لم تكن هنا ... ابن تيمية

    • لم تكن هنا ... ابن تيمية

      لم تكن هنا ... ابن تيمية
      بلا أدنى شك ، الإنسان المستنير بعلوم عصره ، هو الإنسان الذي يمكن الاعتداد به في حرب العصر ، أما الذي لم يرفع رأسه ولم يبصر موقع قدميه فهو كل على مولاه ، عبء على المسلمين أنفسهم ....
      وكما أن ابن تيمية رحمه الله كان طليعة أهل عصره في الدفاع عن عقيدة أهل السنة فإن نجاحه يرجع بالدرجة الأولى إلى فهمه لكل ما يعد في ميدان المعركة .. ولو عاش هذا الشيخ الجليل رحمه الله في عصرنا هذا فمن المؤكد بأنه لن يستخدم الأسلوب نفسه في ساحة حرب تغيرت فيها الأسلحة ... ، ولأن العداوات للإسلام لا زالت كما هي بل أشد ضراوة إلا أننا يجب أن نفقه أن أدوات الحرب في هذا العصر ليست من نفس الأدوات التي ناضل فيها ابن تيمية رحمه الله ، وإن كان كل ماقدمه يمثل مرجعا لايمكن الاستغناء عنه وإن كنا ندين له بالفضل الكبير ، ولا زلنا نكن له الوفاء ونمنحه وسام الشرف ، فيجب أن نعبر عن ذلك الوفاء بطريقة أخرى ، وهو استخدام علوم العصر في مواصلة كفاحه ، وهذه العلوم قد اتسعت وتبدلت وجلبت معها الشيء الذي لم يكن في عصره ..ولا بديل لنا سوى اقتحام علوم هذا العصر لنكون ندا لخصومنا واختصاماتنا !!
      في كتاب لجودت سعيد المفكر الإسلامي القدير ، ينقل من عمر مولود في تحليله للشخصية الفاعلة يقول : ( الإنسان ذو الكرامة والذي يشعر بالاعتزاز بدينه وأمته ووطنه ، لا تستطيع أن تفعل معه أي شيء ، وسيكون لك ندا وخصما لدودا ، لا ينفع معه ضرب ولا قتل ولا تجويع ، أما فاقد الشخصية فهو خادم مطيع وفي سلس الانقياد يهز ذيله باستمرار ) ... ولأننا أهل عقيدة ودين تؤكد شخصيتنا باستمرار ، فإنه لا سبيل لأعدائنا للانتصار علينا إلا عند ما نتخلى عن شخصيتنا ـ انظر كيف أن الفلسطيني ( لأن موضع شعوره محصن بعقيدته ) لا يحس بمشاعر الهزيمة بل ينتصر ويتقدم ثم يعود إلى بيته هانيء البال قرير العين وقد وطد أركان شخصيته فغدت كالطود العظيم ، في مقابل أولئك البكائين المسجونين في دباباتهم !!
      ويقول عن كاتب آخر موضحا طبيعة الساحة القتالية الجديدة التي تعمل عليها الدول الماكرة : ( إذا كان محتوما علينا أن نتعايش مع الأمم الشرقية ( يقصد الإسلامية ) ذات الاعتزاز بهويتها وتاريخها ، فيجب أن تسلب تلك الشخصية ، لتكون شخصية من صناعتنا وبالطريقة التي نريدها .. ويضرب لذلك مثالا بالأم التي تضرب ابنها لكي تعدل سلوكه ، وليس له بعد طول بكاء ومرار إلا أن يعود إلى أحضانها ويسترضيها ، إنه في حقيقة أمره هذا الطفل يريد أن يكون شخصيته الحقيقية ، لكن أمه تستهجن سلوكه لكي يكون متوافقا مع سلوكها هي ومع الكيفية التي تريدها ، ولذلك تسلبه شخصيته ، ولأنها تنجح في ذلك أمام المغلوب المسكين هذا الصغير ، فلاسبيل إليه وقد فقد شخصيته إلا أن يعود إليها بل و يتوسلها لتقبله ! )
      وهذا ما يحدث في كثير من الدول العربية حيث نحن الشخصية المتمردة في نظر الدول الغربية ،هذه الدول الماكرة تدعو الدول العربية الإسلامية خاصة لنشر الحرية والديمقراطية وهو خطاب موجه نحو شعور المسلمين ، ولكنها بيدها الأخرى تقف مع الأنظمة وتساندها في فرض دكتورياتها !! لتضل مشاعر الشعوب تستبطن الهوان والذلة وهي تنظر إلى الديمقراطيات في كل العالم ، وتتحسس دونيتها ، بل أن كثير من أفراد الشعوب بطيبة قلوبهم يصدقون هذه الدعوات من الدول الغربية ويعتقدون أن ما يحدث هو هذا بكل سذاجة ... إنهم يعتقدون بأن الدول الغربية فعلا تساند قضاياهم ضد حكوماتهم ...!!
      هذه الدول الماكرة ، تهيب بالأنظمة العربية على التنمية وتطوير نظم التعليم وهيئات حقوق الإنسان وغير ذلك ، وفي الوقت نفسه وبخبث الشياطين تدعم الأنظمة العربية للمزيد من الاستبداد وإهدار الأموال وتبطئة التنمية وإفشال التعليم ....
      لك أن تنظر كيف أن المسلم ذو الاعتزاز بدينه وتاريخه ، بدأ ينظر بكل حرقة إلى المهازل التي تطول كل مؤسسة في المجتمع الإسلامي ... ويقارنها بما يحدث فيما يسمى بالعالم المتقدم .. وهو متقدم في مكره وخداعه وظلمه فقط ... فهو يرى نزاهة القضاء في ذلك العالم وارتكاسه في عالمنا حيث الاعتقالات العشوائية والمحاكمات السرية وتعدد التهم وعدد الكثير من هذا .... ،ويرى الحرية الدينية وأنشطتها وتنظيماتها تحدث بشكل طبيعي وبسلاسة في أي دولة غربية أو شرقية أما في محلته فإنها عرضة للاتهامات التي تلاحقها وخاصة بما استحدث لها من تهمة جديدة ( الإرهاب ) .. حتى التعليم فبدلا من أن تفتح له المؤسسات التعليمية والجامعات المؤهلة الجيدة والكافية لاستقطاب الشباب والقضاء على البطالة ، تقدم لهم دولهم كأسوأ مايكون البديل تسهيلات للابتعاث والتعلم في تلك الدول الغربية ، ليرجع إلى بلده الأصل وقد استهجن كل مافيه ، إن الدول الماكرة تريد لعالمنا الإسلامي أن ينبعث من خلاله هو كمحضن ومقرر للقيم وجمالياتها ، إن العالم الغربي يعلم أنه لا يمكن له الخلاص من قدره في التعامل مع عالمنا ، وهو إحساس لا مبرر له إلا أن الكفر لا يجتمع مع الإيمان ، ولكنه يريد أن يكون تعامله معنا معاملة العزيز للذليل .والسيد للعبد .. وكأنه يقول إن كان الأمر هكذا ولا بد فلتكونوا لنا خدما وعبيدا لا كائنات لها اعتبار ...
      إن علم النفس الذي دعا إلى طرق أبوابه كثير من العلماء لا زال بعيدا عن متناول أيدي شباب طلبة العلم لدينا ، وقد أرجع ذلك إلى عوامل ليس المجال هنا لطرقها .. أما لماذا فلأنه هو أحد أخطر وأفتك الأسلحة التي تستخدم ضدنا ، وأنه بهذا السلاح نفسه الذي هو في متناول الجميع منا يمكن أن نرد تلك الهجمات والاحتيالات الشرسة بعد أن يكون هذا العلم قد كشفها لنا .. والأمثلة السابقة دليل على أن سحرياتهم في ذلك العلم يكشفها تعلم فنون سحرهم نفسه ، وقد مارس هذا الاسلوب في كشف الخداع كثير من علمائنا وكان له القدرة على التفسير والتوضيح لكثير من سلوكياتهم تجاهنا ..يقول الأستاذ حمزة شحاته ( المعرفة بحد ذاتها فعل فاضل ) أي أننا فقط إذا عرفنا مكرهم نكون قد حققنا جزء من النجاح لأن المعرفة بحد ذاتها تكشف طبيعة المجهول .. والناقد والمفكر إدوارد سعيد : استطاع بإتقانه لنظريات النقد الثقافي المقارن أن يكشف لكثير من علمائنا فضلا عن طلبة العلم الكثير من مناهج الاستشراق في إبقاء الدول المستعمرة سابقا متمسكة بوجهات نظر خاطئة ورثتها من الاستعمار دون تمحيص لتبقى دون وعي منها في خدمة وحماية مصالح أوروبا ، وكشفه هذا لم يكن من طرف واحد بل أن العلم نفسه بما أنه محايد وموثوق به قد أجبر الجميع على أن يتقبل النقد وأن يعترف المستعمر بأخطائه ومكره الحقيقي .. وهذه بلا شك وظيفة المثقف هو أن يكشف للسياسي وللشعب الحقائق ويدلي لهم بتوجيهاته .. فالمثقف عون للسياسي الحق وليس ضده كما هو مشاع عند دهاتنا السياسيين !
      إن مثل هذا العلم ( علم النفس ونظريات المعرفة ) كشف لنا جبهة جديدة نقاتل عليها .. و جرشون باسكين، المدير العام المشترك للمنظمة الإسرائيلية - الفلسطينية للبحوث والمعلومات يستشهد بهذا العلم ولكن ضد نفسه وشعبه ، وكان يمكن أن يكون هذا استشهادا لنا من أنفسنا لو طرقنا هذا الباب بكل جدية ....يقول:
      إن الفلسطينيين يعرفون أن قوتهم العسكرية أقل بأضعاف من القوة الإسرائيلية، وأنه لا توجد أمامهم أية إمكانية للفوز في أرض المعركة، ولكنهم يؤمنون من الناحية الأخرى بتفوقهم السياسي والأخلاقي. واعتقادهم هو أن العدل والتاريخ يقفان إلى جانبهم، وهم يقولون إن إسرائيل هي المحتل الأخير المتبقي في العالم، وأن أحداً لا يستطيع أن يوقف نصرهم في حرب التحرير التي يخوضونها من الاحتلال الأجنبي. اعتقادهم هو أن اتباع تاتكتيك مثل حزب الله سيحقق غاياته، وأن الخسائر الفادحة التي تلحقها إسرائيل بهم تعزز من معنوياتهم، وتشكل الفصل الأهم في الرواية الفلسطينية. واستناداً إلى تجربة عملية أوسلو الفاشلة، فهم يعتقدون أنهم لن يتمكنوا من انتزاع انسحاب كامل من المناطق من إسرائيل من خلال المفاوضات السياسية، وهم مقتنعون أنهم سيحققون ذلك في نهاية المطاف من خلال الكفاح الذي يخوضونه الآن"، أي من خلال حرب التحرير الفلسطينية.
      ـ إن علم النفس لا يقدم حقائق لوقائع معينة فقط ، ولكنه يكشف عن سلوكيات طافحة لمكنونات هي الأفضع ، مما يجعل المذنب يقف خجلا مرتبكا وقلقا وقد أضحى سلوكه مرآة لمخبوء قذر يفضحه على الملاء / هذا السلوك المشين كشفه القرآن الكريم على لسان فرعون حين قال ( أوقد لي ياهامان على الطين .... ) إنه لم يستطع الوقوف أمام حجة موسى عليه السلام ولذلك أحال الموضوع إلى فكرة طريفة كهروب مخجل في نظر المنطق والعقلاء ... وكذلك كشف هذا العلم في القرآن الكريم عن أسلوب المنافقين ، في قوله تعالى ( ولتعرفنهم في لحن القول ) .... حتى وصل بهم الأمر لأن يجيبوا السائل بهز الرؤوس فقط حتى لا تكون في الإجابة مدلول يمكن فضحه !!
      كذلك تلك القرارات العدائية والخطابات النارية التي أعدها الرئيس الأمريكي لما بعد ضرب البرجين ! كانت موضع دراسة من الباحثين والعلماء النفسيين وكانت كلها تنبيء عن فضائح كبيرة تعكس العداء للآخر من أجل العداء فقط وأمور كثيرة أخرى تعكس شخصية المعتدي بلا شيء والقلق من لا شيء إنها فوبيا غير مبررة إلا أن ظلمه للعالم وذلك الفيتو الذي يرفعه باستمرار في وجه الحق كان خلف هذه الفوبيا والتصرفات الرعناء ... ولذلك أوقف البحث في هذه الأمور حتى لا يكتشف بأنه ليس لأي أحد ذنب ذلك الهجوم ...!!
      هذا العلم يكشف أيضا ، أولئك الذين أضاعوا هويتهم ويعيشون فراغا قاتلا ، حيث يبنون القصور ويحبون أن يتملكوا كل شيء لسد ذلك الفراغ ، وهو الذي يمنعهم من التخلي عن أي شيء ، لأنه لم يعد في نظرهم هناك شيء يستحق التخلي عنه ولا حتى الكرامة نفسها !! ـ إن هذا العلم يكشف أنهم أيضا لا زالوا أطفالا وإن كبرت لعبهم ! لأن الطفل ليس في صغر جسمه لكن في عدم نضوج عقله أيضا ، وهؤلاء الذين لا ينظرون لقضايا أمتهم ولا يدعمونها ، هم صغار فعلا بعقولهم لأنها لم تستطع أن ترتفع ولم تتصور أن امتداد مجدهم وعزهم ليس مرتبط بشخوصهم فقط ولكن بكيان الأمة كله ... ولكن متى يصلون إلى تفكير كهذا يرقى بهم إلى السماء ؟؟
      أخيرا ، أحب أن أوأكد أن كل من ينتسب لهذا الإسلام ولهده العروبة عليه أن لا يفرط في هذه الهوية وأن كانت هناك مساومة بين حياته واعتزازه بمعتقده وإيمانه بمبادئه ، فليعلم أنه بدون عقيدة الإسلام لا يستحق العيش .. ليس هذا ما أقوله أنا ، بل العقيدة هي التي تدعم هذا القول ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ...... )