قراءة في مقدمة سورة البقرة
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الم
( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ )
القراء ة التفسيرية الأولى : هذا القرآن بدون شك وتردد ( قطعا جازما ) فيه هدى ( دلالة إرشاد ) للمتقين .... ،
القراءة التفسيرية الثانية : هذا القرآن المتلى بين أيديكم قطعا ستجدون فيه إرشاد وهداية ، وهي مشروطة للمتقين أما غير المتقين فلن يجدوا فيه ذلك ....
القراءة التفسيرية الثالثة : هذا القرآن المنزل عليكم لا تشكوا أبدا في أن تجدوا فيه دلالة وإرشاد يا أيها المتقون
القراءة التفسيرية الرابعة : هذا القرآن الكريم ستجدون فيه دلالة وإرشاد .. وسيصل من تمسك بها وسار عليها .. ...
القراءة التفسيرية الخامسة : هذا الكتاب الذي بين أيديكم بدون شك فيه إرشاد لمن يتصفون بالتقوى ..
القراءة التفسيرية السادسة : هذا الكتاب الذي تقرآونه ليس فيه إرشاد لغير المتقين ..
القراءة التفسيرية السابعة : من لم يوصف بالتقوى فلن يجد في هذا الكتاب دلالة ولا إرشاد ..
من هم المتقون الذين سيجدون في هذا القرآن الدلالة والإرشاد ؟
ـ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ...
التقوى في المعنى العام : هي أن تجد من الأشياء ما يكون حائلا ( درئا ) بينك وبين ما لا تريده .. فإذا كان الحائل بينك وبين الغرق في اليم هو إيجاد وسيلة للعوم ، فأنت من المتقين .. هذا على عموم اللفظ .. وإذا أردت أن توجد هذا الحائل لما قد يحدث لك في أمر الغيب ، فإنه يجب عليك أن تبحث عن الوسيلة التي ستنقذك من أخطار الغيب التي لا تعلمها ... .. وشرط لإيجاد هذه الوسيلة أن تكون من المتقين ...
ومن هم المتقون ؟ هم من وجدوا وسيلة النجاة أو وسيلة للاتقاء ....
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)
القراءة التفسيرية الثامنة : هذا القرآن فيه هذى للذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون .
القراءة التفسيرية التاسعة : لتنتفع بهداية هذا القرآن لا بد أن تحقق هذه الشروط الثلاثة ( التصديق بالغيب ، إقامة الصلاة ، الإنفاق مما رزقك الله )
ما هو الغيب : كل ما خفي عنا وابتعد ، هو غيب ... ( غيابة الجب ) ، ويدخل في ذلك كل شيء غاب عن حاستنا
إذا فهو عموم الغيب ... وعموم ما خفي عنا من أمر .. فاللفظ عام يدخل فيه كل ما أبهم عنا ...
ويقيمون الصلاة : الإقامة للصلاة بالمعنى الخاص ، هو هذه الصلوات الخمس المعروفة ، وإقامتها يعني أداؤها .. أما الصلاة بالمعنى العام : فهي الصلة .. والمعنى إيجاد صلة من أي نوع بهذا الغيب . وقد يكون الخوف من أهوال الغيب ومن مجهولاته أحد هذه الصلاة ... فكل خائف من أمر الغيب هو مقيم للصلة به وهي صلة قلبية لأن الخوف من فعل القلب .. وهو نوع إيمان بوجود غيب وخفاء لا نعرفه ، إذ لولا أن يكون نوع إيمان بوجود غيب لما وجد الخوف أصلا.. والخوف درجات فمنه القوي الذي تسارع باتقائه ومنه الضعيف الذي قد لا يدفعك للمسارعة ... وأما عدم وجود الخوف بتاتا فهذا إعراض وتولي بل هو كفر ... والخوف فطرة في الإنسان ، ذلك أن كل إنسان يخاف من المجهول ، لكن هناك من يغالب مشاعر الخوف عنده ويتعامل معه سلبا ، كمن مثلا يعرف أن عليه خطرا في تسلق الجبال فهو يخاف من ذلك لكن متعة التسلق تجعله يتجاهل ذلك الخوف ، فالكفر يأتي أيضا نوعا من التجاهل والإعراض لسبب متعة عاجلة أو الكلال من تحمل مسؤولية لأنها تحرمني من هذه المتعة أيضا .. ونخلص من ذلك أن كل من لديه خوف ولو بسيط من الغيب فإنه مقيم الصلة معه .. ولكن ذلك بتفاوت بين الناس على ما في قلوبهم من خوف واستجابة لدواعي الخوف .. فالكفر غير موجود بالفهم العام لأنه فطري . ولكنه موجود بالمعنى الخاص ..
ومما رزقناهم ينفقون : يدخل في ذلك الصدقة والزكاة بالمعنى الخاص ، وأما بالمعنى العام فكل ما منحه الله للعبد فهو رزق ومن ذلك العلم والأبناء والصحة والمال .. وغير ذلك ... وينفقون : أي يبذلون جزء منه .. ويأتي الإنفاق هنا كنوع من التدعيم للإيمان بالغيب ، فكما أن الصلاة تمثل صلة بالغيب عن طريق التوجه بالدعوات وطلب الهداية من ذلك الغيب الذي أخافه ، فإن الإنفاق يأتي كصلة أخرى من التدعيم للإيمان بالغيب .. وكلاهما ( الصلاة ، والإنفاق ) تعني ضمنا أنني أخاف من الغيب وأطلب النجاة منه عن طريق الصلاة ( دعوته بالهداية لي ) والإنفاق يمثل مستوى إيماني أعلى لأن ما أملكه أهبه لمن أعتقد أنه ملكني إياه ..
(والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ )
يؤمنون : أي يصدقون ...وسمي الصدق إيمانا ، لأن التصديق فيه شعور بالأمان والطمأنينة ، بعكس التكذيب فإن فيه شك وتردد .. وهي حالات شعورية نلمسها عندما يحدثنا شخص معروف عنه الصدق ، فإننا نرتاح ونطمئن لصدقه بغض الخبر عن المنقول إلينا ، وذلك بعكس الكاذب فإننا لا نرتاح له ، وأما من ناحية الخبر المنقول فإننا نرتاح له إذا كان مبشرا لنا ، ولا نرتاح له إذا كان منفرا ،
ويؤمنون بما أنزل إليك .. والخطاب موجه للرسول صلى الله عليه وسلم ، والمقصود به أمته ، فهم يؤمنون بالوحي وما جاء به ( القرآن الكريم ) ويؤمنون بما أنزل من قبلك ( الكتب السابقة ) وهذا يدخل في المبدأ العام بعدالة الله مع خلقه جميعا السابقون واللاحقون ,, حيث أرسل لهم رسلا وأنزل لهم كتبا لهدايتهم جميعا ..
وبالأخرة هم يوقنون : الآخرة تعني التالية ، أي الحياة الآخرى بدليل كلمة آخرة فهو وصف لمؤنث يعني حياة ، وأما يوم الحساب فيقال له اليوم الآخر ، ويوقنون .. الإيقان أشد من اليقين ، وكأن هذا الإيقان هو عملية تتويج لما استمروا في فعلهم في الحياة الدنيا ، وأتت كل هذه المفردات كأفعال مضارعة تدل على الاستمرارية في السلوك والفعل ( يؤمنون بالغيب ، يقيمون الصلاة ، ينفقون ) أما عدا هؤلاء فليس لهم هداية في هذا الكتاب ..ثم قال تعالى في تقرير لهم بالاستفادة من هذا القرآن وقطف ثمرة عملهم :
( أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)ـ