تقدير الذات !

    • تقدير الذات !

      محاولة الإنسان لإدراك وجوده ومدى أهميته ( إثبات الذات ) ، حاجة تسبق ( تحقيق الذات )، فهو ملزم لأن يتعرف على كيانه ـ أبعاد نفسه ـ أرضها وسمائها ـ تضاريسها ومناخها ، ليعرف الحدود التي تبلغها والحجم الذي تمثله ، ثم ينصرف إلى الفعل والانفعال بناء على هذه المعرفة ..
      ولعل عملية الاستكشاف هذه تبدأ في الأشهر الأولى من ولادة الطفل ، تراه في بداية الأمر، يتذوق أصابعه ، يتلمس أعضاء جسمه ، كخطوة أولى يتعرف بها على هيكله المادي ثم الأشياء من حوله ، ووجدانا مع الوالدين و الأسرة ، يناغيهم بصوته ، ومع المحيطين به يرمقهم بنظراته ، ثم لا ينفك مع استمرار نموه ، يتحسس وجوده ، بحركة مخالفة ، أو بصوت مرتفع ، أو باعتداء ، أو بحكاية غريبة ، أو سخرية عجيبة ، قد لا يعبأ كل من حوله بغرابة تصرفاته التي قد تكون مزعجة في بعض الأحيان ، فالطفل مشفوع في كل تصرفاته ، حيث براءة الطفولة تحملنا على هذا التعليل ، وتصرفاته على هذا النحو ليست سوى صرخة من الداخل تقول : أنا هنا ! أنا موجود ! لا تتجاهلوني ! لا تشيحوا بنواظركم عني ! قدروا وجودي بينكم ! لي ثقل ووزن …، فهو في طورعمري وعقلي صغير …. أما لفت الانتباه وحب الظهور كنوع من أنواع إثبات الذات وحب الاستعلاء والرياسة التي تتسلل إلى كثير منا نحن الكبار بنسب متفاوته ، أقول : أن هذه التعليلات الجارحة للبراءة ، لا يمكن أن تكون سببا وراء تصرف طفل ، فهذا تعليل غير منصف بل جائر بالنسبة له ، فــتصرف الطفل عفوي ، يحاول بواسطته أن يتحسس وجوده ، أن يوقظ مشاعره ، التي لا يمكنه استنهاضها إلا عن طريق قراءة ردود الفعل عندما تنعكس على تعبيرات الآخرين وتصرفاتهم ، والدهشة التي ترسم على قسمات وجوههم ! هكذا نحن أيضا ـ الكبار منا ـ ، نتحسس وجودنا ، عن طريق الفعل والانفعال ، وعن طريق مشاركتنا الوجدانية للآخرين ، ولكن بطرقنا المختلفة ، وبأساليبنا المتطورة !
      نحن نفهم أو يجب أن نفهم ونقدر تصرفات الأطفال على هذا النحو و نقبلها بعلاتها و نعمل على تهذيبها كجزء من التربية ….، لكن مالا تصقله التربية ، ويفلت من المران ، ينتقل إلى مراحل عمرية أعلى ، فتبدأ مشكلات الأشخاص الذين لهم ( ……… ، جسم البغال وأحلام العصافير ـ كما يقول الشاعر ـ ) ، فنحن لا نقبل مثلا في مجالسنا أن يصرخ رجل بأعلى صوته بلا سبب ، أو أن يطلق طرفة ( نكتة ) سخيفة تنال من هيبة واحترام وكياسة المستمعين ، ذلك أننا نأخذ في الاعتبار أن من ودع سني الطفولة أو المراهقة ، أصبح لديه رصيد من الخبرة والمعرفة والكياسة يمنعه من هذه التصرفات التي ننعتها بالحمقاء والرعناء أحيانا ، فتبرير البراءة لم يعد مقبولا ، والتصرفات الطفولية لم تعد لائقة لمن يفترض فيه أن خبراته وتجاربه قد صقلته ومنحته رباطة الجأش والعقل المميز .. وصبيانية التصرفات يجب أن تتوقف عند أقل من هذا الحد !
      وما قد يحدث أن بعض السلوكيات المستهجنة هذه تستمر مع طائفة منا حتى سن متأخر ، فمثلا : لفت انتباه الناس يتحول إلى عادة راسخة ومستحكمة لا نستطيع الخلاص منها بسهولة ، .. فنحن نندمج في الحياة مهما يكن الأمر ـ لكن بدون أن تكون لنا فلسفة أو معنى لها يترجم لنا أفعالنا ، أو خارطة ترسم اتجاهنا ، وآلية نقدية تشرح وتفسر سلوكياتنا ، فنقبل منها ما هو حميد ، ونرفض ما هو مشين ، بدون هذه المراجعات ، لا يمكن إلا أن نسير وفق مخططات أهوائنا ، و نعزز اشتهاءاتنا و غرورنا وغطرستنا ونسعى محمومين لانتزاع إعجاب الآخرين ، ومن أجل إرضائهم ، لأن الآخر يريد منك أن تكون مصدرا لسعادته ، متوافقا مع هواه ،متمشيا مع خططه ، تدور في فلكه ، حتى يرضى عنك ، وإذا تقبلت هذا الأمر على علاته دون أن تكون لك رؤيتك الخاصة ، ومشاريعك المستقبلية ، فإنك تتحول إلى ترس يعمل في الماكينة الاجتماعية التي هي الآخر ، مسلوب الشخصية والخصوصية والتفرد ، وهكذا تسير بنا الحياة ـ في غياب الفردانية ـ في دروب تنحدر بنا إلى الأسفل ، لأن أهدافنا تسقط في الحضيض .. وفي حالة واحدة فقط تمتدح أهواؤنا وتحمد أفعالها وهي حين تكون تابعة ورافدة للأهداف النبيلة ومستندة إلى قيم أخلاقية رفيعة ومستمدة من المعنى الرفيع الذي نمنحه لحياتنا ..
      ولئن كنا نملك هيكلا ماديا ( الصورة الظاهره ـ الجسم ) يسعى الإنسان لتجميله والحفاظ على رشاقته ونداوته باستمرار ، فهناك أيضا على التوازي ( هيكل معنوي ) ـ إن جاز التعبير ، هو أيضا لا يقل أهمية عن الهيكل المادي ، بل إن تزيين محتواه ، وتجميل طويته ، تغدو الأهمية الأساس ، لأننا منه وبه نصدر في أفعالنا ، والمرء الذي يقتطع من وقته دقائق يقضيها أمام المرآة ينظر في مدى تقييف هندامه ، عليه بالتالي أن يقضى أضعاف ذلك الوقت لينظر في جمال الصورة الآخر وهو الباطن ، ولئن فتنه تحسس الناس وتلمسهم وانجذابهم لقراءة الظاهر وإعجابهم به ، فإن للباطن أيضا قراؤه ومرتادوه ، فملاحة الباطن ( روحا وجمالا) تفيض أو تكاد على حلاوة الظاهر ، لتكون الثنائية جمالا أخاذا ! ولئن كان هناك تفننا وإبداعا في تجمل الظاهر وتغنيا به ، فإن هناك ترانيم وتراتيل روحية لا تدرك إلا لمن يستبطن مثل هذه الروح ، وقد فتن بزهوها وأريجها … ولئن كان الظاهر يعزف على وتر جمال الصورة وجاذبيتها ، فإن الداخل يعزف على أنغام الروح الصافية وعلى عذوبتها وسلاستها ..وإذا كان الظاهر يتغذى على أطايب الطعام والشراب ويتزين بجملة من المساحيق ، فإن الباطن لا يروقه إلا أن يتغذى على موائد العلم والمعرفة وعظم المبادئ وهمم الكبار …ويتزين بالحكمة ويتوشح بالرصانة والرزانة ..
      على الجانب المادي : تجد شخصا ، معجب بجمال مظهره وحسن هندامه ، وكأنها مكتسبات شخصية ! أو كأنه متفضل على نفسه بهذا الحال الذي ولد عليه ، وليس حظا وهبة إلهية ، بل كأن العالم مشغولون به ، لا تمتد عيونهم إلا إلى عالمه ، إنسان مثل هذا بهذه النظرة المتمركزة حول ذاته ، يختزل جمال الحياة كله في جانب واحد ، لا يعدو تقييمه للعالم إلا كالطاووس الذي ينظر بزهو لجمال ريشه ! ويعتمد عليه كوسيلة وحيدة للجذب ولفت الانتباه .. إنسان يحمل هذه النظرة القاصرة والغير متوازنة ، يصنف نفسه في مستوى أقل بكثير مما هو عليه ، وقد منحه الله عقلا راجحا وفكرا مستنيرا ، فأنت أيها الإنسان أغلى وأعلى بكثير من طاووس متبختر !
      ولي على مثل هذه الشاكلة من الناس نموذج التقيت به شخصيا ، كنا نتحاور في بعض الأمور ، قال : أمنيته أن يمتلك سيارة من ( نوع مميز ) .. وعندما سألته عن هدفه من هذا التميز ، أجاب صراحة ، أنه يريد أن يقرأ الحسد في عيون الشباب ! بينما هو يتظاهر بعدم الاكتراث بهم ! ـ انظروا معي كيف يمكن للإنسان أن تتلقفه التفاهات حين لا يكون له أفق يرفع رأسه إليه ـ ولذلك فإن هدفه لم يتجاوز إثارة دواعي الحسد عند الآخرين ، وكأن إزعاجهم ، والبحث عن مشاريع لاستعداء الآخر ، هي الطريق الوحيد الذي يمكن من خلاله أن يعزز وجوده ويحقق ذاته … لا غرابة في هذا فالأهداف قد تنحط إلى أقل من هذا المستوى إذا لم نكن نملك نظرة متوازنة وصحية عن الحياة ! كما إني اعتقد جازما بأن هذا الشاب لو أدرك مدى سخف الهدف الذي يسير إليه ، لكان أكثر تحفظا من أن يبوح به بكل بساطة وأريحية ..ـ وبغض النظر عن تفاهة الرؤية التي ينطلق منها هذا الشاب ـ فإني على جانب آخر ، امتدح شجاعته وصدقه ، فمثل هذا الجاهل قد يتعلم ، وعلمه يبدد كل التزييفات والخدع ، لكن هناك من دهاقنة النفاق من يشتغل على مثل هذه الأهداف الرخيصة ، لكنه لا يملك الجرأة على إعلان ذلك بكل صراحة ..وهو اعتراف ضمني بالخطأ الذي يقع فيه ، وهذا أشد خطرا على نفسه وعلى الآخرين ، فأما خطره على نفسه فهو تغطيته لحقيقتها وإجازتها باتباع هذا الأسلوب الهابط ، وأما خطره على الآخرين ، فإنه يظهر لهم نفسه على أنه العالم ببواطن الأمور والمثال والقدوة ، ليحمد بما لم يفعل ، وفي كلتي الحالتين يعزز سلوكه في الطريق الخاطئة .... للمزيد اتبع الرابط ..