حسن الخاتمـــــــــــــــــــــــــه

    • حسن الخاتمـــــــــــــــــــــــــه

      حسن الخــــــــــــــــــــــاتمة


      قصة هذا الأسبوع قصة مؤثرة جدا يسردها علينا شاب كان متعلقا جدا بوالده رحمة الله عليه والذي

      توفاه الأجل وابنه بعيد عنه في بلاد الغربة التي ذهب إليها للدراسة لك

      أنه حين سمع نبأ وفاته لم تدمع

      عيناه أبدا واجتاحه شعور من الفرح أكثر من شعوره بالحزن شعور استغرب هو منه لكنه عرف سببه

      ونقله لنا من خلال سرده لهذه القصة فدعونا نتابعها معا لنقف على أروع قصة قد تمر علينا

      يقول الشاب :


      توفي والدي رحمة الله عليه وقد تجاوز التسعين من عمره ببضع سنين وكان يتمتع بصحة جيدة وذاكرة

      حديدية إلى أن توفاه الله ولكنه كان كفيف البصر منذ شبابه وسبب له ذلك المرض الذي افقده بصره

      وعانى بسببه آلام لا تطاق لعدة سنوات مما تسبب في شل حركته وإعاقة نشاطه عانى والدي كثيرا في

      حياته فقد توفي له من الأبناء ستة وكان أولهم ابنه البكر بعد أن أكمل من العمر ثلاث سنوات أما البقية

      فقد توفاهم الله قبل ولادتي وما خفف عليه حرمانه نعمة البصر ومصائب فقدانه لأبنائه انه كان مؤمن


      بقضاء الله وقدره فقد كان قلبه متعلق بربه ثم بالمساجد إلى حد كبير فلا تفوته صلاة في المسجد حتى لو

      اشتد عليه المرض يتحامل على نفسه ليؤديها في المسجد كما كان حريصا جدا على أن يتواجد في

      المسجد قبل وقت الصلاة بما لا يقل عن ساعة أو أكثر, ينام بعد صلاة العشاء مباشرة ويستيقظ في الثلث

      الأخير من الليل ليقضيه قائما مصلياً إلى قبل أذان الفجر بساعة أو ساعتين ثم يذهب إلى المسجد

      متلمساً طريقه الذي حفظ تفاصيله إلى أن يصل لروضته التي لا يرضى أن يسبقه أحدا إليها .

      كان يذكر الله في كل وقت قائما وجالساً راكبا وماشياً, الدنيا لا تساوي عنده جناح بعوضة ولم يكن يلقي

      لها بالا, رفض جميع محاولاتنا لإقناعه بان نقوم بمحاولة لعلاج عيونه في مستشفى تخصصي كبير

      بأمراض العيون لعل الله أن يكتب له الشفاء ويعود له بصره من جديد ولم يقتنع بذلك إلا بعد ثلاث

      سنوات من المحاولات الفاشلة ولكن للأسف لم يكن هناك أمل في شفاءه بعد أن ذكر الطبيب لنا ذلك .

      تعرض لعدة حوادث أثناء ذهابه وعودته من المسجد والحمد لله كانت عبارة عن كدمات ورضوض, قد

      نكون مقصرين بعض الأحيان في متابعته قبل أن يذهب إلى المسجد وبحكم أعمالنا أيضا لا نستطيع


      متابعته في كل تحركاته وما يزيد الطين بلة انه يذهب إلى المسجد دون أن يطلب من احد إيصاله ولا

      يرضى أن يستعين بأحد بل كان يعتمد على نفسه في كل شيء.

      قبل عدة سنوات زاره مجموعة من الشباب المتدينين الذين أحبوه في الله وهم لا يعرفونه ولا يعرفهم

      فذكر له احدهم أن احد الصحابة لم تفته تكبيرة الإحرام في المسجد أربعون سنة وسأل والدي كم سنة لم

      تفتك تكبيرة الإحرام؟

      فرد عليه نحن لن نصل إلى ربع ما وصل إليه الصحابة.

      فأصر السائل على أن يجيبه على سؤاله.

      فقال له على ما اذكر فإنني خلال السبعين سنة الأخيرة لم يأت المؤذن قبلي للمسجد.

      أي انه خلال السبعين عاما الأخيره من عمره التي يذكرها وقد تكون أكثر من ذلك كان يحضر للمسجد

      قبل المؤذن وبالتالي لم تفته تكبيرة الإحرام سبعين سنة متواصلة.

      ذكر لي قبل عدة سنوات انه رأى في المنام وكأنه يسير في الشارع ورأى مجموعة كبيرة من الناس

      تتجمع أمام احد البيوت فسأل احد الواقفين عن سبب هذا الزحام فرد عليه : أن الرسول _صلى الله عليه و آله _

      وسلم موجود داخل هذا البيت والناس حضرت لتسلم عليه فقرر أن يدخل ويسلم عليه معهم وبعد أن دخل الى المجلس الذي يتواجد فيه الرسول كان عليه الصلاة والسلام واقفاً أمامه مباشرة وبعد أن هم

      ليتقدم ويسلم عليه تقدم شخص آخر من خلفه ليسبقه بالسلام ثم توقف والدي في مكانه وبعد أن وصل

      الرجل إلى رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام قام بوضع يده على صدر هذا الرجل ودفعه للخلف ثم

      تقدم إلى والدي وتوقف أمامه ثم قام عليه الصلاة والسلام بإخراج ورقة من جيبه ووضعها في جيب

      والدي هنا سأله والدي ما هذه الورقة التي وضعتها في جيبي يا حبيب الله فرد عليه قائلا : اتركها معك

      فسوف يأتي يوم وتحتاجها فيه

      سألت كثيرا عن هذه الرؤيا ولم أجد جوابا شافياً لها حتى عرضتها على احد الإخوة المؤمنين والذين

      لهم باع كبير في مجال تفسير الرؤى جزاه الله خيرا ففسرها لي لكنه اخذ قرابة الشهرين حتى استطاع

      أن يجيبني على تفسيرها

      فقد قام بعد شهر بتفسير الشق الأول منها ولم يستطع تفسير الشق الثاني وطلب مني مهلة وكان

      متحمساً جداً لهذه الرؤيا وقد طلب مني الاجابه على بعض استفساراته

      وبعد شهر آخر فسر لي الجزء الثاني منها وهي أن الرجل الذي تقدم ليسبق والدي ثم دفعه الرسول

      وتقدم لوالدي فسرها بأن احد أقاربي سيصاب بمرض خطير أو ما شابه إلى درجة أن الجميع يتوقعون

      موته في أي لحظة ثم يشفى هذا المريض فجأة ويتوفى والدي وهو بكامل صحته, وهذا ما حدث بالفعل

      فقد مرض قريب لنا مرض أقعده الفراش عدة اشهر إلى درجة أنهم كانوا يقومون بنقله ببطانية إلى

      المستشفى ثم في يوم من الأيام شُفي فجأة وكأنه لم يصبه شيء وبعد ذلك بثلاثة أسابيع توفي والدي

      فجأة وهو يتمتع بكامل صحته رحمه الله.

      أما تفسير الشق الثاني من الرؤيا وهي الورقة التي وضعها الرسول عليه الصلاة والسلام في جيب

      والدي وطلب منه أن يتركها معه لأنه سيحتاجها في يوم من الأيام.

      فقد فسرها لي الأخ المؤمن أن هذا عمله الصالح وسينفعه يوم القيامة.

      أرجع إلى عنوان موضوعي وسبب فرحتي بوفاة والدي قبل سفري لم أكن ارغب في إبلاغ والدي أن

      مدة سفري ستصل إلى عدة سنوات مراعاة لمشاعره وبسبب حبه لي وخصوصا إني اصغر أبنائه فذكرت

      له أن سفري سيستمر عدة شهور فقط وقلت فيما بعد سأذكر له أني سأمدد لعدة اشهر أخرى وهكذا إلى

      أن يتعود على الوضع تدريجياً. في البداية تضايق من خبر سفري ولكن مع الوقت اقتنع بالفكرة وكان

      كل شيء على ما يرام.


      في يوم سفري جلس معي وكان على غير العادة وما أن تحدثت إليه حتى أجهش بالبكاء إلى درجة انه

      لم يعد يستطيع أن يتنفس وبحكم معرفتي بوالدي فهو صبور جدا ولا يتأثر بسهولة ولم يبك قط حتى

      عندما توفيا إخوتي فلم تنزل من عينيه دمعة واحدة كذلك عندما توفيت والدتي رحمها الله قبل تسع

      سنوات كان صابرا محتسباً لم تحرك فيه كل هذه الإحداث شعرة, بعد هذا المنظر قررت ان استخير الله

      والغي سفري ولكن من حولي أقنعوني بان أسافر وان هذا الأمر طبيعي وسيتعود مع الوقت وان

      مكالماتي الهاتفية له ستقلل الكثير من هذا الحزن وقاموا بتهدئة والدي وإقناعه حتى هدأ وعاد طبيعياً

      واستقر وضعه, ارتحت قليلاً وفي المساء سافرت.

      بعد أن فسر الأخ المفسر الرؤيا قلقت جدا بعد سفري من تفسير الجزء الأول فأخذت إجازة ورجعت إلى البلاد

      بعد أن وصلت إلى والدي وجدته يتمتع بصحة جيدة وكان فرحاً بعودتي وذكرت له أني سأعود لبضعة

      شهور اخرى ثم ارجع له مرة ثانية. ومكثت معه إلى قبل شهر رمضان قبل الماضي وفي ليلة سفري

      والعودة قام من نومه على غير العادة وكان الوقت متأخرا ورحلتي كانت قبل الفجر فسأل عني فتعجبت

      لأني قد ودعته قبل أن ينام

      ناداني وقال لي (أوصيك بطاعة الله) فقط هاتان الكلمتان وكانت آخر كلمتين يقولها لي فقبلت رأسه


      وأوصلته إلى فراشه وبقيت إلى جانب سريره وهو نائم إلى أن حان موعد رحلتي.

      وبعد رمضان وفي منتصف شهر شوال أتاني اتصال في ساعة مبكرة على غير العادة رددت على

      المكالمة فكان احد إخوتي يطلب مني أن احضر لأن والدي مريض

      قلت له ماذا حدث له؟

      قال لي : لقد توفـــــــــــــي

      وقع علي الخبر كالصاعقة تمالكت نفسي في لحظتها وأول ما تبادر إلى ذهني مباشرةً سؤال

      قلت له هل صدمته سيارة؟

      لأني توقعت انه قد صدمته سيارة وهو ذاهب إلى المسجد ولأني على اتصال بهم بصفة مستمرة واعلم انه لم يكن يشتكي من أي مرض

      رد علي : لم تصدمه سيارة وكان البارحة معنا بعد صلاة المغرب بكامل صحته وقد تناول معنا القهوة

      إلى أن صلى صلاة العشاء في المسجد

      قلت له : إذن ماذا حدث؟

      قال لي : لقد وجدناه متوفيا وهو

      *ساجـــــــــــد في مصلاه المعتاد آخر الليل*


      وكانت أكمام ثوبه لا تزال مطوية ورطبة من آثار الوضوء

      أحسست بعدها بشعور غريب

      اقرب إلى الفرح منه إلى الحزن بحيث لم تنزل مني دمعة واحدة

      أغلقت الخط ومن حسن الحظ أن في ذلك اليوم كانت هناك رحلة تقلني إلى بلدي أخذت أغراضي

      وتوجهت نحو المطار ووصلت في المساء

      بطبيعة الحال لم أتمكن من الصلاة عليه أو دفنه فقد تمت الصلاة عليه وقت صلاة الظهر

      وصلت إلى البيت وقد غادر اغلب المعزين لان الوقت متأخر

      ذهبت إلى المكان الذي توفي فيه لأني اعرفه جيدا

      لم تدمع عيني ولم ابك

      بعد أن تأخر الوقت الكل ذهب إلى فراشه

      لم أتمكن من النوم وفي حدود الساعة الثالثة فجرا قررت أن اذهب إلى غرفته

      دخلتها ووجدت رائحته تعطر المكان وجميع أغراضه على ما هي عليه

      ومع ذلك لم تدمع عيناي !

      في تمام الساعة 3.20 فجراً وبينما أنا جالس أتأمل أغراضه في الغرفة

      سمعت صوت جعلني ابكي لا إراديا وبحرقه

      صوت تعودت أن اسمعه في هذه الغرفة كل ليلة وفي هذا الوقت بالذات

      لقد رن المنبه الذي كان يضعه عند رأسه ليوقظه لصلاة التهجد آخر الليل اشتغل وشغل كل حواسي معه


      رن المنبه وهو لا يدري أن صاحبه قد فارقه

      رن ليوقظه وهو لا يعلم أن رفيق دربه قد نام نومة عميقة

      لن توقظه منبهات الأرض مجتمعة!!


      تركت المنبه يعمل ولم اقفله

      هذا المنبه قبل أربع وعشرين ساعة هو نفسه الذي أوقظ والدي من نومه ولم يعلم إنها آخر مرة يوقظه فيها

      كان الوقت الذي أمضاه المنبه وهو يعمل طويلا جدا

      لأن والدي كان لا يتركه أكثر من عشر ثواني ثم يغلقه ويذهب ليتوضأ

      لكن هذه المرة أطال المنبه في الرنين

      وكأني به يتعجب انه أخذ وقتا طويلا وصاحبه لم يمد يده إليه ليغلقه كعادته التي عهدها به سنوات طوال

      بعدها أغلقت المنبه وتركته ينام نوما عميقا كنوم رفيق دربه

      "رحمـــــــــــــك الله يا والـــــــــدي

      افتقدتــك وافتقدت معك دعواتــــــــك التي كانت تيسر كل أمر في حياتي بعد توفيق الله....

      ورحم الله والدتـــــــــي التي افتقدها أيضا وافتقد حنانها


      رحم الله جميع أموات المسلميـــــــــــن"


      قد لا يهتم بعض القراء بهذه القصة ولكني شعرت بحاجة لكتابتها لأنها تحمل بين طياتها رسالة لا بد

      للجميع أن يفهمها ويعيها جيدا ويعلم أن هذه الدنيا لا تساوي جناح بعوضة والبقاء للعمل الصالح ...

      أسأل الله أن يحسن خاتمتنـــــــــا جميعا....

      (المصدر جريدة الشبيبه

      4 جمادى الثاني 1430 هـ)

      منقـــــــــــــــــــــــــــول

      *****

      آنســــــــــــه ناعمــــــــــــــــــــــه