اعتدت على زيارة حواضر أوربا سنويا، لأتفقد آثارها الحضارية واطمئن على سلامتها من هجمات الإرهابيين أو عمليات المضاربين في هدها وتحويلها الى فنادق خمسة نجوم او كازينوات قمار. ولكنني في هذا الخريف لاحظت شيئا جديرا بالملاحظة، من حيث سقوط الانسان من انسانيته.
اعتدت في أيام زمان عندما انزل ضيفا على فندق وستر، ان اطلب من موظفة الاستقبال أن توقظني صباحا في ساعة معينة. وفي الساعة المعينة يرن التلفون. ارفع السماعة فأسمع صوتها الرقيق، «هلو حبيبي مستر راعي الونش، آسفة على ازعاجك، ولكن هذا هو الوقت الذي طلبت. اتمنى لك نهارا جميلا تقضيه مع امرأة جميلة». كانت تداعبني وكنت بالطبع ارتاح لكلماتها. كنت في الحقيقة اسهر الليل أفكر بها، وما اذا كان هناك أي تقدم في لهجتها يبشر بالخير.
ولكنني في زيارتي قبل ايام لألمانيا، فعلت نفس الشيء. وطلبت من الاستقبال ان توقظني في الساعة الثامنة. وبالدقة المعروفة عن الألمان رن التلفون في الساعة الثامنة بالضبط. رفعت السماعة، ولكنني لم اسمع صوت الموظفة في تغنجها. بدلا من ذلك سمعت موسيقى عذبة، قطعة آين كلاينر ناخت لموتزارت. كان شيئا جميلا طربت له وارتحت. فهذه المانيا، بلد بتهوفن وباخ. يوقظونك بالموسيقى. وأنعم بها.
بعد بضعة ايام انتقلت لقضاء بعض الوقت على بحيرة غاردا في ايطاليا. طلبت نفس الشيء، ورن التلفون بنفس الوقت المطلوب صباحا. ولكنني لم اسمع صوت امرأة ولا موسيقى وانما صفير ماصولة، طوط.. طوط.. طوط. إنها طريقة الايطاليين الضوضائية في إفاقة النائمين. لم ارتح لها. ولكنني تحملتها كمظهر آخر من التكنولوجيا التي أخذت تهيمن على حياتنا وتقتل انسانيتنا.
بعد بضعة ايام انتقلت لقضاء بعض الوقت على بحيرة غاردا في ايطاليا. طلبت نفس الشيء، ورن التلفون بنفس الوقت المطلوب صباحا. ولكنني لم اسمع صوت امرأة ولا موسيقى وانما صفير ماصولة، طوط.. طوط.. طوط. إنها طريقة الايطاليين الضوضائية في إفاقة النائمين. لم ارتح لها. ولكنني تحملتها كمظهر آخر من التكنولوجيا التي أخذت تهيمن على حياتنا وتقتل انسانيتنا.
انتقلت في الاسبوع التالي الى ريمز في فرنسا. طلبت نفس الشيء من الاستقبال، ورن التلفون في الوقت المطلوب صباحا. رفعت السماعة، ولكنني لم اسمع صوت امرأة ولا موسيقى ولا ماصولة. لم اسمع اي شيء مطلقا. تذكرت ان هذه فرنسا، بلد العقل والعقلانية، بلد فولتير وجان جاك روسو. اذا كنت قد رفعت السماعة، فمعناه انك قد استيقضت. واذا كنت قد استيقظت فما الداعي للكلام أو الموسيقى أو الماصولة؟ هكذا يقتضي العقل. وبالفعل استيقظت وتناولت فطوري بدون أي قيل وقال. هذه فرنسا وليس مصر او لبنان او اي بلد عربي لا يجري فيه شيء بدون مليون قيل وقال.
ولكنني شعرت بالحسرة على ايام الخير، عندما كانت تجري الامور بشكل انساني. في هذه الايام، تهاتف مؤسسة فلا تحصل على غير جواب آلي مسجل. اذا كنت راغبا في كذا فاكبس1 واذا كانت لك شكوى فاكبس2 واذا تريد معلومات فاكبس 3 واذا.. وتستمر الآلة من دون ان تستطيع الرد عليها. وسمعت مؤخرا عن مؤسسة في العراق برمجت جوابها بهذا الشكل: اذا كنت شيعيا فاكبس1 واذا كنت سنيا فاكبس2، واذا كنت مستعدا لدفع رشوة فاكبس3 واذا كنت تحمل توصية مرجعية فاكبس 4
ولكنني شعرت بالحسرة على ايام الخير، عندما كانت تجري الامور بشكل انساني. في هذه الايام، تهاتف مؤسسة فلا تحصل على غير جواب آلي مسجل. اذا كنت راغبا في كذا فاكبس1 واذا كانت لك شكوى فاكبس2 واذا تريد معلومات فاكبس 3 واذا.. وتستمر الآلة من دون ان تستطيع الرد عليها. وسمعت مؤخرا عن مؤسسة في العراق برمجت جوابها بهذا الشكل: اذا كنت شيعيا فاكبس1 واذا كنت سنيا فاكبس2، واذا كنت مستعدا لدفع رشوة فاكبس3 واذا كنت تحمل توصية مرجعية فاكبس 4
سبحان الله