رحلة إلى العالم الجديد

    • رحلة إلى العالم الجديد

      هناك تحول دائم ومستمر في الفكر الإنساني ، باعتباره يعيش أحداثا متجددة ،توسع من خبراته وبالتالي تتبدل أفكاره ، فأنا اليوم لست أنا الأمس ، والإنسان ـ كما تقول العبارة الفلسفية ـ : لا يقف على النهر مرتين ...فقد تغيرت فيه أشياء كثيرة !حين يرحل الفتى الريفي إلى المدينة ، لا مناص له من الصدمة الأولى التي تهز أركانه ، ليس انبهارا بالتخطيط والعمران المدني فقط ، ولكن بما هو أعظم من ذلك وهو أخلاقيات المعاملة وروابط العلاقات المتشعبة وحتى العلاقات الأسرية داخل هذا النموذج المدني الجديد عليه ،يأتي الريفي إلى المدينة وهو محمل بقيم ومثل مجتمعه الصغير البسيط الساذج ، والتي يعتقد في نفسه أنه لن يفرط فيها في يوم من الأيام ، لكن ظروف العيش في المدينة ونمطية العلاقات وأدوات التكيف كل هذه الوسائل تكسر حدة تلك المبادئ والقيم التي كان يتمثلها وتجلعه يتنازل عنها وعن كبريائه واعتزازه الأول واحدا تلو الآخر حتى ينخرط في المجتمع الجديد ...فإذا الـ ( هو ) الأمس ليس هو الـ ( هو) اليوم ...ومنذ بداية النهضة الحديثة ، وتقسيم العالم من حيث التنمية ، يمر العالم النامي بنفس الظروف ـ ظروف التأثر بالمجتمعات المتقدمة في نمطية العلاقات الاجتماعية والمبادئ التي تحكم علاقاتها ـ و بتسارع أكثرعن طريق هجمة الإعلام الغربي المكثف المكرس لنمطية هذه العلاقات عن طريق زخم من البرامج والأفلام والمسلسلات ذات التقنية والجذب العالي ، وأمام هذا الغزو الفكري الهائل يحاول بعض المصلحين أن يحافظ على كيان وهوية الأمة ، لكن وللأسف هذه الجهود تبقى محدودة في إطار ضيق ، فهي قزمة أمام هذه التكنلوجيا والتقنية الإعلامية الضخمة بل لا تكاد أن تجد لها خانة أمام الرقم العالي الذي توصلت إليه التقنية الإعلامية الوافدة ـ ومما زاد الطين بلة أن هناك من المفكرين والآخذين بزمام الريادة في عالمنا النامي من يتبنى نفس وجهات نظر العالم المتطور وأطروحاته ، وتشاركه الكثير من قنواتنا الإعلامية في هذا بحسن قصد أو خلافه ، فكثير من المسلسلات والبرامج التي تننتجها لا يعدو سوى محاكاة وتقليد لأي برنامج أو مسلسل لدولة متقدمة حتى لكأنه ليس هناك من فرق بين العمل الفني المحلي والأجنبي ، فكلاهما يقدم نفس الطرح ، ويتبنى نفس القيم !!
      ما يحدث في مجتمعاتنا الآن هي حالة استلاب ، وحالة محاكاة ، أو يمكن تسميتها حالة تكيف مع ظروف المرحلة ، حيث الإعلام ووسائل الاتصال وتشابك المصالح يغسل الأدمغة ، ويلمع الصور الجديدة ، ويعمل على استبدال النموذج رويدا رويدا ، فالحضارة المنتصرة تعتصر المهزومة ثم تبتلعها ، غير أن القيم والمباديء القوية تستعصي على الهضم ، ولكنها تظهر في نسيج الحضارة القاهرة ، ولكن بإطار مختلف !! حضارتنا الآن تمر بنفس حالة الفتى الراحل إلى المدينة ـ وهي سنة كونية ـ فالمياه التي تسيل من أعالي الجبال لابد لها أن تجري بنفس الأخدود الذي حفرته سابقا.. فلا مناص لهذه الدول النامية وهي تنظر لأحوال العالم النامي في شتى مناحيه ـ لأبد من أن تزلزل أركانها وتهتز وترتجف وترتعد ، إنها تعود لعهد الدروشة والتغنى بقيم الماضي وأمجاده وتنادى بالتمسك بثوابته ، وهذه ردة فعل أولية للتوجس من الذوبان ، إنها مقاومة طبيعية كأي مادة أخرى ترفض تغيير شكلها !! ، ولسان صوتها هو هذه القنوات الإعلامية الضعيفة طبعا ، لكن العالم الجديد لن يستجيب لن يأبه لهذا الصراخ والعويل ، إنه يستمر في مسيرته ، و في الضحك على سذاجتنا ، ونحن نقدم له الإرشادات و النصائح المجانية ونبكي على حالة التردي والتشرذم والضياع التي يعيش فيها ، ولسان حاله يقول لنا لو أن نصائحكم تنفع لكنتم أول المنتفعين بها ، ولكنتم أول الخارجين من حالة التردي التي تعيشونها ! كما يشخص حضارتنا هو ، وسيستمر ذلك العالم في طريقه ولن يلتفت لهذه الصرخات ، والسبب ببساطة أن من يقبع في الخلف ، ليس من مهماته أن يدير دفة السفينة !!
      blogs.albawaba.com/kandoog