سكرات الموت
كفى بالموت واعظاً وزاجراً عن المعاصي والشهوات لمن تذكره وتدبر فيه، فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في واسع إلا ضيقه، كما أن أهوال البعث كافية لتنبيه الغافل ودعوته إلى الله، فهذه حقائق يمر بها كل مخلوق حتى الأنبياء، فيا سعادة من تذكر فأصلح عمله، ويا خسارة من عاش في سكرة الغفلة حتى داهمه ملك الموت.

الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه،
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
[لقمان:30] عالم الغيب والشهادة الذي يستوي في علمه ما أسر العبد وما أظهر، الذي يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، جبار السماوات والأرض، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، إنما قوله لشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون. وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك -عليك يا سيدي يا رسول الله- صلاة وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء ويا سيد المرسلين، وأشهد لك يا سيدي ويشهد معي الموحدون أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت ربك حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيله حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسى وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين حتى علمت الجاهل يا سيدي، وقومت المعوج يا سيدي، وأمنت الخائف يا سيدي، وطمأنت الخلق يا سيدي، ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلى الله وسلم وبارك عليك يا رسول الله صلاة وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء ويا سيد المرسلين. أما بعد: فيا أيها الأحباب؛ أحباب الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم! تعالوا بنا لنطوف سوياً في روضة القرآن الكريم، ومع اللقاء العاشر على التوالي ما زلنا نطوف مع حضراتكم في بستان سورة مريم، ونكرر القول بين يدي كل لقاء من لقاءات تفسيرنا لهذه السورة المباركة ونكرره ونقول: أولاً: إن عقيدتنا نحن المسلمين هي أننا نوحد الله جل وعلا، ونعلنها صريحة في كل زمان ومكان، ونقول جميعاً: لا إله إلا الله، كلمة التوحيد والإخلاص. أما بالنسبة لتفسير الآيات فلقد توقفنا في اللقاء الماضي عند آخر مؤهل من مؤهلات النبوة عند يحيى عليه السلام على حسب تعبير صاحب ظلال القرآن الشيخ سيد قطب عليه رحمة الله، قلنا: إن الله قد زود يحيى عليه السلام بمؤهلات لحمل الأمانة الكبرى والمسئولية العظمى، هذه المؤهلات هي
وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا* وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا
[مريم:12-14] وانتهينا في اللقاء الماضي عند معنى كلمة (عصياً)، وشرحنا في اللقاء الماضي معنى كلمة: (لم يكن جباراً عصياً)، وبهذا نكون قد أنهينا اللقاء عن مؤهلات النبوة عند يحيى عليه السلام، وبعد هذه الصفات الغالية التي زود الله بها يحيى يسلم الله عز وجل عليه فيقول:
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
[مريم:15]. انظروا يا أحباب! الله سبحانه وتعالى يسلم عليه في مواطن ثلاثة هي أشد ما تكون على الإنسان: يوم أن يولد، ويوم أن يموت ويوم أن يبعث حياً ليلقى الله الحي الذي لا يموت، يسلم الله عليه في هذه الأحوال الثلاثة وفي هذه المواقف الثلاثة، فيقول:
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
[مريم:15]. ذكر الإمام ابن كثير عن قتادة أن الحسن قال: التقى يحيى وعيسى عليهما السلام، فقال عيسى ليحيى: ادع الله لي فإنك أفضل مني، فقال يحيى لعيسى: بل أنت أفضل مني يا عيسى، فقال عيسى: لا يا يحيى، بل أنت أفضل مني؛ لأنني أنا الذي سلمت على نفسي فقلت:
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً
[مريم:33]، أما أنت فقد سلم الله عليك فقال:
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
[مريم:15]. ......

هذه الأحوال هي أشد الأحوال والأوقات التي يمر بها الإنسان: يوم أن يولد، ويوم أن يموت، ويوم أن يبعث حياً، لماذا أيها الأحباب؟ لأن العبد في هذه الأحوال الثلاثة ينتقل من عالم إلى عالم آخر جديد غريب عليه، فهو ينتقل في المرحلة الأولى من عالم الأحشاء في بطن أمه إلى عالم الدنيا، ثم بعد ذلك يترك عالم الدنيا إلى عالم البرزخ، فيترك القصور والدور إلى عالم الدود والقبور، ثم بعد ذلك يترك عالم البرزخ إلى عالم البعث، إلى العرض على محكمة الله جل وعلا، فما بين مسرور محبور، ومحزون مثبور، وما بين جبير وكسير، فريق في الجنة وفريق في السعير، أحوال ثلاثة عجيبة، أحوال شديدة على أي إنسان، يوم أن يولد ويوم أن يموت ويموت أن يبعث حياً. المرحلة الأولى هي المرحلة التي ينتقل فيها الإنسان من عالم الرحم والأحشاء، ذلك العالم الآمن الأمين الحصين المكين، هذا العالم الذي تكلف الله برعايته له بكل شيء، وما كلفه الله في هذا العالم بأي شيء، فيد الله وحده هي التي ترعاه وترزقه: وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك الله وحده هو الذي يرعاك وأنت في هذه الأحشاء، وأنت في هذه الأجواء، وأنت في هذا العالم العجيب، يد الله وحده هي التي ترعاك، ويد الله وحده هي التي ترزقك، ويد الله وحده هي التي تتكفل بعنايتك ورعايتك: وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك ومن الذي يقدم له رزقه؟! ومن الذي يتكفل له بطعامه وشرابه؟! ومن الذي يتكفل بتنفسه في هذا العالم؟! إنه الله رب العالمين. وفي الوقت الذي قدر الله له فيه أن يخرج من ذلك المكان الآمن يخرج إلى عالم الشقاء، يخرج إلى عالم الدنيا، يخرج إلى عالم الفتن والشهوات والشيطان، فيستقبله الشيطان منذ أول لحظة نزل فيها إلى هذه الحياة والمولدة تولده، فيستقبله الشيطان فيطعنه فيصرخ المولود، وهذا كما أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم، في جزء من حديث صحيح أخرجه البخاري و مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مولود يولد إلا ويمسه الشيطان، فيستهل المولود صارخاً من مس الشيطان إياه). من هذه اللحظة تبدأ في مصارعة الشيطان والأهواء والفتن، وتعيش في هذه الحياة ما قدر الله لك أن تعيش تصارع الشيطان وتصارع النفس الأمارة بالسوء، وتصارى الأهواء، وتظل في هذه الحياة ما قدر الله لك فيها. ......

ثم تأتي اللحظة التي قدر الله عز وجل لك فيها أن تترك عالم الدنيا إلى عالم البرزخ، أي: إلى عالم الفناء.. إلى عالم القبور، فيأتي الموت في اللحظة التي حددها الله تبارك وتعالى لك، فينقلك الموت -بعظمة الله جل وعلا- من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب. هذه هي المرحلة الثانية مرحلة الموت، يوم أن تنتقل بعد مولدك وبعد حياتك وبعد عيشك إلى عالم يسمى بعالم البرزخ، إلى عالم الفناء، إلى عالم الحق عند الله الحق جل وعلا. ......

الاستعداد للموت

الموت، الموت أيها الأحباب، ولقد تكلمت كثيراً كثيراً عن الموت، ولكن يجب علينا أن نتكلم عن الموت في كل زمان وفي كل مكان، ويجب علينا أن نذكر الموت في كل ساعة من ساعات حياتنا، وفي كل ساعة من ساعات عمرنا، كما أخبرنا وأمرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، يقول في حديثه الصحيح الذي خرجه النسائي وخرجه الترمذي وخرجه ابن ماجة من حديث عمر بن الخطاب ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أكثروا من ذكر هادم اللذات، قالوا: وما هادم اللذات يا رسول الله؟ قال: الموت) هادم اللذات هو الموت، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نكثر من ذكر الموت. ولما سأله رجل من الأنصار وقال: (يا رسول الله! من أكيس الناس؟ قال صلى الله عليه وسلم: أكيس الناس أكثرهم ذكراً للموت، وأكثرهم استعداداً للموت، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة) رواه الطبراني بإسناد حسن. العاقل اللبيب هو الذي يذكر الموت، وهو الذي يستعد للموت، وهو الذي يذكر نفسه دائماً وأبداً بالموت، وهو الذي يعلم علم اليقين أن هذه الحياة مهما عاش فيها فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة، لأن الليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لا بد من دخول القبر، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: (الكيس -العاقل- من دان نفسه -أي: من حاسب نفسه- وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني)، هذا هو المغرور الذي يتواكل على سعة رحمة الله ولا يعمل، الذي يتواكل على سعة عفو الله وهو في المعاصي ليل نهار، ويقول: إن الله غفور رحيم، وما الذي أنساك أن الله شديد العقاب للعاصين والمذنبين والمقصرين؟ إنها الحقيقة الكبرى أيها الأحباب، حقيقة الموت، إنها الحقيقة الكبرى في هذا الوجود، الحقيقة التي خضع في محرابها المتكبرون والمتجبرون، إنها الحقيقة الكبرى التي تسربل بها العصاة والطائعون والرسل والأنبياء والمقربون والأصفياء. إنها الحقيقة الكبرى التي ترن في أذن كل سامع وعقل كل مفكر قائلة: إنه لا بقاء إلا لله وحده، ولا ألوهية إلا لله وحده، ولا حاكمية إلا لمن تفرد بالبقاء والجلال، فـ
كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[القصص:88]. إنها حقيقة الموت التي قال الله تبارك وتعالى عنها:
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
[ق:19] فالحق أنك تموت والله حي لا يموت. (وجاءت سكرة الموت بالحق): والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ترى ملائكة العذاب. (وجاءت سكرة الموت بالحق): والحق أن تكون حفرتك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد): ذلك ما كنت منه تهرب، ذلك ما كنت منه تفر، ذلك ما كنت منه تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع خوفاً من الموت، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ خوفاً من الموت، ولكن أيها القوي الفتي، أيها العبقري، يا أيها الكبير ويا أيها الصغير: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) وصدق من قال: كل باك فسيبكى وكل ناع فسينعى وكل مدخور سيفنى وكل مذكور سينسى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد): ذلك ما كنت منه تفر، ذلك ما كنت منه تهرب، ولكن أين المفر؟ أين المآل؟ وأين المصير؟! إن المصير إلى الله، وإن المآل إلى الله، وإن المنتهى إلى الله، وإن المرجع إلى الله جل وعلا.

صوت الحق ينادي المحتضر

وبينما هو يتمنى يأتيه صوت الحق من الله جل وعلا، يقول تبارك وتعالى:
فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
[الواقعة:83-96].
كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى
[القيامة:26-40] بلى قادر! دع عنك ما فات في زمن الصبى واذكر ذنوبك وابكها يا مسلم لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب فالليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخي الوهم تعب الذنب بالذنب وتخطي الخطأ الجم أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب وما في نصحه ريب أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم فكم تسير في السهو وتختال من الزهو وتنفض إلى اللهو كأن الموت ما عم كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم بذا أوصيك يا صاح وقد بحتك من باح فطوبى لفتى راح بآداب محمد يأتم

كل شيء هالك إلا وجه الله عز وجل

الحقيقة الأولى في هذا الوجود هي وحدانية الله جل وعلا، وهي أن تقر بهذه الحقيقة وهي لا إله إلا الله، ثم الحقيقة الثانية هي أن كل شيء هالك إلا وجه الله جل وعلا. (الموت)، من منا يفكر بالموت؟ من منا يذكر الموت؟ من منا يستعد للموت؟ من منا عمل لهذا اللقاء؟ من منا عمل للقاء الله جل وعلا؟ من منا استعد لسؤال الملكين في دار الحقيقة دار البرزخ، دار الصدق، دار الحق؟ من منا استعد؟ ما من يوم يمر علينا إلا ونشيع فقيداً، ما من يوم يمر علينا إلا ويموت بيننا ميتاً أو ميتة، ولكن ربما ذهبنا معه إلى القبور، وربما رأينا الموت حقيقة أمام أعيننا وبين أيدينا؛ ولكن إذا نظرت إلى الناس وجدتهم ينسون الموت، ويتكلمون في أمور الدنيا! هذا هو الحال، ولكن اعلم أيها الحبيب أنه لا مفر لك، وحتى تعلم أنه لا يمكن لأي قوة على ظهر هذه الأرض أن تحول بين الإنسان وبين هذه الحقيقة الكبرى مهما كانت تلك القوة، مهما كان منصبه، ومهما كان جاهه، ومهما كانت أموالك، ومهما كان غناك، فلن تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تحول بينك وبين هذه الحقيقة، إنها حقيقة الموت. انظر حينما تأتي ساعة الصفر ويقترب الأجل، وتتلاشى اللحظات الأخيرة من عمرك، وتنام على فراش الموت، وحولك أولادك وأحبابك يبكون، والأطباء من حولك يحاولون؛ بذلوا لك كل رقية، وقدموا لك كل دواء، وقدموا لك كل علاج. فأنت من أنت؟ أنت صاحب الأفعال، وأنت صاحب الجاه، وأنت صاحب السلطان، وأنت صاحب المنصب، وأنت الغني، بذل الأطباء لك كل رقية، وقدموا لك دواء، وبذلوا لك كل علاج، ولكن انظر إليه قد اصفر وجهه، وشحب لونه، وتصبب جبينه بالعرق، وتجعد جلده، وبدأ يحس بزمهرير قارس يزحف إلى أنامل يديه وقدميه، ويريد أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل لا يزحزح، وينظر إلى من حوله من أحبابه، إلى أهله، إلى أقاربه، فيراهم تارة يبتعدون، وتارة يقتربون، ومرة يسمعهم ومرة لا يسمعهم، ويرى الغرفة التي هو فيها والفراش الذي هو ممتد عليه، يرى هذه الغرفة تتسع مرة كالفضاء الموحش، ومرة تضيق فتصير كخرم إبرة، وهو بين هذه السكرات، وبين هذه الكربات، وفي هذا الحزن الشديد. فلقد فاتته الآمال ولم يحققها، بنى داره وجهد واجتهد وكنز الأموال، فهو بين حزن شديد على ما فات وبين غم شديد على أنه لا يدري ما الذي سيلاقيه بين يديه من هذا العالم الجديد، عالم البرزخ الذي سيترك عالم الدنيا ويدخل إلى هذا العالم بعد الموت. هو في هذه السكرات، وفي هذه الكربات، وبين هذا الغم والهم، ينظر فجأة فيرى ملائكة من بعيد تقترب، يا ترى أهذه الملائكة التي أراها هي ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟! يا ترى هذا الذي جلس عند رأسي ملك الموت ينتظر الأجل أن يوفى من الله كما قدر الله جل وعلا؛ هل سينادي على روحي ويقول: يا أيتها الروح الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، ورب راض غير غضبان، أم سينادي ويقول: يا أيتها الروح الخبيثة أخرجي إلى سخط الله وعذابه؟ يا ترى هل ستكون حفرتي روضة من رياض الجنة أم ستكون حفرة من حفر النيران؟ بين حزن شديد على ما فات، وبين غم شديد؛ لأنه لا يدري ما الذي سيلاقيه، ما الذي سيكون بين يديه. ينظر إلى أولاده وإلى أحبابه وإلى أهله الذين التفوا من حوله يبكون، فينظر إليهم حينما يفيق بين السكرات والكربات نظرة كلها استعطاف، نظرة كلها شفقة، نظرة كلها رجاء، نظرة كلها رحمة، نظرة كلها سؤال، ويقول لهم: يا أولادي، يا أحبابي- فدوني بأعماركم، لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، من منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين، أنا صاحب الأموال، أنا الذي بنيت الدور، وأنا الذي بنيت القصور، وأنا الذي جمعت المال، وأنا الذي جهدت واجتهدت، فافدوني بأعماركم، زيدوا في عمري ساعة أو ساعتين، أريد أن أستمتع بالأموال، أريد أن أستمتع بالسيارات، أريد أن أستمتع بالعمارات، ولكنه في واد والناس في واد آخر!

لا تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تحول بينك وبين هذه الحقيقة مهما كان جاهك، ومهما كان منصبك، ومهما كانت قوتك، لا يمكن بأي حال
وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
[النساء:78]؛ لأن الذي أصدر الأوامر لملك الموت هو من يقول للشيء كن فيكون، إنه الله رب العالمين. فيا أيها الغافلون! ويا أيها اللاهون! ويا أيها الساهون! ويا أيها المذنبون! ويا أيها الظالمون! ويا أيها المقصرون! اعلموا أنكم راحلون إلى الله جل وعلا، اعلموا أنكم ستقفون بين يدي الله جل وعلا، فيحاسبكم عن القليل والكثير، وعن النقير والقطمير، وعن الصغير والكبير،
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه
[الزلزلة:7-8]. ......

علي بن أبي طالب يعاني سكرات الموت

وهكذا لما احتضر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد أن ضربه ابن ملجم عليه لعنة الله، كان لا يقول إلا هذه الكلمة: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله أخلو بها وحدي، لا إله إلا الله يغفر بها ذنبي، لا إله إلا الله يجبر بها كسري، لا إله إلا الله يقبل بها عملي، لا إله إلا الله ألقى بها ربي. هكذا كان يقول علي إلى أن لقيت روحه ربها جل وعلا.

المأمون وهارون الرشيد يحتضران

ولما احتضر هارون الرشيد ونام على فراش الموت طلب أن يرى كفنه، ونظر إلى كفنه بعينيه قبل أن يموت، وبكى وبكى وبكى، ثم قال:
مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ
[الحاقة:28-29]، أين المال؟ وأين منصبي؟ وأين جاهي وأين سلطاني؟ وأين مرءوسي؟ وأين خدمي وأين حشمي؟ وأين عماراتي؟ ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانية! ولما احتضر المأمون أمرهم إذا أفاق من سكرات الموت أن يحملوه فيرى قبره بعينيه قبل أن يموت، فحملوه إلى قبره، فنظر إلى قبره وقبض على لحيته، وأخذ يبكي ويبكي ويبكي، ثم رفع رأسه إلى الله وقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. ويروى أن أحد الصالحين قام فجعل لنفسه في بيته قبراً، وكلما سيطرت عليه الشهوات، وسيطرت عليه الدنيا، وسيطرت عليه الفتن؛ نزل إلى هذا القبر الذي حفره بيديه، ويغلقه على نفسه بخشبة أعدها لذلك، ويظل يصرخ في قبره ويصيح ويقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت، ويظل يصرخ ويصيح بأعلى صوته حتى تنقطع أنفاسه، ويغرق في عرقه، فيقلع الخشبة ويخرج إلى النور والهواء، ويبكي ويقول: ها أنت يا نفس قد عدت.

عمرو بن العاص يصف الموت

لما حضرَت الَوفاة عمرو بن العاص صعد إليه ولده وقال له: يا أبتي! لقد كنت تتعجب ممن نزل به الموت ولا يستطيع أن يصف الموت، ولقد نزل الموت بك اليوم، فصف لي الموت يا أبتاه! فماذا قال عمرو بن العاص ؟! قال: يا بني! إن الأمر أكبر مما كنت أتوقع بكثير، إن أمر الموت أكبر من هذا بكثير، ولكنني سأصف لك شيئاً منه، والله إنني لأحس الآن أن في جوفي شوكة عوسج، وأن على شفتي جبلاً عظيماً، وإن روحي كأنها تخرج من ثقب إبرة، وأن السماء قد أطبقت على الأرض وأنا بينهما. هذا قليل من كثير! ويكفيك في سكرات الموت وكربات الموت، أن ترى ملك الموت، فلرؤية وجه ملك الموت أشد من آلاف الضربات بالسيوف، رؤية وجه ملك الموت أشد من ضربة بسيف، فيا أيها المسلمون، يا أيها العاصون، يا أيها المذنبون، يا أيها الغافلون، يا من تمرحون وراء الفتن، ويا من تمرحون وراء الهوى، ويا من تمرحون وراء الشهوات، ويا من تعصون الله ليل نهار! انتبهوا فإن الموت قريب، إن الموت يأتي بغتة، وبعد الموت ستعرضون على الله فرداً فرداً، وستسألون أمام الله حرفاً حرفاً،
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه
[الزلزلة:7-8]. هذه هي المرحلة الثانية، يوم أن تنتقل بالموت من عالم الحياة إلى عالم الفناء، من القصور إلى القبور، من ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، من ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، من التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب. أسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم ممن ختم الله لهم عند موتهم بالتوحيد، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
:)
كفى بالموت واعظاً وزاجراً عن المعاصي والشهوات لمن تذكره وتدبر فيه، فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في واسع إلا ضيقه، كما أن أهوال البعث كافية لتنبيه الغافل ودعوته إلى الله، فهذه حقائق يمر بها كل مخلوق حتى الأنبياء، فيا سعادة من تذكر فأصلح عمله، ويا خسارة من عاش في سكرة الغفلة حتى داهمه ملك الموت.
سلام الله على يحيى بن زكريا في أشد الأحوال التي تمر على الإنسان

الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه،
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
[لقمان:30] عالم الغيب والشهادة الذي يستوي في علمه ما أسر العبد وما أظهر، الذي يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، جبار السماوات والأرض، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، إنما قوله لشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون. وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك -عليك يا سيدي يا رسول الله- صلاة وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء ويا سيد المرسلين، وأشهد لك يا سيدي ويشهد معي الموحدون أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت ربك حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيله حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسى وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين حتى علمت الجاهل يا سيدي، وقومت المعوج يا سيدي، وأمنت الخائف يا سيدي، وطمأنت الخلق يا سيدي، ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلى الله وسلم وبارك عليك يا رسول الله صلاة وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء ويا سيد المرسلين. أما بعد: فيا أيها الأحباب؛ أحباب الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم! تعالوا بنا لنطوف سوياً في روضة القرآن الكريم، ومع اللقاء العاشر على التوالي ما زلنا نطوف مع حضراتكم في بستان سورة مريم، ونكرر القول بين يدي كل لقاء من لقاءات تفسيرنا لهذه السورة المباركة ونكرره ونقول: أولاً: إن عقيدتنا نحن المسلمين هي أننا نوحد الله جل وعلا، ونعلنها صريحة في كل زمان ومكان، ونقول جميعاً: لا إله إلا الله، كلمة التوحيد والإخلاص. أما بالنسبة لتفسير الآيات فلقد توقفنا في اللقاء الماضي عند آخر مؤهل من مؤهلات النبوة عند يحيى عليه السلام على حسب تعبير صاحب ظلال القرآن الشيخ سيد قطب عليه رحمة الله، قلنا: إن الله قد زود يحيى عليه السلام بمؤهلات لحمل الأمانة الكبرى والمسئولية العظمى، هذه المؤهلات هي
وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا* وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا
[مريم:12-14] وانتهينا في اللقاء الماضي عند معنى كلمة (عصياً)، وشرحنا في اللقاء الماضي معنى كلمة: (لم يكن جباراً عصياً)، وبهذا نكون قد أنهينا اللقاء عن مؤهلات النبوة عند يحيى عليه السلام، وبعد هذه الصفات الغالية التي زود الله بها يحيى يسلم الله عز وجل عليه فيقول:
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
[مريم:15]. انظروا يا أحباب! الله سبحانه وتعالى يسلم عليه في مواطن ثلاثة هي أشد ما تكون على الإنسان: يوم أن يولد، ويوم أن يموت ويوم أن يبعث حياً ليلقى الله الحي الذي لا يموت، يسلم الله عليه في هذه الأحوال الثلاثة وفي هذه المواقف الثلاثة، فيقول:
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
[مريم:15]. ذكر الإمام ابن كثير عن قتادة أن الحسن قال: التقى يحيى وعيسى عليهما السلام، فقال عيسى ليحيى: ادع الله لي فإنك أفضل مني، فقال يحيى لعيسى: بل أنت أفضل مني يا عيسى، فقال عيسى: لا يا يحيى، بل أنت أفضل مني؛ لأنني أنا الذي سلمت على نفسي فقلت:
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً
[مريم:33]، أما أنت فقد سلم الله عليك فقال:
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
[مريم:15]. ......انتقال الإنسان من عالم الأحشاء إلى عالم الدنيا

هذه الأحوال هي أشد الأحوال والأوقات التي يمر بها الإنسان: يوم أن يولد، ويوم أن يموت، ويوم أن يبعث حياً، لماذا أيها الأحباب؟ لأن العبد في هذه الأحوال الثلاثة ينتقل من عالم إلى عالم آخر جديد غريب عليه، فهو ينتقل في المرحلة الأولى من عالم الأحشاء في بطن أمه إلى عالم الدنيا، ثم بعد ذلك يترك عالم الدنيا إلى عالم البرزخ، فيترك القصور والدور إلى عالم الدود والقبور، ثم بعد ذلك يترك عالم البرزخ إلى عالم البعث، إلى العرض على محكمة الله جل وعلا، فما بين مسرور محبور، ومحزون مثبور، وما بين جبير وكسير، فريق في الجنة وفريق في السعير، أحوال ثلاثة عجيبة، أحوال شديدة على أي إنسان، يوم أن يولد ويوم أن يموت ويموت أن يبعث حياً. المرحلة الأولى هي المرحلة التي ينتقل فيها الإنسان من عالم الرحم والأحشاء، ذلك العالم الآمن الأمين الحصين المكين، هذا العالم الذي تكلف الله برعايته له بكل شيء، وما كلفه الله في هذا العالم بأي شيء، فيد الله وحده هي التي ترعاه وترزقه: وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك الله وحده هو الذي يرعاك وأنت في هذه الأحشاء، وأنت في هذه الأجواء، وأنت في هذا العالم العجيب، يد الله وحده هي التي ترعاك، ويد الله وحده هي التي ترزقك، ويد الله وحده هي التي تتكفل بعنايتك ورعايتك: وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك ومن الذي يقدم له رزقه؟! ومن الذي يتكفل له بطعامه وشرابه؟! ومن الذي يتكفل بتنفسه في هذا العالم؟! إنه الله رب العالمين. وفي الوقت الذي قدر الله له فيه أن يخرج من ذلك المكان الآمن يخرج إلى عالم الشقاء، يخرج إلى عالم الدنيا، يخرج إلى عالم الفتن والشهوات والشيطان، فيستقبله الشيطان منذ أول لحظة نزل فيها إلى هذه الحياة والمولدة تولده، فيستقبله الشيطان فيطعنه فيصرخ المولود، وهذا كما أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم، في جزء من حديث صحيح أخرجه البخاري و مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مولود يولد إلا ويمسه الشيطان، فيستهل المولود صارخاً من مس الشيطان إياه). من هذه اللحظة تبدأ في مصارعة الشيطان والأهواء والفتن، وتعيش في هذه الحياة ما قدر الله لك أن تعيش تصارع الشيطان وتصارع النفس الأمارة بالسوء، وتصارى الأهواء، وتظل في هذه الحياة ما قدر الله لك فيها. ......
نقلة الإنسان بالموت إلى عالم البرزخ

ثم تأتي اللحظة التي قدر الله عز وجل لك فيها أن تترك عالم الدنيا إلى عالم البرزخ، أي: إلى عالم الفناء.. إلى عالم القبور، فيأتي الموت في اللحظة التي حددها الله تبارك وتعالى لك، فينقلك الموت -بعظمة الله جل وعلا- من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب. هذه هي المرحلة الثانية مرحلة الموت، يوم أن تنتقل بعد مولدك وبعد حياتك وبعد عيشك إلى عالم يسمى بعالم البرزخ، إلى عالم الفناء، إلى عالم الحق عند الله الحق جل وعلا. ......

الاستعداد للموت

الموت، الموت أيها الأحباب، ولقد تكلمت كثيراً كثيراً عن الموت، ولكن يجب علينا أن نتكلم عن الموت في كل زمان وفي كل مكان، ويجب علينا أن نذكر الموت في كل ساعة من ساعات حياتنا، وفي كل ساعة من ساعات عمرنا، كما أخبرنا وأمرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، يقول في حديثه الصحيح الذي خرجه النسائي وخرجه الترمذي وخرجه ابن ماجة من حديث عمر بن الخطاب ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أكثروا من ذكر هادم اللذات، قالوا: وما هادم اللذات يا رسول الله؟ قال: الموت) هادم اللذات هو الموت، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نكثر من ذكر الموت. ولما سأله رجل من الأنصار وقال: (يا رسول الله! من أكيس الناس؟ قال صلى الله عليه وسلم: أكيس الناس أكثرهم ذكراً للموت، وأكثرهم استعداداً للموت، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة) رواه الطبراني بإسناد حسن. العاقل اللبيب هو الذي يذكر الموت، وهو الذي يستعد للموت، وهو الذي يذكر نفسه دائماً وأبداً بالموت، وهو الذي يعلم علم اليقين أن هذه الحياة مهما عاش فيها فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة، لأن الليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لا بد من دخول القبر، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: (الكيس -العاقل- من دان نفسه -أي: من حاسب نفسه- وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني)، هذا هو المغرور الذي يتواكل على سعة رحمة الله ولا يعمل، الذي يتواكل على سعة عفو الله وهو في المعاصي ليل نهار، ويقول: إن الله غفور رحيم، وما الذي أنساك أن الله شديد العقاب للعاصين والمذنبين والمقصرين؟ إنها الحقيقة الكبرى أيها الأحباب، حقيقة الموت، إنها الحقيقة الكبرى في هذا الوجود، الحقيقة التي خضع في محرابها المتكبرون والمتجبرون، إنها الحقيقة الكبرى التي تسربل بها العصاة والطائعون والرسل والأنبياء والمقربون والأصفياء. إنها الحقيقة الكبرى التي ترن في أذن كل سامع وعقل كل مفكر قائلة: إنه لا بقاء إلا لله وحده، ولا ألوهية إلا لله وحده، ولا حاكمية إلا لمن تفرد بالبقاء والجلال، فـ
كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[القصص:88]. إنها حقيقة الموت التي قال الله تبارك وتعالى عنها:
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
[ق:19] فالحق أنك تموت والله حي لا يموت. (وجاءت سكرة الموت بالحق): والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ترى ملائكة العذاب. (وجاءت سكرة الموت بالحق): والحق أن تكون حفرتك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد): ذلك ما كنت منه تهرب، ذلك ما كنت منه تفر، ذلك ما كنت منه تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع خوفاً من الموت، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ خوفاً من الموت، ولكن أيها القوي الفتي، أيها العبقري، يا أيها الكبير ويا أيها الصغير: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) وصدق من قال: كل باك فسيبكى وكل ناع فسينعى وكل مدخور سيفنى وكل مذكور سينسى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد): ذلك ما كنت منه تفر، ذلك ما كنت منه تهرب، ولكن أين المفر؟ أين المآل؟ وأين المصير؟! إن المصير إلى الله، وإن المآل إلى الله، وإن المنتهى إلى الله، وإن المرجع إلى الله جل وعلا. 
صوت الحق ينادي المحتضر

وبينما هو يتمنى يأتيه صوت الحق من الله جل وعلا، يقول تبارك وتعالى:
فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
[الواقعة:83-96].
كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى
[القيامة:26-40] بلى قادر! دع عنك ما فات في زمن الصبى واذكر ذنوبك وابكها يا مسلم لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب فالليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخي الوهم تعب الذنب بالذنب وتخطي الخطأ الجم أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب وما في نصحه ريب أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم فكم تسير في السهو وتختال من الزهو وتنفض إلى اللهو كأن الموت ما عم كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم بذا أوصيك يا صاح وقد بحتك من باح فطوبى لفتى راح بآداب محمد يأتم 
كل شيء هالك إلا وجه الله عز وجل

الحقيقة الأولى في هذا الوجود هي وحدانية الله جل وعلا، وهي أن تقر بهذه الحقيقة وهي لا إله إلا الله، ثم الحقيقة الثانية هي أن كل شيء هالك إلا وجه الله جل وعلا. (الموت)، من منا يفكر بالموت؟ من منا يذكر الموت؟ من منا يستعد للموت؟ من منا عمل لهذا اللقاء؟ من منا عمل للقاء الله جل وعلا؟ من منا استعد لسؤال الملكين في دار الحقيقة دار البرزخ، دار الصدق، دار الحق؟ من منا استعد؟ ما من يوم يمر علينا إلا ونشيع فقيداً، ما من يوم يمر علينا إلا ويموت بيننا ميتاً أو ميتة، ولكن ربما ذهبنا معه إلى القبور، وربما رأينا الموت حقيقة أمام أعيننا وبين أيدينا؛ ولكن إذا نظرت إلى الناس وجدتهم ينسون الموت، ويتكلمون في أمور الدنيا! هذا هو الحال، ولكن اعلم أيها الحبيب أنه لا مفر لك، وحتى تعلم أنه لا يمكن لأي قوة على ظهر هذه الأرض أن تحول بين الإنسان وبين هذه الحقيقة الكبرى مهما كانت تلك القوة، مهما كان منصبه، ومهما كان جاهه، ومهما كانت أموالك، ومهما كان غناك، فلن تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تحول بينك وبين هذه الحقيقة، إنها حقيقة الموت. انظر حينما تأتي ساعة الصفر ويقترب الأجل، وتتلاشى اللحظات الأخيرة من عمرك، وتنام على فراش الموت، وحولك أولادك وأحبابك يبكون، والأطباء من حولك يحاولون؛ بذلوا لك كل رقية، وقدموا لك كل دواء، وقدموا لك كل علاج. فأنت من أنت؟ أنت صاحب الأفعال، وأنت صاحب الجاه، وأنت صاحب السلطان، وأنت صاحب المنصب، وأنت الغني، بذل الأطباء لك كل رقية، وقدموا لك دواء، وبذلوا لك كل علاج، ولكن انظر إليه قد اصفر وجهه، وشحب لونه، وتصبب جبينه بالعرق، وتجعد جلده، وبدأ يحس بزمهرير قارس يزحف إلى أنامل يديه وقدميه، ويريد أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل لا يزحزح، وينظر إلى من حوله من أحبابه، إلى أهله، إلى أقاربه، فيراهم تارة يبتعدون، وتارة يقتربون، ومرة يسمعهم ومرة لا يسمعهم، ويرى الغرفة التي هو فيها والفراش الذي هو ممتد عليه، يرى هذه الغرفة تتسع مرة كالفضاء الموحش، ومرة تضيق فتصير كخرم إبرة، وهو بين هذه السكرات، وبين هذه الكربات، وفي هذا الحزن الشديد. فلقد فاتته الآمال ولم يحققها، بنى داره وجهد واجتهد وكنز الأموال، فهو بين حزن شديد على ما فات وبين غم شديد على أنه لا يدري ما الذي سيلاقيه بين يديه من هذا العالم الجديد، عالم البرزخ الذي سيترك عالم الدنيا ويدخل إلى هذا العالم بعد الموت. هو في هذه السكرات، وفي هذه الكربات، وبين هذا الغم والهم، ينظر فجأة فيرى ملائكة من بعيد تقترب، يا ترى أهذه الملائكة التي أراها هي ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟! يا ترى هذا الذي جلس عند رأسي ملك الموت ينتظر الأجل أن يوفى من الله كما قدر الله جل وعلا؛ هل سينادي على روحي ويقول: يا أيتها الروح الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، ورب راض غير غضبان، أم سينادي ويقول: يا أيتها الروح الخبيثة أخرجي إلى سخط الله وعذابه؟ يا ترى هل ستكون حفرتي روضة من رياض الجنة أم ستكون حفرة من حفر النيران؟ بين حزن شديد على ما فات، وبين غم شديد؛ لأنه لا يدري ما الذي سيلاقيه، ما الذي سيكون بين يديه. ينظر إلى أولاده وإلى أحبابه وإلى أهله الذين التفوا من حوله يبكون، فينظر إليهم حينما يفيق بين السكرات والكربات نظرة كلها استعطاف، نظرة كلها شفقة، نظرة كلها رجاء، نظرة كلها رحمة، نظرة كلها سؤال، ويقول لهم: يا أولادي، يا أحبابي- فدوني بأعماركم، لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، من منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين، أنا صاحب الأموال، أنا الذي بنيت الدور، وأنا الذي بنيت القصور، وأنا الذي جمعت المال، وأنا الذي جهدت واجتهدت، فافدوني بأعماركم، زيدوا في عمري ساعة أو ساعتين، أريد أن أستمتع بالأموال، أريد أن أستمتع بالسيارات، أريد أن أستمتع بالعمارات، ولكنه في واد والناس في واد آخر!
سكرات الموت يعانيها الأنبياء والصالحون

لا تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تحول بينك وبين هذه الحقيقة مهما كان جاهك، ومهما كان منصبك، ومهما كانت قوتك، لا يمكن بأي حال
وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
[النساء:78]؛ لأن الذي أصدر الأوامر لملك الموت هو من يقول للشيء كن فيكون، إنه الله رب العالمين. فيا أيها الغافلون! ويا أيها اللاهون! ويا أيها الساهون! ويا أيها المذنبون! ويا أيها الظالمون! ويا أيها المقصرون! اعلموا أنكم راحلون إلى الله جل وعلا، اعلموا أنكم ستقفون بين يدي الله جل وعلا، فيحاسبكم عن القليل والكثير، وعن النقير والقطمير، وعن الصغير والكبير،
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه
[الزلزلة:7-8]. ......
علي بن أبي طالب يعاني سكرات الموت

وهكذا لما احتضر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد أن ضربه ابن ملجم عليه لعنة الله، كان لا يقول إلا هذه الكلمة: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله أخلو بها وحدي، لا إله إلا الله يغفر بها ذنبي، لا إله إلا الله يجبر بها كسري، لا إله إلا الله يقبل بها عملي، لا إله إلا الله ألقى بها ربي. هكذا كان يقول علي إلى أن لقيت روحه ربها جل وعلا.

المأمون وهارون الرشيد يحتضران

ولما احتضر هارون الرشيد ونام على فراش الموت طلب أن يرى كفنه، ونظر إلى كفنه بعينيه قبل أن يموت، وبكى وبكى وبكى، ثم قال:
مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ
[الحاقة:28-29]، أين المال؟ وأين منصبي؟ وأين جاهي وأين سلطاني؟ وأين مرءوسي؟ وأين خدمي وأين حشمي؟ وأين عماراتي؟ ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانية! ولما احتضر المأمون أمرهم إذا أفاق من سكرات الموت أن يحملوه فيرى قبره بعينيه قبل أن يموت، فحملوه إلى قبره، فنظر إلى قبره وقبض على لحيته، وأخذ يبكي ويبكي ويبكي، ثم رفع رأسه إلى الله وقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. ويروى أن أحد الصالحين قام فجعل لنفسه في بيته قبراً، وكلما سيطرت عليه الشهوات، وسيطرت عليه الدنيا، وسيطرت عليه الفتن؛ نزل إلى هذا القبر الذي حفره بيديه، ويغلقه على نفسه بخشبة أعدها لذلك، ويظل يصرخ في قبره ويصيح ويقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت، ويظل يصرخ ويصيح بأعلى صوته حتى تنقطع أنفاسه، ويغرق في عرقه، فيقلع الخشبة ويخرج إلى النور والهواء، ويبكي ويقول: ها أنت يا نفس قد عدت. 
عمرو بن العاص يصف الموت

لما حضرَت الَوفاة عمرو بن العاص صعد إليه ولده وقال له: يا أبتي! لقد كنت تتعجب ممن نزل به الموت ولا يستطيع أن يصف الموت، ولقد نزل الموت بك اليوم، فصف لي الموت يا أبتاه! فماذا قال عمرو بن العاص ؟! قال: يا بني! إن الأمر أكبر مما كنت أتوقع بكثير، إن أمر الموت أكبر من هذا بكثير، ولكنني سأصف لك شيئاً منه، والله إنني لأحس الآن أن في جوفي شوكة عوسج، وأن على شفتي جبلاً عظيماً، وإن روحي كأنها تخرج من ثقب إبرة، وأن السماء قد أطبقت على الأرض وأنا بينهما. هذا قليل من كثير! ويكفيك في سكرات الموت وكربات الموت، أن ترى ملك الموت، فلرؤية وجه ملك الموت أشد من آلاف الضربات بالسيوف، رؤية وجه ملك الموت أشد من ضربة بسيف، فيا أيها المسلمون، يا أيها العاصون، يا أيها المذنبون، يا أيها الغافلون، يا من تمرحون وراء الفتن، ويا من تمرحون وراء الهوى، ويا من تمرحون وراء الشهوات، ويا من تعصون الله ليل نهار! انتبهوا فإن الموت قريب، إن الموت يأتي بغتة، وبعد الموت ستعرضون على الله فرداً فرداً، وستسألون أمام الله حرفاً حرفاً،
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه
[الزلزلة:7-8]. هذه هي المرحلة الثانية، يوم أن تنتقل بالموت من عالم الحياة إلى عالم الفناء، من القصور إلى القبور، من ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، من ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، من التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب. أسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم ممن ختم الله لهم عند موتهم بالتوحيد، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.:)