الشر و الحياة !

    • الشر و الحياة !

      .. حياة الإنسان مملوءة بالبلايا والمحن والرزايا والفتن والعاهات والآفات والأمراض والأسقام والحوادث والحسرات ، ثم نتساءل ما بال الأطفال بعضهم يعذب في الحياة باليتم والبرد والجوع وسوء المرقد والعمى والأوجاع ولم يفعلوا ما هم يستحقون ؟ البهائم لماذا تعاني الآلام وتلقى المشاق وتنتهي إلى الذبح ؟.. تلك هي مشكلة الشر الميتافيزيقي واجهتها الأديان كما واجهها فلاسفة الأخلاق على السواء ..
      واجهت ( الزرادشتية ) هذه المشكلة فلم تجد حلا إلا أن تستبعد من مقدورات الإله الخير الحكيم أن يصدر ذلك عنه .. ولكنها أوجدت إلها آخر مالكا للشر بحيث يتصارع الإلهان فينتصر إله الخير بعد صراع طويل ولذلك أبقت الباب مفتوحا لبصيص من الأمل في التخلص من شرور العالم ..
      أما المسيحية ، فاعتقدت أن كل تلك الشرور ناتجة عن خطيئة آدم ، ولكن الله سبحانه وتعالى تدارك الإنسان بعنايته فكانت النعمة الإلهية بالخلاص ، وانتشال الإنسان وفدائه بالمسيح ..
      ومن الطبيعي أن الإنسان يحاول تفسير أو معرفة الحكمة من وجود تلك الشرور ، ولكن لما لم يصل إلى تلك الحكمة فإنه مهما يكن فإن من طبيعة الذهن البشري أن يوجد تصورا على هيئة ما وإن كان مغلوطا ، هو بمثابة فرض حتى يصل إلى تصور يظن بصحته إن لم يجزم بذلك ، ولكن يؤخذ على تصورات ووجهات نظر الإنسان عن الكون إذا لم تتم وفق منهج معين ، أو عقيدة إيمانية ، فإن تصور هذا الإنسان في الغالب متهم ، لأنه محاولة لخدمة أغراضه الخاصة ، فالإنسان يستاء لأن تجرى الأمور في الطبيعة على غير ما يشتهي ، ولذلك فهو يبحث عن الأمور التي توافق معتقده أو هواه ..
      وبذلك ينفي ( سبينوزا ) فكرتي الخير والشر على السواء ، ويرى أنها من تقييم الإنسان الذي لا يملك سوى نظرة ضيقة محدودة لما يجري في الكون ..
      ومن الفلاسفة من عد الشر عرضيا جزئيا واعتبره ضروريا لوجود الخير ، فنحن لا نقيم الخير ونعلم فضله إلا بوجود الشر ..
      وأما في بعض المذاهب الإسلامية ، فإن أهل السنة : فقد غلبوا جانب الإيمان على جانب الاستدلال ، وعدوا هذه الشرور من إرادة الله سبحانه وتعالى ، وأرجعوا ذلك كله لحكمته الخافية علينا فوجب التسليم بها ..أي ابعدوا كل تلك التأويلات عن مرمى النظر العقلي ..
      أما المعتزلة : فلم ينكروا وجود الشر ، ولكنهم استبعدوا إرادة الله للشر للنيل من حرية إرادة الإنسان .. أما باقي الشرور فإنها لا تتنافى مع أصل العدل الإلهي .. يقول صاحب الانتصار : ثم اعلم علمك الله الخير ، أن ( قاسم الدمشقي) ، كان يزعم أن الفساد في الحقيقة هي المعاصي ، أما ما يفعله الله من القحط والجدب وهلاك الزرع فإنما ذلك فساد وشر على المجاز لا في التحقيق ، بل هو في الحقيقة صلاح وخير ، لأنه بصبرهم ينالوا الخلود في الجنة ، والشر في الحقيقة في المعاصي الموصلة إلى عذاب الله ، وأما الأمراض والأسقام فشر على مجاز الكلام ، فأما في التحقيق فهي خير وصلاح ونفع ، ورد صاحب الانتصار : أن الله هو الفاعل لما حل بالزرع من المصائب وإنما أبي قاسم يسمي تلك المصائب شرا ..
      فالمعتزلة يرون وجود الشر وإرادة الله له ، ولكن ينفون أن يكون هذا الشر فسادا ، من حيث لزومه لخير الإنسان ،
      وهم يقولون : يحسن من أحدنا تحمل المشقة الشديدة لطلب العلوم والآداب واكتساب العيش ، ولا يكون الكد والمشقة مع ذلك قبيحا ، وكذلك لا تقبح الآلام متى كانت لطفا ، من حيث إن العبد يستحق الثواب بالصبر كما يستحقه بالشكر ، ومن حيث أن العبد يكون بنعم لا مصائب فيها أقرب إلى الفسوق والعصيان ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ، ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ) سورة الشورى آية 27، فدل سبحانه على أنه ينل من الرزق بقدر يعدلون عن البغي عنده ، ودل بقوله ، ( إنه بعباده خبير بصير ) على أنه عالم بقدر الرزق الذي عنده يصلحون ، فكأنه تعالى كما بين أنه يفعل الرزق بقدر ما ، ولا يبسطه بسطا يفسدون عنده ، فإنه نبه على العلة ، وهو أنه يفعل ذلك لعلمه بأحوالهم وأنهم لا يصلحون إلا على هذه الطريقة ، فدل ذلك على محكم تدبيره .. فوجود الشر والمصائب تعود إلى مصالح المكلفين ، ولو كانت النعم دون النقم تصلح الإنسان لكان ذلك فيه الكفاية للإنسان ، بل لو كان العالم خيرا محضا لا شر فيه لكان الناس أمة واحدة في الكفر ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ... ) فمتعة الدنيا وزخرفها أقرب إلى إفساد الإنسان ، فهذه الشرور والمصائب تعود إلى مصالح المكلفين .. ، ولو كانت بالنعم دن النقم يصلح الإنسان لما استلزم من الله صدور المصائب والشرور والآلام ( ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ) ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه ، وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) ( ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ... ) فهذه الآيات وغيرها تدل على أن مجانبتهم لما اعتبروه خيرا لهم أعظم من النعمة لو فعلها بهم ، ودل أيضا على أن متعة الحياة الدنيا وزخرفها تصبح مفسدة إذ لو شاهد الناس ما عليه الكفار من الأحوال العظيمة لفسدوا واختاروا الكفر ولكن إزالة نعم الحياة الدنيا يوجب صلاح الآخرة ( والآخرة عند ربك للمتقين ) .. ولذلك فالآلام منه سبحانه وتعالى خارجة عن أن تكون ظلما أو عبثا أو فسادا بل إنها صلاح للمكلفين وخير لهم من حيث أنه عندها قد يصلحون وفي الآخرة يثابون .. فنظرية المعتزلة : لا تعني أن الشرور والآلام موصلة بالضرورة إلى صلاح الإنسان ، لأن في ذلك إلجاء أو إكراه له على موقف معين يمتنع عنده التكليف والمسئولية اللتان تقتضيان حرية الاختيار ، فكما أن ليس كل نعيم موجبا للفجر، كذلك ليس كل ضرر موجبا للصلاح ، ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ، ثم لا هم يتوبون ولا هم يذكرون ) ..فالنعم والنقم كلها مصالح من حيث أنها تدعو الإنسان إلى التذكرة والاعتبار، ولكنها لا تضطره إلى صلاح أو فساد ، وأما النعيم المقيم فإنه مفسدة لأنه داعية للانغماس الشديد في الشهوات ، فتضيع الأخلاق وتنسى العبادات .. وتلك هي نظرية المعتزلة وقد فسروها من وجهة النظر الإنسانية من حيث أنهم فسروا الشر في ضوء مسؤولية الإنسان ..
      وقد ورد سؤال : هل يصح أن يفتن الله عبده فيصيبه بمحنة يختار الكفر عندها ، وكان يؤمن بدونها ؟
      والمعتزلة يقولون : أنه ليس للإنسان مبررا أن ينحرف بفتنة إلا أن يكون عن ضعف إيمان ، فليس هناك من المحن ما يكون علة ملجئة إلى الفساد ، ولكن صلاحه لم يكن عن يقين ، كمن يعبد الله على حرف إن أصابه خير اطمئن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، ومثل هذا غير مستحق صفة الإيمان أو الصلاح ..