مسقط - محمد سيف الرحبي الحياة - 16/02/09//
في زخم مهرجان مسقط، وضجيج حركة عشرات الآلاف الذين يتوافدون كل يوم على حديقة القرم الطبيعية في قلب العاصمة العمانية، بين أضواء المهرجان والألعاب النارية التي تشعل دفء أمسيات المكان وقفت مجموعة من الشباب وشعارهم البعيد عن كل ما يحيط بهم: «لنتحدث قليلاً عن الإيدز».
هي ليست المرة الأولى التي يدخل فيها الحديث التوعوي عن هذا المرض أجواء مهرجان مسقط لكنها المرة الأولى، ربما، التي يتخذ فيها هذا الوضوح. فقبل ذلك كان الناشطون ينزوون في خيمة ضمن معارض لمؤسسات أخرى تهدف لبث الوعي بجوانب صحية وبيئية واجتماعية، أما في الدورة الحالية للمهرجان فيقف مرض نقص المناعة المكتسبة في وسط الحديقة، عند مفترق طرق داخلها حيث يمر به كل زائر معبراً عن تقديره لجهود الشباب. وفي مجتمع محافظ إلى حد بعيد، لا بد من قرع جرس الإنذار خصوصاً ان السلطنة ترصد كل عام مئة إصابة جديدة بمرض الإيدز، تضاف إلى ما يزيد على 1700 ضحية مسجلين في شكل رسمي، فيما تتحدث تقديرات عن أضعاف هذا الرقم بعيدة من أضواء السجلات.
في تلك البقعة من مهرجان المدينة، والمقدر عدد زواره كل عام بنحو نصف مليون شخص تقف مجموعة من الشباب المتطوعين يتحدثون عن الإيدز بصراحة. الخطوة التوعوية أطلقتها وزارة الصحة العمانية ضمن برنامج وطني لمكافحة المرض بالتعاون مع الشبكة الدولية للتثقيف Oman YPEER ، وفي كل دورة من دورات المهرجان يأتي شعار الشبكة بعبارة: «ساندوا مرضى الإيدز ولو بكلمة».
وبحسب تقديرات الجهات الرسمية فإن أكثر من نصف الحالات المصابة هي من فئات الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و35 سنة، ويتفوق الرجال على النساء في النسبة العامة. ويقوم بعض الأزواج بنقل الفيروسات إلى زوجاتهم بسبب الممارسات الجنسية الخاطئة خارج مؤسسة الزواج، والانفتاح على بلدان أخرى في شرق آسيا صارت مقصداً دائماً للشباب العماني، إضافة الى ان الاستقطاب السياحي وفر بيئة إضافية لانتشار المرض.
كل زائر للمهرجان مدعو الى كتابة كلمة تساند المصابين، كلمات بسيطة، لكن لها مفعول سحري على من يشعرون بأنهم منبوذون بسبب خطيئة ارتكبت، أو لأسباب قد لا يتذكر المجتمع منها سوى السيء.
التفاعل قد تعكسه النظرات المتوجسة من بعض الزائرين الذين يرون في الأمر باعثاً على الابتعاد عنه، يقول سعيد علي انه اقترب من معرض أقيم ضمن مهرجان مسقط قبل عامين يحمل دعوة الى الفحص المجاني عن مرض نقص المناعة، وفيما كان يقترب من الباب تخيل أنه اكتشف إصابته بالمرض: كيف سيكمل يومه هذا وبقية حياته؟! يضيف سعيد أن «الجهل بالمرض أحسن بكثير، ففي كل الأحوال يكون المرء على تعايش معه مع فارق مهم وهو الصمود النفسي والمعنوي في معركة الحياة» لكن الأزمة الفعلية تبقى في نقله.
ولا يرى سعيد مشكلة في كتابة كلمة من أجل المصابين بهذا المرض، ويختلف معه زميله محمد البلوشي الذي لم يتردد في الدخول للكشف والاطمئنان الى أنه «سليم»، ما يشير برأيه إلى أنه «متبع للطريق المستقيم» مع أن الإصابة لا تأتي فقط من اللقاءات الجنسية غير المضمونة وتلك معلومة صحية تقنع الآخرين بأهمية قبول المجتمع للمرضى والتعامل الطبيعي معهم بما يخفف عزلتهم ويمنحهم شعوراً بالأمان.
شاب آخر فضل مناداته بـ «أبو خالد» بدا عليه التردد لدى مروره بمجموعة الناشطين، قال :«لطالما رفضت الحديث عن هذا المرض وترددت في دخول الخيمة خوفاً من اللقاء بشبان مصابين». ويضيف: «كنت أنظر الى هذا المرض على انه فضيحة، لكن يبدو أن الحديث بصراحة عنه في المهرجان وبهذا الشكل اللافت يشعرنا بأنه وسطنا جميعاً، وأن على المجتمع القبول بالمصابين به في وسطه أيضاً».
ودشنت الحكومة العمانية حملة وطنية مدتها عامان لتسليط الضوء على حجم المشكلة التي تواجه الشباب العماني والتحديات والضغوط الممارسة على المصاب بهذا المرض، ورفعت اللجنة الوطنية لمكافحة عدوى فيروس الإيدز بالتنسيق مع منظمات دولية شعار «لنتكلم عن الإيدز» وكشف المستور في ما يخص هذا المرض الذي يقع تحت دائرة العيب، وما ينتج من ذلك من مشاكل قد تكون أخطر من الإصابة نفسها.
وأعدت اللجنة مجموعة خطوات لحملتها التي تستهدف الشباب بين 15 و24 سنة، هي: رفع مستوى الوعي في المجتمع العماني حول الإيدز بالحديث عن الطرق الفاعلة للوقاية من انتقال المرض، وتشجيع الناس على استخدام الخدمات المتوافرة في السلطنة كالإرشاد والفحص، والدفاع عن حقوق المصابين وقبولهم ودمجهم في المجتمع لإيجاد بيئة تسامح وتضامن معهم.