هل تجد قلبك؟

    • هل تجد قلبك؟

      إن القلب هو محل نظر الرب سبحانه وتعالى ، كما قال النبي


      صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".


      وما سمي القلب قلبا إلا من تقلبه، فتارة يجد العبد قلبه ممتلئا إيمانا


      وخشية ، مما يورثه سعادة وأنسا وانشراحا،وتارة يضيق عليه


      صدره ويضعف الإيمان في قلبه ،وهذا حال ابن آدم.


      وقد نبه الشرع المطهر إلى هذه الحقيقة ـ أن القلب يتقلب ـ فقد قال


      النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما القلب من تقلبه ، إنما مثل القلب


      كمثل ريشة معلقة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرا لبطن".


      وقال صلى الله عليه وسلم: " لقلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا".


      ولهذا كان كثيرا ما يسأل ربه ثبات القلب على الإيمان والهداية


      والتقوى ، فيقول: " اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".


      وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لحنظلة رضي الله عنه أن


      القلب لا يستقر على حال ، فحين لقي حنظلة أبا بكر رضي الله


      عنه فسأله أبو بكر: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة ، قال


      أبو بكر : وما ذاك؟ قال حنظلة : نكون عند رسول الله صلى الله


      عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين ، فإذا خرجنا


      من عند رسول الله عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ( يعني


      أسباب المعاش ) فنسينا كثيرا ، قال أبو بكر رضي الله عنه : إنا


      لنلقى مثل هذا ، فانطلقا حتى دخلا على رسول الله صلى الله عليه


      وسلم فأخبراه ، فقال: " والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما


      تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي


      طرقكم ، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة".


      نعم فالإيمان يزيد وينقص ، وهذه عقيدة أهل السنة أن الإيمان يزيد


      وينقص ، وقد دل على ذلك الكثير من الأدلة ، ومنها قوله تعالى:
      (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ


      إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (الفتح:4) .


      وقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا


      تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال:2) .


      وقوله تعالى (وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ


      وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً) (الأحزاب:22).


      وحين يزداد الإيمان ينعم الإنسان بهذا الإيمان حتى قال بعضهم:


      إنه لتمر بالقلوب ساعات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي خير عظيم.


      وقالوا حين استشعروا حلاوة الإيمان ولذته : لو علم الملوك وأبناء


      الملوك ما نحن فيه ( يعني من السعادة) لجالدونا عليه بالسيوف.


      كما قد يضعف الإيمان في القلب حتى لا يكاد يكون له أثر ولا يكاد


      يحجز صاحبه عن شيء من المعاصي ، كما قال النبي صلى الله


      عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق


      السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولايشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".



      وليس معنى ذلك أن الزاني والسارق وشارب الخمر قد كفر بذلك ،


      كما بين ذلك النووي رحمه الله فقال في شرح هذا الحديث: فالقول


      الصحيح الذي قاله المحققون إن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو


      كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد


      نفي كماله... كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة.




      وإنما تأولناه على هذا المعنى لحديث أبي ذر وغيره من قال: "لا


      إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق"...




      فالمقصود بيان أن الإيمان قد يضعف جدا في القلب ، وإذا ضعف


      الإيمان في القلب وجد العبد وحشة وضيقا حتى إن الدنيا كلها


      لتضيق عليه كما قال الله تعالى : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ


      مَعِيشَةً ضَنْكاً )(طـه: من الآية124).



      لهذا كان لزاما على العبد أن يتفقد قلبه ويأخذ بأسباب صلاحه وزيادة الإيمان لأنه:


      لا يفلح ولا ينجو يوم القيامة إلا أصحاب القلوب الحية الطيبة


      السليمة المؤمنة: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء:88ـ89) .


      وقد كان السلف يوقنون بهذا فيتواصون بأسباب زيادة الإيمان كما


      ثبت ذلك عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول لجلسائه: تعالوا نزدد إيمانا.


      وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول لأخيه المسلم إذا لقيه: اجلس بنا نؤمن ساعة.


      كما كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: هيا بنا نؤمن


      ساعة ، وأُثر من دعائه: اللهم زدني إيمانا ويقينا وهدى وصلاحا.


      ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.