{ دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي } د. أحمد الياس كلية الأداب ، جامعة الخرطوم

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • { دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي } د. أحمد الياس كلية الأداب ، جامعة الخرطوم

      { دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي } د. أحمد الياس كلية الأداب ، جامعة الخرطوم

      السلام عليكم ورحمت الله وبركاته
      يسرني أن أعرض عليكم هذا البحث القيم للدكتور أحمد الياس حسين كلية الأداب ، جامعة الخرطوم والذي تناول من خلاله دور من الادوار التاريخية والدعوية التي قام بها السادة علماء الإباضية الأجلاء في سبيل نشر هذا الدين العظيم ومبادئه السمحة الداعية إلى الخلق الحميد والمثل العليا ، ولا يسعني ألا الاشادة بالدكتور أحمد الياس حسين على هذه النزاهة الطيبة في عرضه للمواضيع المتعلقة بالمذهب الإباضي في الكثير من المجالات خاصتاً التاريخية منها .
      مقدمة

      تهتم هذه الدراسة بتاريخ مملكة مالي في الفترة السابقة لظهورها كإمبراطورية في القرن الثالث عشر الميلادي وذلك عن طريق الربط بين الروايات المحلية ــ التي جمعها الباحثون المهتمون بدراسات غرب أفريقيا ،، عن ملوك مالي وبين ما ورد في المصادر العربية وبخاصة المصادر الإباضية بهدف محاولة التوصل تحديد تاريخ قيام تلك المملكة وطرح بعض الفرضيات حول اتصالات الإباضية المبكرة بها ودورهم في إسلام ملوكها .

      قيام مملكة مالي :

      لا تزال المعلومات حول المراحل المبكرة لقيام مملكة مالي قاصرة على إعطاء فكرة واضحة لتاريخ تلك الفترة ، والمصادر الأساسية التي اعتمد عليها الباحثون في تاريخ مالي المبكر قبل عصر الإمبراطورية هي بعض المعلومات التي استخلصوها من التراث المحلي المتداول بين مجموعات المالنكي مؤسس المملكة .

      وقد اتفق أغلب المؤرخين على تتبع أطوار ظهور مملكة مالي على مرحلتين :

      أولهما مرحلة الزعامات الشمالية ، وتذكر الروايات المحلية أن هناك أسرتين توليتا الحكم في تلك الفترة هما أسرة التراورا (Traora) وأسرة كوناتي ( Conate) أو كامارا (Kamara).
      والمرحلة الثانية ، هي التي نمت فيها مالي في الجنوب حتى أصبحت إمبراطورية قوية تحت أسرة كيتا .

      ويؤرخ لبداية هذه الفترة بنهاية القرن الحادي عشر أو منتصف القرن الثاني عشر الميلادي ، وهو التاريخ نفسه ، الذي يحدد به نهاية فترة زعامات المرحلة الأولى في الشمال ، وتحديد تاريخ ظهور زعامات الشمال غير واضح ولكن لا يرجع إليه في الغالب قبل القرن العشر الميلادي (1).

      وهذه الآراء تعطي تواريخاً متأخرة لتطور زعامات المالنك في الشمال وفي الجنوب ، لأن مجمل هذه الآراء لا يرجع إلى ما قبل منتصف القرن العشر الميلادي بصورة قاطعة بل ينحصر بين القرنين العاشر والثاني عشر الميلاديين ، وليس هناك تركيز على المرحلة السابقة لذلك وهي الفترة التي قطعت مالي شوطاً بعيداً من التطور قبل القرن الحادي عشر الميلادي بل تطورت بعض الزعامات إلى ممالك وساهمت بدورها في تاريخ غرب أفريقيا إلى جانب شقيقاتها غانة وكوكو وكانم .

      إن تطور ممالك غرب إفريقيا ارتبط ارتباطاً وثيقاً ينمو العلاقات مع شمال إفريقيا غبر الصحراء ، وقد ارتبط تطور العلاقات بالتجارة وكان لذلك النشاط التجاري الكبير دوره في توطيد أركان مملكة السوننك في مرحلتها الأولى في أودغست ثم في مرحلتها الثانية بعد انتقالها جنوباً إلى كومبي صالح في منتصف القرن الثامن الميلادي (2).

      ورغم إننا نفتقد المعلومات عن تجمعات المالنك في الفترة التي ظهرت فيها مملكة السوننك ( غانة) إلا أن الأوضاع العمة في المنطقة يمكن أن تلقي بعض الضوء على تلك الحقبة ، فقد توصل السوننك ( الفرع الشمالي لمتكلمي لغة الماندي ) إلى تطوير أساليب حياتهم الاقتصادية والسياسية فظهرت مملكتهم غامة في النصف الأخير من الألف الأول الميلادي ، وانتظمت علاقاتهم التجارية معبر الصحراء شمالاً فاتصلوا بحوض البحر المتوسط .

      وكانت علاقات السوننك بالجنوب قوية من أجل التجارة ، لأن أغلب السلع التي اعتمدت عليها تجارتهم تتواجد على أرضي المالنك في الجنوب بما في ذلك السلعة الرئيسية وهي الذهب ، وقد أثبتت أعمال التنقيب الآثاري أن المناطق الواقعة بين أعالي السنغال والنيجر كانت مرتبطة بتجارة الصحراء منذ بداية الألف الميلادي الأول (3) ، وكان السوننك دائمي التحرك جنوباً لعوامل الجفاف التي بدأت تظهر في الجزء الغربي من الصحراء الكبرى وللضغط الذي تعرضوا له من القبائل البدوية بعد ظهور الجمل في الصحراء نحو نهاية النصف الأول من الألف الأول للميلاد (4) .

      كل ذلك يوضح ارتباط منطقة أعالي نهري السنغال والنيجر ــ حيث عاش المالنك ــ ارتباطاً وثيقاً بحضارات السوننك ووصول المؤثرات الحضارية من حوض البحر المتوسط . وقد هيأت تلك الأوضاع المناخ الملائم لتطور مجتمعات المالنك ، ومن المحتمل أن تنظيماتهم السياسية قد بدأت في التطور منذو منتصف الألف الأول للميلاد حتى تتمكن تلك التجمعات من تنظيم تجارة الذهب .

      ولا شك أن مجتمعات المالنك قد استفادت كثيراً في بناء تنظيماتها من الهجرات التي وصلت إلى إقليمهم والتي لم تقتصر على العناصر السوننكية فقط ، بل وصلت أيضاً بعض العناصر اليهودية التي ساهمت مجموعة منها في قيام مملكة غانة في الشمال . وتدل إشارات المؤلفات العربية إلى قدم تلك الهجرات لدرجة ذوبانها في المجتمعات المالنكية (5) .

      يتبع أن شاء الله

      الهوامش :
      الهوامش :
      1. L evetzION, N.:aneient Ghana and Mali.(London-1980)PP.56,58,60
      Triminghan, J.S.:A History of Islam in West Africa(oxford 1970) P. 61 Laboure: Mali. (Eney .of Islam )Vol. 3, P. 240. De Lafosse, M. :Traditions Historiques at Legendaires du Soudan Occidental (Paris.1913) PP.19,20.
      طرخان ، إبراهيم علي : دولة مالي الإسلامية _ الهيئة المصرية للكتب 1983 ) ص 32 ــ37.

      2. حسين ، أحمد الياس : العلاقات بين مملكة غانة والمغرب العربي بين القرنين 8ــ11 / . رسالة دكتوراه بمعهد الدراسات الافريقية جامعة القاهرة ، ص58.
      3. Murphy, J.:History of African Civilization(New York,1922)P.104.
      4. Desire-vuilemin, Mme
      5. الإدريسي : صفة المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس مأخوذة من كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ( ليدن 1964) ، ص4.
      ابن سعيد: كتاب الجغرافية ، تحقيق إسماعيل العربي ( بيروت ، المكتب التجاري 1970) ص 90 ، 92.
    • وعندما انتقلت مملكة غانة إلى الجنوب في منتصف القرن الثامن الميلادي ازداد اتصال المالنك مع غانة خاصة وان القرن الثامن الميلادي شهد بداية الازدهار الكبير لتجارة الصحراء بعد قيام وتطوير المراكز التجارية في شمالي الصحراء مثل أودغست وسلجماسة ومراكز وادي السوس ودرعة وأغمات .

      بدأت تجارة المغرب العربي تنتظم مع غرب إفريقيا (6) ، وقد اتجه أغلب ذلك النشاط التجاري نحو إقليم المالنك للحصول على الذهب ، والنتيجة الطبيعية لهذا الاحتكاك والتطور الاقتصادي هي نضوج الأنظمة السياسية بما يتلائم والأوضاع الجديدة .

      وينعكس تطور الأنظمة السياسية لدى المالنك وارتباطه بالحركة التجارية في الروايات المحلية ؛ لقد ورد في تلك الروايات أن لاتال كالابي (Latal Kalabi) من سلالة بلال مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم كان له إبنان اختار أحدهما للحكم فتولى العرش بينما اختار الآخر طريق الثروة واشتغل بالتجارة ، فأصبح الابن الثاني أبا لطائفتي الوائجا والدبولا اللتين اشتهرتا بالتجارة(7) ، ويؤكد ذلك أن قيام ممالك المالنك قد عاصر الفترة التي ازدهرت فيها التجارة على الأقل في النصف الأخير من القرن الثامن الميلادي .

      غير إن قيام مملكة غانة القوية على حدود المالنك الشمالية لم يتح لتلك الممالك الفرصة للنمو والتوسع وربما خضعت مناطق المالنك في الشمال لسيطرة غانة .
      فقد ذكر اليعقوبي في القرن التاسع الميلادي بأنه تحت طاعة ملك غانة ، طاعة ملك غانة , " عدة ملوك " (8) كما وضح ابن وصيف شاه في القرن العاشر الميلادي أثناء حديثه عن غانة بأنه " تحت يد ملكها عدة ملوك " (9).

      وإذا افترضنا أن المناطق الشمالية كانت تابعة لنفوذ مملكة غانة فإن مملكة مالي في القرن التاسع الميلادي كانت قد توسعت في المناطق الجنوبية ، وأشرفت على مصادر الذهب وأصبحت من الممالك الشهيرة في غرب إفريقيا ، فوضع اليعقوبي ، " مملكة ملل " إلى جانب تلك الممالك الكبرى كغانة وغيرها (10) .

      وبالرغم من أن لفظ ملل قد أطلقه العرب أساساً على متكلمي لغة الماندي في أعالي نهري السنغال والنيجر (11) فإن ذلك لا يمنع أن تكون هي نفس المملكة التي توسعت فيما بعد وأصبحت إمبراطورية منذ القرن الثالث عشر الميلادي .

      فمملكة ملل التي أشارت إليها المصادر العربية بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلادي كان موقعها في أقصى جنوب ممالك الماندي (12) وهي على حسب التقسيم العام تعتبر من الممالك الجنوبية حيث قامت الإمبراطورية ، فملل إذاً كانت قائمة على نهر سانكراني في القرن التاسع الميلادي ووسعت حدودها وأشرفت على مناطق الذهب حتى أصبح يد ملوكها ــ كما وضحت المصادر الإباضية قبل عصر إمبراطوريتا ، "إثنتا عشر معدناً يستخرج منها التبر " (13) .

      يتبع أن شاء الله

      الهوامش:ــ
      6. حسين ، أحمد الياس : الطرق التجارية عبر الصحراء الكبرى حتى مستهل القرن 16م ـ كما عرفها الجغرافيون العرب . رسالة ماجستير بكلية الآداب جامعة القاهرة ، ص 92ــ104.
      7. Levetzion, Op. Cit, P .56
      8. اليعقوبي : تاريخ اليعقوبي (بيروت 1960) ج1 ص194.
      9. ابن وصيف شاه : عجائب الدنيا ( مخطوط على مايكرو ـ فيلم بمعهد إحياء المخطوطات العربية بالقاهرة ) رقم 37 ـ جغرافيا ص280 ـ عن أبي وصيف شاة . انظر لكاتب المقال ) الطرق التجارية عبر الصحراء الكبرى .ص7.
      10. اليعقوبي: ص193.
      11. أطلق الفلاني على هذا الشعب اسم ( ملي ) وأطلق عليه البربر أسم (مل) Melle Mel أو (ملت ) Melet وأطلق عليه العرب (ملل ) Melle Malili .
      12. البكري : المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب وهو جزء من كتاب المسالك والممالك ( الجزائر 1857) ص الأدريسي ص5 , 6 ابن سعيد ص 178.
      13. الدرجيني : طبقات المشائخ بالمغرب ( قسنطينة مطبعة البعث ب . ت ) ج2 ص18 ، الشماخي ، السير الاباضية ( طبعة حجر ) ص32 ونسخة اخرى مصورة من مخطوط بمكتبة مركز جهاد الليبين للدراسات التاريخية غير مفهرسة , ص304 ) .
    • انتشار الإسلام في مالي ودور الإباضية : ــ

      لم تمدنا المصادر العربية بمعلومات وافية عن الإسلام في منطقة المالنك ــ قبل القرن الحادي عشر ــ بنفس القدر الذي اتضح به ، في مملكتي غانة والتكرور ، والنصوص القليلة التي وردت عن تلك الفترة لا تمكن من رسم صورة واضحة لتاريخ انتشار الإسلام في تلك المنطقة .

      فإذا استثنينا نص البكري عن ملك ملل ــ المسلماني ــ نجد أن ابن خلدون (ت 1405) والقلقشندي (ت 1418) قد أشارا إلى إسلام أهل مالي قبل قيام إمبراطوريتهم بوقت طويل (14) بينما ذكر ليو الإفريقي ( انتهى من تأليف كتابه سنة 1527) أن أهل مالي كانوا من دان بالسلام (15) وفي ذات الوقت يوصف ابن سعيد (ت1274 أو 1276) مالي بأنها " من مدن الكفار المهملين" (17) ، بينما تحفظ الإدريسي فذكر أنه يغلب عليهم الكفر والجهالة .

      ويبدوا واضحاً أن المصادر التي اعتمد عليها ابن سعيد غير دقيقة في معلوماتها ، لأن دخول الإسلام إلى غرب إفريقيا ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالتجارة ، ولما كانت غرب إفريقيا قد دخلت في نطاق التجارة القاري بصورة واسعة منذ القرن الثامن الميلادي ، فإن التجار قد بدأوا يصلون بانتظام إلى منطقة المالنك التي تشرف على مصادر الذهب .

      وكان التجار إلى جانب أعمالهم التجارية يقومون بالدعوة إلي الإسلام ، وقد ارتبطت التجارة وانتشار الإسلام في غرب إفريقيا إلى درجة التي اصبح من العسير معها وضع حد فاصل بين الدور الذي قام به التجار من جهة وبين دور العلماء ودعاة الإسلام من جهة أخري وغالباً يجتمع الدوران في نفس الرجل (18) ، ويتضح ذلك من تتبع سير الإباضية الذين كانوا يمارسون التجارة على نطاق واسع مع غرب إفريقيا منذ القرن الثامن الميلادي .

      فقد أدى استقرار الإباضية على أطراف الصحراء في واحات فزان وجبل نفوسه وغدامس وواحات الجزائر منذ القرن الثامن الميلادي إلي ارتباطهم القوي بتجارة الصحراء ، وعزز من ذلك الارتباط اعتناق مجموعات من قبيلتي هوارة وزناتة للمذهب الاباضي وتخصص كثير منهم بالتجارة عبر الصحراء (19) .

      وسرعان ما انتضمت تجارة الإباضية في زويلة تحت أمارة بن الخطاب منذ تأسيسها عام 762(20) ، وتوسعت تجارة الصحراء بقيام الدولة الرستمية الإباضية في تيهرت ( بالجزائر ) عام 776م ، فقد أشرفت هذه الدولة على المنطقة الصحراوية ما بين سجلماسة ( جنوب المغرب الأقصى ) وزويلة التي دخلت ضمن دائرة نفوذها ، واهتم الرستميون بالتجارة الداخلية في الصحراء وأرسلوا الجنود بصحبة التجارة لتأمينهم من الأماكن التي يخشى فيها من غارات البدو (21).

      ولم ينحصر جهود الإباضية في نشر الإسلام على نشاط التجارة فقط ، بل كانت لهم برامج مخططة لاهل الدعوة تضمنها نظام العزابة (22) ، أهل الدعوة مجموعة من رجال العلم اتجهن جهودهم لاعلاء كلمة الله وبث تعاليم دينه وتبصير الناس بأمور دينهم ودنياهم ، وقد تركز جانب كبير من اهتمام أهل الدعوة على غرب إفريقيا التي كانت تعتبر " دار دعوة " فانشاوا الربط منذ مستهل القرن الثامن عشر الميلادي في المنطقة الصحراوية الوقعة بين ورجلان وسجلماسة (23) .

      ويتضح من النصوص التي جمعها (Lewicki) نشاط أهل الدعوة الواسع جنوبي الصحراء الكبرى ، واقترن ذكر الكثير من فقهاء الإباضية بغرب إفريقيا في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين (24) ، والفقهاء الذين وردت أخبار زيارتهم إلى غرب إفريقيا يعتبرون من كبار الأساتذة في عصورهم ، وقد وردت أخبار زياراتهم إلي تلك المناطق عرضاً أثناء تناول بعض أخبارهم مما يرجح احتمال ترددهم الدائم على جنوبي الصحراء ولم تسجله لنا كتب السير ، وإذا كان كبار الفقهاء قد ترددوا على غرب إفريقيا فهذا يعني أن هنالك مجموعات كبيرة من أهل الدعوة كانوا يقومون بنفس العمل ولم تهتم كتب السير بأخبارهم .

      ولذلك فقد تمكن الإباضية من تجار وفقهاء من تقوية اتصالاتهم بغرب إفريقيا منذ القرن الثامن الميلادي ، ولعل كثير من تلك المناطق قد اعتنقت الإسلام على يد الإباضية منذ ذلك الوقت فقد ذكر الشماخي أن " بلاد السودان بغانة وما يليها كانت تدين بالمذهب الاباضي حتى تسامعــت بهــم المخالفــون فقصــدوها من كل صوب فردوهم إلى مـذاهبهم (25) .

      ويفهم من هذه الإشارة أن الإباضية هم أول من قام بتركيز الدعوة الإسلامية في غرب إفريقيا قبل وصول الأعداد الكبيرة من فقهاء المذاهب الآخر ، ومن المعروف أن المذهب المالكي ـ الذي ساد في غرب إفريقيا ــ قد ارتبطت به سيادته بحركة المرابطين في الصحراء الغربية في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي ويبدو أن انتشاره الواسع كان على حساب المذهب الاباضي الذي ساد في المنطقة منذ القرن الثامن الميلادي ، وقد ظلت بقايا الإباضية حية في إمبراطورية مالي حتى القرن الرابع عشر الميلادي حيث لاحظ ذلك ابن بطوطة (26) .

      يتبع أن شاء الله

      الهوامش :ـ
      14. ابن خلدون : العبر ( بيروت 1971) ج6 ص403 , القلقشندي ، صبح الأعشى ( مصورة عن الطبعة الاميرية 1915) ج2 ص293.
      15. Leo Africanas: The History and discripion of Africa (London, 1896)) Vol., 3, P. 823.
      الحسن الوزان ، المعروف بليون الافريقي ، وصف افريقيا ، نرجمة من النسخة الفرنسية عبد الرحمن حميده ( جامعة محمد بن سعود الإسلامية 1399) ص539.
      16. ابن سعيد : بسط الارض في الطزل والعرض ، تحقيق خوان قرنيط (تطوان 1958) ص25.
      17. الادريسي : ص4 .
      18. Lewis, I. M. : Islam in Tropical Africa (Oxford, 1960)P.20
      19. ابن خلدون :ج6 ص286 ، دبوز ، محمد علي ، تاريخ المغرب الكبير ( القاهرة ، عيسى البابي الحلبي 1963) ج3 ص349.
      20. حسين ، أحمد الياس : الطرق التجارية عبر المنطقة الشرقية من الصحراء الكبرى ـ كتاب الصحراء الكبرى ( طرابلس 1979) ص212.
      21. دبوز : نفس الصفحة أعلاه.
      22. بعد سقوط الدولة الرستمية في تيهرت في نهاية القرن الثالث الهجري ظل الاباضية منذ ذلك التاريخ يحافظون على كيانهم في المناطق التي استقروا فيها ، وقد ساعدهم على ذلك النظام الذي التزموا به كبديل لدولتهم وهو ما اصطلح على تسميته بنظام العزابة وهو مجموعة من التقاليد التي نظمت المجتمع الاباضي منذ دخول الاباضية في المغرب العربي . وقد درست تلك التقاليد والاعراف وسجلها كبار فقائهم بعد سقوط الدولة الرستمية ـ انطلاقاً من مبادئ الشريعة الاسلامية وأصبحت قوانيناً التزم بها الاباضية ونظمت حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمزيد من التفاصيل انظر معمر ـ علي يحيى ، الاباضية في موكب التاريخ ، الحلقة الأولى ص107.
      23. الزهري ، ابو عبدالله بن ابي بكر ( ت . أخر القرن 6هـ) كتاب الجغرافيا ، تحقيق محمد حاج صادق ( بيروت 1967) ص126.
      24. Lewicks, T. Quclque extaits aux voyage du commerents de missionaries Ibadites Nord_ Africains pay de Soudan Occidental et Central au Mayon Age Folia O rientala ( T0me 2 1960) PP.10,19,20.
      25. الشماخي : (الطبعة الحجرية ) ص457 ــ458.
      26. ابن بطوطة .
    • إسلام ملك مالي :ـــ

      يعتبر ما أورده البكري ( ألف كتابه بالأندلس 1067) أقدم نص عن إسلام الأسرة الحاكمة في مالي ، وربما كان إسلام الملك قد تم في وقت سابق بكثير للبكري حتى أصبحت قصة إسلام ملك مالي مشهورة وتناقلتها الألسن إلى خارج غرب إفريقيا ، وربما سجلتها بعض الكتب ــ فبل عصر البكري لأن الشماخي ذكر أن إسلام ملك مالي " المسلماني " الذي تحدث عنه البكري وورد عند غيره من المؤلفين (27) .

      والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ، ما مصدر البكري في تلك المعلومات؟ ؛ فالبكري لم يزر غرب لإفريقيا ، ومعلوماته عن تلك المنطقة إما أخذها من مؤلفات سبقته أو من التجار ، والمؤلفون الذين من المحتمل أن يكونوا قد أشاروا إلى مثل هذه المعلومات ولم تصل إلينا أعمالهم كاملة هم : أحمد بن محمد الرازي (ت955م) صاحب كتاب المسالك والممالك ، ومحمد بن يوسف ( ت973م) ، والحسن بن أحمد المهلبي (ت990م)(28).

      وقد عاش الرازي ومحمد بن يوسف في المغرب وعايشا حركة تجارة الصحراء واختلطا بالتجار فتوفرت لهما الفرصة لجمع كثير من أخبار غرب إفريقي ، ورغم أن البكري لم يشر إلى مصادر معلوماته عن غرب أفريقيا فقد أشار كثيراً إلى محمد بن يوسف فيما يتعلق بالأخبار الخاصة بالمغرب أما المهلبي الذي عاش بمصر فقد توفرت لديه أيضاً بعض المعلومات الهامة وقد وصل بعض منها عن طريق أبي الفداء والقلقشندي .

      فإذا كان قد اعتمد على أحد هؤلاء المؤلفين فيما أورده عن ملك مالي " المسلماني " يكون هذا الخبر راجعاً إلى تاريخ مبكر في القرن العاشر الميلادي أو قبله ، وإذا كان اعتماد البكري في تلك المعلومات على التجار فإن ذلك أيضاً ربما رجع بها إلى نفس التاريخ السابق لما تتطلبه الرواية من وقت طويل حتى تصل عن طريق إلى الأندلس .

      ومن جانب آخر نجد أن نفس رواية البكري قد ذكرها الدرجيني ( ت 1271م) وقد جاء نص الدرجيني طويلاً ومفصلاً جداً رغم إشارته الصريحة إلى مصدره قائلاً : " حدثني جماعة من أصحابنا" (29) أي الدرجيني لم يعتمد على مصدر مكتوب في روايته ، وتتفق رواية كل من البكر والدرجيني في عناصرها الأساسية ،مثل الاتفاق على وقوع الحدث في مالي والكيفية التي أدت إلى إسلام الملك .

      ويضيف الدرجيني بعض المعلومات الهامة ، فقد وضع أن أهل مدينة مالي كلهم آمنوا بالإسلام وكذلك فعل كثير من أهل المدن المجاورة الذين كانوا تحت حكم ملك مالي ، بينما طلب أهل المدن البعيدة ــ وهم أيضاً تحت نفوذ ملك مالي ــ تركهم على أديانهم فسمح الملك لهم بشرط أن لا يدخل مدينة مالي كافر ، وهذا كله لا يتفق مع ما ذكره البكري من إسلام الملك فقط ، وأهل مملكته مشركون " (30) .

      ويفهم من نص الدرجيني أن مملكة مالي كانت قوية باسطة نفوذها على عدد كبير من المدن المجاورة لها ومشرفة على مصادر الذهب وتحته مملكة عظيمة ، وتحته اثنا عسر معدناً يستخرج منها التبر(31) ، وهذا يرجع إسلام الملك إلى عهد الملوك الصيادين أو المحاربين .

      وتربط الروايات المحلية بداية هذا العصر بالملك نادامي كاني حفيد لاهيلاتول كالابي ، واسم لاهيلاتول كالاني ارتبط أيضاً بأول ظهور مملكة المالنك ، في الجنوب وهو الوقت الذي بدأت فيه الحركة التجارية في الازدهار لأن بعض الروايات جعلت نادامي كاني إبناً للملك الذي قويت في عهده طبقة التجار حتى أصبحت متساوية من حيث المكانة الاجتماعية للطبقة الحاكمة ، لأن مؤسس طبقة التجار كان ــ كما في الرواية ــ أخاً للملك (32).

      وعهد الملوك المحاربين يشير إلى تلك الفترة المبكرة من تاريخ مالي عندما تمكنت من بناء قوتها الحربة وتوسعت موحدة مناطق واسعة من إقليم المالنك في الجنوب ، وقد تم تدعيم ذلك النظام الحربي عند نادامي كاني ؛ وهو ما ينطبق على وصف قوة مالي من خلال نص الدرجيني ، وقد اكتسبت مالي تلك القوة ــ كما سبق أن أشرنا ــ منذ القرن الثامن الميلادي وهو الوقت الذي توقفت فيه ارتباطاتها التجارية القارية فأصبح وجود نظام حربي قوي للدفاع عه هذه المكاسب ضرورة قصوى .

      غير إن الدرجيني ذكر أن الفقيه الذي تم على يده إسلام ملك مالي يسمى " علي بن يخلف " الذي ذهب مالي عام (1179م) وهو جد الدرجيني . فالدرجيني هو أحمد بن سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف .

      يتبع أن شاء الله

      الهوامش :ـ
      27. الشماخي : نفس الصفحة.
      28. الحجي عبد الرحيم علي : جغرافيا الاندلس واوربا لابي عبيد البكري ( بيروت دار الارشاد 1968) ص 20 ـ29 حسين ، أحمد الياس : الطرق التجارية عبر الصحراء الكبرى ص 11ـ 12 .
      29. المنجد . صلاح الدين قطعة مفقودة من كتاب المسالك والممالك للمهلبي مجلة المخطوطات العربية مجلد4 ج1 1958 ص47.
      30. مؤنس حسين : تاريخ الجغرافيا والجغرافيون ، بالاندلس ( معهد الدراسات الاسلامية ط1 1967) ص196 حسين ، أحمد الياس : الطرق التجارية عبر الصحراء الكبرى ص1.
      31. انظر الملحق رقم 2. (آخر الموضوع)
      32. انظر الملحق رقم 1.( // // )
    • ولما كانت رواية الدرجيني (33) هي نفس رواية البكري الذي ألف كتابه عام (1067م) أي قبل أكثر من مائة عام من ذهاب علي بن يخلف إلى مالي ، فإن ذلك يوضح أن قصة إسلام ملك مالي كانت متداولة ومعروفة في المجتمع الاباضي قبل عصر الدرجيني بأكثر من قرنين ولما كان علي بن يخلف قد اشتهر هو أيضاً بأسفاره إلى غرب إفريقيا وبمكانته الكبيرة لدى بعض ملوكها فقد أسند إليه الدرجيني بناًء على الروايات السائدة ــ قصة إسلام ملك مالي ــ وأغلب الظن أن علي بن يخلف تمكن هو أيضاً من إقناع بعض زعماء المالنك لاعتناق الإسلام فاختلط ما قام به علي بن يخلف بما قبله خاصة وأن اسم " ملك " في اللسان العربي قد يصدق على أي زعامة من زعامات المالنك" .

      وقد يدل وجود هذه الرواية في التراث الاباضي على أن الفقيه الذي قام بها إباضياً ولهذا فأنا أميل إلى افتراض أن المسلماني الذي ذكره البكري أسلم على يد أحد فقهاء الإباضية ، وهناك الكثير من فقها الإباضية يحملون اسم " ابن يخلف " من بينهم أبو نوح سعيد بن يخلف من علماء النصف الأول من القرن العاشر الميلادي ، وقد اشتهر ابن يخلف هذا أيضاً بأسفاره إلى غرب إفريقيا (34) ، فربما تكون الرواية في الأصل لابن يخلف هذا خاصتاً وانه عاش زمن يتوافق مع أحداث رواية البكري .

      ولم يأتي الشماخي في روايته بشيء جديد يساعد على تفسير التناقض الذي وقع فيه الدرجيني لأنه أعتمد ـ عل ما يبدو ــ على الدرجيني، فقد أسند إسلام ملك مالي هو أيضا إلى علي بن يخلف مع ما تبقى من أحداث الرواية ، ومن الممكن أن يكون الشماخي قد وجد هذه الرواية مسنودة إلى علي بن يخلف في أكثر من مصدر لأنه أورد أن البكري قد ذكرها في المسالك والممالك ألا أنه لم يسمه وسماه غيره (35).

      ورغم إشارة الشماخي الصريحة إلى وجود هذه الرواية في مصادر أخرى غير البكري ، فإنني لم أعثر عليها في المصادر غير الإباضية التي اطلعت عليها ، أما المصادر الإباضية فرغم محاولاتي المتكررة في ليبيا والجزائر ، لم أوفق في العثور على المصدر الذي أشار إليه الشماخي ما عدا الدرجيني.

      والمصادر الإباضية بصفة عامة غير متوفرة للبحث وأغلبها ما زال محفوظاً في خزائن المخطوطات (36) ، ومما يزيد في صعوبة الاطلاع عليها أن الكثير منها في الخزائن الخاصة بالأسر أو الأفراد في ليبيا والجزائر وتونس ، وقد تمكنت من رؤية نسخة مكتوبة على الآلة الكاتبة في مخطوطة " تاريخ المغاربة الإباضية " للمارغني السوفي ونسخة مصورة من مخطوطة " الجواهر المنتقاة " للبرادي ونسخة مصور من محطوطة " سير أبي عمار عبد الكافي " ، وإذا تمكنت من القول بأن نص المسلماني لم يرد في مخطوطتي المارغني السوفي والبرادي يصعب الحكم على مخطوطة أبي عمار عبد الكافي لأن النسخة التي وقعت تحت يدي غير كاملة .

      وإلى جانب ذلك هنالك الكثير من التراث الإباضي في التاريخ والسير ، لم أتمكن من رؤيته مثل أعمال البخطوري إلي الربيع المزاتي وأبي الربيع الجيلاني وابن سلام التوزري (37) .

      غي أن المؤلفات الإباضية الحديثة وعلى رأسها مؤلف الشيخين علي يحيى معمر (38) ومحمد على دبوز (39) وغيرهما لم تخرج من تناولها لهذا الحديث عما ردده الدرجيني والشماخي ، ولما كان الشخصين المذكورين بإمكانهما الاطلاع على التراث الإباضي المخطوط في ليبيا وتونس والجزائر لأنههما من الإباضية ولم يأتيا بشيء جديد فإن هذا يوحي بأن التراث الإباضي المعروف الآن ، لا يحمل شيئاً يخالف ما أشار إليه الدرجيني ، ومن جهة أخرى فإن مؤلفات الإباضية الحديثة لم تتعرض لمناقشة تناقض التاريخ الذي ذكره الدرجيني لإسلام ملك مالي بالمقارنة مع ما جاء عند البكري .

      ولذلك يمكن القول بأن التراث الإباضي تضمن الكثير من الروايات التي حملت أخبار رحلات الفقهاء إلى غرب إفريقيا ، وقد اتصل بعضهم بالملوك في تلك المناطق ، وكان لهم فضل إدخالهم في الإسلام ، وقد سجلت كتب الطبقات والسير تلك الروايات التي ترددت في المجتمع الإباضي وأسندتها إلى أصحابها الحقيقين في بعض المرات والى كبار الفقهاء الذين اشتهروا بزياراتهم لغرب إفريقيا مرات أخرى .

      ومن أمثلة ذلك أيضاً ما ذكره المارغني السوفي والشماخي في رواية أخرى تضمنت سفر الشيخ أبي يحيى ابن القاسم الفرسطائي إلى ( السودان ) وإسلام ملكهم على يده (40) ، والفرسطائي كما ذكر الشماخي من ضحايا " معركة مانو " التي حدثت بين أسرة الأغلبة التي حكمت في تونس وبين اباضية جبل نفوسة عام 897 م (41) .

      فيكون سفر أبي يحيى إلى السودان قد تم في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي ، وهذا التاريخ أيضاً يمكن أن يوافق رواية البكري ، فمضمون الرواية التي ذكرها البكري في القرن الحادي عشر الميلادي تجد ما يؤيدها في التراث الإباضي ومما يرجع باحتمالات كبيرة جداً أن الفقيه الذي تمت على يده إباضياً ، كان عاشا في القرن الميلاد أو ربما قيل ذلك .


      يتبع أن شاء الله

      الهوامش : ــ
      33. انظر الملحق رقم 2.
      34. Levetzion, Op. Cit: P. 55. 56
      35. انظر الملحق رقم 3.
      36. الى جانب كتابي الدرجيني والشماخي طبعت بعض المصادر الاخرى فقد قام الاستاذ اسماعيل العربي بتحقيق كتابي سير الائمة وأخبارهم لابي زكريا يحيى بن ابي بكر ( ت1078) في المكتبة الوطنية بالجزائر .. كما حقق ايضاً الاستاذ اسماعيل العربي كتاب سير ابي الربيع الوساني ، الا أنني لم أر نسخته المطبوعة .
      37. اعمال هؤلاء المؤرخون في الخزائن في ليبيا وتونس والجزائر ويعتقد ان كتاب التوزي مفقود.
      38. لعلي يحيى معمر من المؤلفات التاريخية : الاباضية في موكب التاريخ . الحلقة الأولى عن المذهب الاباضي ودخوله المغرب . والحلقة الثانية : من تسعين عن الاباضية في ليبيا. والحلقة الثالثة : من الاباضية في تونس . تحدث فيه عن علي بن يخلف واسلام ملك مالي ص138.
      39. أشرنا الى كتاب دبوز ، تاربخ المغرب الكبير ، وكذلك تناول الموضوع ــ باجية ، صال الاباضية بالجديد ( تونس ، دار ابو سلامة 1976) 90, 92, 206, وكذلك الشيخ اطفيش في مقدمته للكتاب الوضع لابي زكريا يحيى بن ابي الحيز الخباؤني ، القاهرة ، مطبعة الفجالة ب .ت ) ص14 ــ15 .
      40. انظر الملحق رقم 4.
      41. الشماخي : (الطبعة الحجرية ) ص 211.
    • أسرة كيتا مؤسسة الإمبراطورية:ـــ
      سنحاول فيما يلي مناقشة بعض الروايات المحلية التي وردت حول ظهور أسرة كيتا وإسلام ملوك مالي على ضوء ما تقدم ، وقد حملت لنا تلك الروايات المتداولة أخبار ثلاثة أسر حكمت في المنطقة قبل أسرة كيتا ، وذكرت تاوايات بعض التفاصيل عن أسرتين فقط هي أسرة تراورا (Traora ) وأسرة كونناتي(Conate ) أو أسرة كامارا (Kamara) وقد حكمتا ــ وفقاً للروايات ــ في المنطقة الشمالية لتجمعات المالنك .

      أما أسرة كيتا فقد ربطتها الروايات المحلية بالمنطقة الجنوبية وهي الأسرة التي ظهر فيها سنديانها ( ماري جاطه في المصادر العربية ) مؤسس الإمبراطورية في النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي .

      ولا نعرف شيئاً من خلال تلك الروايات عن أسر أخرى حكمت في الجنوب غير أسرة كيتا ، فإذا حددنا القرن الثاني عشر أو نهاية القرن الحادي عشر الميلادي تاريخاً لظهور أسرة كيتا كما رجح بعض الباحثين (42) فمن هذه الأسرة القوية التي حكمت المالنك في الجنوب وكتب عنها اليعقوبي في القرن التاسع الميلادي في ملل ثم تحدثت عنها المصادر بعد ذلك ؟

      وليس من السهل الإجابة على هذا السؤال من واقع النصوص التي رددتها المصادر العربية غير الربط بينهما وبين الروايات المحلية يمكن من محاولة طرح بعض الفرضيات .

      فمملكة ملل التي ذكرت في القرن التاسع الميلادي ، ردد ذكرها البكري في القرن الحادي عشر ووضعها إلى الجنوب من مملكة " دو" التي تصنف من ممالك المالنك الشمالية ، وحدد الأدريسي موقع ملل بأنها من أرض لملم الجنوبية ، وأشار ابن سعيد إلى تجمعات المالنك في المنطقة إلى جانب مملكة ملل " وعلى شطي نهر الهو من مبتداه حتى مصبه مجالات نمنم وهم أخوة لملم في النسب وأشباههم في الأفعال (43) .

      ويبدو أن الأسر المالنيكة التي رددت الوايات المحلية ذكرها لم تت السلطة واحدة بعد الأخرى كما تشير الروايات إلى ذلك ، ويحتمل أن بعض تلك الأسر قد حكمت في أوقات معاصرة ومن بينها أسرة كيتا التي حكمت ملل وهي نفسها الأسرة التي ذكرها البكري والدرجيني أثناء حديثه عن إسلام ملكها (44) ، وهذا يجعلني أميل إلى افتراض أن أسرة كيتا هي التي حكمت ملل منذ ظهورها كمملكة وليس فقط منذ القرن الحادي عشر الميلادي .

      فالروايات المحلية ربطت أسرة كيتا ببلال مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذكرت الروايات أن حفيده لانال كالابي هو الذي أسس الزعامة ووسع حدوده على نهر سانكراتي ، وبعد عهد الحاج لاهيلاكول كالابي قوة تنظيم المملكة السياسي والحربي في عهد الملك نادامي ، وأصبح العمل التجاري واسعاً بدليل قوة طبقة التجار ــ في ذلك الوقت ــ حتى جعلتها الروايات المحلية ، مساوية في مكانتها الاجتماعية للأسرة المحاكمة .

      ويشير اكتمال قوة المملكة في عهد نادامي كاني وقوة طبقة التجار إلى الفترة التي توثقت فيها علاقات مالي التجارية مع الشمال عبر الصحراء ، ومن الواضح أن الفترة التي تطورت فيها تلك العلاقات ترجع إلى النصف الأخير من القرن الثامن الميلادي عندما انتقلت مملكة غانة إلى الجنوب وقوى ارتباطها عبر الدولة الصنهاجية في أودغست مع شمال إفريقيا (45) .

      ولذلك فإن قيام أسرة كيتا على نهر سانكراني وظهور قوة التنظيم السياسي والحربي والتجاري الذي ارتبط بحكم ناداني كان قد تم في النصف الأخير من القرن الثامن الميلادي وظلت تحكم مالي حتى ظهر فيها سنديانا في أول القرن الثالث عشر الميلادي ، وقد أشارت بعض الروايات المحلية إلى عشرة حكام تولوا السلطة منذ تأسيس المملكة حتى حكم نارفامعان والد سنديانا ( ماري جاطة) ويشير إلى الفترة الطويلة لحكم الأسرة ما بين ظهورها وتوسعها شمالاً في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي.

      فأسرة كيتا ــ كما أعتقد ــ هي التي كانت تحكم في "ملل " عندما تحدث عنها اليعقوبي قائلاً : " ثم مملكة أخرى يقال لهم ملل.. ويسمى ملكهم ميوسي (46) ، وميوسي هذا ربما كان الأكوى موسى ديجبيبوي (A.M.Djgui ) من سلالة بلال ، وإذا رجعت إشارة اليعقوبي إليه يكون حكم في القرن التاسع وليس في القرن الحادي عشر الميلادي ، وربما كانت كلمة ميوسي تحريفاً للقب الذي عرف به ملوك مالي ـ فيما بعد ـ من أسرة كبتا وهو " ماشا" ويؤيد ذلك أيضاً ظهور اللقب في هذه الأسرة منذ القرن التاسع الميلادي .

      كما تورد الروايات المحلية بعض أسماء ملوك مالي الذين اعتنقوا الإسلام والذين أدوا فريضة الحج وأغلب تلك الأسماء ارتبطت بأسرة كيتا انطلاقاً من بلال جد الأسرة الحاج لاهيلاتول كالابي الذي توسعت حدود ديجبيبوي الذي ذهب إلى الحج أربع مرات . فإسلام ملوك أسرة كيتا ارتبط في الروايات المحلية بتأسيس المملكة منذ أسرة القرن التاسع الميلادي على أقل تقدير .

      يتبع أن شاء الله

      الهوامش :ــ
      42. انظر ملخص الروايات في طرخان ، ص 32 ــ 39./ Levetzion, Op. Cit: P. 54. 57
      43. البكري ، ص178 ، الادريسي ، ص5 ابن سعيد ، الجغرافيا ص 919.
      44. الادريسي ، ص6، الدرجيني ج2 ص 517.
      45. طرخان ،ص35 Ede Lafosse: Loc .
      Levetzion, Op. Cit: P. 56. 58
      46. حسين ، أحمد الياس : العلاقات بين مملكة غانة والمغرب العربي ص63 ـ 73 ـ 83.
    • ملحق (2)

      نص الدرجيني (48) : ــ

      حدثني جماعة من أصحابنا أن على بن يخلف سافر إلى غانة سنة 575هـ فانتهى إلى مدينة مالي فأكرمه ملكها غاية الإكرام وكان أهلها مشركون وتحته اثنا عشر معدناً يستخرج منها التبر فكان الملك قلما جلس مجلساً إلا أجلس معه إكراماً له وكان يتعجب من خلقه ، وكثرة عبادته ومحافظته عللا دينه حتى عاد إلية على الإنفصال وقد قضى حاجته وكان ذلك في سنة قحط شديد فشكت الرعية ما أصابها إلى ملكهم فأمرهم بالإستسقاء فجعلوا يستقون بقربانهم التي يعتادونها في ملتهم وذبحوا أنواع الحيوانات حتى البقر والغنم والحمير حتى الإناث والنسانير فلم يستقوا، فقال الملك " لعلي ألا تدعو إلاهك الذي تعبد أن يسقينا ؟ فقال لا يسعني وأنتم تكفرون به وتعصونه وتعبدون غيره ، إن أنتم آمنت به واطعتموه فعلت ذلك ورجوت أن يسقيكم فقال له الملك علمني الإسلام وفرائضه حتى أتابعك عليه ، وتستقي لنا فعلمه كيف يقرأ بالشهادتين فعلمهما.

      ثم قال أصحبتني إلى نهر النيل ففعل ، فعلمه كيف يتطهر ، ولبس ثياباً طاهرة , ورقي به ربوة فوق النيل ، فعلمه الصلاة فصلى ثم قال أنا صليت فافعل ما تراني أفعل وإذا دعوت فقل آمين فباتا ليلتهما في عبادتهما وضراعة إلى الله عز وجل فلما كان بعد صلاة الصبح انشأ الله سبحانه سحابة فما حاولا الانحدار من الربوة حتى حالت السيول بينهما وبين المدينة , فجاءهما زورق من النيل فركبا حتى دخلا المدينة ودامت السحابة سبعاً غير مقلعة تسيح ليلاً ونهاراً فزادت المؤمن إيماناً واستدعت إيمان الكافر فلما رأى الملك صنع الله تعالى دعا جميع أل بيته للإسلام فأجابوا ثم دعا أهل المدينة فقالوا نحن عبيدك فأجابوا ، ثم دعا من دنا من المدينة حتى رعيته فأجابت أكثرهم ثم دعا الأقصين فقالوا نحن عبيدك ولك منا الطاعة وتتركنا على ما لقينا عليه آباؤنا فسمح لهم ، ثم حكم بأن المدينة لا يدخلها إلا من آمن بالله ورسوله ومتى رؤى فيها كافر قتل ، ثم قال له علمني القرآن وشرائع الإسلام فجعل يعلمه حتى تعلم جملة ينتفع بها ، فبينما هو عنده في ذلك إذ ورد عليه كتاب أبيه يستدعي من المجيء ويحجر عليه في الإقامة فقال للملك اعلم أني على سفر فقال لا يحل لك أن تتركنا نعود إلى العمى بعد أن أبصرتنا دين الهدى ، فقال اعلم إن في فرائض هدا الدين ابرار الوالدين وقد حجر على والدي المقام ؛ وهذا كتابه فلما رأى جده أحسن منقلبه وانفصل وبقوا على الإسلام والحمد لله رب العالمين .

      ملحق رقم (3)

      " نص الشماخي " (49) :ــ

      ومن أعظم كراماته ما اشتهر عند الموفق والمخالف وذكر ذلك البكري في المسالك والممالك إلا أنه لم يسمه وسماه غيره وهو أنه سافر إلى دواخل غانة تاجراً فقام بها وله مكان عند ملكها ، وكان عظيماً تحته اثنتي عشر معدناً يستخرج منها التبر ووقع قحط ببلادهم فاشتكت الرعية إلى السلطان وذلك بمدينة مالي فقربوا لأصناهم الذبائح واستغاثوا بها فلم يغاثوا وكان الشيخ على ارتحال فقال له الملك ادع ربك لعله يغثنا فقال لا يجوز وأنتم تعبدون غيره فقال كيف صفو الإسلام فما زال به حتى وحد وتكلم بكلمة الحق فخرج هو وإياه إلى كدية فصار يصلي به وهو يتبعه على فعله، وإذا دعا قال إمينا ، فلما أصبح عظم المطر وحالت السيول بينهما وبين المدينة وما دخلوا إلا في السفن مع النيل فدامت سبعاً تسيح ليلاً ونهاراً فلما رأى الملك ذلك دعا أهل بيته ثم وزرائه ثم أهل المدينة ثم من قرب فأجاب جميعهم ولبى من بعد وقالوا نحن عبيدك ولا نبدل ديننا واشترط عليهم أن لا يدخ المدينة كافر وإن دخلها قتل فالتزموا ذلك وأخذ يعلمهم الصلاة وفرائض الدين والقرآن فورد عليه كتاب أبيه يحضه على المجيء ولم يجعل له إذناً في المقام ولو قليلاً فأخبر الملك بأنه على سفر قال لا يحل لك أن تتركنا نعود إلى العمى بعد الهدى ، قال الوالد واجبة في الدين حجر عني الاقامة ولم أجد بداً من ذلك ؟

      وهذا سبب دخول الإسلام إلى بلاد السودان بغانة وما يليها تسامعت بهم المخالفون فقصدوها من كل أوب فردوهم إلى مذهبهم .

      يتبع أن شاء الله

      الهوامش : ـ
      48. الدرجيني : ج2 ص517 ــ 518.
      49. الشماخي : (الطبعة الحجرية ) ص 211