الثقافة وتأويل الشيطان !

    • الثقافة وتأويل الشيطان !

      الثقافة وتأويل الشيطان !
      وإذا كانت الثقافة أخذ عليها في فهم مبتسر ، أنها كم المعلومات ، فإن الجانب التطبيقي ( السلوك ) يبقى هو المحك الصدقي للمثقف ، وكل إنسان لديه من الثقافة مايسلك به دروب هذه الحياة ، وربما كان الشيطان أفضل منا ـ نحن البشر ـ ، ثقافة ّ!

      ولدى عالمنا الكثير من التنوع الثقافي ، فهناك الثقافة الأنجلوسكسونية والثقافة اليهودية والشيوعية والشيعية وغيرها .. ، وحظ كل تابع لهذه الثقافة هو ما يحيله إلى ممارسة وتطبيق ، فمعرفتي بالثقافة المسيحية لا تعني بالضرورة أنني مسيحي لأني لا أمارسها سلوكا ، وكذلك معرفتي بالثقافة اليونانية القديمة لا تعني أنني أثيني ، وعلى هذه القاعدة فمعرفتي للثقافة الإسلامية لا تعني أنني مسلم مالم أمارس التعاليم الإسلامية ، لأن الثقافة تعني بالضبط الوجه المسلكي لها ، وعلى هذا فالثقافة لأي إنسان تعني تمثله للثقافة ذاتها ، أي ممارستها على وجه التطبيق أو التنفيذ أما غير هذا فلا معنى له .. وإذا ما أردنا بسط هذا التعريف على وجه التحديد فإنه يمكن القول: أن ثقافتي أنا هي ما أنا عليه تما ما في مسلكي لحياتي ، لا ما يفترض أن أكون عليه .. فكلنا يعرف تلك المباديء العظيمة وتلك الأخلاق الفاضلة ، ومع هذا فهي قد لا تعني ثقافتنا وإنما علمنا وإدراكنا النظري ـ لأن الثقافة تعني السلوك لا الإثراء المعرفي .. وإنما كسب هذا المصطلح لظرف ما مشروعيته بتوسع وهامش كبير من التسامح ، بناء على أخطاء معرفية متراكمة .......واستعرض الآن براهين لبيان الهوة الشاسعة وذلك الإنفصام العجيب الذي أحدثه انزياح مفهوم الثقافة عن مدلولها المعرفي الحقيقي :
      فهاهي الثقافة المسيحية ومالدى رهبانها وقساوستها من مباديء جليلة ـ بغض النظر عن صحة منطلقاتها ـ فإن أتباعها ينحون بعيدا عن مدلولها المعرفي ( الممارسة ) ، فأين منهم وقد ملكوا قوة التسخير والتمثل لما يعتقدونه ، أين إنعكاسات تلك المباديء الجليلة في عالمنا الذين أشبعوه مكرا وتنكيلا وجراحا من مقولة المسيح عليه السلام ( إذا صفعك أحدهم على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ) إن هذا المبدأ ركن على أرفف السقائف والكنائس ولم يجد له طريقا للممارسة ..
      وهاهم أمة المليار أيضا تتبعها وتدخل جحر الضب الكريه نفسه إلا ما شاء الله ، مع أنها تمتلك أغلى كنز معرفي ، وأعظم رحمة أنزلها الله للعالمين ( القرآن والسنة ) ومع ذلك تهجره وتتملق الثقافات المبتذلة على المستوى السياسي والاقتصادي وغيره ..

      إن الثقافة الحقيقية هي ليس ما أعتقده ، بل ما أمارسه ، لأنها تعني تحويل الاعتقاد إلى عمل ..ويقابلها المسمى القرآني ( التقوى ) وأما ما عدا ذلك فهو دجل ونفاق .. فلله كم منا من لازمته خصلة من خصال النفاق ، وثوقا في نجاعتها ؟!
      إننا نقع تحت ذكاء وخداع شيطاني مارد لا يكشف زيفه إلا ما بأيدينا من الهدي والنور الإلهي ، هذا المارد يتأول لنا بعض ممارساتنا ليكسبها مشروعيتها ، ولا شك هذا ديدنه منذ عهد قديم .. إن طاعة الشيطان عبادته ، واستمع إلى إبراهيم عليه السلام حين قال ( يا أبتي لا تعبد الشيطان ) مع أن أبي إبراهيم كان يعبد صنما لا شيطانا !! فجعل تأويل الشيطان هو الشيطان نفسه ولا فرق !
      واستمع إلى مجادلة الشيطان على لسان أتباعه ، في قول ربنا سبحانه وتعالى ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) فها هو يلقنهم الحجة في زعمهم ..ولعل هذه الآية تسعفني في توضيح الفكرة بشكل أعمق لأبين أن قولهم هذا تطابق مع فعلهم ، فهذه هي إذا ثقافتهم !!
      إن ثقافتنا حين تبتعد عن الهدي القرآني .. تصبح تأويلا قابلا لنزغ الشيطان ..
      والذي يفعل الفاحشة ، ثم يقول : الله غفور رحيم ، إنما هو تلقين للحجة على يد الغرور ... بعد أن أنساه الشيطان أن يأخذ الآية في سياقها ، ووضعه في قائمة من يؤمنون ببعض الكتاب ...
      ..... والتاجر الذي يتنكب الصراط المستقيم بمعاملاته الربوية والغش والتدليس هو في الحقيقة متمثل لثقافته تلك الثقافة التي تبحث له عن تأويل مناسب ثم تشرعنه !!،
      فممارستنا لشيء هي عين ثقافتنا ..وفي قوله سبحانه وتعالى ( وشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ) هو إذا شهادة على الممارسة الفعلية ...
      ولعلنا نحن المسلمين ، تعرضنا لأكبر عملية زيف وخداع نتيجة الغياب الطويل عن دراسة موروثنا .. فبمقارنة بسيطة بين مصطلحي الثقافة والتقوى نجد هناك الكثير من التقاطعات ، حتى وكأن المعنيين لا يفترقان كثيرا عن بعضهما ،
      فالثقافة : هي من ثقف الشيء أي توصل إليه وتحكم فيه ، وهي أيضا من تشذيب الأشجار أي فرز أغصانها حتى لا تتشابك .. وعندما أقول هو مثقف : أي أنه يسلك حياته بسهولة ويسر دون الاشتباك والالتحام مع المعوقات ..
      أما التقوى : فهي من اتخاذ وقاية تقيه من غوائل العاديات ... وقد شبهت في أقوال أحد الصحابة عندما سئل عنها فقال للسائل : ألم تسر في طريق يوما فتجد فيه شوكا ، فرد السائل : نعم ، فقال : فما فعلت ، قال : بعدت عن هذا وأبعدت هذا ... حينها رد عليه الصحابي رضوان الله عليه بقوله : فهذه هي التقوى ... إذا فالمعنيين يكادان يتوحدا لأنهما جميعا مرتبطان بالسلوك ...
      وفي نفس الوقت يحملان تقاطعا ضديا ، لأن الثقافة أكثر ارتباطا بالحياة الدنيا ، لأننا درجنا على القول بأن الروائي مثقف والكاتب مثقف وهلم جرا .. بينما التقوى تمتد من هنا إلى هناك أي من الدنيا إلى الآخرة قربا وبعدا بقدر تمثلنا لها ، ويقابله في المعنى الإسلامي (التقي ) .. ونجمل لذلك بقاعدة هي القول : بأن كل تقي مثقف وليس كل مثقف تقي .. فهي علاقة عموم وخصوص ..
      إنك حين رميت يوما مطرقة على الأرض فأحدثت صوتا وارتطاما شديدا ، كان هذا هو حقيقة فعلها ، وهو الفعل الذي يجب أن توصف به ، لا أن توصف بالذي كان يجب أن تحدثه ولا الذي كان يفترض أن تكون ، ولا بكل كلمات لو ولو كان ولو كانت لكانت ولو لم تكن لكانت ، وعليه في القياس أن الذي كان يمارس الرذلية أو مازال يمارسها حتى الآن في غفلة وخفية عن الناس خوفا أو حياء ، إو ظنا بأن الله غافلا عنه ، فإنه ممارس للرذيلة ، وهذه هي حقيقة ثقافته بالضبط ، لأنها أجازت له وأولت له هذا السلوك المشين ... فثقافته هي هي ممارسة الرذيلة في غفلة من الناس ،
      وليست ثقافتنا تلك المعلومات والمبادئ والمثل التي نعتقدها ولا نمارسها ،
      وليست ثقافتنا ذلك الكم الهائل من الآيات والأحاديث والقصص والفتاوى والعبر نجمعها ثم نضعها في الذاكرة أو نباهي بها الملأ ـ
      ولو كان تكثير المعلومات وتنسيقها هو ثقافتنا ، لكانت الذاكرة الكمبيوترية ذات ثقافة عالية !!!! ولكن الكمبيوتر لا ينتقل إلى الممارسة ، فهو إذا غير مثقف !!

      أخيرا أختتم بالقول : أن ممارسة أي إنسان لسلوك معين هو عين ثقافته وهي نبع تأويلاته ...

    • اهلا بك سيدي . وشكرا على هذه التعاريف الجميله التي ربما نفقدها ولا نجدها فى قواميسنا ..

      لك شكري وفي اعتقادي اقرب هذه الكلمات في الساحة العامة ..