اللاجئون العراقيون.. الفجيعة المنتظرة

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • اللاجئون العراقيون.. الفجيعة المنتظرة

      بالرغم من الاستعدادات "الخطيرة" التي يعدها مخططو الإدارة الأمريكية لشنّ الحرب الثالثة على العراق - سواء كانت هذه الاستعدادات سياسية أم عسكرية – فإنهم أغفلوا "بؤرة ساخنة"، تبدو في غاية الأهمية على المدى القريب والبعيد؛ أو بالأصح أعطوها قدرًا ضئيلاً جدًّا من الاهتمام. إنها بؤرة "اللاجئين العراقيين" التي ستنفجر -شئنا أم أبينا- فور اندلاع الحرب المرتقبة.

      إن الخروج الجماعي لآلاف اللاجئين من العراق سيؤدي إلى بروز تحديات أمنية كبيرة بالنسبة للدول العربية المجاورة، كما أنه سيؤدي - على الوجه الآخر- إلى تعقيد وتعطيل الحملة العسكرية الأمريكية.

      ومدى فداحة المشكلة يتحدد أولاً وأخيرًا بنوعية الحملة العسكرية الأمريكية، وبالفترة التي ستقتضيها هذه الحملة. وبالرغم من فداحة المشكلة - والمخاطر الجسيمة المترتبة عليها- فإن الاستعدادات -سواء على مستوى المصادر أو الآليات- لم ترقَ إلى الدرجة المطلوبة التي من المفترض أن تتوفر في مثل هذه الحالات. فالدول العربية المجاورة التي تستضيف آلافًا من اللاجئين العراقيين تقف موقف الكاره لاستقبال أية أعداد أخرى، فيما تقف منظمات الإغاثة العالمية موقف العاجز بسبب افتقارها للموارد اللازمة لاستيعاب آلاف اللاجئين، وأيضًا بسبب عجزها عن التحرك بحرية في ظل الهجمات العسكرية الأمريكية.

      المشكلة ليست وليدة اليوم

      الخبرات السابقة تشير إلى أن عدد اللاجئين الذي سيترتب على خلع صدام من الحكم لن يكون بسيطًا، بل سيكون له تأثير جوهري على وضع اللاجئين الموجودين حاليًّا في داخل العراق. فلا عجب أن نعلم.. أن هناك حوالي مليون لاجئ عراقي –يتواجدون على الأرض العراقية– من بينهم 750 ألفا يعيشون في شمال العراق وحدها. أما اللاجئون الخارجيون –الذين فروا من حكم صدام تارة، ومن آثار عقوبات الأمم المتحدة تارة أخرى– فعددهم قد وصل إلى المليونين في الخمس عشرة سنة الأخيرة. معظمهم يعيشون في الدول العربية المجاورة: أكثر من 250 ألفا في الأردن؛ 200 ألف في إيران؛ 40 ألفا في سوريا. بالإضافة إلى عشرات الآلاف الذين يعيشون في لبنان وتركيا. أما خارج منطقة "الشرق الأوسط" فإن عدد اللاجئين إلى دول الغرب قد تضاعف بشدة في السنوات الأخيرة. ففي الفترة ما بين 1989 ونهاية 2001، طالب 277.500 عراقي باللجوء إلى الغرب، خاصة الدول الأوربية.

      إن وضع اللاجئين في داخل العراق يعكس مواقف القهر التي اتخذتها الحكومة العراقية تجاه أولئك الذين يُعتبرون خطرًا على النظام. فالشمال والجنوب معًا.. شهدا حملات عديدة من التشريد الجماعي المكره. فأما الشمال.. فكان شاهدًا على محاولات مستمرة لتعريب المناطق الكردية، مثل كيركوك وسينجار. فتم طرد الأكراد والآشوريين والتركمانستانيين.. وذلك من أجل إبقاء يد السلطة مسيطرة ومهيمنة على أكثر المناطق ثراء بالنفط، سواء من الناحية الإستراتيجية أو الاقتصادية. وأما الجنوب فكان شاهدًا على تشريد أعداد كبيرة من الشيعة والعرب البدو، وتدمير قراهم.

      المحصلة في النهاية أننا نقف الآن أمام مئات الآلاف من المشردين العراقيين في داخل العراق محرومين من أبسط مقومات العيش الإنساني.

      حتى المناطق المركزية المكتظة بالسكان.. لم تسلم من المأساة؛ حيث تدهورت الظروف المعيشية بشكل كبير ومضاعف في العقد الأخير، نتيجة لعقوبات الأمم المتحدة التي أسفرت عن عواقب مدمرة للشعب العراقي. مئات الآلاف من الأطفال العراقيين معرضون للموت بسبب سقوط البنية التحتية، وبسبب الدمار الذي لحق بالخدمات الإنسانية بوجه عام. ومن ثَم فإن الهجوم الأمريكي على العراق يمكن أن يدفع عددًا كبيرًا من المشردين في الداخل –الذين يعيشون بالكاد أو لا يعيشون– إلى الهروب فارين بجلودهم إلى مأوى آخر.

      تأثير الحملة الأمريكية

      وعدد اللاجئين العراقيين في الفترة القادمة سيتحدد بطبيعة الحملة الأمريكية، كما سيتحدد بطول الفترة التي ستستغرقها لإنجاز مهمتها. فإذا نجحت الحملة الأمريكية في تغيير النظام العراقي بسرعة –سواء من خلال استهداف القيادة العراقية مباشرة أو من خلال قصف القوات العسكرية العراقية– فإن تشريد العراقيين في داخل أرض العراق، لن يأخذ حيزًّا كبيرًا؛ من المساحة أو من الوقت.

      أما إذا تحدثنا عن السيناريوهات الأخرى، فإن الوضع سيكون أكثر مأساوية. بمعنى آخر إنه إذا طالت الحملة العسكرية فسيؤدي ذلك إلى طوفان جارف من اللاجئين.. ولوقت غير معلوم.

      هناك أيضًا خطورة من ظهور "تحركات سكانية" بعد إجلاء الرئيس العراقي، خاصة إذا كانت فترة "ما بعد صدام" سوف تشهد فوضى عارمة بين الجماعات الدينية والإثنية المختلفة. فبما أن خليفة صدام غير معروف، فإن هناك إمكانية لاندلاع صدامات عنيفة بين طوائف الشعب المختلفة، الأمر الذي سيؤدي إلى "تحركات سكانية" سواء من قبل جماعات الأكثرية (الشيعة، السنة، الأكراد)، أو من قبل جماعات الأقلية (التركمانيون، الخلدانيون، الآشوريون المسيحيون).

      وإذا تطايرت ألسنة "النيران" –كنتيجة لانقسام الدولة العراقية، أو كنتيجة لاستخدام أسلحة الدمار الشامل من قبل العراق، أو كنتيجة لتصاعد التمرد الشعبي في الدول العربية المجاورة– فإن نزوح اللاجئين في الداخل، أو فرارهم إلى الخارج.. سيأخذ شكلاً متضخمًا، ومقلقًا للدول المجاورة.

      "جيران العراق".. يتأسفون

      وقلق الدول المجاورة لا يأتي من فراغ؛ بل يأتي نتيجة خبرات سابقة لأزمة –بل لأزمات– اللاجئين العراقيين التي كانت تتفجر واحدة تلو الأخرى إبان كل حرب تتورط فيها العراق. فمثلاً، بعد احتلال بغداد للكويت في أغسطس 1990 أضحت هذه الدول غارقة في وسط فيضان من اللاجئين بلغ عددهم مليوني لاجئ. وبعد حرب الخليج الثانية في عام 1991، قام صدام بعمليات قمع صفَّى من خلالها 30 ألف عراقي على الأقل من الأكراد والشيعة، بالإضافة إلى تشريده حوالي مليون عراقي؛ عبر أكثرهم إلى إيران، بينما وصل الباقون إلى الحدود التركية، ثم تم إرجاعهم على الفور.

      العوامل الجغرافية سيكون لها أيضًا تأثير قوي على اتجاهات اللاجئين، سواء في الداخل أو في الخارج. فأكثر المناطق اكتظاظًا بالسكان، تقع في شرقي البلاد، المتاخمة للحدود مع إيران وتركيا. ومن ثَم فإنه من المنتظر أن تكون هاتان الدولتان أكثر الدول استقبالاً للاجئين العراقيين، ولكن من المنتظر أيضًا، أن يكون رفض استقبال اللاجئين هو الرد الطبيعي لهاتين الدولتين، خاصة أنهما غارقتان –منذ زمن– في "فيضان" من اللاجئين والمهاجرين.

      ومن الواضح حاليًّا أن "جيران العراق" سيؤصدون أبوابهم في وجوه اللاجئين العراقيين. فإيران أعلنت مؤخرًا أنها ستغلق حدودها أمامهم، على أن تقام مخيمات اللاجئين في داخل الحدود العراقية. أما تركيا –التي وصفت التهديد الأمريكي بالسيف المتدلي على رأسها– فهي أيضًا لم تخفِ تخوفها الشديد من العواقب الوخيمة التي "ستهبط" عليها، بعد خلع صدام من الحكم. فسقوط صدام –كما ترى أنقرة– لن يزعزع العراق فقط، بل سيزعزع المنطقة بأسرها؛ بما فيها المناطق الكردية المتمردة في جنوب شرقي تركيا. ولذلك، فقد حشدت أنقرة جيوشها على حدودها مع العراق، لتكون بمثابة السد المنيع تجاه أي زيادة في عدد اللاجئين.

      والأمر لم يختلف كثيرًا لدى "جيران العراق" في الغرب. فالأردن أعلنت أيضًا أنها ستغلق حدودها أمام اللاجئين العراقيين الفارين من الضرب الأمريكي. وبالرغم من الموقف الرافض -الذي يبيته "الجيران"– تجاه هؤلاء اللاجئين، إلا أن المجتمع الدولي لن يترك الأمر هكذا؛ بل سيفعل كل ما في وسعه لإقناع "أولئك الجيران" بفتح الحدود وتقديم التسهيلات، في أثناء الضرب العسكري. وهذا السيناريو سيتطلب جهدًا كبيرًا من قبل المنظمات العالمية. فهل ستكون هذه المنظمات مؤهلة للعب هذا الدور؟

      المفوضية غير مستعدة

      من المفترض أن تكون المفوضية العليا لرعاية اللاجئين بالأمم المتحدة UNHCR هي "الجهة الرائدة الأولى" في التصدي لأزمة اللاجئين العراقيين. إلا أن عدم وضوح الرؤية الذي يهيمن على الحرب العراقية القادمة –من حيث طبيعتها وامتدادها الزمني– يقيد تحركات المفوضية؛ مما يعرقل اتخاذها لأية خطط مستقبلية. والمشكلة تتمثل هنا.. أن أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان قد حظر الأمم المتحدة من مناقشة أية خطط حول الاستعداد لمجابهة أزمة اللاجئين المرتقبة، في أثناء تدبر مجلس الأمن للحالة العراقية. ومن ثَم فإن المفوضية لا تستطيع -رسميًّا- أن تستشير القوات الأمريكية بشأن "الخطط الطارئة"، كما أنها لا تستطيع أن تتقدم بأي طلب للدول المانحة لتمويل تلك الخطط.

      المشكلة الأخرى تتمثل في صعوبة الإدارة والتنسيق. فكما نعلم، يعتمد نجاح أي برنامج للاجئين على التنسيق والتضافر بين عدة جهات: الأمم المتحدة، القوات الأمريكية، منظمات عالمية أخرى. هذا بالإضافة إلى أهمية التأييد اللوجستيكي، وفعالية القيادة التي تقوم على الجهود الإغاثية. وهذا التنسيق يعتبر تحديًا كبيرًا لإنجاح مثل هذا البرنامج، خاصة إذا كان الأخير سيستوعب عددًا مهولاً من البشر.

      فقر الموارد والكوادر

      أما المشكلة الكبرى فتتمثل في نقص الموارد لدى المفوضية الدولية، وعدم اتساعها لهذا الضخم من اللاجئين. فالأزمات التمويلية –التي سيطرت على المفوضية في الآونة الأخيرة– أوصلها في النهاية إلى قطع المعونات الإنسانية عن كثير من المناطق. (ويكفينا أن نعلم أن العراق –بمساحته الشاسعة– لا يتواجد فيه سوى مكتب واحد للمفوضية). وإلى جانب نقص الموارد، يوجد نقص حاد في الكوادر المتخصصة في إدارة الطوارئ والأزمات.

      المفوضية لديها حاليًّا من الطعام المخزن –في مخزن الطوارئ بكوبنهاجن- ما يكفي حوالي 250 ألف لاجئ فقط. ومن ثَم، فيستلزم عليها الاعتماد على جماعات الهلال الأحمر في الدول المجاورة.. حتى يتسنى لها –على الأقل– مواجهة الفوج الأول من اللاجئين. أما إذا وصل العدد إلى 500 ألف لاجئ، فحينئذ سيتعين على المفوضية اللجوء إلى الحكومات المانحة، في سبيل توفير كم أكبر من الطعام والشراب. (لم تتقدم المفوضية بأية مطالب حتى الآن).

      وفي حالة وصول عدد اللاجئين إلى مليون أو أكثر فإن المفوضية ساعتها لن يكون لديها القدرة ولا الإمكانية على التصدي للأزمة؛ الأمر الذي سيترتب عليه لجوء الأمم المتحدة إلى إجراءات غير اعتيادية، كما فعلت في رواندا وكوسوفا من قبل، حيث طالبت قوات الولايات المتحدة وقوات الدفاع المدني بالتدخل لسدِّ النقص في المؤن والاحتياجات الإنسانية.

      كذلك.. فإن فاعلية المفوضية ستعتمد بالأساس على مسار الحملة الأمريكية. فتوقيت بداية الحملة في منتصف فصل الشتاء – حيث تهبط درجة الحرارة إلى (–45) في منطقة الجبال الواقعة على الحدود العراقية التركية- سيعني وجوب توفير مأوى للاجئين الذين من المفترض أنهم سيكتظون في هذه المناطق. وعدم توفير مأوى لهم من شأنه أن يعرضهم لأمراض خطيرة في مثل هذا الطقس البارد؛ وأولها انخفاض درجة حرارة الجسم عن معدلها الطبيعي.

      ولا ننسى أيضًا أن طبيعة الحملة الأمريكية –كونها عسكرية– ستصعب على المفوضية مهمتها. ولنا في الهجوم الأمريكي على أفغانستان خير مثال، حيث لم تستطع المفوضية البقاء في البلاد. واستخدام أسلحة الدمار الشامل سيزيد الطين بلة، فالمفوضية غير مؤهلة للتعامل مع تلك الأسلحة، وغير مدربة على الاستخدام الصحيح للأقنعة الواقية من الغازات.

      اللاجئون.. يمثلون تحديًا

      في الآونة الأخيرة، صار اللاجئون يمثلون تحديًا جوهريًّا –سياسيًّا وإستراتيجيًّا– لمعظم التدخلات العسكرية الغربية.. وساهموا في عرقلة خطط عسكرية، وفي زعزعة هياكل سياسية. وحتى الآن ما زالت آثار التشريد الجماعي –الذي حدث في البوسنة وكوسوفا وأفغانستان– ماثلة أمام أعيننا. ومن ثَم فعلى الإدارة الأمريكية أن تتمهل جيدًا قبل الاقتراب من العراق في هذه المرة. وإذا قررت الاقتراب.. فعليها أن تتخذ اقترابًا مختلفًا.

      منقول من موقع اسلام اون لاين

      لعنه الله على الاعداء امريكا واسرائيل وان شا ء الله النصر للمسلمين