الخاسرون من حرب العراق

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • الخاسرون من حرب العراق



      تلقي أي حرب محتملة ضد العراق بظلال قاتمة على اقتصاديات أهم 3 دول عربية، وهي مصر والسعودية وسوريا، الأمر الذي يجعلها تفضل إنهاء الأزمة بين واشنطن وبغداد سلميا دون اللجوء إلى القوة.

      وتمثل الدول الثلاث مركز ثقل يجب أن تضعه أمريكا في الحسبان عند اتخاذ أي قرار.. فحينما اتفقت هذه الدول إبان حرب الخليج الثانية مهدت لقوات التحالف التي قادتها أمريكا لطرد العراقيين من الكويت، وتسعى السطور القادمة إلى تحديد أهم الآثار المحتملة لأي حرب ستقع على هذا المثلث العربي.

      السعودية

      لا شك أن السعودية ستكون من أكثر البلدان العربية تأثرًا إذا ما وقعت الحرب على العراق، وذلك بحكم علاقة الجوار مع العراق وما يعنيه ذلك من عدم استقرار الأوضاع في المنطقة، ويميز بعض الاقتصاديين بين نوعين من الآثار المتوقعة من ضرب العراق على الاقتصاد السعودي، وهما:

      1-الآثار الإيجابية: وهي تلك التي تنبع من أن وقوع الحرب من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط على غرار ما حدث في حرب الخليج الثانية، وهو ما يعني زيادة العائدات النفطية التي تصب في النهاية في خدمة الاقتصاد الوطني، فضلاً عن ارتفاع حجم السلع التي قد تصدرها المملكة للشعب العراقي أثناء الحرب، ولكن لكي يتحقق هذا السيناريو لا بد ألا تستمر الحرب لفترة طويلة.

      2- الآثار السلبية: وهي التي تترتب على استمرار الحرب لفترة طويلة، حيث من المتوقع أن ترتفع أسعار التأمين والشحن، فضلاً عن ارتفاع أسعار السلع المصدرة والمستوردة من السعودية، وهو ما يشكل عبئًا على الاقتصاد السعودي الذي يواجه في الوقت الحالي مشاكل عديدة.

      وواقع الأمر، فإن هناك آثارًا عديدة قد يتعرض لها الاقتصاد السعودي في المدى الطويل إذا ما وقعت هذه الحرب لعل أهمها ما يلي:

      * إذا نجحت الولايات المتحدة في فرض نظام حكم موال لها بعد الحرب؛ فمن شأن ذلك أن يؤدي إلى زيادة عرض النفط في السوق الدولية، وبالتالي انخفاض الأسعار إلى أدنى حد، وهو ما قد يضر بالاقتصاد السعودي من ناحيتين:

      الأولى: انخفاض العائدات النفطية السعودية، حيث يرى العديد من المحللين أن معظم البلدان الخليجية ومن ضمنها السعودية ستتعرض لأزمة كبيرة نتيجة لانخفاض أسعار برميل النفط لأقل من 10 دولارات على نحو ما حدث عام 1998، وهو ما سيؤثر بشدة على تلك البلدان التي تبني موازناتها ودخولها على أساس سعر للبرميل يتراوح ما بين 22-28 دولارًا. فعلى سبيل المثال يتوقع أن تبلغ العائدات النفطية السعودية للعام القادم حوالي 33 مليار دولار ولكن بشرط أن يتراوح سعر البرميل من الخام العربي الخفيف بين 19.5 و20 دولارًا، أما إذا انخفض السعر دون ذلك فمن المتوقع أن تزداد الخسائر الناجمة عن ذلك.

      الأمر الثاني: هو أن يقل الدور الذي تلعبه المملكة في تحديد أسعار النفط من خلال دورها داخل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، ولعل ذلك يمثل أحد الدوافع الأمريكية الرئيسية وراء ضرب العراق، حيث تهدف واشنطن إلى الحد من قدرة السعودية على التحكم في سوق النفط العالمية، خاصة في ظل توتر علاقاتها مع السعودية في مرحلة ما بعد سبتمبر.

      * على الرغم من الجهود التي بذلتها المملكة لجذب الاستثمارات الأجنبية، حيث سنت العديد من القوانين لدعم هذا التوجه، فإن اندلاع حرب في المنطقة من شأنه أن يؤدي إلى هروب الاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن ضعف الفرصة في استقطاب الاستثمارات العربية التي من المفترض أنها عادت بعد أحداث سبتمبر، خاصة في ظل احتياج قطاع الطاقة السعودي لاستثمارات تقدر بنحو 100 مليار دولار.

      * تمتد المخاوف من نشوب الحرب لتشمل ترحيل أو هروب العمالة الأجنبية التي تعتمد عليها السعودية بصورة كبيرة، وقد يتكرر ما حدث إبان حرب الخليج الثانية حين هربت الآلاف من العمالة الأجنبية خوفًا من مخاطر الحرب، وهو ما قد يؤدي إلى توقف العمل في عدد من القطاعات الحيوية التي يعمل بها هؤلاء ومنها قطاع الطاقة والمصارف وقطاع الاتصالات والمعلومات.

      * من أهم القطاعات التي قد تتأثر سلبًا في المملكة قطاع العقارات الذي يشهد حالياً انتعاشة كبيرة، ومن المتوقع أن يتعرض لانتكاسة إذا وقعت الحرب، وذلك نظراً لعاملين:

      الأول: هروب الاستثمارات الضخمة التي يحتاجها هذا القطاع، وبالتالي العودة إلى نقطة البداية في هذا المجال نظرًا لقلق المستثمرين من خوض التجربة مرة ثانية.

      العامل الثاني: هروب الأيدي العاملة الرخيصة في هذا المجال، خاصة أنه يحتاج لأيد عاملة كثيفة ورخيصة في نفس الوقت.

      مصر

      على الرغم من البعد الجغرافي بين مصر والعراق، فإنها من البلدان العربية التي ستتأثر بشدة من نتائج الحرب المحتملة على العراق، وعلى عكس حرب الخليج الثانية التي استفادت منها مصر اقتصاديا خاصة في موضوع الديون الخارجية، فإن الحرب هذه المرة ستترك عواقب وخيمة على الاقتصاد المصري الذي يعاني بدوره من أزمة خانقة منذ ما يقرب من عامين.

      وتنبع فداحة الخسائر المتوقعة للاقتصاد المصري من طبيعة العلاقات الاقتصادية والتجارية العميقة التي تربط بين البلدين، حيث تحتل مصر المرتبة الثالثة عالمياً من حيث حجم التبادل التجاري مع العراق، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن حجم الصادرات المصرية للعراق قد وصل عام 2002 إلى حوالي 1.7 مليار دولار، فضلاً عن العقود التي أبرمت بين الطرفين والتي تقدر قيمتها بنحو 4 مليارات و250 مليون دولار، ومن المتوقع أن ترتفع لتصل إلى 6 مليارات دولار عام 2005.

      وفي هذا الصدد يمكن تقسيم الآثار السلبية المتوقعة لضرب العراق على الاقتصاد المصري إلى نوعين:

      1- الآثار المباشرة: وهي تتعلق بالعلاقات التجارية المباشرة بين البلدين، حيث تهدف مصر إلى زيادة حجم صادراتها للعراق بما يعادل نصف قيمة صادراتها للخارج، وذلك في محاولة للخروج من المأزق الحالي الذي يعانيه الاقتصاد المصري، ولعل ذلك كان سببًا في إنشاء منطقة التجارة الحرة بين البلدين في يناير 2001.

      من ناحية أخرى تخشى الحكومة المصرية أن تؤدي الحرب وما يعقبها من فرض نظام حكم جديد، إلى عدم الاعتراف بالاتفاقات التي عقدتها الحكومة العراقية تحت حكم صدام حسين، وبالتالي يخسر الاقتصاد المصري عائدات الاتفاقات التجارية التي تم توقيعها، وهنا يقدر البعض حجم الخسائر التي قد تنجم عن ذلك بنحو 2.5 مليار دولار من عائدات التجارة على أقل تقدير.

      2- الآثار غير المباشرة: وتتمثل في أمرين:

      الأول: يتعلق بطبيعة المناخ الذي ستتركه الحرب على المنطقة العربية ككل وعلى مصر بوجه خاص، حيث كشفت الحكومة المصرية للمرة الأولى عن أن خسائر الاقتصاد المصري التي قد تترتب على ضرب العراق قد تتراوح بين 6-8 مليارات دولار، سيتحمل القطاع السياحي جزءاً كبيراً منها (جاء ذلك على لسان وزيرة الدولة للشئون الخارجية أثناء محادثاتها مع المسئولين في الولايات المتحدة شهر ديسمبر 2002).

      ومعروف أن القطاع السياحي في مصر يمثل أحد الروافد الهامة للدخل القومي. وإذا كانت أحداث سبتمبر قد أدت إلى انخفاض العائدات السياحية المصرية بنحو 500 مليون دولار، فمن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم في حال وقوع حرب في المنطقة خاصة مع احتمالات اتساع نطاق الحرب لتشمل دولا أخرى في المنطقة.

      الأمر الثاني: وهو يرتبط بسابقه، ويتعلق بارتفاع نسبة البطالة التي هي بطبيعتها مرتفعة، وذلك سواء نتيجة لانقطاع الأعمال في القطاع السياحي الضخم الذي يعمل به أكثر من 200 ألف شخص بشكل مباشر، أو نتيجة لعودة العمالة المصرية في الخليج خوفاً من اتساع نطاق الحرب، وهو من شأنه أن يزيد الضغوط على الاقتصاد المصري.

      ولعل ذلك ما دفع الولايات المتحدة للدخول في مفاوضات مع بعض الدول العربية ومن بينها مصر والأردن للبحث في كيفية تعويضها ماديًا، وهنا أشارت بعض المصادر إلى أن الإدارة الأمريكية قد تخصص حوالي بليوني دولار لكل من مصر والأردن كتعويض مبدئي عن الأضرار المحتملة التي قد يتعرض لها اقتصاد البلدين في ظل الحرب المحتملة على العراق، وتم تقسيم المبلغ المشار إليه بحيث تحصل مصر على ثلثي المبلغ، وتحصل الأردن على الباقي.

      سوريا

      يأتي عمق الآثار المتوقعة على الاقتصاد السوري إذا ما تعرض العراق للضرب، من طبيعة التشابك في المصالح التجارية بين البلدين والتي توضحها الأرقام التالية:

      * تم استئناف العلاقات بين البلدين عام 1997 بعد قطيعة استمرت نحو 18 عامًا، كما اكتسبت العلاقات التجارية زخمها خلال الأعوام الثلاثة الماضية، خاصة بعد تبادل الزيارات بين كبار مسئولي البلدين وما ترتب عليها من فتح الحدود أمام المواطنين وتسهيل تدفق السلع والبضائع بين البلدين.

      * ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 3 مليارات دولار، تزداد إلى 5 مليارات إذا أضفنا إليها التجارة الحدودية واستجراد النفط العراقي.

      * وقع البلدان اتفاقًا عام 1998 لإصلاح خط أنابيب النفط الذي يربط حقول النفط في "كركوك" بميناء "بانياس" السوري على البحر المتوسط، والذي كان قد توقف العمل به عام 1982، ومن المتوقع أن تبلغ الطاقة الإنتاجية لهذا الخط حوالي 1.4 مليون برميل.

      * في فبراير 2001 تم توقيع اتفاق لإقامة منطقة تجارة حرة بين البلدين لتسهيل تبادل السلع والخدمات.

      * يتم حالياً تصدير النفط العراقي لسوريا (حوالي 200 ألف برميل يومياً) بأسعار مخفضة، وهو ما يسمح بزيادة الصادرات النفطية السورية إلى أكثر من 350 ألف برميل يومياً.

      من خلال الأرقام والحقائق السابقة يتضح لنا مدى عمق الآثار التي قد يتعرض لها الاقتصاد السوري إذا ما ضرب العراق، ولعل أهم هذه الآثار المتوقعة ما يلي:

      * تدهور أوضاع الاقتصاد السوري، وليس أدل على ذلك من انخفاض سعر الليرة السورية في مقابل الدولار بنسبة 6% خلال الشهور القليلة الماضية جاءت كنتيجة للتهديدات الأمريكية بضرب العراق.

      * من المتوقع أن تصاب قطاعات كبيرة بالشلل نتيجة للأزمة التي سيخلفها ضرب العراق، ولعل أهم هذه القطاعات القطاع الصناعي خاصة الصناعات النسيجية والهندسية وصناعة المنظفات والسيراميك، والتي ركزت في تعاملاتها خلال العامين الماضيين على السوق العراقية، فضلاً عن مصانع القطاع العام التي استطاعت تصريف منتجاتها الفائضة في العراق.

      * تزداد المخاوف السورية من عدم تنفيذ العقود التي أبرمت مع الحكومة الحالية تحت إشراف الأمم المتحدة، وهو ما قد يؤدي إلى توقف المصانع التي تعتمد بشكل كبير على تنفيذ هذه العقود، وهو من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة بين العمال السوريين.

      * ستتأثر السياحة في سوريا بشدة نتيجة للقرب الجغرافي من العراق، وهو ما يعني فقدان مصدر كبير للعملة الصعبة، وتشير التقديرات إلى أن سوريا حققت حوالي نصف مليار دولار العام الحالي كعائدات من القطاع السياحي، ومن المتوقع أن تنكمش هذه العائدات في حالة اندلاع حرب في المنطقة.

      في ظل الظروف والأوضاع السابقة، يتضح مدى العواقب الوخيمة التي ستتعرض لها اقتصاديات مصر وسوريا والسعودية، إذا ما تعرض العراق لأي هجوم عسكري.