إضاءات حول استطلاع الأهلة ومنهج وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في ذلك
إعداد: محمد بن سعيد المعمري
الأستاذ بمعهد العلوم الشرعية
الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن موضوع استطلاع الأهلة القمرية ظل محل اهتمام المسلمين منذ العهد الأول، لتعلقه المباشر بالعبادات الإسلامية، كالصوم والحج والزكاة والعدد والكفارات وغيرها، وفي الوقت المعاصر زاد الاهتمام به إعلاميا وشعبيا، في أطراف العالم كله، ومع اقتراب شهر رمضان المبارك نقرأ ونشاهد الكثير من التحليلات والمقالات والتقارير الإعلامية حول هلال رمضان، وهذا أمر حسن، إذ ينم ذلك عن حس ديني حريص على التحقق من أداء العبادات الإسلامية ومنها صيام شهر رمضان المبارك، بيد أن بعض التغطيات الإعلامية لهذا الحدث، نحت مناحي سلبية في طرح هذه المسألة وتأطيرها، وتمت معالجة القضية بأبعاد لا تخص هذا الحدث، ثم استغلت مسألة الأهلة في الخلافات الواردة بين المسلمين في بعض الأقضيات الفقهية والعقدية، وأقحمت في ذلك وهي ليست منها.
ولكن ثمة أصوات كثيرة في العالم الإسلامي وعت حقيقة المسألة، ووضعتها ضمن الإطار الصحيح، وهذه المقالة المختصرة تلقي بعض الضوء على الإطار العام لمنهج استطلاع الأهلة، والذي تسير عليه وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عُمان والأصول التي اعتمدت في تقرير هذا المنهج، سائلين الله تعالى التوفيق والسداد.
والمحاور الآتية، تلخص ذلك:
1) إن التشريع الإسلامي قائم على التيسير والسماحة، قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وقد جاءت الآية الدالة على مشروعية الصيام مذيلة ببيان يسر الشريعة وسماحتها، يقول الله تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، ومن يسر هذه الشريعة أن العبادات كلها تؤدى دون حرج أو مشقة، وليس فيها من التكليف بما لا يطاق، يقول تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا}، فلا ينبغي تكلف أداء عبادة ما إن كان ثمة ضرر واقع على المرء من أدائها، إذ – والحالة هذه – يؤديها في نطاق قدرته وإمكانه، وقد قضت إرادة الله تعالى التخفيف على العباد، يقول سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً}.
ووجه التيسير على العباد في مسألة الأهلة أنها ممكنة لأغلب المكلفين، فلا مشقة في تتبعها، كما أن رؤية القمر أمر ميسور ومتكرر، فلا عنت في ذلك، ولا ينبغي ان يكون ثمة شطط فيه، وحيث كان المسلم – في أي بلد في العالم – فيمكنه تتبع أمر الهلال نهاية كل شهر قمري، بعينه المجردة، فإن رآه ترتب على ذلك ما كلفه الله تعالى بأدائه، وشغلت ذمته بذلك.كما أن من اليسر أيضا اختلاف المطالع بين الدول الإسلامية، فلكل قوم هلالهم، وليس ثمة حرج في ذلك، إذ قوانين الكون في حركة الشمس والقمر والكواكب والنجوم تعمل على وفق هذا النظام الذي لا حيدة عنه ولا خلل.
2) الأهلة هي المعول عليها شرعا في العبادات، قال الله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } ، والصيام أحد أهم تلك العبادات، كما أن صيام شهر رمضان المبارك منوط بتحقق دخول شهر رمضان، فالله تعالى يقول: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، ودخول الشهر القمري لا يتحقق إلا برؤية الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان أو إكمال العدة ثلاثين يوماً، وعلى هذا جاءت النصوص الشرعية، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " و قال صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه؛ فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له ".
ورؤية الهلال تكون بالعين المجردة من حيث الأصل، ولكن بعد تطور الوسائل المعينة على توسيع مدارك الإنسان البصرية، أجاز الفقهاء المعاصرون بما يشبه الإجماع استعمالها كالمناظير الفلكية، والتي يمكن من خلالها التغلب على عوامل منع الرؤية المجردة، كالأغبرة أو الأدخنة أو الإضاءة القوية وخاصة في المدن الكبيرة، فالمناظير الفلكية تستطيع تحديد وتتبع الهلال بدقة متناهية، وتحديد ارتفاعه ومقدار إضاءته، وإعطاء بيانات دقيقة حول الهلال وعمره.
بيد أن الفقهاء نبهوا إلى أن محل الرؤية هو الأرض، أو الأماكن المرتفعة كالعمارات الشاهقة بما ييسر أمر الترائي، ولا ينبغي تعدي ذلك إلى ركوب الطائرات واستخدام الأقمار الصناعية ، إذ هذه بعيدة عن الأرض التي هي محل الترائي كما وصفنا، وفي فعل ذلك منافاة لمبدأ التيسير على العباد والشطط الذي لا ينبغي ، وهو من التفتيش المنهي عنه في الشريعة الإسلامية.
3) من يسر الإسلام أن رؤية الهلال في الشهور القمرية يستطيع أغلب المكلفين القيام بها ، فلذا ينبغي متابعة ولادات الهلال في مطلع كل شهر قمري، إذ إن هذه المتابعة لها ارتباط وتأثير على كثير من العبادات الشرعية، كالصيام، والحج، والعدد، والنذور والكفارات .. ,غير ذلك. هذا جانب.
والجانب الآخر أن الخطأ في تحري هلال شهر ما يؤدي إلى صعوبة إصلاح الخطأ في الشهور القادمة، فتختلط الأمور على بعضها.
فلذا نؤكد على أن التحري أو الترائي ينبغي أن يكون في كل الشهور القمرية وطوال العام الهجري، حتى نعبد الله تعالى على بينة، ونكون موفين في أداء العبادات وتحقق أدائها على الوجه الصحيح.
وعلى هذا مضى العمل في السلطنة، إذ يبث إعلان يحث الناس على ترائي الهلال، وثمة لجان متخصصة تتلقي الشهادات وقت ترائي الهلال في نهاية كل شهر قمري، ثم تمحص تلك الشهادات، من حيث إمكانية الرؤية من استحالتها حسب معطيات علم الفلك، ثم يصدر بيان من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية حول بداية الشهر القمري.
4) يرد ذكر الحساب الفلكي عادة في مسألة الأهلة، مع أن الحساب الفلكي يعمل به ويؤخذ بنتائجه في أفرع عملية وشرعية كثيرة، ومنها توزيع ساعات الليل والنهار، وشروق الشمس وغروبها، وفي معرفة الخسوف والكسوف، وفي تحديد مواقيت الصلاة، ويتم تحديد ذلك بدقة كبيرة لأي بقعة في العالم ولما سيأتي من زمان ولو لقرون قادمة.
فالحساب الفلكي إذاً أفاد البشرية كثيرا، ويستعمله المسلم ويعتمد عليه في عبادات كثيرة وعلى مدار اليوم، وقد تطور علم الفلك في عصرنا هذا بتقدم الآلات المستخدمة ودقتها، ومع المناقشات المستفيضة بين العلماء والفلكيين ، ورد التساؤل حول مشروعية الاعتماد على هذا الحساب الفلكي في تحديد بدايات الأهلة القمرية، هل نأخذ بهذا الحساب الفلكي أم لا اعتبار له؟
والواقع أنه ثمة مواقف متباينة للفقهاء من مسألة الحساب الفلكي، وثمة رأيان مشهوران :
أولهما : أن الشهر لا يثبت بالحساب الفلكي وهو قول الكثير من العلماء قديما وحديثا .
والرأي الآخر يقول انه يمكن أن يثبت بالحساب، ويعمل به ويستأنس بمعطياته.
ولو نظرنا إلى معطيات علم الفلك الآن ، وبعد التطور الكبير الذي حصل فلا مناص – كما يقول الفقهاء، وعليه العمل في السلطنة - من الاستئناس بمعطياته، والأخذ به في تحديد بدايات الأهلة القمرية، فلذا نصوا على أن قول الفلكيين الموثوقين يؤخذ به في نفي رؤية الهلال عند استحالة ذلك فلكياً، فلو أن إنسانا شهد على رؤية الهلال ولكن علم الفلك يقول باستحالة ذلك علميا فإن تلك الشهادة ترد، لأنها منافية للواقع والحقيقة.
وثمة ملحظ هنا لابد من التنبيه عليه، وهو أن رد هذه الشهادة لا يعني تكذيب القائل بها، بل ترد الشهادة لمنافاتها الواقع، أما الشاهد فربما رأى كوكباً، أو سحابة أو وميضاً من شيء يسبح في الفضاء، فاعتقد أنه الهلال، وغلب على ظنه ذلك، مع أن الهلال –كما يؤكد علماء الفلك –لم يولد بعد، أو غرب قبل غروب الشمس.
وقد حدث في أحد السنوات الماضية أن وردت شهادة من امرأتين من إحدى ولايات السلطنة بأنهن رأتا الهلال، فأبلغن اللجنة المختصة بهذه الشهادة، وعند تمحيص حيثيات تلك الرؤية تبين للفلكيين أن ما رأته المرأتان لم يعد كونه وميض طائرة مرت أثناء الترائي، ولم يكن هلالاً.
5) الخلاف الحاصل بين المسلمين في تحديد بداية الشهور القمرية وخاصة بداية شهر رمضان المبارك وشهر شوال قديم، وهذا أمر وارد في كل وقت وحين، ولا غرابة في ذلك ولا عجب، وفي التاريخ الإسلامي وقائع عدة تثبت ذلك ، فقد ورد في صحيح مسلم عن كريب قال: أرسلتني أم الفضل بنت الحارث والدة عبدالله بن عباس آل معاوية بالشام ، فاستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام ، فلما قضيت حاجتها ورجعت إلى المدينة سألنى عبدالله بن عباس فقال: ( متى رأيتم الهلال ؟) فقلت: ( رأيناه ليلة الجمعة) فقالت: ( أنت رايته) ؟ فقلت: ( نعم وأراه الناس وصاموا وصام معاوية) فقال: ( ولكن رأيناه ليلة السبت، فلا تزال نصوم حتى نرى الهلال أو نكمل ثلاثين) فقلت: ( أو ما تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟) قال: ( لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وهذا راجع إلى اختلاف المطالع بين البلاد الإسلامية، وهو أمر معتبر شرعاً،
ولا ينبغي إدراج أمر الوحدة الإسلامية في قضية الأهلة، وكأنها سبب تشتت المسلمين ووهنهم، مع أنها دليل على حيوية هذا الدين ومراعاته لأحوال البشر، وعلى يسره وسماحته، حالها حال اختلاف أوقات الصلوات بين بلدة وأخرى، فالمطالبة بتوحيد الأذان – مثلا - مع وجود الاختلاف في دخول وقت الصلاة من الشطط الذي لا ينبغي، ومن الجهل بحقائق الكون وقوانينه الظاهرة.
6) إن المنهج المتبع لدى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية يقوم على الجمع بين النصوص الشرعية والحقائق العلمية الثابتة، وخاصة في مسألة استطلاع الأهلة في إثبات دخول الشهر القمري، وذلك بتشكيل اللجان التي تجمع في عضويتها أهل الفقة والقضاة والمتخصصين في علم الفلك، وذلك من أجل تمحيص الشهادات التي ترد إلى اللجان من مختلف مناطق السلطنة، فينظر إلى الشهادة من زوايا عدة وليس إلى عدالة الشهود وقبول شهادتهم فحسب، بل ينظر أيضا إلى موافقة هذه الشهادة للواقع والعلم بما تدل عليه الحسابات الفلكية الدقيقة، وبما يتقرر لدى علماء الفلك – في السلطنة وخارجها – من إمكانية الرؤية أو استحالتها.
الخلاصة:
مضى العمل بالسلطنة في استطلاع الأهلة القمرية وفق منهج واضح، منهج معبّر عن روح التشريع ومقاصده الشريفة، وتيسير العبادات والتحقق من أدائها على الوجه الصحيح، وذلك وفق الآتي:
إن الصيام فريضة من الفرائض الإسلامية، وهو منوط برؤية الهلال في دخول شهر رمضان المبارك، ولذا ينبغي أن يتسارع الناس إلى رؤية الهلال والتبليغ عن ذلك للجهات المختصة، سواء بالرؤية البصرية أو الرؤية باستخدام المناظير الفلكية، ولما تطور علم الفلك وأصبحت البيانات في ذلك معتبرةً علمياً ودقيقة ومؤتمنة أضحى الحسابُ الفلكي وسيلةً معتبرةً شرعاً لمعرفة صحة الشهادة في رؤية الهلال من عدمها، وبهذا تنسجم الرؤية الشرعية في الأخذ بمدلول الشرع في رؤية الأهلة، وبين التطور الكبير الذي شهدته العلوم الفلكية وحساباتها الدقيقة.
كما أن الاختلاف في المطالع بين البلاد الإسلامية يجعل أمر استطلاع الأهلة منوطا بكل دولة على حدة، وفق إمكاناتها ورؤيتها، وهو دليل على حيوية التشريع ويسره، ومراعاة أحوال البشر وقوانين الكون.
والله الموفق لما فيه الخير واليسر والصلاح، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
المصدر : maraoman.net/main.asp?ArticleId=111
إعداد: محمد بن سعيد المعمري
الأستاذ بمعهد العلوم الشرعية
الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن موضوع استطلاع الأهلة القمرية ظل محل اهتمام المسلمين منذ العهد الأول، لتعلقه المباشر بالعبادات الإسلامية، كالصوم والحج والزكاة والعدد والكفارات وغيرها، وفي الوقت المعاصر زاد الاهتمام به إعلاميا وشعبيا، في أطراف العالم كله، ومع اقتراب شهر رمضان المبارك نقرأ ونشاهد الكثير من التحليلات والمقالات والتقارير الإعلامية حول هلال رمضان، وهذا أمر حسن، إذ ينم ذلك عن حس ديني حريص على التحقق من أداء العبادات الإسلامية ومنها صيام شهر رمضان المبارك، بيد أن بعض التغطيات الإعلامية لهذا الحدث، نحت مناحي سلبية في طرح هذه المسألة وتأطيرها، وتمت معالجة القضية بأبعاد لا تخص هذا الحدث، ثم استغلت مسألة الأهلة في الخلافات الواردة بين المسلمين في بعض الأقضيات الفقهية والعقدية، وأقحمت في ذلك وهي ليست منها.
ولكن ثمة أصوات كثيرة في العالم الإسلامي وعت حقيقة المسألة، ووضعتها ضمن الإطار الصحيح، وهذه المقالة المختصرة تلقي بعض الضوء على الإطار العام لمنهج استطلاع الأهلة، والذي تسير عليه وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عُمان والأصول التي اعتمدت في تقرير هذا المنهج، سائلين الله تعالى التوفيق والسداد.
والمحاور الآتية، تلخص ذلك:
1) إن التشريع الإسلامي قائم على التيسير والسماحة، قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وقد جاءت الآية الدالة على مشروعية الصيام مذيلة ببيان يسر الشريعة وسماحتها، يقول الله تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، ومن يسر هذه الشريعة أن العبادات كلها تؤدى دون حرج أو مشقة، وليس فيها من التكليف بما لا يطاق، يقول تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا}، فلا ينبغي تكلف أداء عبادة ما إن كان ثمة ضرر واقع على المرء من أدائها، إذ – والحالة هذه – يؤديها في نطاق قدرته وإمكانه، وقد قضت إرادة الله تعالى التخفيف على العباد، يقول سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً}.
ووجه التيسير على العباد في مسألة الأهلة أنها ممكنة لأغلب المكلفين، فلا مشقة في تتبعها، كما أن رؤية القمر أمر ميسور ومتكرر، فلا عنت في ذلك، ولا ينبغي ان يكون ثمة شطط فيه، وحيث كان المسلم – في أي بلد في العالم – فيمكنه تتبع أمر الهلال نهاية كل شهر قمري، بعينه المجردة، فإن رآه ترتب على ذلك ما كلفه الله تعالى بأدائه، وشغلت ذمته بذلك.كما أن من اليسر أيضا اختلاف المطالع بين الدول الإسلامية، فلكل قوم هلالهم، وليس ثمة حرج في ذلك، إذ قوانين الكون في حركة الشمس والقمر والكواكب والنجوم تعمل على وفق هذا النظام الذي لا حيدة عنه ولا خلل.
2) الأهلة هي المعول عليها شرعا في العبادات، قال الله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } ، والصيام أحد أهم تلك العبادات، كما أن صيام شهر رمضان المبارك منوط بتحقق دخول شهر رمضان، فالله تعالى يقول: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، ودخول الشهر القمري لا يتحقق إلا برؤية الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان أو إكمال العدة ثلاثين يوماً، وعلى هذا جاءت النصوص الشرعية، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " و قال صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه؛ فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له ".
ورؤية الهلال تكون بالعين المجردة من حيث الأصل، ولكن بعد تطور الوسائل المعينة على توسيع مدارك الإنسان البصرية، أجاز الفقهاء المعاصرون بما يشبه الإجماع استعمالها كالمناظير الفلكية، والتي يمكن من خلالها التغلب على عوامل منع الرؤية المجردة، كالأغبرة أو الأدخنة أو الإضاءة القوية وخاصة في المدن الكبيرة، فالمناظير الفلكية تستطيع تحديد وتتبع الهلال بدقة متناهية، وتحديد ارتفاعه ومقدار إضاءته، وإعطاء بيانات دقيقة حول الهلال وعمره.
بيد أن الفقهاء نبهوا إلى أن محل الرؤية هو الأرض، أو الأماكن المرتفعة كالعمارات الشاهقة بما ييسر أمر الترائي، ولا ينبغي تعدي ذلك إلى ركوب الطائرات واستخدام الأقمار الصناعية ، إذ هذه بعيدة عن الأرض التي هي محل الترائي كما وصفنا، وفي فعل ذلك منافاة لمبدأ التيسير على العباد والشطط الذي لا ينبغي ، وهو من التفتيش المنهي عنه في الشريعة الإسلامية.
3) من يسر الإسلام أن رؤية الهلال في الشهور القمرية يستطيع أغلب المكلفين القيام بها ، فلذا ينبغي متابعة ولادات الهلال في مطلع كل شهر قمري، إذ إن هذه المتابعة لها ارتباط وتأثير على كثير من العبادات الشرعية، كالصيام، والحج، والعدد، والنذور والكفارات .. ,غير ذلك. هذا جانب.
والجانب الآخر أن الخطأ في تحري هلال شهر ما يؤدي إلى صعوبة إصلاح الخطأ في الشهور القادمة، فتختلط الأمور على بعضها.
فلذا نؤكد على أن التحري أو الترائي ينبغي أن يكون في كل الشهور القمرية وطوال العام الهجري، حتى نعبد الله تعالى على بينة، ونكون موفين في أداء العبادات وتحقق أدائها على الوجه الصحيح.
وعلى هذا مضى العمل في السلطنة، إذ يبث إعلان يحث الناس على ترائي الهلال، وثمة لجان متخصصة تتلقي الشهادات وقت ترائي الهلال في نهاية كل شهر قمري، ثم تمحص تلك الشهادات، من حيث إمكانية الرؤية من استحالتها حسب معطيات علم الفلك، ثم يصدر بيان من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية حول بداية الشهر القمري.
4) يرد ذكر الحساب الفلكي عادة في مسألة الأهلة، مع أن الحساب الفلكي يعمل به ويؤخذ بنتائجه في أفرع عملية وشرعية كثيرة، ومنها توزيع ساعات الليل والنهار، وشروق الشمس وغروبها، وفي معرفة الخسوف والكسوف، وفي تحديد مواقيت الصلاة، ويتم تحديد ذلك بدقة كبيرة لأي بقعة في العالم ولما سيأتي من زمان ولو لقرون قادمة.
فالحساب الفلكي إذاً أفاد البشرية كثيرا، ويستعمله المسلم ويعتمد عليه في عبادات كثيرة وعلى مدار اليوم، وقد تطور علم الفلك في عصرنا هذا بتقدم الآلات المستخدمة ودقتها، ومع المناقشات المستفيضة بين العلماء والفلكيين ، ورد التساؤل حول مشروعية الاعتماد على هذا الحساب الفلكي في تحديد بدايات الأهلة القمرية، هل نأخذ بهذا الحساب الفلكي أم لا اعتبار له؟
والواقع أنه ثمة مواقف متباينة للفقهاء من مسألة الحساب الفلكي، وثمة رأيان مشهوران :
أولهما : أن الشهر لا يثبت بالحساب الفلكي وهو قول الكثير من العلماء قديما وحديثا .
والرأي الآخر يقول انه يمكن أن يثبت بالحساب، ويعمل به ويستأنس بمعطياته.
ولو نظرنا إلى معطيات علم الفلك الآن ، وبعد التطور الكبير الذي حصل فلا مناص – كما يقول الفقهاء، وعليه العمل في السلطنة - من الاستئناس بمعطياته، والأخذ به في تحديد بدايات الأهلة القمرية، فلذا نصوا على أن قول الفلكيين الموثوقين يؤخذ به في نفي رؤية الهلال عند استحالة ذلك فلكياً، فلو أن إنسانا شهد على رؤية الهلال ولكن علم الفلك يقول باستحالة ذلك علميا فإن تلك الشهادة ترد، لأنها منافية للواقع والحقيقة.
وثمة ملحظ هنا لابد من التنبيه عليه، وهو أن رد هذه الشهادة لا يعني تكذيب القائل بها، بل ترد الشهادة لمنافاتها الواقع، أما الشاهد فربما رأى كوكباً، أو سحابة أو وميضاً من شيء يسبح في الفضاء، فاعتقد أنه الهلال، وغلب على ظنه ذلك، مع أن الهلال –كما يؤكد علماء الفلك –لم يولد بعد، أو غرب قبل غروب الشمس.
وقد حدث في أحد السنوات الماضية أن وردت شهادة من امرأتين من إحدى ولايات السلطنة بأنهن رأتا الهلال، فأبلغن اللجنة المختصة بهذه الشهادة، وعند تمحيص حيثيات تلك الرؤية تبين للفلكيين أن ما رأته المرأتان لم يعد كونه وميض طائرة مرت أثناء الترائي، ولم يكن هلالاً.
5) الخلاف الحاصل بين المسلمين في تحديد بداية الشهور القمرية وخاصة بداية شهر رمضان المبارك وشهر شوال قديم، وهذا أمر وارد في كل وقت وحين، ولا غرابة في ذلك ولا عجب، وفي التاريخ الإسلامي وقائع عدة تثبت ذلك ، فقد ورد في صحيح مسلم عن كريب قال: أرسلتني أم الفضل بنت الحارث والدة عبدالله بن عباس آل معاوية بالشام ، فاستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام ، فلما قضيت حاجتها ورجعت إلى المدينة سألنى عبدالله بن عباس فقال: ( متى رأيتم الهلال ؟) فقلت: ( رأيناه ليلة الجمعة) فقالت: ( أنت رايته) ؟ فقلت: ( نعم وأراه الناس وصاموا وصام معاوية) فقال: ( ولكن رأيناه ليلة السبت، فلا تزال نصوم حتى نرى الهلال أو نكمل ثلاثين) فقلت: ( أو ما تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟) قال: ( لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وهذا راجع إلى اختلاف المطالع بين البلاد الإسلامية، وهو أمر معتبر شرعاً،
ولا ينبغي إدراج أمر الوحدة الإسلامية في قضية الأهلة، وكأنها سبب تشتت المسلمين ووهنهم، مع أنها دليل على حيوية هذا الدين ومراعاته لأحوال البشر، وعلى يسره وسماحته، حالها حال اختلاف أوقات الصلوات بين بلدة وأخرى، فالمطالبة بتوحيد الأذان – مثلا - مع وجود الاختلاف في دخول وقت الصلاة من الشطط الذي لا ينبغي، ومن الجهل بحقائق الكون وقوانينه الظاهرة.
6) إن المنهج المتبع لدى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية يقوم على الجمع بين النصوص الشرعية والحقائق العلمية الثابتة، وخاصة في مسألة استطلاع الأهلة في إثبات دخول الشهر القمري، وذلك بتشكيل اللجان التي تجمع في عضويتها أهل الفقة والقضاة والمتخصصين في علم الفلك، وذلك من أجل تمحيص الشهادات التي ترد إلى اللجان من مختلف مناطق السلطنة، فينظر إلى الشهادة من زوايا عدة وليس إلى عدالة الشهود وقبول شهادتهم فحسب، بل ينظر أيضا إلى موافقة هذه الشهادة للواقع والعلم بما تدل عليه الحسابات الفلكية الدقيقة، وبما يتقرر لدى علماء الفلك – في السلطنة وخارجها – من إمكانية الرؤية أو استحالتها.
الخلاصة:
مضى العمل بالسلطنة في استطلاع الأهلة القمرية وفق منهج واضح، منهج معبّر عن روح التشريع ومقاصده الشريفة، وتيسير العبادات والتحقق من أدائها على الوجه الصحيح، وذلك وفق الآتي:
إن الصيام فريضة من الفرائض الإسلامية، وهو منوط برؤية الهلال في دخول شهر رمضان المبارك، ولذا ينبغي أن يتسارع الناس إلى رؤية الهلال والتبليغ عن ذلك للجهات المختصة، سواء بالرؤية البصرية أو الرؤية باستخدام المناظير الفلكية، ولما تطور علم الفلك وأصبحت البيانات في ذلك معتبرةً علمياً ودقيقة ومؤتمنة أضحى الحسابُ الفلكي وسيلةً معتبرةً شرعاً لمعرفة صحة الشهادة في رؤية الهلال من عدمها، وبهذا تنسجم الرؤية الشرعية في الأخذ بمدلول الشرع في رؤية الأهلة، وبين التطور الكبير الذي شهدته العلوم الفلكية وحساباتها الدقيقة.
كما أن الاختلاف في المطالع بين البلاد الإسلامية يجعل أمر استطلاع الأهلة منوطا بكل دولة على حدة، وفق إمكاناتها ورؤيتها، وهو دليل على حيوية التشريع ويسره، ومراعاة أحوال البشر وقوانين الكون.
والله الموفق لما فيه الخير واليسر والصلاح، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
المصدر : maraoman.net/main.asp?ArticleId=111