قراءة في السقوط: إ فلاس شركة إنرون المثال ا لأحدث لمساويء العولمة

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • قراءة في السقوط: إ فلاس شركة إنرون المثال ا لأحدث لمساويء العولمة

      بقلم:د. خالد عبد الله
      الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن

      الملف السياسي:
      افلاس شركة إنرون وإفلاس الأرجنتين مثلان صارخان ومدويان لما يؤول إليه حال البلدان في ظل العولمة الرأسمالية، إذ يحكيان قصتين متشابهتين في معالمهما الرئيسية ومختلفتين في جزيئاتهما. فهما يصوران حال المجتمعات حينما تخضع حكوماتها لمتطلبات الشركات، المتعددة الجنسية والمؤسسات المالية والمصرفية الدولية الخاصة والعامة، فتشرع القوانين وتسن اللوائح التي تحمي حرية هذه الغيلان في النهب والإفساد والإفقار.
      ولكن قصة لإنرون تروي للملأ ما لم تفشه رواية الأرجنتين عن أساليب الرشوة ووسائل الضغط على المسئولين والدول، بالرغم من أن إفلاس الأرجنتين قد مس الملايين بالضر بينما تهاوي إنرون ألحق الأذى بالآلاف. وكلا الإفلاسين ليسا بجديدين، فهما متكرران باستمرار لكن على مستوى من الضخامة يقل عنهما.فمن الدول في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا من تحطم اقتصاده أو أوشك ولم يدر به الناس، بل يتوهم الكثير أن الحرب التي هي لازمة التقهقر الاقتصادي الذي تولده سياسات العولمة سبب للخراب الذي يلحق بعديد من هذه البلدان.
      وهناك جملة من الأمور ينبغي قراءتها في سقوط انرون.

      أولاها،

      أن إدارة الرئيس بوش خرجت على ما يبدو قليلا أو كثيرا، وهو ما ستكشف مساحته التحقيقات، عن قواعد الكتاب الرأسمالي. فالدولة الرأسمالية مناط بها أن ترعى مصالح الطبقة الرأسمالية،حيث وظيفتها الأساسية تأسيس البنى القانونية والمؤسسية الملائمة لاحتياجات النظام الرأسمالي والإشراف على تنفيذ القوانين والتشريعات والسياسات المنبثقة عنها.

      وكذلك منع الاختلال في الموازنة بين مصالح الفئات المتعددة في الطبقة الرأسمالية لأن في ذلك مخاطر على استمرار النظام وتطوره. وبشكل عام فإن حكومة بوش تقوم بكل ما قامت به الحكومات الأمريكية السابقة من دعم لمصالح الفئات الرأسمالية باقتراح مشروعات القوانين التي تحقق مصالحها كتخفيض الضرائب مثلا.

      ولكن يبدو أن بوش بحكم مصالح عائلته النفطية درج كما فعل بوش الأب من قبل على الميل بقوة نحو دعم فئة رأسمالية الطاقة يسانده في ذلك نائبه تشيني الذي تضرب جذور مصالحه وعلاقاته في قطاع الطاقة.

      ومحاباة الرؤساء والمشرعين الأمريكان للشركات المتعددة الجنسية عادة معروفة ومقبولة في المجتمع السياسي الأمريكي، فقد أوشك كلينتون، مثلا، أن يعلن الحرب التجارية على أوروبا بسبب إجراءاتها المتحيزة إلى استيراد الموز من إفريقيا ، وذلك لأن شركة شيكويتا الأمريكية المصدرة للموز كانت متبرعا أساسيا في حملاته الانتخابية.

      لكن محاباة حكومة بوش لقطاع الطاقة وبالتحديد لشركة انرون تجاوز المألوف وخرق المعهود.وقد قال أحد المعلقين: «إن مجموعة صغيرة من أصحاب الأعمال تمارس تأثيرا ضخما على بوش من أجل تغيير القواعد لمصلحتهم »، وهو أمر واضح الإشارة إلى شركات الطاقة.

      وغني عن البيان أن بوش سمح لشركة أنرون أن تحسم تعيين المسئولين الفيدراليين عن الطاقة، وهي تشغل مقعدا في الفريق الخاص بشئون الطاقة الذي يرأسه تشيني نائب الرئيس، بل هي التي كتبت خطة الطاقة لهذا الفريق. ومازال نائب الرئيس يرفض بشدة إماطة اللثام عن فحوى المداولات في هذا الفريق، فما الذي يخفيه ويتستر عليه؟ وبطبيعة الحال فإن السماح لفئة محددة أن تعيد كتابة قواعد اللعبة مرفوض لأنه يهدد تماسك الطبقة الرأسمالية.

      دعاوى الانصاف وتساوي الفرص ثانيها،

      إن فضيحة إنرون قد كشفت عن تهافت مقولة التنافس التي تصلي بها الشركات الكبرى جلود المستهلكين في البلدان الرأسمالية والمجتمعات في البلدان النامية. وتبين أن دعاوى الإنصاف وتساوي الفرص ليس لها إلا وزن الخردلة، ومقصود بها السذج أو من لا اختيار لهم إلا التظاهر بالغفلة. فما أزيح الستار عنه حتى الآن من معلومات يفصح عن سلوك يماثل ما درجت عليه عصابات المافيا الحديثة التي لا تمارس القتل ولكنها تتقن الإغراء والتهديد.

      فقد تداولت الصحافة خبر تهديد رئيس شركة إنرون لرئيس لجنة تنظيم الطاقة الفيدرالية «يجب أن تكون متعاونا أكثر إذا ما أردت الاحتفاظ بوظيفتك ». كما أن الشركة أنفقت الكثير على المشرعين والمسئولين أو أقربائهم من أجل استصدار قوانين محابية لنشاطاتها، ومن هؤلاء وزراء خارجية ومالية وتجارة سابقون.

      وإذا كان في إمكانها أن تجند كتائب من أجل تحقيق مصالحها داخل أمريكا فقد وظفت فرقا من أجل فتح أسواق العالم أمام أنشطتها ومشروعاتها. وفعلا استفادت من خدمات وزارتي الخارجية والدفاع وكذلك المخابرات المركزية للضغط على عديد من الحكومات لعقد صفقات معها. وقد كان الرئيس بوش جنديا في خدمتها فقد ضغط على الأرجنتين لتمنح شركة إنرون عقد بناء خط أنابيب غاز إلى تشيلي كما حاول أن يحصل لها على عقد بناء محطة توليد للطاقة في الكويت. ثم إن المسئولين في حكومة كلينتون ساعدوها في الحصول على عقود في الهند وإندونيسيا.

      ولم يتورع هؤلاء المسئولون الأمريكيون عن استخدام التهديد مع البلدان النامية، حيث يروي وزير الموارد الطبيعية السابق في موزمبيق كيف أنه حينما كان يفاوض شركة إنرون لبناء خط أنابيب غاز إلى جنوب إفريقيا تلقى تهديدا من نائب رئيس البعثة«السفارة» الأمريكية مفادها أن أمريكا ستقطع معونة التنمية إذا لم يمض العقد، وأن عليه أن يمضيه بسرعة.

      وأضاف الوزير أنه شعر حينذاك أن نائب رئيس البعثة الأمريكية يتصرف كأنه موظف في الشركة وليس مسؤولا في الخارجية الأمريكية. وفي واقع الحال فإن هذه الخدمات تقدمها السفارات الأمريكية لعموم شركاتها. ولكن الأمر المضحك أن الشركات المتعددة الجنسية التي يكافأ رأسمال الواحدة منها دخل عدة بلدان نامية تفرض على هذه البلدان من خلال حكوماتها أو المؤسسات الاقتصادية الدولية إجراء إصلاحات يسمح لها بالمنافسة في السوق المحلية. ثم لا تكتفي بذلك فتقوم بممارسة التهديد والرشوة لتعقد صفقاتها، ثم تتحدث بملء أفواهها عن حرية التجارة والمنافسة.

      رأس المال واهل الحكم ثالثها،

      سنحت الفرصة للأمريكان وللعالم لأن يطلوا من جديد على العلاقة الوثيقة بين رأس المال وأهل الحكم، فإذا كان السياسيون في البلدان النامية يصلون إلى الحكم راكبين دبابات العسكر فإنهم في أمريكا يصلون إليه راكبين طائرات الشركات المتعددة الجنسية. فتبرعات الشركات التي ليس لها حدود تقرر من ينجح في الانتخابات وهي تعرف على من تراهن من المرشحين، حتى أصبحت الانتخابات مزادا يتبارى فيه المرشحون في رفع مستوى التأييد لمصالح ومطالب هذه الشركات.

      ولا يهم الشركات هوية المرشح الحزبية طالما تيقنت من هواه الفكري، أي التشريعات يؤيد وأي السياسات يحبذ. وكل قطاع اقتصادي له أنصاره في كل المؤسسات التشريعية على مستوى الفدرالية وعلى مستوى الولايات وعلى مستوى المحليات، فالزراعة لها أنصارها والطاقة لها أنصارها وشركات السلاح لها أنصارها وهكذا. ولكن مجموعات الأنصار هذه تتبادل المعروف وتتقاسم الغنائم فيما بينها.

      وقد أدى هذا الحال إلى أمرين.

      الأول، أن عملية التبرعات غير المحدودة قد ضخمت فواتير الانتخابات فعمقت الفساد في الحياة السياسية والعامة حتى طال شراء الضمائر أساتذة في الجامعات وقانونيين أصبحوا يفتون، على غرار فتاوى البعض لدينا، لمخالفة القوانين وانتهاك القيم الأخلاقية من أجل تمكين الشركات المتعددة الجنسية من التغرير بالجمهور وإخفاء المعلومات عنه تماما كما توضح تجربة إنرون.

      الثاني، أن الإنفاق المتضخم على الانتخابات لا يقدر على تغطيته إلى حد كبير إلا الشركات المتعددة الجنسية والمؤسسات المالية والمصرفية الضخمة، بينما تعجز الفعاليات الاقتصادية الأصغر حجما عن مجاراتها. وينجم عن ذلك إخلال في التوازن بين مصالح الفئات الرأسمالية لمصلحة الأولى. ولذلك بدأ الصراع يطفو إلى السطح تحت شعار إصلاح النظام الانتخابي.

      رابعها،

      أن هذه الفضيحة قد تعود بصورة بوش إلى ما كانت عليه في الأشهر الأولى لحكمه حينما كان التشكيك في شرعية انتخابه في أوجها.فقد جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول« سبتمبر» لتنتشله من وهدته وتخرجه من محنته.حيث تمكن في ظلال الأزمة أن ينسي الجمهور الأمريكي أزمته السياسية والاقتصادية وأن يبنى لنفسه صورة الذي يرتفع إلى مستوى التحديات فيقبل تحدي أفغانستان ويقود بلاده إلى الثأر.لكن عمق علاقته وأسرته مع شركات الطاقة قد يؤدي بالجمهور الأمريكي لأن يرى بوش كما رآه سابقا سياسيا ككل السياسيين لكن بتحيز راسخ نحو الأغنياء.وحينذاك ستفتح كل الملفات القديمة.ولأنه يخشى ذلك فهو في بحث متواصل عن حدث يلوي أعناق الاهتمام إليه.

      خامسها،

      أن الفساد في البلدان الصغيرة محبط لتقدمها ومكبل لشعوبها، ومع ذلك فإن مدى تأثيره لن يتجاوز حدودها.لكن الفساد في الدولة الأعظم في العالم التي كلمتها فصل في المنظمات الدولية ورأيها حاسم في المشكلات العالمية ستكون أصداء أضراره فادحة في البلدان الصغيرة والفقيرة.فإذا كانت هذه الشركات قادرة أن تشتري الذمم في بلادها وتلحق الأذى في مواطنيها، فما عساها صانعة بالآخرين؟ ولعل قراءة متأنية ومتبصرة في غزوات العولمة على البلدان النامية في العقد الأخير من القرن الماضي ستكشف عن يد الشركات المتعددة الجنسية في ك بلدان الجنوب