عُمان والانتفاضة.. تحول مشروط في العلاقات مع إسرائيل

    • عُمان والانتفاضة.. تحول مشروط في العلاقات مع إسرائيل



      في سابقة تاريخية شهدت شوارع السلطنة عمان مسيرات شعبية عبرت عن إدانة التطرف الإسرائيلي والحملة العسكرية التي يشنها الجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني. كما جاء رد الفعل الرسمي العماني بالغ الدلالة إذ أعلنت سلطنة عمان إغلاق مكتبها التجاري في تل أبيب، وكذلك مكتب التمثيل التجاري الإسرائيلي في مسقط.

      وذكر بيان رسمي صدر في السلطنة "أن السلام العادل والشامل سيظل موضع اهتمام السلطنة وسيكون هدفها الثابت، ولكن بالمعايير التي تنصر المظلوم وتصون المقدسات، وتعيد الحقوق إلى أصحابها."

      وأصدر السلطان قابوس قراراً بتأجيل مهرجان مسقط 2000 تعاطفاً وتضامناً مع مشاعر الشعب الفلسطيني. كما أمر بفتح حسابات للتبرعات الشعبية في البنوك الأهلية لنصرة القضية الفلسطينية وذلك تحت إشراف الجمعية العمانية للأعمال الخيرية. وأمر بإرسال معونات طبية عاجلة للفلسطينيين.

      ومن جهته، استنكر يوسف بن علوي الوزير المسئول عن الشئون الخارجية الاعتداءات الإسرائيلية على المناطق الفلسطينية، مؤكداً أن "هذه الممارسات خارجة عن المعقول، ولا يمكن القبول بها"، ومطالباً باتخاذ موقف عربي موحد "حتى تدرك إسرائيل أن السلام لا يعني الاستسلام والعبث بالمقدسات الإسلامية واحتلال الأراضي وتركيع الشعوب".

      ودعا بن علوي إسرائيل إلى الانسحاب الفوري من كافة الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية.

      من ناحية أخرى شنت الصحف الصادرة في مسقط هجوماً حاداً مع إسرائيل واصفة إياها بأنها دولة الشر والإجرام وقتلة الأنبياء، مؤكدة أن الالتزام العربي بمبدأ السلام لا يعني تخليهم عن ثوابت الحقوق أمام جبروت وغطرسة العظمة الإسرائيلية ونازية الألفية الجديدة.

      هل تمثل هذه المواقف تحولا في السياسة العمانية تجاه إسرائيل؟

      تقتضي الإجابة على ذلك التساؤل تحليل الموقف العماني من الصراع العربي-الإسرائيلي والعلاقة مع إسرائيل قبل اندلاع تلك الأحداث في الأقصى. حيث ينطلق موقف عمان في تعامله مع الصراع العربي- الإسرائيلي من تأييد مبدئي للاتجاه السائد في العالم العربي على المستوى الرسمي، في مراحل الصراع المختلفة، فحينما كان الموقف العربي الرسمي حتى عام 1973 يجمع على أولوية الحسم العسكري لاستعادة الأراضي العربية المحتلة فإن الدبلوماسية العمانية التزمت بمساندة هذا الموقف العربي الجماعي. وعندما بدأ الموقف العربي بعد حرب أكتوبر يتبلور حول مفهوم ورؤية جديدين لتسوية الصراع مع إسرائيل بالطرق السلمية كانت سلطنة عمان من أوائل الدول التي أيدت الحل السلمي للصراع منذ تأييدها لاتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، ثم أيدت الاتفاقيات الموقعة بين كل من السلطة الفلسطينية، والأردن وبين إسرائيل، وشاركت في المحادثات متعددة الأطراف.

      وكان الموقف الرسمي لعمان يرتكز إلى عدم القبول باعتراف متبادل مع إسرائيل وعدم رفع المقاطعة المباشرة معها إلا بعد التوصل إلى تسوية سلمية مع بقية أطراف الصراع، وخصوصاً على المسارات الثلاثة: الفلسطيني والسوري والأردني.

      ولكن المحلل للعلاقات العمانية- الإسرائيلية يجد أنها تجاوزت هذه الأسس والمبادئ، فلم تعد العلاقة بين البلدين تقتصر على تأييد الحل السلمي للصراع، وإنما أصبحت هناك علاقات قوية بدأت منذ السبعينات، ولكنها لم تظهر على سطح الأحداث إلا في عام 1994 عندما قام إسحاق رابين رئيس الوزراء الأسبق بزيارة للسلطنة في ديسمبر 1994، تزامنت مع انعقاد قمة الإسكندرية بين مصر وسوريا والسعودية.

      وفي فبراير عام 1995 اتفق كل من يوسف بن علوي وزير الخارجية العماني وشيمون بيريز وزير الخارجية الإسرائيلي على استمرار الاجتماعات بينهما لتقوية العلاقات بين إسرائيل وعمان، وفي مارس من نفس العام اتفق الجانبان على فتح المجال الجوي العماني أمام الطائرات المدنية القادمة من إسرائيل.

      وفي ديسمبر عام 1995 وبعد محادثات بين مسئولين عمانيين وإسرائيليين أعلن أن عمان سوف تساهم في تمويل وإنشاء مركز لأبحاث تحلية المياه في "الشرق الأوسط" يكون مقره مسقط، وبالفعل تم إنشاء هذا المركز في العام التالي مباشرة تحت اسم "مركز الشرق الأوسط لأبحاث تحلية المياه". وشارك في التأسيس كل من سلطنة عمان وإسرائيل والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان.

      وفي الأول من أكتوبر عام 1996 وبعد اجتماع بين يوسف بن علوي وشيمون بيريز في مقر الأمم المتحدة، أعلن البلدان عن توصلهما إلى اتفاق يقضي بإنشاء مكاتب تمثيل تجاري، وبالفعل تم افتتاحه في البلدين 1996. وفي ظل هذه المكاتب تنامت العلاقات التجارية بين إسرائيل وعمان وبلغ حجم الواردات الإسرائيلية إلى سلطنة عمان حتى نهاية مارس 1999 نحو 11.7 مليون دولار مقابل صادرات بمبلغ 33.9 مليون دولار، وبلغت نسبة الزيادة في واردات السلع الإسرائيلية إلى السوق العمانية عام 1998 نحو 16.4% مقارنة بعام 1997، وبلغت قيمة الصادرات العمانية إلى إسرائيل خلال الربع الأول من العام 1999 نحو 78 ألف ريال عماني وهو ما يزيد عن إجمالي صادراتها لإسرائيل خلال عام 1998 بأكمله.