سقوط بغداد ام سقوط النظام العربي برمته

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • سقوط بغداد ام سقوط النظام العربي برمته

      سقوط بغداد أم سقوط النظام العربى برمته ؟



      لا شك عندى فى أن الغالبية العظمى من الشعب العربى من المحيط إلى الخليج شعرت بالغم والغضب والمرارة والهوان طوال الأيام القليلة الماضية التى شهدت الاجتياح الأنجلو أمريكى للعراق ــ والاجتياح من الجائحة أى البلية والداهية العظيمة. و"فرجت" العالم كله على خيبة العرب وعجزهم، وضلوع أنظمتهم فى الجريمة البشعة التى شاهد الشعب العربي، مع غيره من شعوب العالم فصولها الدامية على شاشات الفضائيات العربية وغير العربية. فالشعب العربى الذى عانى من جراح الهزيمة، أو بالأحرى الهزائم والخيبات المتعاقبة طوال نصف قرن من الزمان، يشعر فى قرارة نفسه بأنه لا يستحق هذه الهزائم، ويتوق للانفلات من حلقاتها الجهنمية كى يعيش حياة سليمة، ويطور عالمه ومجتمعه. لذلك ما أن صمدت "أم قصر" و"الناصرية" لعدة أيام أمام العدوان الأنجلو أمريكى الظالم حتى تدفق المتطوعون الاستشهاديون على العراق بالآلاف من كل فجاج الأرض العربية. لأن الإنسان العربى شعر بأن هذا الصمود يضمد جراح كرامته التى أثقلتها الهزائم، ويمنحه فرصة للبرهنة على أنه غير جدير بتلك الهزائم التى ألحقتها به الأنظمة العربية كما ألحقها به أعداؤه. ولا شك عندى أن هذا الغضب والهوان قد تحول إلى غصة فى القلب والعقل والروح بعدما سقطت بغداد بالخديعة والخيانة ولم تصمد صمود "أم قصر" أو "الناصرية". وبعد أن أخذت الحرب العدوانية الغاشمة هذا المنحى الجهنمى بالسلب والنهب والحرائق الذى جرد الشعب العراقى من حق الضحية النبيلة فى الحفاظ على كبرياء الشعب وغضبه، وأحال رعاعه إلى مشارك خبيث فى المأساة، يقوم بما لم يستطع الغزاة القيام به من تدمير للذاكرة والتاريخ، وتجريد للضحية من حقها فى التعاطف الدولى مع قضيتها، وفى مطالبتها مستقبلا بالتعويض عما حاق بها من دمار، بعدما لم ينجح الغزاة إلا فى تدمير المباني، وقتل المدنيين، وسحق أحد الأنظمة العربية المستبدة الفاسدة، وتأليب الرأى العام العالمى ضد العدوان.

      نكبة جديدة

      ولا أظن أننى وحدى من بين المثقفين العرب الذى يحس بضرورة تأمل هذا الوضع العصيب الذى لا يقل عندى فداحة ومأساوية ودلالة على فساد النظام العربى برمته عن نكبة العرب فى فلسطين قبل أكثر من نصف قرن من الزمان. لأن أحداث الأسابيع الثلاثة الأخيرة قد أصابت الكثيرين بالألم العضوى والنفسى الذى سنلمس أعراضه المرضية فى قابل الأيام. لأن ما جرى فى هذه الأسابيع الثلاثة سيظل يفت فى جسد الوطن العربى كالداء الوبيل وينشر فيه سمومه المصمية لأمد غير قصير. فمثل هذه الجائحة الكارثة لا تمر فى مسار الشعوب مرور الكرام، وإن أراد الإعلام العربى المأجور أن تنقشع غمتها عن الأنظمة العربية الخائرة، وأن يرتد لها الحال بعدها كما كان قبلها. وكأنها لم تشارك فى صياغة فصولها، ولا تتحمل مسؤوليتها، ولم تحرك إصبعا لمقاومتها فحسب، بل ساهمت كذلك فى كل فصولها من البداية وحتى النهاية الفاجعة. فمثل هذه الكارثة فى حياة الشعوب لا تمر زلازلها وتنتهى بقعقعة الانهيارات، وإنما تمكث كالبذرة الخبيثة فى الأرض، تنفث فيها سمومها، وتصيب الشعب بأعراضها المرضية الكريهة. ولن يتخلص الشعب العربى من أدوائها إلا بفعل عظيم، أو بالأحرى أفعال مزلزلة، تدوى قعقعاتها فى الزمن كما دوت قعقعات انهيار النظام العربى الفاسد الذى أنجب نكبة فلسطين، وزال بعد سنوات من حدوثها، ساحبا مع فلول المستعمرين. لأن سقوط بغداد سقوط للنظام العربى برمته، وسقوط لمرحلة كاملة من تاريخنا العربى الحديث لا تزال رموزها العفنة تحكم قبضتها على الواقع العربي، بعد فقدانها للمشروع والمشروعية، وتسوغ للاستعمار الجديد وللغطرسة الأمريكية والصهيونية ذرائع العصف بنا، وتساعده فى احتلال بلد عربى من جديد مع فاتحة القرن الحادى والعشرين. وقد ظن العرب أنهم تخلصوا من المستعمر الغربى منذ أكثر من أربعة عقود.

      أنظمة فاسدة

      لذلك على المثقف العربى أن يدرك الآن أنه لم يعد الصمت ممكنا! لم يعد الصمت ممكنا إزاء هذا التردى العربى والهوان. ولذلك لا بد من البحث عن مشروع جديد وعن طريق عربى جديد. وأن يصرخ بملء فمه: لم يعد الصمت ممكنا بعد قعقعات سقوط بغداد المخزية، بينما بقية الأنظمة العربية التى لم تحرك ساكنا إزاء هذه الهجمة الضارية على الشعب العربى وأرضه ومقدساته، بل عاونت الأعداء، ويسرت لهم مهمة تدمير بلد عربي، تتمتع بالسلطة وتتشبث بكراسيها برغم فسادها وعريها من أى مشروعية. وعلى المثقف العربى أن يطرح البديل، وأن يمهد الطريق لهذا البديل. لم يعد الصمت ممكنا والإنسان العربى يعانى من أوجاع الهزائم الواحدة تلو الأخري، ويتجرع ذل الحرمان من الكبرياء والكرامة، وبالتالى لا يستطيع حقا أن يبنى بلاده بناءً حديثا وعلى أسس قوية راسخة. وكيف يستطيع ذلك والخيرات العربية منهوبة من حكامنا العرب قبل أن ينهبها الأمريكيون والانجليز فى فصول توزيع الغنائم بعد هذه الهزيمة الأخيرة فى العراق، والتى نسمع صرخات العالم استياءً من جورها، بينما أنظمتنا العربية الخائرة صامتة ومتواطئة، لأنها مدانة أمام سادة النظام العالمى الجديد. ولأنها جلها والغة فى حمأة الفساد، وقد استنامت إلى دعة سلطتها، وقوة أجهزتها القمعية فى قهر شعوبها. ألم يكن الاستبداد وقهر الشعب من ذرائع الاستعمار الجديد فى هجمته الضارية على العراق من أجل "تحرير" الشعب من الطاغية!؟ ألا يعنى هذا أن الدور على بقية الطغاة قد جاء؟ ألم يقل مدير المخابرات المركزية الأمريكية عندما قيل له إن الحكام العرب يشعرون بالقلق إزاء ما يدور فى العراق، أنه يريدهم أن يشعروا بالقلق والاضطراب، وكأنه يرهص بأن دور بعضهم على الأقل قد حان. فقد أكلوا جميعا يوم أكل الثور الأبيض. لكن من الضرورى ألا نترك الأمر فى يد مخططى وكالة المخابرات الأمريكية، وأن نحرر الشعوب منهم بطريقتنا الخاصة، بدلا من هذا التحرير/الاستعمار الأمريكى الذى نشهد فصوله الوحشية فى العراق تدميرا ومحوا للتاريخ والذاكرة؟

      دور المثقف

      أكرر لم يعد الصمت ممكنا، ولا بد أن يعلو صوت المثقف الحر وأن يسمع له. ولكنى أعرف أن المثقف العربى الذى يحترم قلمه وكلمته لم يكن صامتا أبدا، بل ظل يعارض كل أسباب التردى والهوان فى الواقع العربي. لكن هذه المعارضة لم تمنع الكارثة من الوقوع. لذلك على المثقف العربى أن يسأل نفسه عما جعل هذه الأنظمة الخائرة التى عرتها أحداث الأسابيع الثلاثة الأخيرة من ورقة التوت، وبرهنت على عجزها وعنتها (من العنت والعنة معا)، وأثبتت أمام الشعوب العربية كلها ألا قيمة لها فى الواقع الدولي، قادرة على تهميش دوره، وتبديد جهده، وتزييف رؤاه. كيف استطاعت مثل هذه الأنظمة العربية الفاقدة للصدق والمصداقية أن تحجم صوت الثقافة العربية الأصيل؟ وأن تغرق معارضاتها فى طنين القطيع الإعلامى المأجور الذى أحال عددا من حراس الكلمة إلى كلاب لحراسة الأنظمة العربية، وتسويغ مشروعيتها العارية من المشروع والمصداقية؟ وأهم من هذا كله كيف استطاعت تبرير هزائمها المتتالية التى أحالت نصف القرن العربى الماضى منذ نكبة فلسطين إلى زمن للهزائم المتلاحقة والهوان. فلا يستطيع شعب مهزوم أن يبنى حداثته أو يحمى حقوقه، أو يرسخ ممارساته الديموقراطية. لا بد أن يخرج الشعب العربى من أسر هذا الإحساس المر بالهزيمة والكرامة الجريحة التى تغرقها جراحها فى الصمت وانعدام الفاعلية. وليس أجدر بإخراج الشعب من هذه الحالة إلا المثقف والثقافة. فبهما معا يمكن وضع كل النقاط على كل الحروف، والكشف عن عرى النظام العربى الخائر الذى وقف مشدوها ومتفرجا أمام فتوة قوى مفتول العضلات ينهال ضربا على رجل يعانى من المرض والجوع والحرمان من الدواء طوال اثنى عشر عاما. ليس غريبا أن ينتصر هذا البلطجى الأمريكى المدجج بأحدث الأسلحة على العراق المحاصر منذ عام 1990، ولكن الغريب هو هذا الموقف العربى العاجز العارى من كل شهامة عربية، والمناقض لمشاعر الشعب العربى كله.

      حق المعرفة

      وليبدأ المثقفون بتبنى هذا الحق الإنسانى البسيط: حق المعرفة. وليبدأ بحق معرفة ما جرى فى العراق حقا، وما يجرى فى الواقع العربي. فبدون المعرفة الصلبة لا يمكن محاسبة من اعتدى ومن شارك فى العدوان، ومن تخاذل عن الدفاع عن الحق العربي. وبدون المعرفة لا يمكن أن نتعلم من التاريخ ومن التجارب الأليمة التى يعيشها الشعب العربى المكلوم واحدة إثر الأخري. لأن السيطرة على المعرفة هى السيطرة على المصير، والتمكن من أدوات رسم خريطة المستقبل. ومع حق المعرفة يبدأ حق طرح الأسئلة الصعبة عن لماذا جرى ما جري؟ وكيف وصل بنا الحال إلى هذه الدرجة من العجز والتردى والهوان؟ كيف هان العرب على أنفسهم فهانوا على العالم كله؟ كيف أصبح العالم العربى برمته يعانى من مشكلة فقدان المشروع الوطني، وفقدان الأبجدية الوطنية التى ترسم أولويات الوطن وتحدد مسار سياسياته وفقا لها؟ لماذا أصبح العرب الكتلة المستباحة فى هذا الزمن الجديد يتجرأ عليهم من لا يتجرأ على غيرهم؟ ألا نذكر كيف كانت الولايات المتحدة نفسها، التى تستخدم فى نفاق واضح ذريعة تخليص العالم من أسلحة الدمار الشامل، وهى أكبر حائزة لهذه الأسلحة، وحليفتها الصهيونية تمتلك أكبر ترساناتها فى المنطقة، تطالب بمحاربة العراق الذى ينفى أن لديه هذه الأسلحة، وتصر على التعامل بشكل سلمى مع كوريا الشمالية التى تعترف بامتلاكها لها؟ لماذا إذن هان العرب ولم يهن غيرهم؟ تتمرغ أنظمتهم فى وهاد التبعية، ومع ذلك أو بالأحرى بسببه، لا تحظى شعوبهم أو حكامهم بأى ذرة من الاحترام فى الساحة الدولية، ولا يستمع أحد لشقشقاتهم الفارغة؟ فمنذ أن استطاع الحكام العصف بالشعوب، استطاع الآخرون العصف بالحكام المعزولين عن شعوبهم والمحتقرين منهم. ولأن الشعوب لا تحترم حكامها، فإننا لا نستطيع أن نلوم الآخرين إن هم لم يحترموا هؤلاء الحكام.
      فما لا بد أن نفهمه كأولى خطوات حق المعرفة هو هذه الانعطافة الجهنمية فى الغزوة الأمريكية الظالمة على العراق. وكيف تحول الانتصار العسكرى لأكبر آلة عسكرية عرفتها البشرية على نظام عربى منهك يعانى من الحصار لأكثر من عشر سنوات إلى تدمير للذاكرة العراقية ومحو للتاريخ العراقى كله. التاريخ بمعناه اليومى والمدني، وليس بمعناه المدون فحسب. لأن مشاهد حرق الوزارات ومؤسسات الدولة العراقية المختلفة، ولست أتحدث هنا عن استهداف الآلة العسكرية الأمريكية للوزارات والقصور الرئاسية ومبنى الإذاعة والتليفزيون بأرشيفه الموسيقى والصوتى فحسب، ولكنى أتحدث عن أعمال السلب والنهب ثم الحرق التى تلت يوم الإثنين 7 أبريل 2003، وهو اليوم الذى ضربت فيه كل مكاتب محطات التلي÷زيون العربية التى كانت تصور من بغداد مباشرة. وتمت فيه الطبخة التى تخلى فيها النظام العراقى عن كل مقاومة فى بغداد على أيدى كونداليزا رايس فى زيارتها المفاجئة لروسيا. أكان هذا الضرب نوعا من عصب الأعين حتى لا نرى فصول المؤامرة البشعة التى لم تكن الحرب تحقق بعض مخططاتها بدونها. وهى مؤامرة مسح التاريخ العراقى الحديث والذاكرة العراقية الحديثة بكل أرشيفها ووثائقها. ألا يذكرنا هذا بما يقوم به العدو الصهيونى يوميا لمسح كل أثر للذاكرة التاريخية الفلسطينية بالمعنى اليومى والمدني. إننى أتحدث هنا عما سماه الإعلام بأعمال النهب والسلب، والتى مهد لها قائد القوات البريطانية فى البصرة قبلها بأيام ثلاثة، يوم الجمعة 4 أبريل عندما صرح بأن من الطبيعى أن ينقض شعب مكبوت على مؤسسات النظام. وأنه ليس من وظيفة القوات العسكرية الغازية القيام بدور الشرطة. ألم يكن هذا تشجيعا مبطنا على أعمال السلب والنهب.

      حرق الوثائق والتاريخ

      ولا يهمنى هنا سلب قصور قادة النظام العراقى ودورهم التى بنيت بأموال الشعب المنهوبة أصلا. ولكن ما أتحدث عنه هو حرق أرشيفات الحياة المدنية من وثائق الميلاد والزواج والوفاة، وتدمير الجامعات وحرق أرشيفاتها ومكتباتها. فليس أمام العراقى العادى من وسيلة لإثبات حصوله على مؤهل ما الآن بعد حرق هذا كله. أو حتى إثبات أنه مواطن عراقي، له شهادة ميلاد أو وثيقة زواج. فسوف يمرر الكثيرون على أنهم عراقيون حتى لو لم يطأ أى منهم أرض العراق فى زمن الاستعمار الجديد. وكان هذا كله يدور، وكأنما بتنسيق غريب وخطة جهنمية، فى وقت واحد فى أماكن متباعدة برغم انقطاع كل سبل الاتصال. فى جامعات البصرة وبغداد والمستنصرية، ثم الموصل بعد ذلك. ما أتحدث عنه هو نهب محتويات المتحف العراقى وتدمير ما لم يمكن نهبه منه. وبلوغ ذلك كله ذروة من الجنون والعبث فى حرق المكتبة الوطنية، أو دار الكتب والوثائق الوطنية العراقية التى تضم كنوزا من المخطوطات العربية والبابلية النادرة. وكأن المستعمر الجديد يريد أن يتسلم عراقا ممسوحة الذاكرة، مسلوبة التاريخ، مغيبة العقل، فاقدة الثقافة والهوية، يشكلها حسبما يريد. وقد يبرر البعض أعمال سلب البيوت والقصور بالكبت والحرمان بعد سنوات طويلة من الاستغلال والقهر والعقوبات. وقد يبرر سقوط بغداد السريع بأنه حينما يصبح الحاكم أهم من الوطن، وتنحرف وظيفة الجيش من الدفاع عن الوطن، وحماية مقدساته، والذود عن حدوده، إلى الدفاع عن شخص الحاكم ومؤسسته، يصبح انهيار الجيش فى أى مواجهة مع العدو أمرا محتوما. وتعم الفوضى عادة مع كل انهيار. ولكن لا يمكن بأى حال من الأحوال تبرير هذا المحو المنظم للذاكرة العراقية والتاريخ العراقي، والثقافة العراقية والهوية القومية العربية للعراق.

      التهرب من المسؤولية

      اللهم إلا أن المستعمر الجديد يريد طرح مسؤوليته عن الدمار على كواهل العراقيين أنفسهم حينما ينهض شعب العراق ويطالب بالتعويض عما ألحقته به الآلة العسكرية الأمريكية الأنجليزية الغاشمة من دمار. لأنه لو لم يفعل ذلك آجلا أو عاجلا فلن تقوم لنا قائمة. ولنا فى المقولة الشكسبيرية فى "تاجر البندقية" معيار يمنح المعتدى حق رطل اللحم الذى أعلن على العالم أن العراق مدين له به، وهو أسلحة الدمار الشامل كما يقولون، إن وجدت. ولكن عليهم أن يدفعوا ثمن كل قطرة دم أريقت فى سبيل حصولهم على رطل اللحم ذاك. هذا إذا وجدوا أسلحة الدمار الشامل التى لم يعثر لها على أثر حتى الآن، ويبدو أن أمرها قد نسى فى غمرة الحماس لسقوط النظام العراقي. ناهيك عن مسألة أخرى بالغة الأهمية وهى استخدام التحالف الأنجلو أمريكى لليورانيم المنضب depleted uranium فى حملته العسكرية الغاشمة على العراق. واستخدام اليورانيوم المنضب من جرائم الحرب، وفقا للقانون الدولي، فهل من حاكم عربى يريد أن ينقذ نفسه من اهمال التاريخ ليرفع قضية دولية ضد هذا التحالف؟ إن هذا السلاح قد تم تصنيفه من قبل الأمم المتحدة نفسها على أنه من أسلحة الدمار الشامل. فما معنى أن يستخدم التحالف الأنجلو أمريكى أسلحة الدمار الشامل إذا ما كان هدفها هو تخليص العراق من أسلحة الدمار الشامل وعدم استخدامها؟
      تهاوى النظام العربي
      لكن السؤال الآن، لأن أمر هذه الانعطافة الجهنمية فى مسار الأحداث فادح وثقيل، ولن نعرف كل تفاصيله حتى تمر فترة طويلة من الزمن، ويتم توثيق كل ما دار، هو كيف وصل بنا الحال إلى هذا الحضيض؟ وما هو سر هذا الهوان العربى حيث كل المصالح الأمريكية فى المنطقة مصانة وبغداد تسقط والعراق تدمر، وأمريكا تتشدق بقدرتها على اجتياحه وانتهاكه حسبما تشاء؟ وكأنما يريدون إثبات قدرتهم على اغتصاب العراق المستباح بينما أهله لا يتفرجون فحسب، بل يساعدون المغتصب. للإجابة على هذا السؤال المحورى لا بد من تأمل حقيقة النظام العربى الراهن ومساءلة الأسس التى تنهض عليها مشروعيته أو بالأحرى فقدانه الراهن للمشروعية. فالنظام العربى الراهن الذى نعيش الآن أولى فصول تهاويه ــ فما حدث فى العراق هو البداية وليس النهاية ــ هو النظام الذى انبثق عن الغضبة العربية الشعبية العارمة على ما حاق بالعرب من نكبة فى فلسطين. ولأن النكبة كانت عربية شاملة، بالرغم من أنها حدثت فى فلسطين، فإن الأيديولوجية السائدة لهذا النظام الجديد كانت عربية الطابع، سواء فى قومية جمال عبد الناصر العربية، أو فى عروبة حزب البعث الذى وصل للسلطة فى كل من العراق وسوريا، أو حتى فى غيرها من التيارات القومية أو الاشتراكية التى سعت إلى تحقيق عملية التحديث العربية فى مختلف البلدان العربية، من مصر حتى بلدان المغرب العربى المختلفة، ومن العراق حتى سوريا ولبنان إلى حد ما. وكان انشغالها بالهاجس العربى الفلسطينى خاصة يتدرج من حيث بروزه فى الخطاب السياسي، وفاعليته فيه، بحسب قرب النظام الحاكم أو بعده عن القلب الفلسطينى الذى كانت نكبته سببا فى وجوده. وكما يولد أى نظام جديد نقيضه فى داخله، فقد كان نقيض هذا النظام العربى المنشأ، التحررى التوجه، التحديثى النزعة، هو المجموعة المحافظة فى الجزيرة العربية والخليج. ومع أن هذا النظام العربى الجديد كان فى صراع مستمر مع نقيضه الداخلى فى الجزيرة العربية، ونقيضه الخارجى فى الكيان الصهيونى الذى زرع فى المنطقة نتيجة للنكبة، فإن هذا النظام لم يفطن أبدا إلى التحالف الجوهرى أو الاستراتيجى المضمر بين النفيطيات العربية والعدو الصهيونى من خلال راعيتهما معا، ومنسقة مسارات حركاتهما، الولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا كان من اليسير جر هذا النظام الجديد من هزيمة إلى أخرى على مد نصف قرن من الزمان. بينما كل من النقيض الداخلي، والعدو الخارجى يزدادان قوة وسطوة فى الواقع الذى سيطر عليه هذا النظام العربي، وذلك بفضل دعم الولايات المتحدة لهما، وعملها المستمر ضد النظام القومى العربى الذى ما أن يبنى حجرا فى أى بلد عربى حتى تقتلعه الهزائم والحروب.

      تحالف النفط والصهيونية

      لكن هذا التحالف المضمر بين حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية الأساسيين فى المنطقة، أى بين النفط والصهيونية، قد غدا ظاهرا للعيان فى الحقبتين الأخيرتين من القرن العشرين. صحيح أن الأيديولوجية المحافظة للنفيطيات العربية بزعامة النظام السعودى فى الجزيرة العربية استطاعت لزمن طويل أن تخفى تحالفها المضمر مع الصهيونية برداء من الدفاع عن الإسلام. وأن تكرس دعمها السياسى للتيارات السياسية المناهضة للعروبة والتحديث فى قلب العالم العربى من مصر وحتى الجزائر فى حرب النظام العربى التحديثى من ناحية، وفى تعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية والتى كانت لها مصالح مباشرة فى حرب هذه الأنظمة التحديثية العربية التى تبنى بلدانها، واستخدامها للمشروع الصهيونى فى تدمير مشروعاتهم من ناحية أخري. هذا وقد أتيح لهذا التيار المعادى للنهضة العربية بزعامة النظام السعودى فى الجزيرة العربية أن يقدم خدمة جليلة للولايات المتحدة فى حربها الباردة من الاتحاد السو÷ييتى من خلال قضية المجاهدين الذين منحوا الروس "فيتنامهم" الخاصة حسب التعبير الأمريكي، والتى ساهمت بدورها فى انهيار النظام الاشتراكي. لكن هذا الأمر سرعان ما انقلب السحر فيه على الساحر كما يقولون، وأخذ العائدون من حرب أفغانستان يطالبون بنظام إسلامى فى الجزيرة العربية من ناحية، ثم يعارضون الوجود العسكرى الأمريكى فيها والذى ترسخ بعد حرب تحرير الكويت عربيا واستعمارها أمريكيا. وبلغ هذا الأمر ذروة مفصلية فى أحداث 11 سبتمبر الشهيرة والتى دفعت اليمين الأمريكى إلى إعادة النظر فى تحالفاته مع اليمين العربى المحافظ، والمناداة بتغيير النظام السعودى فى الجزيرة لأنه هو الذى أفرخ تنظيم القاعدة وموله.

      عملية السقوط

      وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية، ونظامها العالمى الجديد، قد اصبحت القوة العظمى الوحيدة بعد إخراج الاتحاد السو÷يتى من معادلة القوة بمعونة المجاهدين وتضحياتهم، فإنها أخذت فى الانقلاب عليهم بعد أحداث 11 سبتمبر. واستمدت من قوتها وشراستها مزيدا من الغطرسة للسيطرة على الواقع العربى الراهن برمته، واستهداف آخر فلول النظام العربى التحديثى فى العراق أو سوريا أو حتى ليبيا. حيث بدأت إعادة ترتيب أولوياتها فى العالم العربى بصورة قد يؤدى إلى تقليل اعتمادها على أحد شقى التحالف التقليدى بين النفط والصهيونية فى المنطقة. وكان لا بد أن يجيء الدور على العراق بأسلحة الدمار الشامل أو بدونها. خاصة بعد انقلاب السادات على النظام الناصرى ــ وإن ظل النظام السياسى المصرى حتى اليوم يستمد شرعيته من ثورته برغم انقلابه الكامل على خطابها وأيديولوجيتها ــ وبعد استقواء اليمين العربى بانهيار المنظومة الاشتراكية برمتها والتى كانت الحليف الأساسى للنظام الوطنى التحديثى العربي. ناهيك عن غطرسة القوة الصهيونية بعد تكريس هزيمة يونيو ــ عقب إخفاق حرب أكتوبر فى تحرير الأرض العربية، أو حتى المصرية، وفق مقولة ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها ــ بفتح سفارة للعدو الصهيونى فى أكبر عاصمة عربية. وبعد فصل مصر عن القضية العربية الأساسية فى فلسطين بمعاهدات كامب ديفيد المشؤومة، وتمكين الولايات المتحدة من السيطرة على السياسة المصرية التى وضعت بيضها فى السلة الأمريكية منذ زمن الانفتاح الساداتى وحتى اليوم. وهكذا فقد النظام العربى الذى انبثق عن نكبة فلسطين شرعيته منذ معاهدات كامب ديفيد، وأصبح من الضرورى لإكمال انتصار حلف النفط والصهيونية عليه استئصال آخر فلوله كى يمكن التضحية كلية بالقضية الفلسطينية التى أنجبته.

      فقدان الشرعية

      وهذا فى واقع الأمر هو سر فقدان النظام العربى الراهن للمشروعية فى أعين الشعب العربى قببل أى شيء آخر. ولا بد من الاعتراف بداءة بأنه ليس لدينا فى العالم العربى كله نظام سياسى واحد تنهض مشروعيته على عقد التراضى بين الشعب والحاكم من خلال انتخابات نزيهة أو مؤسسة ديموقراطية راسخة. فقد كانت شرعية النظم ذات المشروع التحديثى تنهض منذ ثورة 1952 فى مصر، وحتى الانقلابات التى جاءت بحزب البعث إلى السلطة فى العراق وسوريا على ما يدعى بالشرعية الثورية، وهى شرعية التعببير عن الأمانى الشعبية فى تصحيح الوضع العربى الجائر الذى أنجب النكبة الفلسطينية، وفى تحقيق حد أدنى من التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وتوفير فرص الحراك الاجتماعى للطبقات المقهورة. وهذه العناصر الثلاثة: فلسطين والتنمية والعدالة الاجتماعية هى التى منحت المشروع الناصرى شرعيته وشعبيته. وهى التى ظلت وراء شرعية النظم التى استلهمت ثورته فى العراق أو سوريا أو اليمن. بل إننى أزعم القول إن هذه العناصر الثلاثة، مع وهن أولها بسبب البعد الجغرافى هى التى منحت النظام السياسى فى كل من تونس والجزائر على اختلافهما شرعيته. أما المغرب فهو حالة بالغة الخصوصية والتعقيد. لكن هذه الشرعية سرعان ما فقدت مصداقيتها بعد هزيمة 1967. وبعد أن أدار السادات ظهره لكل عناصر الشرعية الثورية الثلاثة، وبعد استشراء الفساد فى زمن خليفته المبارك ونهب أموال الشعب فيما يسمى "الخصخصة"، وتكبيل الحريات بقوانين الطوارئ لأكثر من عشرين سنة، وتوسيع الفجوة بين ناهبى أموال مصر وشعبها من المعوزين.

      ولم يكن فقدان الشرعية الثورية حكرا على مصر وحدها، بل لقد امتد إلى غيرها من النظم التى استلهمت تجربتها. وترعرع الفساد والاستبداد فى العراق وسوريا والجزائر وغيرها، وتخثر الحلم الشعبى فى التنمية أو العدالة الاجتماعية، فزاد تحثره من الغضب الشعبى الكظيم على الواقع والحكام معا. وأصبح من السهل، بعد فقدان النظم للشرعية، الانفراد بأى بلد عربى يرفض الانصياع الكامل للمخطط الصهيونى الأمريكى فى المنطقة. بينما ضمنت الولايات المتحدة فى الوقت نفسه حرية حليفتها الصهيونية فى التوسع المستمر فى الأرض العربية، والعصف بالشعب الفلسطينى الأبى والتنكيل به، دون أن يحرك أى من حكام النظم التى تستمد شرعيتها من نكبته ساكنا، اللهم إلا بعض الشقشقات اللفظية الفارغة والكاذبة، وأصبح سادتهم فى الغرب يتسامحون معها كى تفثأ الغضب الشعبي. لهذا كله أقول إن سقوط بغداد هو سقوط للنظام العربى برمته، وإن زلازل هذا السقوط لن تهدأ حتى تعصف بالنظام كله، ونقيضه اليمينى فى الجزيرة العربية الذى عاش على معارضته معا. والوعى بحتمية هذا السقوط هو الذى يضع على كاهل المثقف العربى الحر المستقل عن أجهزة هذا النظام الفاسد، والذى حافظ على استقلاله كالماسك بالجمر فى العقدين الأخيرين، مسؤولية رسم طريق التغيير، وبلوره منهجه، وصياغة رؤاه. وهو الأمر الذى يقتضى جهدا جماعيا لا طاقة لفرد واحد على القيام، ولا سبيل للأمة العربية للنهوض بدونه.
    • الف شكر
      علمتني علمتني وشلون احب علمني كيف انســــــــــى يابحر ضايع فيـــــــه الشط والمرســـــــــــــى علمتني وشلون احن علمني كيف اقســـــــــى
    • سقوط بغداد و سقوط الصنم صدام مع بقيه الاصنام , وبهدا يكون تم سقوط البعث للأبد















      السلطة المطلقة مفسدة مطلقة
      الرجال العظماء بتاريخنا المعاصر أغلبهم سيئون
      حتى وهم يحاولونالتأثير دونما سلطة
      إنه لا هرطقة أشنع من أن يمنح المنصب صاحبه نوعاً من القدسية