قصة رغد انت لي :!!!!!!!

    • قصة رغد انت لي :!!!!!!!

      [الحلقةالأولى]



      *********

      مخلوقة إقتحمت حياتي !





      توفي عمي و زوجته في حادث مؤسف قبل شهرين ، و تركا طفلتهما الوحيدة ( رغد ) و التي تقترب من الثالثة من عمرها ... لتعيش يتيمة مدى الحياة .

      في البداية ، بقيت الصغيرة في بيت خالتها لترعاها ، و لكن ، و نظرا لظروف خالتها العائلية ، اتفق الجميع على أن يضمها والدي إلينا و يتولى رعايتها
      من الآن فصاعدا .

      أنا و أخوتي لا نزال صغارا ، و لأنني أكبرهم سنا فقد تحولت فجأة إلى
      ( رجل راشد و مسؤول ) بعد حضور رغد إلى بيتنا .

      كنا ننتظر عودة أبي بالصغيرة ، (سامر) و ( دانة ) كانا في قمة السعادة لأن عضوا جديدا سينضم إليهما و يشاركهما اللعب !

      أما والدتي فكانت متوترة و قلقة

      أنا لم يعن ِ لي الأمر الكثير

      أو هكذا كنت أظن !


      وصل أبي أخيرا ..

      قبل أن يدخل الغرفة حيث كنا نجلس وصلنا صوت صراخ رغد !

      سامر و دانة قفزا فرحا و ذهبا نحو الباب راكضين


      " بابا بابا ... أخيرا ! "


      قالت دانه و هي تقفز نحو أبي ، و الذي كان يحمل رغد على ذراعه و يحاول تهدئتها لكن رغد عندما رأتنا ازدادت صرخاتها و دوت المنزل بصوتها الحاد !


      تنهدت و قلت في نفسي :


      " أوه ! ها قد بدأنا ! "


      أخذت أمي الصغيرة و جعلت تداعبها و تقدم إليها الحلوى علها تسكت !

      في الواقع ، لقد قضينا وقتا عصيبا و مزعجا مع هذه الصغيرة ذلك اليوم .




      " أين ستنام الطفلة ؟ "


      سأل والدي والدتي مساء ذلك اليوم .


      " مع سامر و دانه في غرفتهما ! "


      دانه قفزت فرحا لهذا الأمر ، إلا أن أبي قال :


      " لا يمكن يا أم وليد ! دعينا نبقيها معنا بضع ليال إلى أن تعتاد أجواء المنزل، أخشى أن تستيقظ ليلا و تفزع و نحن بعيدان عنها ! "


      و يبدو أن أمي استساغت الفكرة ، فقالت :


      " معك حق ، إذن دعنا ننقل السرير إلى غرفتنا "


      ثم التفتت إلي :


      " وليد ،انقل سرير رغد إلى غرفتنا "


      اعترض والدي :

      " سأنقله أنا ، إنه ثقيل ! "


      قالت أمي :

      " لكن وليد رجل قوي ! إنه من وضعه في غرفة الصغيرين على أية حال ! "


      (( رجل قوي )) هو وصف يعجبني كثيرا !


      أمي أصبحت تعتبرني رجلا و أنا في الحادية عشرة من عمري ! هذا رائع !

      قمت بكل زهو و ذهبت إلى غرفة شقيقي و نقلت السرير الصغير إلى غرفة والدي .

      عندما عدتُ إلى حيث كان البقية يجلسون ، وجدتُ الصغيرة نائمة بسلام !

      لابد أنها تعبت كثيرا بعد ساعات الصراخ و البكاء التي عاشتها هذا اليوم !

      أنا أيضا أحسست بالتعب، و لذلك أويت إلى فراشي باكرا .




      ~~~~~~~~~



      نهضت في ساعة مبكرة من اليوم التالي على صوت صراخ اخترق جدران الغرفة من حدته !

      إنها رغد المزعجة

      خرجت من غرفتي متذمرا ، و ذهبت إلى المطبخ المنبعثة منه صرخات ابنة عمي هذه


      " أمي ! أسكتي هذه المخلوقة فأنا أريد أن أنام ! "


      تأوهت أمي و قالت بضيق :

      " أو تظنني لا أحاول ذلك ! إنها فتاة ٌصعبة ٌ جدا ! لم تدعنا ننام غير ساعتين أو ثلاث والدك ذهب للعمل دون نوم ! "


      كانت رغد تصرخ و تصرخ بلا توقف .

      حاولت أن أداعبها قليلا و أسألها :

      " ماذا تريدين يا صغيرتي ؟ "


      لم تجب !

      حاولت أن أحملها و أهزها ... فهاجمتني بأظافرها الحادة !

      و أخيرا أحضرت إليها بعض ألعاب دانه فرمتني بها !

      إنها طفلة مشاكسة ، هل ستظل في بيتنا دائما ؟؟؟ ليتهم يعيدوها من حيث جاءت !


      في وقت لاحق ، كان والداي يتناقشان بشأنها .

      " إن استمرت بهذه الحال يا أبا وليد فسوف تمرض ! ماذا يمكنني أن أفعل من أجلها ؟ "

      " صبرا يا أم وليد ، حتى تألف العيش بيننا "

      قاطعتهما قائلا :

      " و لماذا لا تعيدها إلى خالتها لترعاها ؟ ربما هي تفضل ذلك ! "

      أزعجت جملتي هذه والدي فقال :

      " كلا يا وليد ، إنها ابنة أخي و أنا المسؤول عن رعايتها من الآن فصاعدا . مسألة وقت و تعتاد على بيتنا "


      و يبدو أن هذا الوقت لن ينتهي ...

      مرت عدة أيام و الصغيرة على هذه الحال ، و إن تحسنت بعض الشيء و صارت تلعب مع دانه و سامر بمرح نوعا ما

      كانت أمي غاية في الصبر معها ، كنت أراقبها و هي تعتني بها ، تطعمها ، تنظفها ، تلبسها ملابسها ، تسرح شعرها الخفيف الناعم !

      مع الأيام ، تقبلت الصغيرة عائلتها الجديدة ، و لم تعد تستيقظ بصراخ و كان على وليد ( الرجل القوي ) أن ينقل سرير هذه المخلوقة إلى غرفة الطفلين !

      بعد أن نامت بهدوء ، حملتها أمي إلى سريرها في موضعه الجديد . كان أخواي قد خلدا للنوم منذ ساعة أو يزيد .

      أودعت الطفلة سريرها بهدوء .

      تركت والدتي الباب مفتوحا حتى يصلها صوت رغد فيما لو نهضت و بدأت بالصراخ

      قلت :

      " لا داعي يا أمي ! فصوت هذه المخلوقة يخترق الجدران ! أبقه مغلقا ! "

      ابتسمت والدتي براحة ، و قبلتني و قالت :

      " هيا إلى فراشك يا وليد البطل ! تصبح على خير "

      كم أحب سماع المدح الجميل من أمي !

      إنني أصبحت بطلا في نظرها ! هذا شيء رائع ... رائع جدا !

      و نمت بسرعة قرير العين مرتاح البال .

      الشيء الذي أنهضني و أقض مضجعي كان صوتا تعودت سماعه مؤخرا

      إنه بكاء رغد !

      حاولت تجاهله لكن دون جدوى !

      يا لهذه الـ رغد ... ! متى تسكتيها يا أمي !

      طال الأمر ، لم أعد أحتمل ، خرجت من غرفتي غاضبا و في نيتي أن أتذمر بشدة لدى والدتي ، إلا أنني لاحظت أن الصوت منبعث من غرفة شقيقي ّ
      نعم ، فأنا البارحة نقلت سريرها إلى هناك !

      ذهبت إلى غرفة شقيقي ّ ، و كان الباب شبه مغلق ، فوجدت الطفلة في سريرها تبكي دون أن ينتبه لها أحد منهما !

      لم تكن والدتي موجودة معها .

      اقتربت منها و أخذتها من فوق السرير ، و حملتها على كتفي و بدأت أطبطب عليها و أحاول تهدئتها .

      و لأنها استمرت في البكاء ، خرجت بها من الغرفة و تجولت بها قليلا في المنزل

      لم يبد ُ أنها عازمة على السكوت !

      يجب أن أوقظ أمي حتى تتصرف ...

      كنت في طريقي إلى غرفة أمي لإيقاظها ، و لكن ...

      توقفت في منتصف الطريق ، و عدت أدراجي ... و دخلت غرفتي و أغلقت الباب .

      والدتي لم تذق للراحة طعما منذ أتت هذه الصغيرة إلينا .

      و والدي لا ينام كفايته بسببها .

      لن أفسد عليهما النوم هذه المرة !

      جلست على سريري و أخذت أداعب الصغيرة المزعجة و ألهيها بطريقة أو بأخرى حتى تعبت ، و نامت ، بعد جهد طويل !

      أدركت أنها ستنهض فيما لو حاولت تحريكها ، لذا تركتها نائمة ببساطة على سريري و لا أدري ، كيف نمت ُ بعدها !

      هذه المرة استيقظت على صوت أمي !

      " وليد ! ما الذي حدث ؟ "

      " آه أمي ! "

      ألقيت نظرة من حولي فوجدتني أنام إلى جانب الصغيرة رغد ، و التي تغط في نوم عميق و هادىء !

      " لقد نهضت ليلا و كانت تبكي .. لم أشأ إزعاجك لذا أحضرتها إلى هنا ! "

      ابتسمت والدتي ، إذن فهي راضية عن تصرفي ، و مدت يدها لتحمل رغد فاعترضت :

      " أرجوك لا ! أخشى أن تنهض ، نامت بصعوبة ! "

      و نهضت عن سريري و أنا أتثاءب بكسل .

      " أدي الصلاة ثم تابع نومك في غرفة الضيوف . سأبقى معها "

      ألقيت نظرة على الصغيرة قبل نهوضي !

      يا للهدوء العجيب الذي يحيط بها الآن!

      بعد ساعات ، و عندما عدت إلى غرفتي ، وجدت دانه تجلس على سريري بمفردها . ما أن رأتني حتى بادرت بقول :

      " أنا أيضا سأنام هنا الليلة ! "

      أصبح سريري الخاص حضانة أطفال !

      فدانه ، و البالغة من العمر 5 سنوات ، أقامت الدنيا و أقعدتها من أجل المبيت على سريري الجذاب هذه الليلة ، مثل رغد !

      ليس هذا الأمر فقط ، بل ابتدأت سلسلة لا نهائية من ( مثل رغد ) ...

      ففي كل شيء ، تود أن تحظى بما حظيت به رغد . و كلما حملت أمي رغد على كتفيها لسبب أو لآخر ، مدت دانه ذراعيها لأمها مطالبة بحملها (مثل رغد ) .

      أظن أن هذا المصطلح يسمى ( الغيرة ) !

      يا لهؤلاء الأطفال !

      كم هي عقولهم صغيرة و تافهة !




      ~~~~~~
      |o
      |i
      ($-برق الامع-$)
    • كانت المرة الأولي و لكنها لم تكن الأخيرة ... فبعد أيام ، تكرر نفس الموقف ، و سمعت رغد تبكي فأحضرتها إلى غرفتي و أخذت ألاعبها .

      هذه المرة استجابت لملاعبتي و هدأت ، بل و ضحكت !

      و كم كانت ضحكتها جميلة ! أسمعها للمرة الأولى !

      فرحت بهذا الإنجاز العظيم ! فأنا جعلت رغد الباكية تضحك أخيرا !

      و الآن سأجعلها تتعلم مناداتي باسمي !

      " أيتها الصغيرة الجميلة ! هل تعرفين ما اسمي ؟ "

      نظرت إلي باندهاش و كأنها لم تفهم لغتي . إنها تستطيع النطق بكلمات مبعثرة ، و لكن ( وليد ) ليس من ضمنها !


      " أنا وليد ! "

      لازالت تنظر إلى باستغراب !

      " اسمي وليد ! هيا قولي : وليد ! "

      لم يبد ُ الأمر سهلا ! كيف يتعلم الأطفال الأسماء ؟

      أشرت إلى عدة أشياء ، كالعين و الفم و الأنف و غيرها ، كلها أسماء تنطق بها و تعرفها . حتى حين أسألها :


      " أين رغد ؟ "


      فإنها تشير إلى نفسها .

      " و الآن يا صغيرتي ، أين وليد ؟ "

      أخذت أشير إلى نفسي و أكرر :

      " وليد ! وليـــد ! أنا وليد !

      أنت ِ رغد ، و أنا وليد !

      من أنتِ ؟ "

      " رغد "

      " عظيم ! أنتِ رغد ! أنا وليد ! هيا قولي وليد ! قولي أنت َ وليد ! "


      كانت تراقب حركات شفتيّ و لساني ، إنها طفلة نبيهة على ما أظن .

      و كنت مصرا جدا على جعلها تنطق باسمي !


      " قولي : أنــت ولـيـــد ! ولــيـــــــد ...

      قولي : وليد ... أنت ولـــــيـــــــــــــــــــــد ! "




      " أنت َ لــــــــــــــــــــي " !!





      كانت هذه هي الكلمة التي نطقت بها رغد !

      ( أنت َ لي ! )

      للحظة ، بقيت اتأملها باستغراب و دهشة و عجب !

      فقد بترت اسمي الجميل من الطرفين و حوّلته إلى ( لي ) بدلا من
      ( وليد ) !

      ابتسمت ، و قلت مصححا :


      " أنت َ وليـــــــــــــد ! "

      " أنت َ لــــــــــــــــــي "


      كررت جملتها ببساطة و براءة !

      لم أتمالك نفسي ، وانفجرت ضحكا ....

      و لأنني ضحكت بشكل غريب فإن رغد أخذت تضحك هي الأخرى !

      و كلما سمعت ضحكاتها الجميلة ازدادت ضحكاتي !

      سألتها مرة أخرى :


      " من أنا ؟ "

      " أنت َ لـــــــــــــي " !


      يا لهذه الصغيرة المضحكة !

      حملتها و أخذت أؤرجحها في الهواء بسرور ...

      منذ ذلك اليوم ، بدأت الصغيرة تألفني ، و أصبحت أكبر المسؤولين عن تهدئتها متى ما قررت زعزعة الجدران بصوتها الحاد ....




      ~~~~~~



      انتهت العطلة الصيفية و عدنا للمدارس .

      كنت كلما عدت من المدرسة ، استقبلتني الصغيرة رغد استقبالا حارا !

      كانت تركض نحوي و تمد ذراعيها نحوي ، طالبة أن أحملها و أؤرجحها في الهواء !

      كان ذلك يفرحها كثيرا جدا ، و تنطلق ضحكاتها الرائعة لتدغدغ جداران المنزل !

      و من الناحية الأخرى ، كانت دانة تطلق صرخات الاعتراض و الغضب ، ثم تهجم على رجلي بسيل من الضربات و اللكمات آمرة إياي بأن أحملها ( مثل رغد ) .

      و شيئا فشيا أصبح الوضع لا يطاق ! و بعد أن كانت شديدة الفرح لقدوم الصغيرة إلينا أصبحت تلاحقها لتؤذيها بشكل أو بآخر ...

      في أحد الأيام كنت مشغولا بتأدية واجباتي المدرسية حين سمعت صوت بكاء رغد الشهير !

      لم أعر الأمر اهتماما فقد أصبح عاديا و متوقعا كل لحظة .

      تابعت عملي و تجاهلت البكاء الذي كان يزداد و يقترب !

      انقطع الصوت ، فتوقعت أن تكون أمي قد اهتمت بالأمر .

      لحظات ، وسمعت طرقات خفيفة على باب غرفتي .

      " أدخل ! "

      ألا أن أحدا لم يدخل .

      انتظرت قليلا ، ثم نهضت استطلع الأمر ...

      و كم كانت دهشتي حين رأيت رغد واقفة خلف الباب !

      لقد كانت الدموع تنهمر من عينيها بغزارة ، و وجهها عابس و كئيب ، و بكاؤها مكبوت في صدرها ، تتنهد بألم ... و بعض الخدوش الدامية ترتسم عشوائيا على وجهها البريء ، و كدمة محمرة تنتصف جبينها الأبيض !

      أحسست بقبضة مؤلمة في قلبي ....

      " رغد ! ما الذي حدث ؟؟؟ "

      انفجرت الصغيرة ببكاء قوي ، كانت تحبسه في صدرها

      مددت يدي و رفعتها إلى حضني و جعلت أطبطب عليها و أحاول تهدئتها .

      هذه المرة كانت تبكي من الألم .

      " أهي دانة ؟ هل هي من هاجمك ؟ "

      لابد أنها دانة الشقية !

      شعرت بالغضب ، و توجهت إلى حيث دانة ، و رغد فوق ذراعي .

      كانت دانة في غرفتها تجلس بين مجموعة من الألعاب .

      عندما رأتني وقفت ، و لم تأت إلي طالبة حملها ( مثل رغد ) كالعادة ، بل ظلت واقفة تنظر إلى الغضب المشتعل على وجهي .

      " دانة أأنت من ضرب رغد الصغيرة ؟ "

      لم تجب ، فعاودت السؤال بصوت أعلى :

      " ألست من ضرب رغد ؟ أيتها الشقية ؟ "

      " إنها تأخذ ألعابي ! لا أريدها أن تلمس ألعابي "

      اقتربت من دانة و أمسكت بيدها و ضربتها ضربة خفيفة على راحتها و أنا أقول :

      " إياك أن تكرري ذلك أيها الشقية و إلا ألقيت بألعابك من النافذة "

      لم تكن الضربة مؤلمة إلا أن دانة بدأت بالبكاء !

      أما رغد فقد توقفت عنه ، بينما ظلت آخر دمعتين معلقتين على خديها المشوهين بالخدوش .

      نظرت إليها و مسحت دمعتيها .

      ما كان من الصغيرة إلا أن طبعت قبلة مليئة باللعاب على خدي امتنانا !

      ابتسمت ، لقد كانت المرة الأولى التي تقبلني فيها هذه المخلوقة ! إلا أنها لم تكن الأخيرة ....




      ~~~~~~



      توالت الأيام و نحن على نفس هذه الحال ...

      إلا أن رغد مع مرور الوقت أصبحت غاية في المرح ...

      أصبحت بهجة تملأ المنزل ... و تعلق الجميع بها و أحبوها كثيرا ...

      إنها طفلة يتمنى أي شخص أن تعيش في منزله ...

      و لأن الغيرة كبرت بين رغد و دانة مع كبرهما ، فإنه كان لابد من فصل الفتاتين في غرفتين بعيدا عن بعضهما ، و كان علي نقل ذلك السرير و للمرة الثالثة إلى مكان آخر ...

      و هذا المكان كان غرفة وليد !

      ظلت رغد تنام في غرفتي لحين إشعار آخر .

      في الواقع لم يزعجني الأمر ، فهي لم تعد تنهض مفزوعة و تصرخ في الليل إلا نادرا ...

      كنت أقرأ إحدى المجلات و أنا مضطجع على سريري ، و كانت الساعة العاشرة ليلا و كانت رغد تغط في نوم هادئ

      و يبدو أنها رأت حلما مزعجا لأنها نهضت فجأة و أخذت تبكي بفزع ...

      أسرعت إليها و انتشلتها من على السرير و أخذت أهدئ من روعها

      كان بكاؤها غريبا ... و حزينا ...

      " اهدئي يا صغيرتي ... هيا عودي للنوم ! "

      و بين أناتها و بكاؤها قالت :

      " ماما "

      نظرت إلى الصغيرة و شعرت بالحزن ...

      ربما تكون قد رأت والدتها في الحلم

      " أتريدين الـ ماما أيتها الصغيرة ؟ "

      " ماما "

      ضممتها إلى صدري بعطف ، فهذه اليتيمة فقدت أغلى من في الكون قبل أن تفهم معناهما ...

      جعلت أطبطب عليها ، و أهزها في حجري و أغني لها إلى أنا استسلمت للنوم .

      تأملت وجهها البريء الجميل ... و شعرت بالأسى من أجلها .

      تمنيت لحظتها لو كان باستطاعتي أن أتحول إلى أمها أو أبيها لأعوضها عما فقدت .

      صممت في قرارة نفسي أن أرعى هذه اليتيمة و أفعل كل ما يمكن من أجلها ...

      و قد فعلت الكثير ...

      و الأيام .... أثبتت ذلك ...




      ~~~~~~

      |o
      |i
      ($-برق الامع-$)
    • ذهبنا ذات يوم إلى الشاطئ في رحلة ممتعة ، و لكوننا أنا و أبي و سامر الصغير ( 8 سنوات ) نجيد السباحة ، فقد قضينا معظم الوقت وسط الماء .

      أما والدتي ، فقد لاقت وقتا شاقا و مزعجا مع دانة و رغد !

      كانت رغد تلهو و تلعب بالرمال المبللة ببراءة ، و تلوح باتجاهي أنا و سامر ، أما دانة فكانت لا تفتأ تضايقها ، تضربها أو ترميها بالرمال !

      " وليد ، تعال إلى هنا "

      نادتني والدتي ، فيما كنت أسبح بمرح .

      " نعم أمي ؟ ماذا تريدين ؟ "

      و اقتربت منها شيئا فشيئا . قالت :

      " خذ رغد لبعض الوقت ! "

      " ماذا ؟؟؟ لا أمي ! "

      لم أكن أريد أن أقطع متعتي في السباحة من أجل رعاية هذه المخلوقة ! اعترضت :

      " أريد أن أسبح ! "

      " هيا يا وليد ! لبعض الوقت ! لأرتاح قليلا "

      أذعنت للأمر كارها ... و توجهت للصغيرة و هي تعبث بالرمال ، و ناديتها :

      " هيا يا رغد ! تعالي إلي ! "

      ابتهجت كثيرا و أسرعت نحوي و عانقت رجي المبللة بذراعيها العالقة بهما حبيبات الرمل الرطب ، و بكل سرور !

      جلست إلى جانبها و أخذت أحفر حفرة معها . كانت تبدو غاية في السعادة أما أنا فكنت متضايقا لحرماني من السباحة !

      اقتربت أكثر من الساحل ، و رغد إلى جانبي ، و جعلتها تجلس عند طرفه و تبلل نفسها بمياه البحر المالحة الباردة

      رغد تكاد تطير من السعادة ، تلعب هنا و هناك ، ربما تكون المرة الأولى بحياتها التي تقابل فيها البحر !

      أثناء لعبها تعثرت و وقعت في الماء على وجهها ...

      " أوه كلا ! "

      أسرعت إليها و انتشلتها من الماء ، كانت قد شربت كميه منه ، و بدأت بالسعال و البكاء معا .

      غضبت مني والدتي لأنني لم أراقبها جيدا

      " وليد كيف تركتها تغرق ؟ "

      " أمي ! إنها لم تغرق ، وقعت لثوان لا أكثر "

      " ماذا لو حدث شيء لا سمح الله ؟ يجب أن تنتبه أكثر . ابتعد عن الساحل . "

      غضبت ، فأنا جئت إلى هنا كي استمتع بالسباحة ، لا لكي أراقب الأطفال !

      " أمي اهتمي بها و أنا سأعود للبحر "

      و حملتها إلى أمي و وضعتها في حجرها ، و استدرت مولّيا .

      في نفس اللحظة صرخت دانة معترضة و دفعت برغد جانبا ، قاصدة إبعادها عن أمي

      رغد ، و التي لم تكد تتوقف عن البكاء عاودته من جديد .

      " أرأيت ؟ "

      استدرت إلى أمي ، فوجدت الطفلة البكاءة تمد يديها إلي ...

      كأنها تستنجد بي و تطلب مني أخذها بعيدا .

      عدت فحملتها على ذراعي فتوقفت عن البكاء ، و أطلقت ضحكة جميلة !

      يا لخبث هؤلاء الأطفال !

      نظرت إلى أمي ، فابتسمت هي الأخرى و قالت :

      " إنها تحبك أنت َ يا وليد ! "



      قبيل عودتنا من هذه الرحلة ، أخذت أمي تنظف الأغراض ، و الأطفال .


      " وليد ، نظف أطراف الصغيرة و ألبسها هذه الملابس "


      تفاجأت من هذا الطلب ، فأنا لم أعتد على تنظيف الأطفال أو إلباسهم الملابس !

      ربما أكون قد سمعت شيئا خطا !

      " ماذا أمي ؟؟؟ "

      " هيا يا وليد ، نظف الرمال عنها و ألبسها هذه ، فيما اهتم أنا بدانة و بقية الأشياء "

      كنت أظن أنني أصبحت رجلا ، في نظر أمي على الأقل ...

      و لكن الظاهر أنني أصبحت أما !

      أما جديدة لرغد !

      نعم ... لقد كنت أما لهذه المخلوقة ...

      فأنا من كان يطعمها في كثير من الأحيان ، و ينيمها في سريره ، و يغني لها ، و يلعب معها ، و يتحمل صراخها ، و يستبدل لها ملابسها في أحيان أخرى !

      و في الواقع ...

      كنت أستمتع بهذا الدور الجديد ...

      و في المساء ، كنت أغني لها و أتعمد أن أجعلها تنام في سريري ، و أبقى أتأمل وجهها الملائكي البريء الرائع ... و أشعر بسعادة لا توصف !


      هكذا ، مرت الأيام ...

      و كبرنا ... شيئا فشيئا ...

      و أنا بمثابة الأم أو المربية الخاصة بالمدللة رغد ، و التي دون أن أدرك ... أو يدرك أحد ... أصبحت تعني لي ...

      أكثر من مجرد مخلوقة مزعجة اقتحمت حياتي منذ الصغر ! ....
      |o
      |i
      ($-برق الامع-$)
    • الحلقةالثانية
      ***********





      في كل ليلة أقرأ قصة قصيرة لصغيرتي رغد قبل النوم . و هذه هي آخر ليلة تباتها رغد في غرفتي بعد ثلاث سنوات من قدومها للمنزل .
      ثلاث سنوات من الرعاية و الدلال و المحبة أوليتها جميعا لصغيرتي ، كأي أم أو أب !

      إنها الآن في السادسة و قد ألحقناها بالمدرسة هذا العام و كانت في غاية السعادة !

      في كل يوم عندما تعود تخبرني بعشرات الأشياء التي شاهدتها أو تعلمتها في المدرسة . و في كل يوم بعد تناولها الغذاء أتولى أنا تعليمها دروسها البسيطة
      و قد كانت تلميذة نجيبة !

      بعد الانتهاء من الدروس تأخذ صغيرتي دفتر التلوين الخاص بها و علبة الألوان ، و تجلس على سريرها و تبدأ بالتلوين بهدوء

      تقريبا بهدوء !

      " وليد لوّن معي ! "

      لقد كنت شارذا و أنا أتأملها و أتخيل أنني و منذ الغد لن أجد سريرها في تلك الزاوية و أستمع إلى ( هذيانها ) و تحدثها إلى نفسها قبل النوم !

      " و ليــــــــــــــــد لوّن معي ! "

      هذه المرة انتبهت إلى صوتها الحاد ، نظرت إليها و ابتسمت ! لقد كنت ُ كثيرا ما ألوّن معها في هذا الدفتر أو غيره ! و هي تحلق سعادة حينما تراقبني و أنا ألون !

      أطفال ... فقط أطفال !

      " حسنا "

      قلت ذلك و هممت بالنهوض من على سريري و التوجه إليها ، و لكنها و بسرعة قفزت هي و دفترها و علبة ألوانها و هبطت فوق سريري في ثانيتين !

      بدأت كالعادة تختار لي الصفحة التي تريد مني تلوينها و قد كانت رسمة لفتاة صغيرة تحمل حقيبة المدرسة !

      " صغيرتي ... لم لا تلونين هذه ؟ فهي تشبهك ! "

      قلت لها ذلك ، فابتسمت و أخذت تقلب دفترها بحثا عن شيء ما ، ثم قالت :

      " لا يوجد ولد يشبهك ! سأرسمك ! "

      و أمسكت بالقلم و أخذت ( ترسمني ) في إحدى الصفحات ... و كم كانت الرسمة مضحكة ، و لاحظت أنها رسمت خطا طويلا أسفل الأنف !

      " ما هذا ؟؟ "

      " شارب ! "

      " ماذا !؟ و لكن أنا لا شارب لدي ! "

      " عندما تكبر مثل أبي سيكون لديك شارب طويل هكذا لأنك طويل ! "

      ضحكت ُ كثيرا كما ضحكت هي الأخرى !

      إن طولي قد أزداد بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة ، و يبدو أنني سأصبح أطول من والدي !

      قمنا بعد ذلك بتلوين الصورتين ( رغد الصغيرة ، و وليد ذي الشارب الطويل ) !

      من كان منا يتوقع ... أن هاتين الصورتين ستعيشان معنا ... كل ذلك العمر ...؟؟؟

      عندما حل الظلام ، قمت بنقل سرير رغد و أشيائها الأخرى إلى غرفتها الجديدة . و كانت صغيرة و مجاورة لغرفتي .

      الصغيرة كانت مسرورة للغاية ، فقد أصبح لها غرفتها الخاصة مثل دانة و لم يعد بمقدور دانة أن ( تعيّرها ) كما كانت تفعل دائما .

      العلاقة بين هاتين الفتاتين كانت سيئة !

      بالنسبة لي ، كنت ُ حزينا بهذا الحدث ... فأنا أرغب في أن تبقى الصغيرة معي و تحت رعايتي أكثر من ذلك ... إنها تعني لي الكثير ...

      انتهينا أنا و أمي من ترتيب الأشياء في الغرفة ، و رغد تساعدنا . قالت أمي بعد ذلك :

      " و الآن يا رغد ... هاقد أصبح لديك غرفة خاصة ! اعتني بها جيدا ! "

      " حسنا ماما "

      و جاء صوت دانة من مكان ما قائلة :

      " لكن غرفتي هي الأجمل . هذه صغيرة و وحيدة مثلك "

      جميعنا استدرنا نحو دانة ، و بعين الغضب . فهي لا تترك فرصة لمضايقة رغد إلا و استغلتها .

      " لكنني لست ُ وحيدة ، و لن أشعر بالخوف لأن وليد قريب مني "

      " لكن وليد ليس أمك و لا أباك و لا أخاك ! إذن أنت وحيدة "

      هذه المرة والدتي زجرت دانة بعنف و أمرتها بالانصراف . لقد كانت لدي رغبة في صفع هذه الفتاة الخبيثة لكنني لم أشأ أن أزيد الأمر تعقيدا .
      إنني أدرك أن الأمور تزداد سوءا بين دانة و رغد ، و لا أدري إن كان الوضع سيتغير حالما تكبران ...

      اعتقدت أن الأمر قد انتهى في وقته ، إلا أنه لم ينته ...

      بينما كنت غاطا في نومي ، سمعت صوتا أيقظني من النوم بفزع ...

      عندما فتحت عيني رأيت خيال شخص ما يقف إلى جانبي ... كان الظلام شديدا و كنت ُ بين النوم و الصحوة ... استيقظت فجأة و استطاعت طبلة أذني التقاط الصوت و تمييزه ...

      كانت رغد !

      نهضت ، و أنرت ُ المصباح المجاور ، و من خلال إنارته الخفيفة لمحت ُ ومض دموع تسيل على خد الصغيرة ...

      مددت ُ يدي و تحسست وجهها الصغير فبللتني الدموع ...

      " رغد ! ما بك عزيزتي ؟ "
      |o
      |i
      ($-برق الامع-$)