس آنية الدير المقدس ؟
      ونزل الأمير عن كرسي القضاء فأتبعه العقلاء والمتشرعون وسار الجند خلفه وأمامه وتبدد شمل المتفرجين ، وخلا ذلك المكان الا من عويل المسجونين وزفرات القانطين المتمايله كالأخيله على الجدران .
      جرى كل ذلك وأنا واقف هناك وقوف المرآة أمام الاشباح السائرة مفكرا بالشرائع التي وضعها البشر للبشر ، متأملا بما يحسبه الناس عدلا متعمقا بأسرار الحياة بحثا عن معنى الكيان ، حتى أذا ما تضعضعت أفكاري مثلما تتوراى خطوط الشفق بالضباب خرجت من ذاك المكان قائلا : لذاتي الأعشاب تمتص عناصر التراب . والخروف يلتهم الأعشاب . والذئب يفترس الخروف . ووحيد القرن يقتل الذئب . والأسد يصيد وحيد القرن . والموت يفني الأسد . فهل توجد قوة تتغلب على الموت فتجعل سلسلة هذه المظالم عدلا سرمديا ! ... أتوجد قوة تحول جميع هذه الأسباب الكريهة الى نتائج جميلة ؟ أتوجد قوة تقبض بكفها على جميع عناصر الحياة وتضمها الى ذاتها مبتسمه مثلما يرجع البحر جميع السواقي الى أعماقه مترنما ؟ أتوجد قوة توقف القاتل والمقتول ، والزانية وخليلها ، والسارق والمسروق منه أمام محكمة أسمى وأعلى من محكمة الأمير ؟
      سوف أكمل ما تبقى من صراخ القبور :confused::confused: في المرة القادمه بأذن الله تعالى
    • الــحــلــقــة الــثــانــيــة صراخ القبور

      :confused::confused::confused: <<<تكملة صراخ القبور الحلقة الثانية >>>
      وفي اليوم الثاني خرجت من المدينة وسرت بين الحقول حيث تبيح السكينة للنفس ما تسرة النفس ، ويميت طهر الفضاء جراثيم اليأس والقنوط التي تولدها الشوارع الضيقة والمنازل المظلمة . ولما بلغت طرف الوادي التفت فأذا بأجواق كثيرة من العقبان والغربان والنسور تتطاير تارة وتهبط طورا ، وقد ملأت الفضاء بنعابها وصفيرها وحفيف أجنحتها ، فتقدمت قليلا مستطلعا فرأيت أمامي جثة رجل معلقة على شجرة عالية، وجثة أمرأة عارية مطروحة بين الحجارة التي رجمت بها . وجثة فتى غرقة بالدماء المجبولة بالتراب وقد فصل رأسها عنها.
      وقفت وهول المشهد يغشي بصيرتي بنقاب كثيف مظلم ، ونظرت فلم أر سوى خيال الموت المريع منتصبا بين الجثث الملطخة بالدماء ، وأصغيت فلم أسمع غير عويل العدم ممزوجا بنعاب الغربان الحائمة حول فريسة شرائع البشر .
      ثلاثة من أبناء آدم كانوا بالأمس على أحضان الحياة فأصبحوا اليوم في قبضة الموت .
      ثلاثة أساؤوا بعرف البشر الى الناموس فمدت الشريعة العمياء يدها وسحقتهم بقساوة .
      ثلاثة جعلهم الجهل مجرمين لأنهم ضعفاء فجعلتهم الشريعة أمواتا لأنها قوية .
      رجل فتك برجل آخر فقال الناس هذا قاتل ظالم ، وعندما فتك بة الأمير قال الناس : هذا أمير عادل .
      ورجل حاول أن يسلب الدير فقال الناس هذا لص شرير ، وعندما سلبه الأمير حياته قالو : هذا أمير فاضل .
      وامرأة خانت بعلها فقال الناس هي زانية عاهرة. ولكن عندما سيرها الأمير عارية ورجمها على رؤوس الأشهاد قالوا : هذا أمير شريف.
      سفك الدماء محرم ، ولكن من حللة للأمير ؟
      سلب الأموال جريمة ، ولكن من جعل سلب الأرواح فضيلة ؟
      خيانة النساء قبيحة ، ولكن من صير رجم الأجساد جميلا ؟
      أنقابل الشر بشر أعظم ونقول هذه هي الشريعة . ونقاتل الفساد بفسادا أعم ونهتف هذا هو الناموس . ونغالب الجريمة بجريمة أكبر ونصرخ هذا هو العدل ؟
      أما صرع الأمير عدوا في غابر حياتة؟ أما سلب مالا أو عقارا من أحد تابعية الضعفاء ؟ هل كان معصوما عن هذه المحرمات فجاز لة أعدام القاتل وشنق السارق ورجم الزانية ؟
      ومن هم الذين رفعوا هذا اللص على الشجرة : أملائكة نزلوا من السماء أم رجال يغتصبون ويسرقون كل ما تصل الية ايديهم ؟
      ومن قطع رأس هذا القاتل ! أأنبياء هبطوا من العلاء أم جنود يقتلون ويسفكون الدماء أينما حلوا ؟
      ومن رجم هذه الزانية ! أنساك طاهرون أتوا من صوامعهم أم بشر يأتون المنكرات ويفعلون الرذائل مختبئين بستائر الظلام ؟


      سوف أكمل ما تبقى من( صراخ القبور) في المرة القادمة ان شاء الله تعالى
    • الحلقة الثانية ( صراخ القبور )

      الحلقة الثالثة ( صراخ القبور )


      وظلت هذه الافكار تتزاحم على فكرتي وتتساهم عواطفي حتى سمعت وطئ أقدام قريبة مني ، فنظرت وأذا بصبية قد ظهرت من بين الاشجار وأقتربت من الجثث الثلاث متحذرة متلفتة بخوف الي كل ناحية حتى أذا ما رأت رأس الفتى المقطوع صرخت جزعا وركعت بجانبه وطوقته بزنديها المرتجفتين ، وأخذت تستفرغ الدموع من عينيها وتلامس شعره الجعدي بأطراف أصابعها وتنتحب بصوت عميق جارح خارج من صميم الكبد ولما نهكها البكاء وغلبتها الحسرات أسرعت تحفر التراب بيديها . حتى أذا ما حفرت قبرا واسعا جرت الي الفتى المصروع ومددته على مهل ووضعت رأسة المضرج بالدماء بين كتفية، وبعد أن غمرتة بالتراب غرست نصل السيف الذي قطع عنقة على قبرة ،واذ همت بالأنصراف ، تقدمت نحوها فأجفلت وأرتعشت خوفا ثم أطرقت والدمع السخين يتساقط كالمطر وقالت متنهدة : اشكني الى الأمير ان شئت فخير لي أن أموت والحق بمن خلصني من قبضة العار من أن أترك جسدة طعاما لقشاعم الطير والوحوش الكواسر . فأجبتها قائلا : لا تخافي مني أيتها المسكينة ، فأنا قد ندبت حظ فتاك قبلك ، بل خبريني . كيف أنقذك من قبضة العار .
      فقالت والغصص تطع صوتها : جاء قائد الأمير الى حقولنا ليتقاضى الضرائب ويجمع الجزية ، ولما رآني نظر الي نظرة استحسان مخيفة ، ثم فرض ضريبة باهضة على حقل والدي الفقير يعجز الغني عن دفعها ، فقبض علي ليقتادني قهرا الي الأمير بدلا من الذهب ، فاسترحمته بدموعي فلم يحفل واستحلفتة بشيخوخة والدي فلم يرحم ، فصرخت مستغيثة برجال القرية فجاء هذا الشاب وهو خطيبي فخلصني من بين يدية القاسيتين ، فاستشاط غضبا وهم أن يفتك بة فسبقة الشاب وامتشق سيفا قديما معلقا على الحائط وصرعة بة مدافعا عن حياتة وعرضي ، ولكبر نفسة لم يفر هاربا كالقتلة المجرمين، بل لبث واقفا بقرب جثة القائد الظلوم حتى جاء الجند وساقوه الى السجن مكبلا بالقيود .
      قالت هذا ، ونظرت الي نظرة تذيب الفؤاد وتثير الشجون وولت مسرعة ورنات صوتها الموجعة تولد بين تموجات الأثير اهتزازا وارتعاشا .

      البقية تأتي في المرة القادمة ان شاء الله تعالى

      :confused::confused::confused:
    • الحلقة الرابعة من (صراخ القبور)

      الحلقه الرابعة (صراخ القبور)

      وبعد هنيهة نظرت فرأيت فتى في ربيع العمر يتقدم ساترا وجهه بأثوابه ، حتى اذا ما بلغ جثة الزانية وقف بقربها وخلع عباءتة وستر بها أعضاءها العارية، وأخذ يحفر الأرض بخنجر كان معة ثم حملها بهدوء وواراها التراب ساكبا مع كل حفنة قطرة من أجفانة . ولما أنتهى من عمله جنى بعض الزهور النابتة هناك ووضعها على القبر منحني الرأس منخفض الطرف . واذ هم بالذهاب أوقفتة قائلا: ما نسبة هذه المرأة الساقطة اليك حتى سعيت مخالفا ارادة الأمير ومخاطرا بحياتك لكي تحمي جسدها المرضوض من طيور السماء الجوارح ؟
      فنظر الي وأجفانه المقرحة من البكاء والسهر تتكلم عن شدة حزنةولوعتة، وبصوت مخنوق ترافقه التنهيدات الأليمة قال : أنا هو ذلك الرجل التعس الذي رجمت من أجلة _ أحببتها وأحبتني مذ كنا صغيرين نلعب بين المنازل . نمونا ونما الحب معنا حتى صار سيدا قويا نخدمه بعواطف قلبينا فيستميلنا اليه ونهابه بسرائر روحينا فيضمنا الي صدره .
      ففي يوما وقد غائبا عن المدينه زوجها والدها كرها من رجل تكرهه ، ولما رجعت وسمعت باالخبر تحولت أيامي الي ليل طويل حالك ، وصارت حياتي نزاعا مرا متواصلا . وبقيت أصارع حياتي وأغالب ميول نفسي حتى تغلبت علي وقادتني مثلما يقود البصير ضريرا أعمى . فذهبت الي حبيبتي سرا ، وأقصى مرامي أن أرى نور عينيها وأسمع نغمة صوتها ، فوجدتها منفردة تندب حضها وترثي أيامها ، فجلست والسكينة حديثنا والعفاف ثالثنا ز ولم تمر ساعة حتى دخل زوجها فجأة، ولما رآني أوعزت اليه نياته القذرةفقبض على عنقها الأملس بكفية القاسيتين وصرخ بأعلى صوته : تعالوا وأنظروا الزانيه وعشيقها. فهرول الجيران ثم جاء الجند مستطلعين الخبر فأسلمها الي أيديهم الخشنة فاقتادوها محلولة الشعر ممزقة الثياب . أما أنا فلم يمسني أحد بضرر لأن الشريعة العمياء والتقاليد الفاسدة تعاقب المرأة اذا سقطت ، أما الرجل فتسامحه .
      وعاد الشاب نحو المدينة ساترا وجهه بأثوابه ولبثت أنا ناظرا متأملا متنهدا، وجثة اللص المشنوق ترتجف قليلا كلما هز الهواء أغصان الشجرة كأنها تسترحم بحراكها أرواح الفضاء لتهبط وتمددها على صدر الأرض بجانب قتيل المرؤة وشهيدة الحب .


      البقية تأتي في المرة القادمه بأذن الله تعالى:confused::confused::confused: