بقلم جعفر عبد الكريم صالح

    • بقلم جعفر عبد الكريم صالح

      هل خلق الكون من غير شيء؟ أم جاء صدفة من ضمير الغيب بلا سبب؟ اذاً فما هذا النظام الحكيم القائم فيه؟
      واذا كان الانسان واحداً من الكائنات الذي يتفاعل مع العالم المحيط به، فما في علاقته بها، هل يؤثّر فيها أم يتأثر بها، هل يصنعها أم تصنعه؟ وبالتالي هل يساهم في مصيره أم تقوده الطبيعة العمياء الى حيث لا يدري؟
      وأهم من ذلك، هل يعقل الانسان شيئاً؟ أم كل شيء، عليه غيب خفي؟ وذا كان يعقل فمن قال إنّه يعقل حقاً؟
      كل هذه الأسئلة التي تصدّت الفلسفة للإجابة عنها وجائت كل فلسفة ببضاعتها في هذه السوق النافقة.
      الف ـ ففريق كفر برب العالمين، أو قال: بأن ذي العرش عاجز، وأنّه قد فاضت عنه الخليقة، كما تفيض من العين الروافد، ومن دون وعي منه أو قدرة، وهكذا فقد فوّض الى الخلق شؤونهم، فلا وحي ولا رسالة ولا اخلاق توحى ولا قيم تتنزّل على الناس من الأعلى.
      واكثر المذاهب الفلسفية تنتمى ـ بالتالي ـ الى هذا الرأي. ثم تفرّقوا ـ بدورهم ـ في تفسير، الاخلاق وتطبيقاتها أيّما اختلاف.
      ولكن المؤمنين بالله الرحمن الرحيم، آمنوا: بأن الله لم يتركهم سُدى، وانّ رحمته لا تزال تتنزل عليهم، وان قدرته محيطة بهم، وانه قد انزل عليهم رسالاته نوراً وضياءً: وانها تهديهم الى سبل السلام، في اخلاقهم وقيم حياتهم. فكانت قاعدة الاخلاق عندهم الوحي.. ولا ريب ان الاديان السماوية تنتمى الى ذلك. واليها يرجع أيضاً، بعض المذاهب الاخلاقية الكبرى، مثلاً: الفيض الأفلاطوني وعالم المثل عنده والوجودية المؤمنة وآخرون..
      باء ـ وحين يعود البشر الى نفسه، ويستنطق ضميره، هل يجد في داخله ما ينطق ويتحدث من عقل أو إرادة أو عواطف؟ وهل يعبّر ذلك الناطق عن الانسان أم عن الطبيعة المحيطة به؟.
      1ـ فريق قالوا بلى، والعقل هو الناطق، وسمّاه البعض بالارادة (هيجل) والآخر بالنيّة الحسنة (كانت) وهو العقل عند أفلاطون وأرسطو. و. و. وكانت هذه قاعدة الاخلاق عندهم.
      2ـ فريق قالوا: انه الأنا الحر الذي لا شيء يبرره (الوجودية عند سارتر) وقادة الاخلاق عند تلك الحرية (وجودي).
      جيم ـ وقال فريق: الضمير مرآة الحياة، وليس في الانسان سوى انعكاسات لمتغيراتها، فلا شيء ثابت، بل كل شيء متطور. إذاً لكي ندرس الانسان وجب علينا دراسة بيئته وظروفه، مادام الانسان ابن هذه البيئة، ومتأثراً بتلك الظروف.
      دال ـ هل للانسان دور في صنع نفسه أو العالم المحيط به؟ هل يساهم في حوادث الكون؟ أم انه قد خطّت الأقدار على الواحه ما يجري عليه والى الأبد.
      1ـ فريق قالوا: بأن الانسان فاعل، وان عليه رسالة، وانه صاحب القرار الحاسم، وقاعدة الاخلاق عندهم الفاعلية.
      2ـ وفريق أنكروا ذلك.
      هاء ـ وهكذا انقسمت المذاهب الاخلاقية الى ثلاثة انماط رئيسية:
      المذاهب الايمانية التي جعلت الوحي قاعدة الاخلاق وألحقوا بهم المذاهب (العلوية) العقلية، المذاهب الطبيعية، والمذاهب الفاعلية.
      وكلمة الفصل في هذا الحقل: ان الله سبحاه محيط بكل شيء علماً وقدرة، وهو ليس بإله عاجز سبحانه كما قالت المجوسية (قالوا في تبرير للاخلاق: ان رب العرش يحتاج الى قدرة الانسان لكي يطرد أهريمن إله الشرّ) أو كما قال وليم جيمز (قال: بأن الله سبحانه لم يكمل الخلق، والانسان يكمل الخلق).
      كلا بل أوصى الرب بأصول الاخلاق (الوصايا) الى رسله ومن خلالهم الى البشرية. ولكنه فطر الانسان على احسن وجه. (فطرة الله التي فطر الناس عليها).
      واودع ضمير البشر عقلاً وارادة. وهذا العقل مصدر وحي الاخلاق ايضاً. بعد ان يذكّر به الرسول الناس. وهكذا فالعقل ثاني مصادر الاخلاق الاساسية.
      ولأن الانسان ابن الطبيعة. وانه يتأثر بها ويتفاعل معها فان جزء من عاداته وسلوكياته وقيم حياته يستوحيها من هذه الطبيعة.
      وهكذا الطبيعة والعقل، يساهمان في صنع القيم الاخلاقية أما الوحي فهو يهديه اليها.
      وهكذا كانت مصادر الاخلاق ثلاثة: الوحي والعقل والطبيعة. الا ان الوحي يذكّر بالعقل الذي يهيمن ـ بدوره ـ على الطبيعة ويختار من متاعها ما يشاء. فهو ليس ريشة وسط عواصفها الهوج، كما تصوّرت المذاهب الطبيعية أو العلمية الحديثة.
      والانسان لا يختار شيئاً بلا معيار كما تصورت الوجودية، والارادة الهيجلية أو النية الحسنة الكانتية. ليستا مصدر الاخلاق الوحيد.. لأن الطبيعة أيضاً ذات أثر، كما ان الوحي يهدي ويذكّر ويهذب النفس ويلقي بالاصول العامة.
      اما الفاعلية، فانها متأخرة بدرجة من الاخلاق، فالاخلاق ضياء والفاعلية حركة.
      الاخلاق صراط والفاعلية المسير عليه، وهي بالتالي هدف الاخلاق وليس ذات الاخلاق. بلى الاخلاق بلا فاعلية اطار بلا محتوى وحروف بلا معاني.
      ومن أراد وعي الحقائق بلا حركة، كان كباسط كفيه الى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه.وحسب آية شريفة «والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا»222.
      وما يقودنا الى الفاعلية، بصائر اخلاقية شتى.
      أولاً: ان اندماج البشر بالحقيقة يتم بالتحرك في عمقها وتطويرها.
      ثانياً: ان السعادة لا تتحقق الا بالتواصل مع الحقيقة أخذاً (الطعام) أو عطاء (الذرية).
      ثالثاً: أمام الانسان فرص لاتنتهي للتكامل وفي الحياة امكانات لا تحدّ للتطوير، ورسالة الانسان التكامل. (وهذه اصدق فطرة في ذاته) وتطلّعه الدائم في التطوير.
      وليس ذلك عن نقص في مشيئة الله، سبحانه، أو قدرته المطلقة. ولكن لأنّه قد شاء الله يجعل الانسان حراً يختار ما يشاء ويتحمل مسؤولية اختياره، ولأنه سخّر ما في الارض لمصلحة الانسان وامَرهُ ان يستفيد منها في سبيل الخير، ولأنه حمّل البشر هذه الرسالة.
      هكذا جاءت البصيرة الدينية جامعة لسائر الابعاد الايجابية للمذاهب الفلسفية.