قمر بني هاشم

    • قمر بني هاشم

      قمر بني هاشم



      ما أشرف منبتَ أبي الفضل العبّاس وما أكرم نسبَه، فأبوه هو الإمام عليّ ابن أبي طالب عليه السّلام إمام المتقين وسيد الوصيين،وأخواه هما الحسن والحسين عليهما السّلام سيدا شباب أهل الجنة، وأمه أم البنينواسمها فاطمة بنت حزام، وأرجع بعضهم نسبها إلى عامر بن صعصعة وينقل صاحبأعيان الشيعة عن كتاب عمدة الطالب أن أمير المؤمنين عليه السّلام قال لأخيه عقيلوكان نسّابة عالماً بأخبار العرب وأنسابهم: « ابغِني امرأة وقد ولدتها الفحول منالعرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً، فقال له: أين أنت عن فاطمة بنت حزام بن خالدالكلابية فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها ولا أفرس، فتزوجها أمير المؤمنين عليه السّلام... وأول ما ولدت العباس... » وقد ذُكر عن أم العباس عليه السّلام: وأبوها حزام من أعمدة الشرف في العرب، ومن الشخصيات النابهة في السخاء والشجاعةوقَرْي الأضياف، وأما أسرتها فهي من أجلّ الأسر العربية، وقد عرفت بالنجدةوالشهامة، وقد اشتهر منهم جماعة بالنبل والبسالة وكان لبيد الشاعر يقولفيهم: « نحن خيرُ عامرِ بنِ صعصعة . وقد رأى الإمام عليه السّلام فيزوجته ( أم البنين ) العقل الراجح، والإيمان الوثيق وسموّ الآداب، ومحاسن الصفات،فأعزّها وأخلص لها كأعظم ما يكون الاخلاص .

      صفاته وميزاته
      يقول السيّد عبد الرزاق المقرّم: هذه الفضائل كلها وان كان القلم يقف عند انتهاءالسلسلة إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فلا يدري اليراع ما يخط من صفات الجلال والجمال وأنه كيف عرقها في ولده المحبوب ؟ قمر الهاشميين كما يقول أيضاً: وقد ظهرت في أبي الفضل ( العباس ) الشجاعتان الهاشمية التي هي الأربى والأرقى فمن ناحية أبيه سيّد الوصيين، والعامرية فمن ناحية أمه أم البنين . في ظلّ هذهالأسرة وُلِد العباس بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وقد لُقّب بالسقّاء وقمربني هاشم، وبطل العلقمي، وحامل اللواء، وكبش الكتيبة، والعميد، وحامي الظعينة، وباب الحوائج، وكُنيّ بأبي الفضل، وأبي القربة، وأبي القاسم



      شجاعته واخلاصه

      كان العباس رجلاً وسيماً جميلاً، يركب الفرسالمطهّم ورجلاه تخطان في الأرض، وكان يقال له: قمر بني هاشم. وكان لواء الحسين بنعليّ عليه السّلام معه يوم قُتل وروي عن أبي عبدالله الصادق عليهالسّلام: كان عمنا العباس بن عليّ نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبدالله عليه السّلام وأبلى بلاءً حسناً ومضى شهيداً وعن عليّ بن الحسينعليه السّلام: رحم الله العباس فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه وكانت له عليهالسّلام صفات عالية وأفعال جليلة امتاز بها.
      منها : أنه كان أبداً شجاعاً فارساًوسيماً جسيماً وانه كان صاحب لواء الحسين عليه السّلام واللواء هو العلم الأكبر ولايحمله إلاّ الشجاع الشريف في المعسكر
      ومنها :
      انه لما طلب الإمام الحسين عليهالسّلام من أصحابه الرحيل قام إليه العباس عليه السّلام فقال: ولِمَ نفعل ذلك ؟لنبقى بعدك ؟ لا أرانا الله ذلك أبداً.
      ومنها :
      انه لما أخذ عبدالله بن حزامابن خال العباس أماناً من ابن زياد في كربلاء للعباس واخوته من أمه قال العباسوإخوته: لا حاجة لنا في الأمان، أمان الله خير من أمان ابن سمية.
      كما أجاب العباس الشمرَ ( وهو بعض أخواله :( لعنك الله ولعن أمانك، أتُؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ؟!
      ومن شجاعته أنه في كربلاء حين حوصر أربعةُ رجال بين الأعداء ندبإليهم الحسين عليه السّلام أخاه العباس فحمل على القوم وضرب فيهم بسيفه حتى فرّقهم عن أصحابه ووصل إليهم فسلموا عليه وأتى بهم ولكنهم كانوا جرحى

      العباس مع أبيه

      ولد العباس عليه السّلام سنة 26هـ وقتل في سنة 61هـ وعمره أربع وثلاثون عاش منها مع أبيه أمير المؤمنين عليه السّلام أربع عشرةسنة وحضر بعض الحروب فلم يأذن له أبوه في النزال لصغر سنه .
      إن إمضاء هذه السنواتحتّى البلوغ مع أبيه عليه السّلام إنما يكشف عن عمق الاستفادة من أبيه علماً وأدباًوشجاعة وخلقا وتديّناً. إذ في هذه السنوات تكتمل المكوّنات وتبدو الملامح البارزةلشخصية الإنسان.
      ولقد غذّاه أبوه بعلومه وتقواه، وأشاع في نفسه النزعات الشريفة، والعادات الطيبة ليكون مثالاً عنه، وأنموذجاً لمثله.

      وقد دعاهأبوه عليه السّلام في عهد الصبا وأجلسه في حجره وقال له: قل واحد، فقال: واحد، فقالله قل: اثنين، فامتنع، وقال: اني أستحي أن أقول اثنين بلسان قلت به واحدا
      وإذا كان الإمام عليه السّلام يربي البعداء الأجانب بتلك التربيةالصحيحة المأثورة حتى استفادوا منه أسرار التكوين، ووقفوا على غامض ما فيالنشأتين... فهل من المعقول أن يذر قرة عينه وفلذة كبده خلواً من أي علم ؟
      قال المحقق الفقيه المولى محمد باقر القاييني نزيل بيرجند في كتاب الكبريت الأحمر / ج 3 / ص 45 /: إن العباس من أكابر وأفاضل فقهاء أهل البيت عليهمالسّلام، بل إنه عالم غير متعلم، وليس في ذلك منافاة لتعليم أبيه إياه
      .
      وقد عاصر العباس عليه السّلام الحروب التي خاضها أبوه عليه السّلام والأحداث التي عصفت بالأمّة الإسلامية كفتنة مقتل عثمان، ثم بيعة الإمام عليهالسّلام والنكث بها من قبل البعض، ثم معركة الجمل، ومعركة صفين، ومعركة النهروان .ولقد شاهد أبو الفضل العباس عليه السّلام خلافة أبيه وما رافقها من الأحداث الجسام، وما قاساه أبوه من المصاعب والمشاكل في سبيل تطبيق العدالةلاجتماعية على واقع الحياة العامة بين المسلمين.
      لقد وعى العباس الأهداف المشرقة التي كان ينشدها أبوه فآمن بها وجاهد في سبيلها، وقد انطلق مع أخيه سيّدالشهداء إلى ساحات الشرف والجهاد من أجل أن يعيد للمسلمين سيرة أبيهما الإمام أميرالمؤمنين عليه السّلام ومنهجه المشرق في عالم السياسة والحكم


      معالحسن والحسين عليهم السّلام

      تسلّم الإمام الحسن عليه السّلام الخلافة بعداستشهاد أبيه عليه السّلام، ومالت الأمور لغير صالح الحسن عليه السّلام الذي ورث منأبيه جيشاً مفككاً، ميّالاً لحب الدنيا، متخاذلاً متقلباً متجابناً، وقد دبّت فيه حالة الخيانة والتثاقل إلى الأرض، والتقاعس عن الجهاد وعن الأمر بالمعروف والنهي عنالمنكر...
      مما اضطُرّ الإمام الحسن عليه السّلام لأن يقيم صلحاً مع معاوية اشترط عليه فيه شروطاً خانها معاوية ولم يلتزم بها فكان أول ما يعانيه الحسن والحسين ومعهما العباس عليهم السّلام بعد الصلح غدر معاوية بشيعة أبيهم عليه السّلام وقتلهموسجنهم ومطاردتهم في الأمصار، حتى
      وصل الأمر إلى قتل الحسن عليه السّلام نفسه بدسّ السم إليه.
      وبالإجمال فقد استمرت معاناة العباس عليه السّلام والآلام تقرح قلبهوقلب اخوته وأهل بيته وشيعتهم منذ خلافة أبيه، وما عاناه حتى استشهاد الإمام الحسن عليه السّلام وما عقبه من ظلم وانحراف وتدليس للحق بالباطل وتحويل الخلافةالإسلامية الحقة إلى ملك عضوض كما يقول الجاحظ.
      وصبر العباس عليه السّلام مع أخيه الحسين عليه السّلام منذ شهادة الإمام الحسن عليه السّلام التزاماً بشروط الصلح مع معاوية وصبرا حتى يأتي اليوم الذي تدرك فيه الأمّة حقيقة المواجهة وأبعادالصراع بين الحق والباطل، صبرا ينتظران الفرصة السانحة لكشف القناع والخداع والزيف الأموي.
      صبرا على مضض وأبوهما أمير المؤمنين وإمام المتقين عليه السّلام يُسَبّعلى المنابر بأمر وتحريض من معاوية حتى غدا ذلك وكأنه من واجبات الدين ومتممات الخُطَب!
      ولقد مليء قلب الحسن وبعده الحسين والعباس قرحاً وغيظاً، وتألمت نفوسهم الأبية بانتظار الوقت المناسب للتحرك والثورة على الظلم والفساد.

      شهادةالعباس

      مَن مثلُ العباس في منزلته وموقعه... إلى جنبٍ الحسين عليه السّلام في موقفه والتزامه.. يلتزمه إماماً ومنهجاً وقدوة وهادياً وقائداً إلى الجنة.. ولقدضنّ به الحسين عليه السّلام عن الحرب والنزول للميدان حتّى ذاب قلب أبي الفضل أسىوحزناً، وضاق صدره لما عاناه إذ ظلّ في كربلاء يوم العاشر من المحرم وأخوه الحسين يستقبلان شاباً أو فتى أو غلاماً أو عزيزاً أو صاحباً مضرجاً بدمه، وهما يسمعان عويل الأيامى والثكالى والأيتام.. حتّى أرسل العباس (عليه السلام ) إخوته الثلاثةلأمه أمامه ليطمئن على وفائهم لسيّد الشهداء ومبدئه عليه السّلام: تقدموا يا بنيأمي حتّى أراكم نصحتم لله ولرسوله .

      ولشدة حاجة الحسين (عليه السّلام) لأخيه العباس واعتماده عليه خاطبه قائلاً: أنت صاحب لوائي ,أنت قائد عسكري , وبعدشهادته وهو يرجع حاملاً قربة الماء للأطفال قال الحسين عليه السّلام يرثي حالهوأخاه وقد بقي بعده وحيداً فريداً
      :
      الآن انكسرظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوي... ، « الآن تشتت عسكري » مع أن العباس (عليه السّلام) كان آخر من بقي من الآهل و ا لأصحاب مع الحسين عليه السّلام.
      وخير ما نختم به اطلالتنا على جوانب من سيرةالعباس عليه السّلام قول الشاعر:

      أحقُّ الناس أن يُبكَى عليـه *** فتىأبكى الحسينَ بكـربلاءِ
      أخوه وابـن والـده علـيٍّ ***أبو الفضل المضرَّج بالدماءِ
      ومن واساه لا يثنيه شـيء *** وجاد له على عطش بمـاءِ

      وقولشاعر آخر:



      لا تنـس للعبـاس حُسنَ مقامـه *** في الروع عند الغـارةالشعـواءِ
      واسى أخاه بهـا وجـاد بنفسـه *** في سَقْـي أطفـال لـه ونسـاءِ
      ردّ الألوف على الألوف معارضاً ***حـدّ السـيـوف بجبهـة غـرّاءِ











      قمـــــــــر الزمــــــــــــــــــــــــــان

      العبد الصالح


      العباس بن علي ابن أبي طالب


      عليهما السلام


      ....سطور في باب الحوائج....