بن لادن

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • لقد شكل الخطاب الأخير للإمام المجاهد الشيخ بن لادن -حفظه الله- وثيقة فكرية وسياسية هامة تؤرخ لمرحلة من مراحل صراع الأمة الإسلامية ضد الكفر العالمي، ومنجما ثريا لمن أراد البحث أو التعرف على مواقف الإمام وطبيعة مشروعه الفكري والجهادي والسياسي.. جاء خطاب الإمام -حفظه الله- وسط ركام من الإشاعات والأكاذيب ليجيب على التساؤلات ويطرح التحديات ويذكر الأمة الإسلامية بواجباتها الشرعية وأمريكا بمصيرها وليرسم ملامح عامة حول شكل المقاومة مستقبلا وآفاق تطوير العمل الجهادي ضد العدو الأمريكي ليبطل بذلك مفعول خطته التي تسعى إلى إقصائه من ساحة المعركة والجهاد ومنعه من قيادة المسلمين نحو التحرير.
      إن الإمام المجاهد الشيخ بن لادن -حفظه الله- لم يعد زعيما لتنظيم القاعدة كما يصوره العدو الصليبي، بل إماماً للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وقائداً عظيماً يحفل به تاريخنا المعاصر والذي يستوجب على الأمة الإسلامية الالتفاف حوله ومناصرته بكل ما في وسعها انطلاقاً من مبادئ الأخوة والولاء وثوابت الشريعة وليس تطوعاً أو تكرماً منها كما قد يتصور بعض المنهزمين الذين يفهمون الأحداث والأشخاص والعالم من خلال ثوابتهم الاستسلامية والخنوعية، وتنزيله المنزلة التي يستحقها لأنه وسام شرفها ورمز عزتها وكرامتها.
      إن الإمام المجاهد قوي بالله عز وجل وقوي برسالته وقضيته العادلة وقوي أيضا بالمؤمنين الذين معه وبمناصريه في كافة أنحاء العالم، لكن حرصا على أمته ورحمة بها جاءت دعوته لها بالنهوض للقيام بالواجب الملقى على عاتقها، واجب تحرير الناس من الآلهة المزيفة وتعبيدهم لرب العالمين وإقامة العدل ورفع الجور والظلم والوقوف مع المظلومين وإغاثة الملهوفين ومواساة المنكوبين وهذا يعني في الواقع مشاركته في محاربة أمريكا الإله الجديد هبل القرن وآل صهيون وكل العملاء في العالم من أنظمة الردة والكفر وغيرهم.
      إن خطابه الأخير عكس إلى حدّ ما روحية وفكر هذا الإمام العظيم الذي يجهله الكثيرون بسبب التعتيم الإعلامي وتلبيس الملبسين، إضافة إلى نذرة أو لِنَقُل غياب الكتابات أو الدراسات الإسلامية التي تهتم به وتُعرِّف بهذا القائد التاريخي، لأن الرجل لم يتفرغ للكتابة والتنظير بل مارس قناعته على الأرض من خلال تربية وبناء المجاهدين وخوض المعركة معهم. وعليه، فإننا ندعو إخواننا في العالم بالإسراع إلى فتح نقاش واسع حول تجربة الرجل ومحاولة تدوينها لتعميم الاستفادة لأنه وبكل بساطة يعتبر من مجددي هذا القرن وعنوان صراعنا ضد هبل العصر أمريكا الكافرة.
      وسنحاول في هذا المقال التعريف بالإمام وبفكره السياسي من خلال خطابه التاريخي الأخير مبرزين أهم ما ورد فيه لإغناء النقاش وتعميم الفائدة والذي هو كالتالي:

      1- الإطار السياسي العام للخطاب

      يأتي خطاب إمام المجاهدين في ظرف دقيق اتسم بالأمور التالية:
      - التقتيل والتشريد الذي يمارس على الشعبين المسلمين في أفغانستان وفلسطين من خلال عدو مشترك واحد أمريكا الكافرة وبنتها المدللة آل صهيون.
      - الصمت الرهيب للأنظمة العميلة بل تقديم مساعدات أمنية وعسكرية وسياسية ومالية للعدو المشترك.
      - السلبية والانتظارية التي طبعت وتطبع الشعوب الإسلامية وعلى رأسها الحركة الإسلامية العالمية.
      - تبجح العدو الصليبي بالانتصار والقضاء على الطالبان وتنظيم القاعدة وتوعّدها بمن تبقّى منهم بالمطاردة في كافة أنحاء العالم.
      - إقامة حكومة مؤقتة عميلة للعدو الصليبي.
      - إذاعة شريط فديو يحكي اعترافات بن لادن بشأن أحداث 11 شتنبر.
      - ذوبان اليأس في صفوف بعض المناصرين والمتعاطفين.
      - البدء في إزالة هذه الشخصية العظيمة من ذاكرة الأمة ووجدانها.
      - التشكيك في جدوائية مقاومة هبل العصر أمريكا الكافرة.
      - عدم قدرة الحركة الإسلامية على التقاط مهام المرحلة والذي يتجلى في التطور والانتقال من القطرية إلى العالمية بمعنى إيجاد تعاون استراتيجي وعلى كافة الأصعدة بين مكونات الحركة الإسلامية العالمية انطلاقا من قوله تعالى:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً}[التوبة:36 ]

      2- منهجية الخطاب

      إن المنهجية المتبعة في خطاب الإمام المجاهد تعكس منهجية القرآن في تعامله مع الأحداث بحيث تمّ التركيز فيه على مسألتين أساسيتين:

      أ - المراجعة: والهدف منها تقييم المرحلة التي قطعها الجهاد ضد العدو الصليبي والنتائج التي حققها على ضوء المبادئ والأهداف أي بمعنى تقييم التجربة الجهادية والسياسية في مختلف مناحيها وواجهاتها وأبعادها، معرفة أخطائها وصوابها، نقط ضعفها وقوتها أي الاستفادة التامة من التجربة وهذا ما عبر عنه الإمام في خطابه بـ:"فاستفدنا هذا بعد القصف الكثيف الذي مارسه الأمريكان على خطوط الشمال وعلى خطوط كابل..."

      ب - آفاق العمل: في ظل المتغيرات والتحديات التي أفرزها واقع الصراع العقدي والعسكري والسياسي داخل أفغانستان، طرح الإمام خطة عمل مناسبة قادرة على مواكبة هذه المتغيرات والاستجابة لهذه التحديات والتي عبر عنها في خطابه ب: "فعلى سبيل المثال، لو أن خط الجبهة مع العدو يبلغ في طوله 100 كلم فينبغي أن يكون هذا الخط عريضا، بمعنى لا نكتفي بخط دفاع بعمق أو بعرض 100 م أو 200 م أو 300 م بل ينبغي أن يعرض هذا الخط إلى عدة كيلومترات وتحفر الخنادق على طول الجبهة وعلى عرضها..."
      وهذا يدل على أن المشروع الجهادي والسياسي للإمام بن لادن لم يستنفذ بعد أغراضه بل مازال متفاعلا مع متغيرات واقع المعركة وأنه مازال قادراً على إدراك المتغيرات وصياغة الأجوبة إنه بعبارة أخرى في مستوى تحديات المرحلة.

      3- معادلة الصراع:

      توجد معادلتان في الصراع:

      أ - المعادلة الصفرية: توجد عندما يكون الاختلاف بين الأطراف الحاملة للمنطق الصراعي يمس المبادئ الأساسية والثوابت التي لها علاقة بمسألة الهوية، فالصراع هنا صراع وجود حيث لا مجال للمساومة.
      مثال: في البلاد الإسلامية تنطبق المعادلة الصفرية على حالة الصراع الموجود بين الحركات الجهادية وأنظمة الردة العميلة لأمريكا حيث الاختلاف حول الثوابت المتعلقة بالتوحيد وتحكيم شرع الله وعدم التحاكم إلى القوانين الوضعية الكافرة وموالاة الكافرين...

      ب - المعادلة التساومية: توجد عندما يكون الاختلاف بين الأطراف الحاملة للمنطق الصراعي يمس القضايا المرئية القابلة للمساومة أي للأخذ والعطاء.
      مثال: في البلاد الإسلامية تنطبق المعادلة التساومية على حالة الحركات الإسلامية الديمقراطية بحيث يسمح لها العدو بالممارسة لكن في نطاق القضايا المرنة التي لا تمس هويته وقد تصل إلى حد الدعاية ضد المصالح الأمريكية أو آل صهيون أو القيام بالمظاهرات أو حتى القيام ببعض الأعمال العسكرية ضد آل صهيون والتي لا تؤثر على ميزان القوى في المنطقة كحزب الله اللبناني.
      يكشف الإمام المجاهد الشيخ بن لادن في خطابه عن المعادلة الحاكمة للعملية التدافعية بين الإسلام والعدو الصليبي والتي هي معادلة صفرية حيث تسعى أمريكا زعيمة الصليبيين بكل ما أوتيت من قوة بعدم السماح للإسلام من الوجود الفعال كمثل ذلك في الإمام أو في المُلا عمر أو في غيرهم أو دور في القضايا الإسلامية العالمية مثل فلسطين، الشيشان، أفغانستان، كشمير.. وهذا ما يفسر الوحشية المستخدمة من طرف العدو الصليبي ضد العزل في أفغانستان وإبادة قرى بكاملها تحت غطاء وجود قواعد للقاعدة أو الطالبان.
      بينما المعادلة الحاكمة للعملية التدافعية بين العدو الصليبي والجيش الإيرلاندي لو افترضنا قيامه بأحداث 11 شتنبر لكانت معادلة تساومية عندئذ ستبحث أمريكا الصليبية عن طرق أخرى في معالجة الوضع، لأن العلاقة بينهما علاقة نَسَبية.

      4 - حقيقة الإرهاب:

      في خطابه يوضح الإمام المجاهد نوعين من الإرهاب:

      أ - الإرهاب المحمود: وهو الإرهاب الممارس ضد أمريكا لأن الهدف منه هو دفع الظالم عن ظلم لكي ترفع أمريكا دعمها عن إسرائيل التي تقتل أبناءنا، وأن أحداث 11 شتنبر ما هي إلا ردّ فعل للظلم المتواصل الذي يمارس على أبنائنا في فلسطين وفي العراق وفي الصومال وفي جنوب السودان وغيرهم كما في كشمير.
      وهذه رسالة واضحة بشأن تحرير فلسطين من المستعمر الصهيوني بحيث يجب إضعاف أمريكا عبر الإرهاب المحمود كعملية 11 شتنبر التي تدخل - وكما أكد الإمام - في نطاق نصرة قضية فلسطين والمساهمة في التعجيل في حلها وغيرها من القضايا الإسلامية, وليس عن طريق الاستجداء والتسول الذي تنهجه السلطة الفلسطينية والأنظمة العميلة المرتدة.

      ب - الإرهاب المذموم: وهو ما تمارسه أمريكا على أبشع صورة في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان اليوم وفي كافة أنحاء العالم، وهذا يستوجب تجنيد كل الطاقات الخيرة من أجل وضع حد لهذا الإرهاب أي بمعنى إضعاف فرعون العصر أمريكا الكافرة أو القضاء عليه.

      5 - حقيقة النصر:

      يتعرض الإمام -حفظه الله- في خطابه إلى قضية أساسية تلتبس على الناس في زمن غطرسة وانتفاش الباطل وغياب اليقين بالله وباليوم الآخر والقناعة المطلقة بالمبادئ والتي تتعلق بحقيقة النصر بحيث اعتبرها لا ترتبط دائما بالكسب الظاهر الذي غلب على الناس، وإنما النصر هو الثبات على المبادئ. وقدم حديث الغلام والملك والساحر والراهب كمثال واضح على هذه المسألة.
      فأصحاب الأخدود -كما قال الإمام - ذكرهم الله سبحانه وتعالى وخلد ذكرهم في سياق المدح لهم، إذ ثبتوا على الإيمان وبين الكفر وبين أن يدخلوا النار فأبوا أن يكفروا بالله سبحانه وتعالى وأدخلوا النار.
      وعليه فليس النصر - كما يقول الإمام - هو الكسب المادي فقط وإنما النصر الثبات على المبادئ. وأما ما يردده بعض ضعاف الإيمان وبعض الببغاوات الذين يروجون لمنهج الشيطان ويقولون ماذا استفاد هؤلاء إنهم ضيعوا أنفسهم فيجيبهم الإمام المجاهد بأن هؤلاء استفادوا الاستفادة الكاملة من هذه الدنيا بحيث جعلوها مطية لآخرتهم وفازوا برضوان الله سبحانه وتعالى وبجنات الخلد التي وعدهم بها وهذا هو نهج الأنبياء والرسل والصالحين والشهداء على مدار التاريخ إنهم كانوا أصحاب مبادئ وقيم لا أصحاب المكاسب الدنيوية أم لم يكونوا تجاراً في نهجهم.

      6 - جدلية العلم والإيمان:

      في معرض خطابه التاريخي يعالج الإمام إشكالية أساسية مطروحة في الأوساط الإسلامية بين العلماء وشباب الصحوة المباركة والمتعلقة بجدلية العلم والإيمان موضحا بذلك طبيعة العلاقة التي تجمعهما من خلال حديث الغلام والراهب، بحيث يمثل الغلام الجانب الإيماني أي القدرة على الفعل وإعلان المواقف المبدئية أي التطبيق الميداني للعلم وتحمل تبعات ذلك بينما يمثل الراهب الجانب العلمي أي القدرة على تعليم مفردات الدين وتعميقها في المتعلم.
      وللخروج من هذه الجدلية طرح الإمام ميزان الإيمان ومقتضياته والذي يعني كما جاء في خطابه:
      "إن ميزان الإيمان ليس جمع العلم فقط بل جمع العلم والعمل به فميزان الإيمان: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن" كما قال عليه الصلاة والسلام، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان، فهؤلاء جاهدوا الكفر الأكبر بأيديهم وأنفسهم نرجو الله أن يتقبلهم في الشهداء" وهذا هو نفس مضمون كلام الراهب للغلام لما قتل الدابة حيث قال له : "يا بني إنك اليوم أفضل مني". إذن من يمثل دابة هذا العصر؟ أليست أمريكا؟ ومن يمثل الغلام؟ أليس هؤلاء الشباب وغيرهم الذين سيقومون بقتل الدابة التي تحول بين الناس وطريقهم.
      أما مقتضياته فهو ما قام به الشباب المؤمن حيث بينوا - وكما جاء في خطاب الإمام - أن هذا الإيمان الذي في قلوبهم يستدعي مقتضيات كثيرة ويستدعي أن نقدم الروح من أجل لا إله إلا الله، فهؤلاء فتحوا بابا عظيما للخير والحق".
      هنا يوجه الإمام حفظه الله رسالة إلى علماء الأمة ويدعوهم إلى التأسي بالراهب القدوة ويقولوا لشباب الإسلام الذين حملوا رؤوسهم على أكفهم من أجل لا إله إلا الله قولة ذلك العالم لذلك الغلام إنكم اليوم أفضل منا".

      7 - الجهاد في ظل العولمة:

      لقد أدرك الإمام حفظه الله بشكل مبكر حقيقة العولمة والتي تعني الإغارة الشاملة على المقومات العقدية والسياسية والاقتصادية والقيمية للوجود الحضاري للأمة الإسلامية، فكان فهمه لمقتضيات قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ }[التوبة: 123] بمعنى قتال العدو الأقرب إلى الناس الذي يعيش معهم في كل دقائق حياتهم، في البيت والمدرسة والشارع والعمل.. إنها العولمة بزعامة أمريكا الكافرة، لذا فإن الجهاد ضدها يكون من الأولويات لأنها دابة هذا العصر والحائل الكبير أمام الطريق إلى تحرير فلسطين والصلاة في القدس. وبهذا الفهم السليم تمكن الإمام من معالجة إشكالية مطروحة في الأوساط الإسلامية والمتعلقة بجدلية القطرية والعالمية..
      فهو بحسه الإيماني وصدقه وبصيرته إضافة إلى الصرامة المنهجية التي يتحلى بها في تعامله مع نصوص الوحي والمتعلقة بالأخوة الإيمانية والموالاة في الله وتحكيم شرع الله ومحاربة الكفر أي تحرير أراضي المسلمين وغيرها من المفردات الإسلامية حل معضلة سياسية تركها الاستعمار الخبيث وهي معاهدة سايس بيكو التي تقضي بتقسيم العالم الإسلامي إلى أقطار ضيقة ومنغلقة يسهل السيطرة عليها. قد أثبتت التجارب فشل مشروع الانغلاق في القطرية عند العمل للإسلام، لأن هذا الانغلاق لم تكن في يوم من الأيام يخدم مشروع الأمة الإسلامية ومرجعيتها الإسلامية المتمثلة في الكتاب والسنة أي في تحكيمهما في واقع الناس.
      لذا أصبحت معوقا وكيانا مقلقا لأنها تقوم بدور خطير في تفكيك وحدة الأمة والمصير والمقاومة بحيث ساهمت في إفراز كيان لقيط غير محدد الهوية ونسق ثقافي غريب بعيد كل البعد عن وجدان الأمة وقضاياها، فهو بتأسيسه لتنظيم القاعدة في المرحلة الأولى والجبهة الإسلامية العالمية في المرحلة الثانية ساهم في القضاء على الثقافة التغريبية والكفرية التي تمثلها القطرية وهذا ما دفع أمريكا إلى شن حرب شعواء عليه لأن الرجل أدرك الطريق إلى القدس أي إلى تحرير فلسطين هذا من جهة.
      أما من جهة أخرى فلقد ساهم الإمام حفظه الله في تقديم صورة سليمة ومشرقة عن الحركة الجهادية من خلال العمليات النوعية التي أدهشت الصديق قبل العدو والمعارك التي خاضها ضد العدو الصليبي حيث قدم الصورة الحقيقية للجهاد في هذا العصر من حيث كونه عقيدة راسخة ورؤيا واضحة إضافة إلى خطة محكمة ودراية عسكرية وحسن قراءة الظروف والإمكانيات وإعداد مادي متفوق وانسجام مع السنن التشريعية والكونية والقدرة على التحكم في تسيير المعركة ونتائجها وتميز عن الرايات العمية قاطعا بذلك الطريق عن المتاجرين والمرتزقة والمتطفلين الذين يشوشون على حركة الجهاد ويقدمون الأمثلة السيئة عبر الغوغائية والمهرجانات الفلكلورية والمواقف الحماسية والخطابات العاطفية والمزايدات السياسية الفاقدة للبصر والبصيرة وأبعاد المعركة وقوة العدو.

      8- مرتكزات ا لعمل السياسي:

      تعرض الإمام حفظه الله في خطابه التاريخي للأسس العامة التي تحكم عمله السياسي أي بمعنى منهجه العام ودليله الذي يسترشد به أثناء الممارسة وهو كالتالي:

      أ - الإخلاص: وهو ما عبر عنه الإمام بمرضاة الله أي أن المحرك الرئيسي لإرادته السياسية ولإخوانه المجاهدين العرب هو الله سبحانه وتعالى أي أنه متجرد في توجهاته السياسية وأعماله من كل الأطماع الدنيوية.

      ب- إقامة الدين: أي أن الهدف السياسي للإمام هو إقامة حكم الله وهو ما عبر عنه في خطابه بنصرة دين الله في معرض حديثه عن المجاهدين العرب. بهذا الطرح يقدم الإمام معيارا صحيحا لتقويم الأداء السياسي للحركات الإسلامية بمعنى ما حقيقة أهدافهم؟ أي هل هي إقامة حكم الله ؟ أم إقامة القوانين الوضعية والديمقراطية.
      إن الحركات الإسلامية التي تستبعد هذا الهدف، أي تحكيم شرع الله من مشروعها السياسي ولا تعمل على تحقيقه في الأرض تعتبر فاشلة و مفلسة وانتهى دورها بحيث لم تعد تمتلك مبرر وجودها، لأنها وبكل بساطة انحرفت عن مسارها السياسي الشرعي السليم ولم تعد أهلا لحمل الشعار الإسلامي لأنه بريء منها. لذا عليها أن تبحث عن اسم آخر يناسب حقيقة أفكارها احتراما للإسلام وللأمة.

      ج - نصرة المستضعفين: أي تبني قضايا المستضعفين من المسلمين في العالم انطلاقا من مبادئ الدين التي تدعو إلى إقامة العدل وإنصاف المظلوم والضرب بأيادي من حديد على يد الظالم وهو ما عبر عنه الإمام بدعوته للأمة وكل عقلاء العالم ذوي الفطر السليمة إلى الوقوف بجانب المظلومين من أبناء فلسطين ضد ظالم وفرعون هذا العصر أمريكا وآل صهيون. بهذا الفهم الصحيح للسياسة الشرعية ولمقاصد الدين يؤصل الإمام لمركزية العدل في المشروع السياسي الشرعي وفقه العلاقة بالمكونات الدولية من خلال تحليله لمواقفها وأبعاد الظلم وخطورته على العالم بأسره وليس للمسلمين فقط، كما عمل منهجيا على دعوتها إلى نصرة المظلوم الفلسطيني لاستثمار عناصر القوة والخير الكامنة فيها لمحاصرة الظالم الأمريكي والصهيوني. وهذا هو منهج القرآن حيث نجده يتابع مواقف الأطراف من قضايا الحق والعدل إلى تصنيفها موضوعيا إلى مواقف متباينة مما يستوجب تعددا وتنوعا في أساليب التعاطي مع هذه المكونات وتجلياتها في الواقع.

      د - إشراك الأمة: بمعنى عدم إقصائها من المشاركة الفعالة في القضايا المصيرية التي تمسها كمسألة التحرير وخوض معركتها المقدسة ضد طواغيت العالم و إقامة حكم الله في الأرض.
      إن الأمة في الفكر السياسي للإمام تعتبر الرصيد الاستراتيجي في الصراع الدائر مع الأعداء وهو ما جاء في معرض حديثه عن القضية الفلسطينية والقتل الذي يتعرض له الأطفال حيث قال:فالأمر يخص الأمة بأسرها فينبغي على الناس أن يستيقظوا من رقادهم وأن يهبوا لإيجاد حل لهذه الكارثة التي تهدد البشرية جميعا.

      هـ- الوعي بواقع الأعداء: أي الإلمام التام والمعرفة الحقيقية بالواقع السياسي للعدو، جوهر سياسته، وطبيعة قوته وكيفية تمركزها وتشتتها، وعلاقة ذلك بالجانب الاقتصادي والثقافي والسياسي إضافة إلى الأبعاد الخطيرة لسياسة الرضوخ للعدو.

      ففيما يتعلق بطبيعة الأعداء وجوهر سياستهم:


      1- آل صهيون: يشكلون امتدادا لمذهب فرعون بسبب قتلهم للأطفال لأنه وكما قال الإمام: وما عرف التاريخ أن أحدا يقتل الأطفال إلا نادرا وهو مذهب فرعون.

      2- أمريكا: تعتبر رأس الكفر العالمي وأيضا رأس الظلم والعدوان والشريك الفعلي للإجرام الصهيوني والعدو الرئيسي للمسلمين في هذا العالم وعلى رأسهم الفلسطينيين، وهذا ما ورد في خطابه التاريخي: "الضربات المباركة ضد الكفر العالمي ضد رأس الكفر أمريكا". "لكن أمريكا سادرة في غيها تؤيد هؤلاء الظلمة، هؤلاء المعتدين على أبنائنا في فلسطين"، "ابتدأ بوش حكمه بغارات جوية عنيفة على العراق أيضا ليؤكد على سياسة الظلم والعدوان وعلى دماء المسلمين لا ثمن له"، "فما تتهم به أمريكا الفئة المجاهدة في سبيل الله لا يقوم عليه دليل وإنما هو البغي والعدوان".

      3 - أنظمة الردة: يشكلون حماية للعدو الرئيسي أي أعوان أمريكا الكافرة وهذا ما أكده الإمام عند تعرضه للرئيس الأفغاني المخلوع الذي يشكل نموذجا حيا لكل أنظمة الردة حيث جاء في كلامه: "فما هو الفرق بين بابريك كرم الذي جاء بالروس لاحتلال بلاده وبين الرئيس المخلوع برهان الدين-والدين منه بريء- أي فرق بين الاثنين؟ هذا جاء بالروس لاحتلال أرض الإسلام وهذا جاء بالأمريكان لاحتلال أرض الإسلام".
      إن نفس الحكم يسري على حكام المنطقة بسبب تحكيمهم للقوانين الوضعية واتباعهم لسياسة أمريكا وآل صهيون وفقدانهم لاستقلالية بلدانهم ومشاركتهم لأمريكا وآل صهيون في قمع شعوبهم ومنعهم حتى من مجرد التعبير عن تضامنهم مع إخوانهم في أفغانستان وفلسطين.

      وفيما يتعلق بالقوة الأمريكية: التي جعلتها تسيطر على البلدان الإسلامية فهي ترتكز على أساسين :

      1 -قوة الاقتصاد: عبره يتم استعباد الشعوب من خلال دفعها للرشاوى للأنظمة العميلة تحت غطاء ما يسمى بالمساعدات الأمريكية مقابل الهيمنة السياسية والاقتصادية على البلد إضافة إلى تدجين الشعوب وقمع القوى الحية والفاعلة المتمثلة في الحركات الإسلامية الجهادية تحت عنوان محاربة الإرهاب.

      2 - العملاء: الذين يشكلون الأدوات الرئيسية في تطبيق المشروع الأمريكي الذي يقضي بالسيطرة على كل مقومات الأمة السياسية والعقدية والاقتصادية والاجتماعية.
      في هذا الشأن يقول الإمام: "وهذه الضربات المباركة لها دلالات عظيمة فقد أوضحت بجلاء أن هذه أبعاد القوة المتغطرسة المتكبرة هبل العصر أمريكا تقوم على قوة الاقتصاد عظيمة"، "فرغم التطور الهائل في التكنولوجية العسكرية لم يستطيعوا أن يحدثوا شيئا إلا باعتمادهم المرتدين وعلى المنافقين"، "إن هذا الاقتصاد العالمي الربوي الممحوق الذي تستخدمه أمريكا وقوتها العسكرية لفرض الكفر والإذلال على الشعوب المستضعفة".

      - أما أسباب تشتتها: فيرتبط بالجانب الاقتصادي بالدرجة الأولى- وهذا لا يعني إلغاء الجوانب الأخرى بحكم العلاقة الجدلية الموجودة بين الجانب الاقتصادي والجانب السياسي والعسكري إلا أن الاقتصاد هو أساس كل هذه الجوانب بالنسبة للحالة الأمريكية كما ورد في حديث الإمام حيث قال: "ضرب القاعدة الاقتصادية التي هي أساس القاعدة العسكرية فإذا انتهى اقتصادها شغلوا بأنفسهم على استعباد الشعوب". لأن عبره يتم إذلال الشعوب وفرض الكفر وشراء العملاء من حكام وغيرهم. وعليه فضرب الاقتصاد الأمريكي سيدفعها إلى الانكماش على نفسها لحل مشاكلها وما مثال الاتحاد السوفيتي منا ببعيد، حيث أصبح بعد انهيار اقتصاده يبحث عن ما سيسد رمق شعبه الجائع مما دفعه إلى تقديم التنازلات تلو التنازلات لعدوه التقليدي الأمريكي تحت ضغط الحاجة الاقتصادية.

      - أما أبعاد سياسة الرضوخ: فيقول الإمام محذرا حكام العرب من سياسة الانبطاح: "وما الذي يرد إسرائيل عن قتل أبنائنا غدا في تبوك وفي الجوف وفي حولها من المناطق عن الحكام ماذا سيفعلون إذا وسعت إسرائيل من أرضها المطبوعة في كتبهم الظالمة الجائرة الزائفة كما يزعمون وقالت إن حدودنا إلى المدينة، ماذا سيفعل الحكام وهم يرضخون لهذا اللوبي الصهيوني الأمريكي". وهذا ما نلمسه هذه الأيام من انقلاب سياسة أمريكا على أسرة آل سعود مع العلم أن العلاقات الأمريكية السعودية تقارب 60 سنة لكن أحداث 11 شتنبر شكلت منعطفا في سياسية أمريكا حيث أصبحت تتجه إلى إخضاع وبشكل علني كل بلدان المنطقة وفي مقدمتها العربية السعودية لتوجهاتها ومخططاتها الجديدة لترتيب أوضاع المنطقة بما يخدم جيدا المصالح الأمريكية والصهيونية بدأ بالعمل على ابتزاز السعودية ويظهر هذا الأمر بوضوح في تصريح أدلى به السيناتور الديموقراطي الأمريكي بيرم حيث قال: "أن الرياض لا يحق لها الاعتراض على سياسة واشنطن في المنطقة مادامت الولايات المتحدة هي التي تحمي أسرة آل سعود نفسها". وكما لم يتردد رئيس لجنة الأمن في الكونغرس الأمريكي من اتهام السعودية بالإرهاب، وما جاء أيضا في تصريح الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض أري فلا يبتشر:"إن بوش يريد إبقاء الوجود العسكري الأمريكي في السعودية". فأمريكا الآن تطالب الرياض بالسماح لها بالإشراف على المطارات والموانئ ومراكز الحدود، بل طالبت بتغيير برامجها التعليمية باعتباره يساهم في تشكيل المناخ العام لأفكار الإمام و القاعدة الخلفية لتنظيم القاعدة.وهذا يسبب إحراجا كبيرا وحقيقيا للنظام السعودي لأنه أصبح الضغط من داخل الأسرة الحاكمة بشأن القواعد الأمريكية والقضية الفلسطينية مما أوقع النظام تحت المطرقة الأمريكية وسندان الإمام. وهذا ما جعل النظام السعودي ومن ورائه أمريكا يخشى من أي وقت مضى من اتساع تعاطف الجماهير مع مشروع الإمام الذي كان ينادي دائما بتحرير بلاد الحرمين من الوجود الأمريكي وحل قضية فلسطين برحيل آل صهيون وليس كما تريد الأنظمة العميلة وعلى رأسها عرفات،هذا التعاطف الذي قد يتطور ويتحول إلى قناعة عقائدية وسياسية التي تستوجب طرد الأمريكيين.
      بهذا الطرح السليم والعميق للواقع السياسي للعدو نفهم جيدا أن العدو الرئيسي للمسلمين هو أمريكا وآل صهيون وأنظمة الردة العميلة وأن الحاكم الحقيقي في ظل العولمة وهو أمريكا أما آل صهيون والأنظمة العميلة فتعتبر إحدى ولاياتها على أساس أن لكل ولاية هامش من المناورة السياسية على شعوبها أي لها الحرية في اختيار الأساليب والوسائل المتناسبة مع شعوبها شريطة المحافظة على الثوابت وهي نصرة وتجذير المشروع الأمريكي الصهيوني بكل الطرق بدأ من تسريحة الشعر وسروال الجينز إلى الموسيقى والوجبات السريعة كماكدونالد وغيرها.

      و- التصدي لشبهات العملاء: أي فضح شبهات ممن ينتسبون إلى العلم والعلماء الفاقدين لاستقلاليتهم العلمية والخاضعين لسياسة الطاغوت ودعوتهم إلى حسن التعامل مع النصوص واستعمال عقولهم إضافة إلى فقه النازلة أي فقه الواقع السياسي بشكل دقيق قبل إصدار أي حكم شرعي.
      جاءت هذه الدعوة اثر قيام بعض علماء السوء بالتنديد بالعمليات فأجابهم الإمام بقوله: "وأما الذين أدانوا هذه العمليات فهؤلاء نظروا إلى الحدث بصفة مستقلة ولم يربطوه بالأسباب الماضية والأسباب التي أدت إليه،فنظرتهم قاصرة ولا تنطبق ولا تنطلق من أصل شرعي ولا من أصل عقلاني وإنما رأوا الناس ورأوا أمريكا والإعلام يذم هذه العمليات".
      فهؤلاء في نظر الإمام إمعة متبعون لأمريكا وللناس وللإعلام وأن أحكامهم مجردة ليست لها علاقة لا بالشرع ولا بالعقل ولا بالواقع.

      ز - المبدئية: أي الثبات على المبادئ وعدم التنازل عليها مهما كانت الظروف، وهذا ما قام به الإمام إزاء الإغراءات والضغوط الأمريكية وغيرها حيث فضل القتال في الجبال ونهج سياسة الكر والفر وانتظار الشهادة على أن يقدم تنازلا في عقيدته وثوابت الشريعة السمحاء، ونفس الأمر ينطبق على المجاهدين العرب وحركة الطالبان بزعامة أمير المؤمنين الملا عمر حفظه الله.
      ومن مقتضيات المبدئية معاداة من يقف مع أمريكا وآل صهيون ضد الإسلام والمسلمين باعتبارهما امتدادا لمذهب فرعون قاتل الأطفال ورمز للكفر والظلم والعدوان.
      وعليه فكل من صافح أو اتصل أو جالس أو فاوض قاتلَ الأطفال يعتبر شريكا فعليا للقاتل بل أسوأ منه بكثير لأنه وبكل بساطة القتْل الذي يمارسه شارون أو بوش علني وفي واضحة النهار، أما الأنظمة العميلة وعلى رأسها عرفات المراهق والمذلول فطعنتها غادرة وفي الظهر. وأما الإكراهات والضغوط التي يحتجون بها فغير مقبولة لأن لا أحدا يكرههم على البقاء في السلطة ومن الأفضل لهم - حفاظا على ما تبقى من ماء وجوههم إن تبقى شيء- أن يتركوا الطريق للأمة وجها لوجه مع القتلة وإنها لقادرة بإذن الله على خوض معركتها المقدسة والمصيرية وما تجربة أطفال فلسطين منا ببعيدة.


      9- المهام السياسية:

      إنها مجموعة من الإجراءات والسياسات التي اتخذها الإمام اتجاه الأطراف الرئيسية في الصراع الدائر بين المسلمين والكفر الدولي بغية إحداث التغيير المنشود في ميزان القوى، وهي:

      أ - التصدي للمصالح الأمريكية: عبر ضرب اقتصادها بكل وسيلة ممكنة، وهذا ما جاء في خطاب الإمام حفظه الله حيث قال: "فأقول من المهم جدا التركيز على ضرب الاقتصاد الأمريكي بكل وسيلة ممكنة"، كما حث الشباب المجاهد على الإبداع والابتكار في مقاومة العدو الأمريكي بأدوات العصر، وذلك بالاجتهاد في البحث عن مفاصل الاقتصاد الأمريكي، حيث قال: " أن يجتهد الشباب في البحث عن مفاصل الاقتصاد الأمريكي ويضرب العدو في مفاصله بإذنه سبحانه وتعالى"، ويوجهوا له ضربات قوية ومركزة - كتلك التي حدثت في الغزوة المباركة ل 11 سبتمبر - تستنزفه وتشل حركته الاقتصادية مما يساعد في التعجيل بسقوطه بإذن الله سبحانه وتعالى.
      بهذا التوجيه يفتح الإمام حفظه الله آفاق جديدة في المعركة مع العدو الأمريكي محررا بذلك المجاهدين من التفكير التقليدي ليمارسوا بحق الجهاد في ظل العولمة. ولقد أشار أخونا أبو عبيد القرشي إلى البعض منها في مقال له يحمل عنوان "كوابيس أمريكا" المنشور في العدد 3 من مجلة الأنصار.
      بناء على ما تقدم، فإن أمريكا سوف تصل إلى تحذيرات الإمام - إن لم تكن وصلت بعد -، لكن كبرياءها يمنعها من التراجع لتلقى حتفها عل يد المجاهدين بإذن الله، وتنسى بذلك أهوال فيتنام، وهو ما صرح به لقناة ABC حيث قال: "بأن أمريكا بدخولها في صراع مع أبناء الحرمين سوف تنسى أهوال فيتنام"، ويبقى شبح الإمام والقاعدة والملا عمر وطالبان وكافة المجاهدين يطاردهم في كل زمان ومكان.


      ب - حشد القوى ضد أمريكا: عبر تعبئة العلاقات والحشد السياسي والمعنوي للقوى الدولية المناوئة للطغيان الأمريكي والجرائم الصهيونية والممثلة في العقلاء وذوي الفطر السليمة لدرء المخاطر على الأمة الإسلامية وحماية أطفال فلسطين من القتل الممارس عليهم يوميا من طرف الكيان الصهيوني، وأطفال العالم من عواقب ذلك لأنه كما قال الإمام: "فهؤلاء في الحقيقة كأنما قتلوا جميع الأطفال في العالم إسرائيل ومن ورائها أمريكا"، ليتم عزل أمريكا.
      هنا يؤصل الإمام لمسألة أساسية في العمل السياسي الشرعي وهي تجميد التناقضات الفكرية والمنهجية والعقدية لمصلحة التناقض الرئيسي مع العدو الأمريكي والصهيوني، بمعنى يمكن اللقاء مع المخالفين على أهداف سياسية واضحة ومحددة كمقاومة الهيمنة الأمريكية والإجرام الصهيوني ونصرة المظلوم، وهذا يتماشى مع مركزية العدل في ديننا الحنيف ومقاصده الكبرى. أما الفئات التقليدية من مفكرين وعلماء وجماعات إسلامية وعلمانية التي تسعى دائما للمحافظة على الثوابت الأمريكية والصهيونية فإنها لا تنتمي إلى دائرة العقلاء وذوي الفطر السليمة المذكورة في خطاب الإمام لأن تحركاتها السياسية تخدم شهوات الطغاة.
      ومن لم تعجبه هذه الحقيقة فإننا سنطرح عليه السؤال التالي لعله يستيقظ من التخدير.
      هل التقديس الفرعوني للأشخاص رؤساء كانوا أو ملوكا يلتقي مع الديمقراطية أو العقلانية فضلا عن الإسلام؟
      فإذا كان الجواب بلا فما هي العقوبة المناسبة لهذه الفئة؟ أليس أقلها التشهير بها وعزلها عن العمل السياسي.
      فإذا كان الجواب بنعم، فماذا تنتظر الأمة للقيام بهذه المهمة العظيمة أي إزالة هذا التعفن السياسي (لأن المرض السياسي إذا طال بدون علاج يصبح متعفنا).


      ج - تنبيه الببغاوات: الذين يدينون العمليات الإستشهادية أي الإرهاب المحمود مرددين بذلك شهوات الطغاة وأمريكا وعملائها كما جاء في كلامه: "ومن يقول إن العمليات الإستشهادية لا تجوز إنما هؤلاء الذين نسمع أصواتهم في الإعلام إنما يرددون شهوات الطغاة وشهوات أمريكا وعملاء أمريكا"، كما نبههم إلى عواقب وأبعاد تلك التصريحات بـ: "فلينتبه الذين يرددون الكلام دون أن ينتبهون إلى عواهنه ويقولون نحن ندين الإرهاب" و التي تتجلى في:

      التلبيس على الناس وفتنتهم الذي ينتج عنه ضياع الثوابت.

      غياب مفهوم الأمة الإسلامية، وافتقاد الكيان الإسلامي الموحد.

      التغريب السياسي للناس عبر الدوران في فلك سياسة العدو ومصطلحاته وشعاراته.

      إحداث فصام قيمي ونفسي للناس مما يؤدي إلى العزلة والسلبية والعيش من أجل الغرائز دون مبالاة بما يدور من أحداث تمس المسلمين.

      الارتباك والحيرة في مسألة الانتماء والولاء بمعنى لمن يجب الولاء؟ هل للدين والأمة؟ أم للحكام وعلماء السوء؟

      إشعار الناس بأنهم لاجئون في أوطانهم لا يعيشون لقضية عادلة حيث لا يعنيهم بلدهم في شيء ولا سياسة حكامهم ولا ما يمارس على المسلمين في العالم.

      ضياع الهوية والهدف والتخبط الفكري.

      وعليه، فقد تمكن الإمام من كشف زيف ادعاءاتهم حيث يكيلون بمكيالين، وأن شعار قتل الأبرياء والإنسانية وغيرها من الشعارات ليس لها رصيد واقعي في حياتهم.
      إنهم أناس لا مبادئ لهم، ولا ثوابت لهم، ولا منطق لهم، ولا إحساس لهم، ولا مواقف لهم سوى شهواتهم وشهوات أسيادهم من الطغاة والأمريكيين والصهاينة بحيث لا يسمع لهم صوتا في المذابح التي يتعرض لها المسلمون كل يوم في العراق وفلسطين والشيشان وأفغانستان وغيرها من بلاد الإسلام.
      وفي المقابل إذا قام رجل مثل الإمام أو غيره بالدفاع عن هؤلاء المستضعفين من أمته - بما أوتي من قوة - ارتفعت أصواتهم بالتنديد تقربا وتزلفا للطغاة كما جاء في خطابه: " أمة من 1200 مليون مسلم تنحر من مشرق الأرض إلى مغربها في كل يوم في فلسطين والعراق وفي الصومال وفي جنوب السودان وفي كشمير وفي الفلبين وفي البوسنة والشيشان وفي أسام لا نسمع لهم صوتا، فإذا قامت الضحية، وإذ ما قام المظلوم يقدم نفسه من أجل دينه ارتفعت أصوات هؤلاء. 1200 مليون مسلم ينحرون لا حس لهم فإذا قام رجل ليذود عن هؤلاء قام هؤلاء يرددون ما يشتهي الطغاة، لا عقل لهم ولا فقه لهم".
      لذا فالسؤال المطروح: لماذا لا ترتفع أصوات هؤلاء العملاء بالتنديد لما يقع لإخواننا في فلسطين وفي سائر بلاد الإسلام وبنفس القوة التي نددوا بها ضد العمليات؟ ولماذا لا يضغطون على الطغاة من أجل نصرة إخواننا في فلسطين وسائر بلاد الإسلام وبنفس الضغط الممارس عليهم لنصرة أمريكا و آل صهيون؟ أليسوا كهنة الطغاة في هذا العصر ونفس الأمر ينطبق على المثقفين المتملقين الذين باعوا دينهم ودين أمتهم وعقولهم وكرامتهم مقابل شهوات أسيادهم.
      إن هؤلاء في الحقيقة كائنات بيولوجية لا تستحق العقل ولا الروح اللذان كرمهم الله بهما وتكفيهم الغرائز لأنها هي المحرك الرئيسي لإرادتهم والدافع لكل تصرفاتهم في الحياة.
      بهذا التنبيه والتوضيح الدقيق لهشاشة منطق الببغاوات الذين لا فقه لهم ولا عقل لهم كما قال الإمام في خطابه، يقوم بخلخلة عقولهم الكليلة، والسلبية في تكوينها، والمحسوبة على الثقافة الإسلامية وتجليتها العقدية والسياسية والاجتماعية من خلال إحياء البعد العقائدي ومراجعة الأسس التي تنطلق منها في عملية الولاء والبراء وتجديد ثقافة الجهاد بدل الاستسلام وإعادة تشكيل وجدانها المتغرب.


      د- دعوة الأمة: إلى الاستيقاظ من غفوتها للنهوض بالواجب وتحمل المسؤولية الشرعية والتاريخية والواقعية والمشاركة في إيجاد حلول للكارثة الخطيرة التي تهدد البشرية جمعاء كما جاء في خطابه: "فالأمر يخص الأمة بأسرها فينبغي على الناس أن يستيقظوا من رقادهم وأن يهبوا لإيجاد حل لهذه الكارثة التي تهدد البشرية جميعا". فإنها قضيتها وليست قضية الإمام وحده.
      بهذه الدعوة تمكن الإمام من طرح حل سياسي شرعي يخرج الأمة من دائرة التمزقات المتشعبة ومتاهة الاغتراب القيمي الذي تعيشه عندما ضاعت بوصلة هويتها على يد أعداء الإسلام، وإيقاف النزيف الإسلامي وإقامة التكتل الإسلامي القوي عبر التركيز على البعد الرسالي في الصراع والعداوة من أجل المبادئ الإسلامية.
      لذا، على الأمة الإسلامية أن تخوض معركتها التحررية ضد الكفر الدولي رفقة الإمام - حفظه الله - الذي برهن على أهليته لهذا التكليف الرباني من خلال هجرانه لحياة الترف والذل والنفاق، والتحامه بهموم أمته وقضاياها، ووقوفه ضد فرعون العصر أمريكا الكافرة مقيما بذلك الحجة على القيادات المزيفة، قيادات الفنادق الفخمة والمهرجانات الفلكلورية..


      هـ - تحذير حكام العرب: من مقتضيات الانصياع للسياسة الأمريكية الصهيونية لأن ذلك يشجع العدو الصهيوني على ارتكاب المزيد من المجازر الوحشية ضد أبنائنا في فلسطين، ويفتح شهيته أكثر لاحتلال المزيد من الأراضي الإسلامية عبر المطالبة بحقوقه التاريخية كما هو الشأن بالنسبة للجزيرة العربية حيث كان لهم تواجد في المدينة، أو الاحتواء السياسي والاقتصادي من خلال التغلغل في المؤسسات الاقتصادية والسياسية وهذا حاصل في معظم البلاد الإسلامية، أو السيطرة العسكرية من خلال التواجد العسكري وهذا حاصل في معظم البلاد الإسلامية حيث توجد القواعد الأمريكية أي آل صهيون لأنهما وجهان لعملة واحدة انطلاقا من سياستهم التوسعية المطبوعة في كتبهم الظالمة كما قال الإمام حفظه الله في خطابه التاريخي: "إذا وسعت إسرائيل من أرضها المطبوعة في كتبهم الظالمة الجائرة الزائفة كما يزعمون وقالت إن حدودنا إلى المدينة، ماذا سيفعل الحكام وهم يرضخون لهذا اللوبي الصهيوني الأمريكي".
      وعليه، فالقضية جد خطيرة وليس التخدير والإلهاء الذي يمارسه الإعلام هذه الأيام من كون الفلسطينيين والعرب أهينوا في رمز سيادة فلسطين -عرفات العجوز الخنوع - متناسين بذلك أطفال فلسطين والعراق والشيشان وأفغانستان وكافة بلاد الإسلام، مما يصرف الأمة عن ميدان المعركة الموضوعي الواسع الذي يشتمل في إطاره على كل الجزئيات كعرفات إذا افترضنا جدلا تمثيله للقضية والتحامه بهموم شعبه.
      إن حصار عرفات وكما يريد تسويق المتصهينين من الفلسطيينين والعرب لاختزال القضية الفلسطينية ومآسي الشعب الفلسطيني الأعزل في نظرنا مكياج جديد لتشبيب عرفات العجوز الفاشل أي بلغة السياسة تكتيك صهيوني - أمريكي- عرفاتي - عربي الغرض منه إضفاء الشرعية من جديد على هذا الرئيس المخلوع وتقديمه كبطل للشعب المقاتل أي أنه الرئيس الفعلي له وبدون منازع ليستمر في تنفيذ المشروع الصهيوني القديم/الجديد الذي يقضي بإقبار القضية عبر قتل واعتقال المجاهدين وضرب بنيتهم التحتية، وإذلال الشعب المجاهد قاهر آل صهيون.
      إن الرؤساء الحقيقيين للشعب الفلسطيني هم المجاهدون الذين انتخبهم الشعب من خلال واقع المعركة وليس أزلام آل صهيون من عرفات ومن على شاكلته. فهؤلاء لا يستحقون الانتماء لهذا الشعب المجاهد فضلا عن قيادته.
      إن تحذيرات الإمام نراها اليوم وبشكل واضح في مصر وبلاد الجزيرة وغيرها من البلاد الإسلامية.
      لذا، فإن التصريحات الاستسلامية والوقحة التي أدلى بها ولي العهد السعودي في فترة الحج - حيث لم يعر أي اهتمام لمشاعر المسلمين - لتوماس فريدمان الأمريكي اليهودي في جريدة نيويورك تايمز في كون بلاده مستعدة للتطبيع مع الكيان الصهيوني يؤكد وبشكل واضح الانبطاح قادة الدول العربية أمام العدو الصهيوني والصليبي، والهدف الحقيقي من حصار عرفات، وصحة استشراف الإمام لهذه المنطقة المقدسة.
      ولقد اكتفينا بتسمية البلدين مصر والسعودية كنموذجين يضرب بهما المثل نظرا لموقعهما الإستراتيجي في مقاومة الهيمنة الأمريكية والصهيونية. فمصر معروفة بتاريخها وعلمائها ومفكيريها إضافة إلى موقعها الاستراتيجي على مستوى السياسي والعسكري، والجزيرة العربية معروفة أيضا بتاريخها وعلمائها ورمزيتها الدينية حيث الحج والعمرة والأماكن المقدسة إضافة إلى موقعها الاستراتيجي على مستوى الديني والاقتصادي والسياسي حيث فتوى واحدة من علماء الجزيرة تقلب بإذن الله ميزان القوى لصالح البلاد الإسلامية فضلا عن استعمال سلاح النفط.
      أما الأردن فهي أحدثت أصلا للمشروع الغربي الأمريكي الصهيوني، وأما غيرها من البلاد الإسلامية فحدث ولا حرج.
      انطلاقا من هذه الأوضاع المأسوية، ومن الموقع الإستراتيجي والحيوي الذي يمثله الإمام وجنده في مقاومة المشروع الأمريكي الصهيوني يجب على حكام العرب أن يعلموا أن خط الدفاع الأول عن الأمة الإسلامية هو الإمام حفظه الله والمجاهدين في فلسطين والشيشان وكشمير وأفغانستان والفليبين والجزائر والمجاهدين في كافة أنحاء العالم.
      وأنه كما سمح للكيان الصهيوني والأمريكي باحتلال فلسطين المسلمة وغيرها فإن الدور عليهم آت عاجلا أم آجلا إن هي لم توقف محاربتها للإمام وجنده عندئذ ستدرك قصة الثيران الثلاثة حيث قال أحدهم لما جاء دوره: "أكلت يوم أكل الثور الأبيض"، أي سوف تحتل بلدانهم كما احتلت فلسطين ويطردون منها كما طرد الفلسطيني ويقتل أطفالهم كما قتل أطفال فلسطين ومقدمات ذلك موجودة كما أوضحنا سالفا.
      لذا، فإن من مصلحتهم السياسية والاقتصادية أن يتركوا قضية الإمام والشعب الفلسطيني المجاهد وكافة المجاهدين في العالم وجها لوجه مع العدو الأمريكي والصهيوني والله وكيلهم، وأن يبتعدوا عن المسرح السياسي لأنهم غير مؤهلين لذلك، ويرحلوا عن البلاد الإسلامية إلى أمريكا أو أوروبا لإشباع غرائزهم قبل فوات الأوان.


      10- الأهداف السياسية المرحلية:

      من الناحية الإجرائية، تمكن الإمام- حفظه الله - في خطابه التاريخي من بلورة مجموعة من الأهداف السياسية التي تحكم المرحلة التي تجتازها الحركة الإسلامية الجهادية في صراعها مع العدو الصليبي، وتمهد الطريق للوصول إلى إنجاز الهدف النهائي - بإذن الله وتوفيقه - الذي يقضي بتدمير قوة العدو تدميرا كاملا على أرض المعركة من أجل تحرير الإنسان المسلم، وفتح المجال أمامه لبناء مجتمعه والخلافة الإسلامية، وإقامة حدود الله على أرض الله في مناخ من الاستقرار والسلامة والأمن، والتي هي:


      أ- استمرار العمل الجهادي ضد أمريكا: أي عمليا استدامة حالة الصراع الدائر حاليا بين الأمة الإسلامية ممثلة في الإمام - حفظه الله - وأمير المؤمنين الملا عمر - حفظه الله - وسائر المجاهدين، والعدو الصليبي ممثلا في أمريكا وآل صهيون وأنظمة الردة العربية وسائر الدول الغربية المحاربة، مما يستوجب الاستنفار التام في صفوف المجاهدين، والتعبئة التامة للأمة، واليقظة الدائمة على المستوى العقدي والأمني والعسكري والسياسي، إضافة إلى الإعداد الجيد، والتخطيط الدقيق، والإرادة المصممة على مواصلة الجهاد.
      هذا الهدف يعتبر وسيلة ناجعة في تذليل الصعاب التي تعترض مشروع الأمة السياسي وتطلعـاتها، لأنه يساهـم - وبشكل فعال - في إزالة الدابة الأمريكية من الطريق عبر تدمير قوتها تدريجيا والقضاء على هيمنتها، وكافة إفرازاتها في البلاد الإسلامية بإذن الله تعالى.
      ويمكن ملامسة تجليات هذا الهدف في الحرب الاستنزافية التي يشنها المجاهدون في أفغانستان وفلسطين والشيشان والفليبين والجزائر وكشمير... بحكم العلاقة العضوية الموجودة بين أمريكا وآل صهيون وأنظمة الردة والقوى الغربية المحاربة. كما يدخل في هذا الإطار أسر الصحافي الصهيوني الأمريكي واغتياله من طرف المجاهدين، ومقاطعة الأمة للبضائع والمنتجات الأمريكية والصهيونية. إنها حرب استنزافية طويلة المدى على كافة المستويات وفي كل مناحي الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والنفسية والأمنية، بمعنى كل فرد من الأمة الإسلامية باستطاعته المشاركة في الحرب التحريرية من خلال موقعه وإمكانيته وبكل الوسائل المتاحة والممكنة ( تفجير، مقاطعة، تحريض، أسر، تمويل، توعية، دعاء، اغتيال...)، إضافة إلى إبداع وسائل جديدة تقفز على الممكن كما وقع في غزوة نيويورك وغيرها، لأن المؤمن يجب أن يرفع من سقف تفكيره وأن يكون طموحا غير مستسلم للأمر الواقع.
      وهذا هو منهج الأنبياء والرسل والصالحين والشهداء وكل دعاة الجهاد والتغيير، حيث نجد حضورهم دائما في واقع فاسد ميؤوس منه يسوده الشرك والكفر والظلم والطغيان ويفعلون - بإذن الله - أشياء كثيرة وعظيمة لم تكن في تصور المستسلمين أصحاب فن الممكن. إنه طريق المجاهدين الثائرين على الكفر والشرك والظلم، إن مهماتهم تفرض عليهم تغيير نظام الأشياء بتسخير كل ما هو موجود في هذا الكون الفسيح من أرض وجبال وبحار وجو... من أجل قضيتهم العادلة. وهذا لن يتأتى إلا بإرادة قوية تستمد القدرات التي ينطوي عليها ديننا الحنيف بما هو مشروع تغييري لتحريك الأمة أي - بعبارة أخرى - السعي الحثيث لاستنفار كل القدرات التغيرية والتحريضية التي ينطوي عليها الكتاب والسنة بما فيها الشعار والمفاهيم والمصطلحات والقيام بتفعيلها على أرض الواقع لتصبح عنصرا حركيا، وإدراك للسنن الكونية التي تحكم الأشياء التي لا تخضع للهوى والأمنيات والرغبات. إن مهماتهم تستوجب عليهم اكتشاف أشكال جديدة في المقاومة لم يعرفها أحد من قبل ليكونوا أول من يرسم المخططات ويضع السياسات ويبدأ الحرب ويستشرف المستقبل القريب والبعيد بإذن الله سبحانه وتعالى.
      ولقد أشار الإمام - حفظه الله - بوضوح إلى هذا الهدف، حيث قال: "وأركز على أهمية استمرار العمل الجهادي ضد أمريكا عسكريا واقتصاديا"، "فينبغي أن تغتنم الفرصة ويواصل الشباب العمل ضد أمريكا" أي حرب مفتوحة ومتواصلة مع العدو الأمريكي. وقال في شأن الوسائل: "فأقول من المهم جدا التركيز على ضرب الاقتصاد الأمريكي بكل وسيلة ممكنة" أي تعدد أدوات الممارسة ومسالكها وعدم الاقتصار على أداة واحدة مهما كانت فعاليتها أي التنوع اللامحدود والتجدد والتطور، وفي الممارسة الواحدة عسكرية كانت أو سياسية أو أمنية التركيز بالموازاة على الأداتين النفسية والإعلامية.


      ب - إرباك خطط العدو: عبر وضعه أمام مجموعة من التحديات الأمنية والعسكرية والسياسية والإعلامية التي تفوق تصوره كما حدث مؤخرا في منطقة غارديز حيث تم تكبيده خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات العسكرية من طائرات وغيرها مما جعله يجر ذيول الهزيمة والذل ويكتفي بالعودة سالما لاسترجاع معنوياته وقوته التي انهارت كما صرح بوش الجبان في وسائل الإعلام، وصدى ضحكات المجاهدين (كما صرح جريح أمريكي) التي أرعبته لحظة المواجهة ما زالت ترن في أذنيه وتطارده حيث ما حل وارتحل غير مصدق أنه نجى بجلده وأنه جد محظوظ وليس كأصدقائه الذين تركهم أشلاء في ساحة المعركة وكأنه يقول لبوش اذهب إلى الجبال لتعرف ما يكابده جنودك المساكين وكن قائدنا وقدوتنا في المعركة كما يفعل قادتهم أمثال الإمام بن لادن وأمير المؤمنين الملا عمر وليس مختبئا في بيتك، وعارضا للعضلات من وراء وسائل الإعلام فقط، ومفاجأته من حين لآخر بعمليات تكتيكية تعمق من تناقضاته وتزيد من تفتته الداخلي لإبقائه دائما في حالة رد الفعل الذي يؤدي به في النهاية إلى الجمود والشلل.
      هذا الهدف يسبب حالة هستيرية في صفوف قادته ويزيد من حالة الإرهاق والتعب الذي يعانيه مند غزوة نيويورك على المستوى الأمني والعسكري والعصبي والنفسي وحتى الفكري، حيث أصبح يعيش حالة من الرعب والخوف والهلع، إضافة إلى البكاء عبر وسائل الإعلام واستجدائه للقوى الصديقة أي العميلة لمساعدته في المعركة، وهذا يدل دلالة واضحة على ضعف وجبن الجندي الأمريكي كما قال الإمام في تشخيصه للعدو: "إن هذه المعارك التي تقوم اليوم في أفغانستان على مدار الساعة على المجاهدين العرب خاصة والطالبان، أظهرت بوضوح مدى عجز الحكومة الأمريكية ومدى الضعف الأمريكي ومدى هشاشة الجندي الأمريكي". كما نشاهد تجليات هذا الهدف في أفغانستان حيث أصبح بوش الجاهل و الأبله (نظرة واحدة إلى ملامحه تشير بوضوح إلى هذه الحقيقة) يقصف الأبرياء العزل لاستعراض العضلات وإرهاب الناس كما قال الإمام وإيهام العالم بأنه يقوم بالقضاء على القاعدة والطالبان لإخفاء فشله، وأيضا ما تناقلته وسائل الإعلام مؤخرا في نيويورك تايمز بشأن الصراع الدائر بين المؤسسة العسكرية والاتهامات المتبادلة حول الفشل الذريع في إدارة المعركة عسكريا وسياسيا وإعلاميا في أفغانستان الذي نتج عنه إغلاق مكتب الإعلام الإستراتيجي الذي كانت مهمته الكذب والبهتان على الشعب الأمريكي وتضليل الرأي العالمي.
      إن بنية العدو الفكرية والنفسية المؤسسة على ثقافة "رامبوا"، وواقع الأنظمة العميلة، والحركات السياسية المهزومة والخائفة (إسلامية وعلمانية)، والشعوب المقهورة لم تعد صالحة في ظل المتغيرات الدولية المتمثلة في ظهور نموذج جديد يفهم دينه جيدا، ممتلئ بحب الله ويرجوا لقائه، الجهاد والاستشهاد جزء من عقيدته، مستوعب لثقافة عصره، يعرف جيدا عدوه أكثر من معرفة العدو لنفسه، يعي جيدا أبعاد المعركة ومستعد لخوضها بل يسعى لذلك، إضافة إلى قدرته على التجدد والتطور والاستمرار من خلال ضخه لدماء جديدة ذكية ونشيطة في حركته تملك أفاق واسعة ورحبة، عكس الهرم والشيخوخة التي أصابت العدو الأمريكي والصهيوني بصفة خاصة، والقيادات التقليدية والمهترئة بصفة عامة. لذا يجب على العدو إعادة تأهيل نفسه ليواكب هذا المستجد/المجاهدون عبر التفكير الجدي في الانسحاب من كافة البلاد الإسلامية وعلى رأسها فلسطين المسلمة لأن عكس هذا الحل يعني نهايته بإذن الله طال الزمن أم قصر. إن هذا الهدف يحتاج منا إلى جهود مضنية ومتواصلة والكثير من التضحيات من شهداء ومعتقلين وألوف من المجاهدين يكرسون حياتهم من أجله، وهذا ما لا تدركه العقول البسيطة التي تجهل أن مسألة الجهاد والمقاومة تعتبر من أولى الأوليات أي القضية الرئيسية قبل الأكل والشراب،كما تحتاج إلى وقت طويل، وإرادة لا تتوقف عن العمل..


      ج - منع أمريكا من تحقيق أهدافها: التي تتجلى في القضاء على روح الجهاد وثقافة الاستشهاد من الأمة الإسلامية لتجذ ير هيمنتها على البلاد الإسلامية ومقدرتها والتمكين للمشروع الصهيوني لتصبح السيد الذي يرسم السياسات ويعطي التوجيهات. لذا يجب على الأمة الإسلامية أن تبذل ما في وسعها لعرقلة الجهود الأمريكية، وإسقاط مشروعها الاقتصادي والعسكري والسياسي والأمني والثقافي، وذلك بتعريتها للعملاء ملوكا كانوا أو رؤساء أو مثقفين أو علماء وفضحهم أي التحريض السياسي ضدهم، وإحياء الإرادة السياسية وفق برنامج الجهاد والتحرير.
      وأما المبادرات المشبوهة التي تقوم بها الأنظمة العربية العميلة بخصوص القضية الفلسطينية فهي لتعزيز الأهداف الأمريكية وحماية آل صهيون من الهزيمة النكراء على يد المجاهدين، لأن العميل لا يملك قراره بل هو مجرد عبد عند السيد الأمريكي والصهيوني ينتظر دائما التعليمات لتنفيذها مقابل الحفاظ على مصالحه وغرائزه.
      إن العملاء السعودي والمصري والليبي رهائن عند الإدارة الأمريكية أي الصهيونية، الأول بسبب التواجد العسكري الأمريكي في بلاده تحت غطاء حمايته من النظام العراقي أو خطر الإرهاب الإسلامي، والثاني بسبب الرشاوى التي يأخذها كل سنة تحت عنوان المساعدة الاقتصادية لحماية بلاده من الفقر والجوع وخطر الإرهاب الإسلامي، والثالث بسبب الحصار الاقتصادي تحت غطاء مساندته للإرهاب.
      أما الأول أي السعودي فأعطيت له الأوامر لتهيئة الأجواء الفكرية والنفسية والاجتماعية للتطبيع مع العدو أي تجديد الدم الملوث في جسم مشروع السلام الفاشل، بمعنى النفخ من جديد في روح مشروع الاستسلام الميت لإعطاء نفس جديد للعدو ولمفردات التطبيع والسلام، لأن هذه المرة المبادرة جاءت من السعودية ليتم في النهاية الالتفاف على تضحيات المجاهدين وسرقة جهادهم المقدس، أما الثاني أي المصري ذهب إلى أمريكا لأخذ الإطار السياسي العام الذي يجب أن يحكم القمة العربية التي ستنعقد في لبنان، وأما الثالث أي الليبي الحالة النشزة والخادم الأمين للمشروع الصهيوني، واللغم السياسي في الكيان العربي فمهمته ترتكز على تقديم الخيارات المفلسة والسيئة التي تخدم جيدا المشروع الصهيوني سواء بالاعتراف بالكيان الصهيوني وإدخاله في الجامعة العربية، أو عدم الاعتراف بالدويلة الفلسطينية في حالة قيامها مستقلة على العدو لأن ذلك يشكل خطرا كبيرا مع مرور الوقت على حلفائه الصهاينة.
      فالحل عند هذا الثائر العميل هو تذويب الفلسطينيين في الكيان المصطنع تحث عنوان وهم الديمقراطية، لأن الذي يحكم في هذا العالم هي الأقلية صاحبة الدبابة والمال أي القوة وليس صاحب الحق، والدليل على خرافة طرحه هو وجوده وأمثاله في السلطة، إضافة إلى أن خير نموذج على هشاشة وزيف ادعائه هو غياب الديمقراطية في أرقى هيئة عالمية وهي مجلس الأمن حيث لا تتخذ القرارات بالأغلبية لأن عصا الفيتو الأمريكي تبقى مسلطة دائما على المخالفين لسياستها ولسياسة بنتها المذللة آل صهيون، أي بعبارة أخرى إن أمريكا وآل صهيون ضد العالم بأسره بدوله وشعوبه، وضد إله العصر صاحب التحليل والتحريم خرافة الشرعية الدولية. لأن الذي يقع لأمريكا هو نفس ما كان يقع لبعض مشركي قريش عندما يشتد بهم الجوع كانوا يأكلون آلهتهم/الأصنام التي كانوا يصنعونها من الحلوى، وهكذا أمريكا تأكل إلهها/الشرعية الدولية عندما تدعوا الحاجة والمصلحة لذلك.
      وعليه، فإن المبادرات العربية تعتبر جزءا من الخطة الأمريكية والصهيونية التي تعتمد على الترويض النفسي والفكري للأمة من خلال العميلان السعودي والليبي لتهيئة الأجواء المناسبة للقرار السياسي الصهيوني من خلال العميل المصري. لذا يجب على كل أعداء أمريكا وآل صهيون أن يجهضوا هذه المبادرات المشبوهة في مهدها وبكل الوسائل الممكنة، وشن الحرب على كل من تسول له نفسه ليكون عرابا للمشروع الأمريكي الصهيوني أنظمة كانت أو أحزاب سياسية أو مثقفين وعلماء، لأنها مسألة حياة أو موت أي أن نكون أو لا نكون..


      د- التوازن الواقعي والاستراتيجي: عبر توازن الألم والرعب والإرهاب والردع، ونهج سياسة الكر والفر للتقليل من الخسائر المادية والبشرية إلى أقصى حد ممكن واتخاذ قرار الانسحاب من مكان ما في الوقت المناسب، لأن مثل هذا السلوك لا يقل أهمية في الحرب من الناحية العسكرية أو السياسية أو الأمنية عن القيام بالزحف والتقدم اتجاه العدو عندما تكون الأوضاع ملائمة من خلال التشخيص الدقيق والدائم للوضع الميداني من كل جوانبه ليقرر المجاهدون ما إذا كانوا في الدفاع أو الهجوم أو بين هذا وذاك.كما تفرض الضرورة الأمنية والعسكرية والسياسية قيام المجاهدين ببعض الأعمال التي تبدوا سلبية لامتصاص قوة العدو واستنزافه وإرهاقه أكثر، إضافة إلى حماية المواقع والأهل والمجاهدين وعدم إسقاط القضية - لأن هذا السلوك يعتبر من مهام المرحلة - ليكون ذلك رادعا للعدوان في حركة التوازن الواقعي والاستراتيجي. وهذا ما أشار إليه الإمام حيث قال: "فالقاعدة العسكرية الأمريكية وإن كانت المسافة بيننا وبينها بعيدا جدا وأسلحتنا لا تصل إلى طائراتهم فبالإمكان بواسطة الخطوط الدفاعية العريضة امتصاص هذه الضربات". وعليه، فإن الحركة الإسلامية العالمية تمر اليوم بمنعطف تاريخي دقيق وجد حاسم في مستقبل الأمة الإسلامية، بحيث بإمكانها الانتقال إلى مرحلة التفوق الواقعي والإستراتيجي على العدو إن هي أدركت جيدا مهام المرحلة، والتقطت الإشارات الأخيرة المتمثلة في المبادرة السعودية بشأن قضية الاستسلام للعدو لأنها تعتبر في نظرنا آخر ورقة سياسية يستخدمها العدو في صراعه مع انتفاضة الأمة وجهادها. وهذا مؤشر قوي على أن ميزان القوى في صالح خيار الجهاد والمقاومة إن هي أحسنت استثمار الظرف، وهذا لا يتم إلا بلفظ كل الكيانات المهترئة من أنظمة وأحزاب سياسية ومؤسسات دينية التي لم تعد بنيتها الفكرية والنفسية تسعفها في التكيف مع الواقع العالمي المعاصر المرتكز على سياسة القوة والإرهاب، والتي تتسم بسذاجة سياسية وبساطة في التفكير أو عمالة وارتزاق أو الجبن والخوف إذا افترضنا حسن الفهم والنية.
      إن أمريكا تريد تطبيق دعوة براتراند راسل التي جاءت في كتابه هل للإنسان مستقبل؟ "من ضرورة قيام حكومة عالمية تكون لها سلطة تشريعية وتنفيذية وجيش لا ينافس، وتخفيض جيوش الدول الخاضعة بحيث تصبح مجرد قوة شرطة محلية لحفظ الأمن، أو رديفا احتياطيا لجيش حكومة العالم"، بمعنى أمريكا هي رئيسة الحكومة، وحكام الغرب هم الوزراء، أما حكام العرب فمنهم ساعي البريد وماسح الأحذية والمكلف بالدعاية والإشهار...
      إذا كان هذا هو موقع الحكام بسبب تبعيتهم لأمريكا، فما هو إذن موقع الأحزاب العربية في الحكومة العالمية بحكم تبعيتهم لحكامهم؟ أليس يجمعهم نفس الخيار الإستراتيجي الاستسلامي بمعنى ينتهجون سياسة السلم ونبذ العنف؟ حكامهم مع العدو، وهم مع حكامهم.


      الخاتمة:

      تلك كانت مقاربة توضيحية للفكر السياسي الذي يحمله الإمام المجاهد الشيخ ابن لادن، على أمل أن نعود إلى الموضوع مرة أخرى إذا اقتضت الضرورة ذلك..
      إن هدفنا من هذه المقاربة إنصاف الرجل وتعريف الأمة الإسلامية بجانب من شخصيته العظيمة، وردا أيضا على شبهات المخالفين والأعداء الذين يحاولون طمس حقيقته تحت عناوين مختلفة مثل أن الرجل شجاع كما صرح أحدهم لقناة الجزيرة في لقاء خاص مع فيصل القاسم لما سئل عن الإمام، أو أن الرجل صادق لكن مخطئ في نهجه وممارسته، أو أن الرجل بسيط، أو أن الرجل سلفي لا علاقة له بالفكر والسياسة، بمعنى أن الإمام لا يملك المنهج السليم، ولا توجد عنده رؤية سياسية، ولا يعي الواقع الدولي، ولا يقدر أبعاد المعركة، وأن الذي يحكم حركته العشوائية والتهور.
      إن هؤلاء يريدون اختزال شخصية الإمام في الجانب الأخلاقي والروحي، وهذا في نظرنا رسائل مشفرة إلى الأمة بالابتعاد عن الإمام وعدم نصرة قضيته والتي هي قضية الأمة بأسرها مظهرين في تصريحاتهم التعاطف والموضوعية في الحكم، ومبطنين الجهل المركب بالرجل الذي يعرفه أعداؤه أكثر منهم، أو الحقد الدفين ومحاولة التنقيص من إنجازاته العقدية والسياسية والعسكرية بأسلوب حضاري - عقلاني/ خبيث. وعليه، فإننا نعتبر نصرتنا للإمام هي نصرتنا لتنظيم القاعدة، ونصرتنا لأمير المؤمنين الملا عمر ولحركة الطالبان ولكل إخواننا المجاهدين في العالم في الشيشان وفلسطين وكشمير والفليبين ومصر والسعودية واليمن والجزائر وليبيا والأردن...
      كما أتمنى أن نخصص دراسات أخرى تعرف جيدا بجهاد أمير المؤمنين الملا عمر ومواقفه السياسية الشرعية وبإخواننا في حركة الطالبان وكافة الحركات الجهادية الذين تجهلهم الأمة رغم التعاطف الكبير والحب الذي تكنه لهم لأن أفقنا الارتقاء بذلك التعاطف وتحويله بإذن الله وتوفيقه إلى قناعة عقائدية وسياسية، وعلاقة أخوية تقتسم الموت والحياة ويجمعها المصير الواحد.