كيف تكون متميزاً ؟

    • كيف تكون متميزاً ؟

      |aكيف تكون متميزاً ؟|a


      عندما نعود سوياً ـ أيها القارئ الفاضل ـ إلى الوراء بعيداً ، حيث زمن النور الساطع والتميز اللامع الفريد ، في عهد النبوة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم ؛ فإننا ننبهر تماماً ، ونحتار ملياً ، وتكاد لا تصدق عقولنا ذلك التميز الرفيع المتمثل في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

      يقود الأمة من ضلالةٍ عمياء إلى نور الحق والبصيرة ، وينقلها من ضيق الأزِقَةِ والسَّرَاديب الموحشة إلى سعة البسيطة وقمم العزة والشموخ ، من التعلق بالأحجار والأشجار إلى الخوف من الواحد الجبار ..
      لقد جعل منها ـ في زمن وجيز ـ أمَّةً ترتقي بدينها إلى أن تتميز بين الأمم المتفرقة بتميُّز أفرادها الذين هم أنصار دين الله ـ جل جلاله ـ ودين نبيه صلى الله عليه وسلم ، حين استجابوا لأمر ربهم تبارك و تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم .. ) .


      ولأننا نعترف بعجزنا وقلة إدراكنا وقِصَرِ فهمنا فلن نخوض في سيرته صلى الله عليه وسلم بحثاً عن التميز في حياته ؛ حتى لا ننقصه قدره ، وبحسبنا ما زكَّاه ربه ـ جل جلاله ـ حين ذكر لنا شيئا من تميزه ففي عبادته ـ مثلاً ـ وتعلقه بالآخرة ، وكثرة ذكره لربه قال : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) ..

      وحول مهمته في تعليمه للناس قال تعالى : ( لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمُهُم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) .
      وعن دعوته وسِرّ تميزه فيها والذي هو من نور الله قال : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً )
      وعن خُلقه الكريم الوضاء قال : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) إلى غير ذلك مما أفاء الله به على حبيبنا وإمامنا وقدوتنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم من التميز في شئون حياته كلها .

      هذا ولقد لمسنا التميز الرفيع ـ أيضاً ـ والمَثل الأعلى في الإقتداء بسيد المرسلين ـ عليه الصلاة والسلام ـ واضحاً وبَيِّنَاً في صَحبهِ الكرامِ بدءاً بصاحبه في الغار وخليفته على المسلمين من بعده أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ، وذلك في شئونه كلها سواءً في عباداته أو معاملاته مع الناس داخليةً كانت أم خارجية ، سياسيةً كانت أو إدارية ، فعن ماذا نتكلم ؟


      هل نذكر موقفه الصادق واستجابته السريعة في بداية بزوغ نور الإسلام وإشراقة فجره الوضاء دون أدنى شكٍ منه أو أيَّ تردد ؟


      أم نُحدِّقِ النظرَ جيداً في تقديمه لأعظم ما يملكه ـ وهي نفسه الغالية ـ رخيصةً وفداءً ونصرةً للنبي صلى الله عليه وسلم ، أم هل نتمعَّن في حسن تعامله الفذ والعبقرية المتميزة في السيطرة ومعالجة فتنة الردة عن دين الله ـ تعالى ـ من بعض القبائل بعد موته عليه الصلاة والسلام حين قال :

      ( والله لو منعوني عقالا كنت أؤديه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ) أم نذكر حُكمه وعدله بين رعيته حين تَوَليّه الخلافة الأمر الذي حدى بفاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقول مقولته الفصل وهو يتحدث عن قمة التميز الذي لمع به الصديق : ( لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر ) فحُقَّ لنا أن نقول إنه بحق الرجل المميز ..

      ولن نبتعد كثيراً عن تلك الشخصية فما هي إلا ورقة نقلبها لننتقل إلى صفحة أخرى مشرقة ، قد تراكمت أحرف الكلام ، وجفت الأحبار في وعجزت العقول في وصف ذلك العهد المشرق وسيرة من سار على خطى أساتذة التميز ومعلميها ممن قبله ، إنه العهد العمري !


      لقد وافق القرآن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ثلاث مرات ؛ عقليةٌ فذة ، ودهاءٌ وحِكمة ، وقوة وشجاعة ، عدلٌ في الرعية ، وخشوعٌ وتذلل ، وإخبات وإنابة ، فراسة وفطنة ..


      والحق ما شهدت به الأعداء وذلك حين قال عنه رسول ملك الفرس مقولته المعروفة لدى الجميع : ( حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر ) فما أجمله من تميز شهدت به الأعداء !

      وفي الحقيقة أننا إذا تتبعنا أحوال المتميزين من أبنا أمتنا المسلمة ورجالاتها ـ والذين لا يخفون على أكثرنا ـ لطال بنا المقام ؛ حين برز منهم من كان في صغر سنه أو حين كَبُر ، ولكن نكتفي بهذا القدر اليسير لنصل إلى الغاية المنشودة من اختيارنا لهذا الموضوع ..
      وإنني في هذه العجالة ـ أخي المتصفح لموقعنا الغالي ـ أريدك أن تصل إلى درجة التميز ، ولكن ..

      انتبه ! فليس كل تميز محمود ـ فهناك تميّز مذموم لا نريده ـ إذ ليس مَنْ تميِّزَ بحفظه للقرآن والسُنَّةِ كمن تميز بحفظه لأنغام الشيطان وأشعار الغناء ، وليس من تميز بطلبه للعلم الشرعي حفظاً وتأصيلاً كمن مَرَّ عليها مروراً سريعاً ، وليس من تميز بمهارة القتال في ميادين الجهاد كمن تميز بمهارة الكرة والألعاب ..

      ولم ولن يكن يوماً شهيد الجهاد كشهيد الفن والتمثيل والملاعب ، ولم ولن يكن ـ أيضاً ـ من برز في علوم الشريعة وعلوم الطب والهندسة وغيرها كمن برز في فن التمثيل والرقص والغثاء ؛ حتى وإن لمَّعَته الصحف والمجلات والقنوات لأنه تميّزٌ أجوف مخادع أشبه بتمثالٍ صُنِعَ من ثلجٍ سرعان ما يتحول إلى أصله بعد الذوبان ..


      يقول تعالى : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ) .

      إنك ـ أيها الباحث عن التميّز الحقيقي ـ عندما تشاهد ـ مثلاً ـ مبناً شاهقاً متعدد الطوابق ، متنامي الأطراف ، كثير الأجنحة والأقسام ، يدخل فيه ويخرج منه في الدقيقة الواحدة خلقٌ كثير ، بدقة متناهية ، سواءاً أكان هذا مستشفاً أو أكاديمية تعليمية ، أو مؤسسة أو حتى شركةً تجارية ، يلفت انتباهنا مباشرة إلى ذلك المدير العام الذي يدير هذه المنشأة وهؤلاء البشر بطريقة مرتبة وخُطَاً منتظمة ..


      بالفعل إنه رجلٌ متميز .. متميزٌ برجاحة عقله ، متميزٌ بحكمته وإدارته للأمور ، متميزٌ بفهمه وسعة إدراكه ـ وكل ذلك بعد توفيق الله ومشيئته ـ فهو متميزٌ بذاته حين برهن تميزه على أرض الواقع بعد مجاهدةٍ مضنية ، وتضحيات ملؤها السهر والتعب ، دون أن يحتاج إلى تلميعٍ من أحد ، أو أن يتقمّصَ شخصيةً لغيره كذباً وزوراً ..


      ولعلك بعد هذا أدركت أن التميز الحقيقي أن يتعلقَّ الإنسان بربه أولاً ـ مخلصاً له العمل ومستعيناً به ـ ثم يجعل من طموحه في التميز أن يخدم به دينه ـ الأمر الذي يُرضي ربه وخالقه ـ فيكون له خير معين ، ويكون له بمثابة الأساس المتين الذي يبني عليها أولى خطواته في التميّز الحقيقي ..


      وإليك شيئاً من معوقات التميز :


      ـ البعد عن الله والتقصير في أوامره والوقوع في مساخطه.
      ـ الصحبة السيئة.
      ـ إضاعة الوقت فيما لا مصلحة منه.


      ـ العجز والكسل وعدم تكرار المحاولات .
      ـ القدوة السيئة والتقليد الأعمى لهم .


      هذا ما يحضرني وإلا فهناك أمور كثيرة ولكن أترك لكم المجال لطرحها والمشاركة بها.

      ومن الأسباب المعينة للوصول إلى قمم التميُّز ، أوجز منها :


      أولا : التعلق بالله والقرب منه والإعتصام بحبله المتين !


      ـ مرافقة الصالحين الذين هم أعلى منك شئناً وأدرى بسِّر التميّز
      ـ اغتنام الأوقات وعدم الاستهتار بها فالوقت أعظم ما عنيت به .. وأنت الآن في بداية إجازة صيفية طويلة فما هو التميّز الذي سنراه
      منك ؟


      ـ رسم هدف وغاية لتحقيقها .. ولقد أعجبتني إحدى رسائل جوال ديننا حين ذكر فيها : .. هل أنت تسير على هدف واضح أم أنك
      تسبح في بحار الفوضوية ؟ لابد من وقفة لنقد الذات لننطلق بعدها إلى تصحيح المسار ..


      ـ عدم العجز والتراجع من أول المحاولات ـ هذا إذا باءت بالفشل ـ وعليك بتكرار المحاولات مراراً وتكراراً ..
      ـ الإقتداء بالصالحين وخصوصاً من السلف الصالح ، ممن سطر لنا أروع صور التميّز ..


      هذا وإن أحسنت فمن الله وحده وإن أسئت فمن نفسي والشيطان ، وأنا في انتظار مشاركاتكم وملاحظاتكم .. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه وإلى أن ألقاكم في مقالة أخرى أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله ..

      ~!@qمنقول~!@q

    • بنت العز .. كلماتك تجدد الأيمان فينا من خلال خلق الصلة فيما بيننا وبين الله فهي دعوة بلا شك إلى رفع النفس والتنزه عن ما يبعد الأنسان عن ربه عز وجل.

      دمت بود
      ودامت لنا كل جديد لك