القل والحياء

    • القل والحياء

      حليتان يتحلى بهما المرء هي العقل والحياء ، إذا فقدهما طوح بنفسه إلى الهامش والتشيؤ !
      والعقل في أصله التقييد ، من عقل البعير أي قيده ، وقيد الرجل هوعقله الذي يمنعه من التردي ، أما الحياء فقد يكون مأخوذ من الحياة التي هي ضد الموت ، فإن من كان قلبه حييا فإنه ولا شك شديد التأثر بالمواقف التي تثير القلوب ، ومن كان قلبه ميتا فإنه قد تخشب على حالة انكفاء عن كل المؤثرات ...
      ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ) ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأعلى والأدنى من شعب الإيمان ، أفرد الحياء هنا باللفظ في إشارة إلى أنه الرابط بين شعب الإيمان ..
      والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ( الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار ) والبذاءة : سوء الأدب ، والجفاء : غلظة القلب ...
      ولما كان العقل يتعلق بالكشف المعرفي للإنسان ، كان الحياء يتعلق بالناحية الانفعالية ( الأخلاقية )
      وكما أنه لا أخلاق بدون معرفة ، فإنه لا معرفة بدون أخلاق .. وهذا في علومنا الشرعية وليس في العلم الإنساني العام الذي تبنى أسسه الأخلاقية بناء وضعيا ....
      وأقصد لا معرفة بدون أخلاق ، أي لا فائدة من هذه المعرفة عند المسلم في شرعه ، ذلك أن الأخلاق عند المسلم غائية ، والمعرفة وسيله لها ..
      ولذلك كان من الأسس الأولى للحوار والنقد هي إضفاء الطابع الأخلاقي لهذه الممارسة حتى لا تتحول إلى خصومات وتشنجات عصبية ، فإذا الوجهة نحو كشف الحقيقة كانت أخلاقية ، ( تعالوا إلى كلمة سواء ) وأما ما عداها من تتبع السقطات والهفوات وزلات اللسان فهو تشخصن باسم الكشف عن الحقيقة ..
      وليس من أحد فوق النقد فكل يؤخذ من كلامه ويترك .. وكلام غيري صواب يحتمل الخطأ .. كل هذه العبارات الوقورة التي وردت في تراثنا ، تدل على أن العالم الحق هو قوي بما يعتقده حق وإلا فإنه بغير هذا السلاح لا شيء ،
      بالإضافة إلى أن الإنسان مهما بلغ من شأو فإنه لا يستطيع أن يتخلص نهائيا من طبيعته الآدمية فهو يحب الظهور ، ويحب الأثرة ، ويقع فريسة للحسد والغيرة ، والأنانية .. لكن حظ الإنسان من علمه هو بمقدار ذالك العلم الذي هذب به أخلاقه .. ، والمفترض من الإنسان ، والمسلم بالذات أن يحرص على أن يتوافق مع ما يعتقده ، وإلا كان انفصاما في الشخصية ، فلا جدوى أن يكون عابدا متبتلا في مصلاه وإذا خرج إلى الناس أنشيء في خلق آخر ..
      ـ والمشكلة في عالمنا اليوم هي بالدرجة الأولى مشكلة أخلاق لا مشكلة علم ومعرفة ، قال صلى الله عليه وسلم ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) فأزمة التعامل بما في أيدينا من كتاب كريم وسنة نبوية شريفة هي المشكلة الأساس .. واليهود ضلوا وفي أيديهم التوراة .. لأنهم اتخذوا العلم بغيا بينهم ، أي سخروه لتذكية العداوات بينهم .. وليس للتصالح والعدل ..
      وهكذا إذا لم ينضبط الإنسان بأخلاقية العلم ، فإنه يتحول إلى إمدادات للظهور والشخصنة أمام خلق الله ...
    • اللهم إني أستغفرك لكل ذنب خطوت إليه برجلي ، أو مددت إليه يدي ، أو تأملته ببصري ، أو أصغيت إليه بأذني ، أو نطق به لساني ، أو أتلفت فيه ما رزقتني .. ثم استرزقتك على عصياني فرزقتني ثم استعنت برزقك على عصيانك فسترته علي وسألتك الزيادة فلم تحرمني ولا تزال عائدا عليّ بحلمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين .. (كم من مستدرج بالإحسان إليه ، وكم من مفتون بالثناء عليه ، وكم من مغرور بالستر عليه)