الخوارج بين الحقيقة والخيال!!!!

  • الخوارج بين الحقيقة والخيال!!!!

    هنا سؤال يطرح نفسه.. الخوارج*.. هل هم.. خيال وأوهام من نسج الكتاب؟!!.. أم أنهم حقيقة مؤلمة من تأريخنا الماضي؟!..
    قد يتبادر في ذهن.. أي قارئ.. أو مستمع.. عندما يقرأ أو يسمع.. كلمة الخوارج.. فإنه يتبادر في الذهن.. تلك الحقبة من الزمن.. في القرن الأول الهجري.. زمن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.. بعد معركة صفين.. التي دارت رحاها بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.. وقبول علي التحكيم.. ورفض فئة من جيشه مبدأ التحكيم.. حيث أنهم يرون أنه لا ينبغي لعلي أن يخدع في أمر التحكيم فيقبله ما دام يؤمن بأنه لا يحارب معاوية إلا من أجل الحق.. وحاولوا أن يقنعوا علياً على الرجوع عما اتفق عليه مع معاوية.. ولكن علياً لم يرجع عن شروطه.. وانحازوا عنه إلى حروراء وكانوا اثنى عشر ألف رجل من المقاتلة ومن هنا سميت الخوارج حرورية وكان زعيمهم عبدالله بن الكواء.. وشبث بن ربعي.. وخرج إليهم علي وناظرهم فظهر بالحجة عليهم.. فاستأمن إليه ابن الكواء في ألف مقاتل.. واستمر الباقون على ضلالهم.. وخرجوا إلى النهروان وأمروا عليهم رجلين منهم أحدهما عبدالله بن وهب الراسبي والثاني حرقوص بن زهير البجلي.. فسار إليهم علي بأربعة آلاف مقاتل.. وناظرهم قبل القتال.. وأقام عليهم الحجة.. ووقعت بينه وبينهم حرب النهروان وهزمهم وقتلهم شر قتلة.. وما تلاها بعد ذلك من القرون.. حيث ظهرت فئة من الناس.. تدين في ظاهرها بالإسلام.. لكنها انحرفت عن الطريق القويم.. والصراط المستقيم.. الذي خطه لنا الشارع الكريم.. فسفكت الدماء.. وسلبت الأرواح.. وهتكت الأعراض.. واغتصبت الأموال.. وروعت الآمنين.. ونهبت وسرقت.. وغيرها من المساوئ الذميمة.. والتي يعتبر فاعلها.. خارجاً من دائرة الإسلام وإن ادعاه.. ويتساوى مع أهل الشرك والأوثان.. هذا بالطبع حسب ما أوردته كتب الفرق والنحل وكتب التاريخ..

    كذبتم ليس ذاك كما زعمتم
    ولكن الخوارج مؤمنونا
    هم الفئة القليلة غير شك
    على الفئة الكثيرة ينصرونا


    *******************************************
    *إضاءة:
    الخوارج في السابق كلمة عظيمة كان يفتخر بها كل من ينتسب إليها.. ويتمنى أي شخص أن تنسب إليه هذه الكلمة.. فهي بمعنى أنهم خرجوا في سبيل الله ورسوله ضد الظلم والجور والطغيان.. خرجوا للإظهار حق ودحر باطل ورد المظالم إلى أهلها.. كقول عيسى بن عاتك الحبطي:
    كذبتم ليس ذاك كما زعمتم
    ولكن الخوارج مؤمنونا
    هم الفئة القليلة غير شك
    على الفئة الكثيرة ينصرونا
    وللرجوع إلى الدين الحق.. في تعاليم الإسلام الأولى على نقاوتها دون ترخص أو التواء.. وشعارهم في ذلك قول الله تعالى: { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ } (النساء: 100).. كما قال سميرة بن الجعد:
    فمن مبلغ الحجاج أن سميرة
    قلى كل دين غير دين الخوارج
    وأقصد من مقالي هذا.. تلك الفئة التي خرجت بعد التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رافضين مبدأ التحكيم..
    وقد سموا بالخوارج حيث يرون أن لفظ (الخوارج) مشتق من الخروج في سبيل الله واستشهدوا بقول الله تعالى :{ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } (النساء : 100)..
    وسموا بالحرورية نسبة إلى حروراء التي خرجوا إليها في أول أمرهم وهي قرية بجوار الكوفة..
    وسموا بالمحكمة لانكارهم الحكمين وقولهم : (لا حكم إلا لله)..
    وسموا بأهل النهروان نسبة إلى المكان التي دارت فيه المعركة بينهم وبين علي بن أبي طالب..
    وسموا بالشراة لأنهم باعوا أنفسهم لله تعالى لقوله سبحانه وتعالى : { إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }( التوبة: 111).. { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ} ( البقرة: 207).. ولقد كان جلهم من القراء والفقهاء الحريصون على الالتزام بالكتاب والسنة دون مواربة أو إلتواء أو خداع.. وتلك الفئة التي خرجت على أمراء التعسف والظلم والجور من بني أمية لإظهار حق ودحر باطل..
    ولكن أصبحت هذه التسمية بعد فترة من الزمن ذماً لا مدحاً بعدما لوا مخالفيهم رؤوس الأحاديث ليصيغوا أقوالهم لهواً في أنفسهم..
    فسموهم بالمارقة: وحسب زعمهم لمروقهم من الدين كما يمرق السهم من الرمية.. منه ما رواه جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم بالجعرانة فقام رجل فقال أعدل فإنك لم تعدل فقال: <<ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل>> قال عمر رضي الله عنه : دعني أضرب عنق هذا المنافق.. فقال : <<دعه فإن هذا مع أصحاب له أو في أصحاب له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية>> المنتقى لابن الجارود [1083] ج1 ص272) ..
    وعن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه قالوا لا حكم إلا لله فقال كلمة حق أريد بها باطل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناساً أني لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم وأشار إلى حلقه أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه حلمة ثدي فلما قتلهم.. قال: انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئا.. قال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا.. ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه.. قال: عبيد الله وأنا حاضر ذلك من أمرهم.. وقول علي رضي الله عنه فيهم"(سنن البيهقي الكبرى ج8 ص171)..
    وعن سعيد الخدري قال : بينا نحن ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم.. قال : يا رسول الله اعدل فقال :<< ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل>>.. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله ائذن إلي فيه أضرب عنقه.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : <<دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة ومثل البضعة تدردر يخرجون على حين فترة من الناس>>.. قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته" (سنن البيهقي الكبرى ج8 ص171) ..
    وهكذا فقد ألصقوا هذا التهمة وهي المروق من الدين بالنفر الذي أنكر التحكيم.. وحاكوا عن حرقوص بن زهير السعدي كثير من الأحاديث والأخبار والقصص والروايات لتثبت أن هذه الفئة بالتحديد هي التي قصدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلامه مثل بذي الثدين .
    وليس قصدي في مقالي هذا بمعناها القبيح السائد الآن لدى الكتاب والمؤرخين وكتاب الفرق والنحل ولدى بعض المسلمين وهو الخروج عند الدين ولا المقصود تلك الفئة التي استباحت دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم كالأزارقة والنجدات والصفرية وغيرهم إن ثبت صحة ما روي عنهم.
    =====================================
  • تابع.. الخوارج بين الحقيقة والخيال!!!

    وإن كنت أشكك في كثير من هذه الأقوال والادعاءات.. وأشك في كثير من الأخبار والقصص والروايات.. وأشك في مصداقية كثير من الكتب والمصنفات*.. لأنه في تلك الحقبة المريرة المؤلمة.. انبرت بعض الأيادي المغرضة.. والأقلام المستأجرة.. من أصحاب العقول المشوهة.. والضمائر المتحجرة.. أخذت تشوه الحقائق.. وتبدل في الوقائع.. وتغير في الأقوال.. وتختلق الأخبار والقصص والروايات.. وتضع الأحاديث المكذوبة ضد مناوئيها.. وتلوي أعناق الآيات.. وتزيد وتنقص في الحوادث والوقائع.. وتسجل كل ما يملي لها الهوى والتعصب البغيض.. وما تطلبه منها السلطة الحاكمة الجائرة الظالمة.. فسجلوا بأن المحكمة وأهل النهروان وكل من سلك طريقهم.. وأتبع آثارهم.. وأنتهج منهجهم.. يعتبر خوارج وفئة مارقة من الدين.. وضالة عن الصراط المستقيم.. لأنهم يكفرون بأتفه الأسباب.. ويسفكون دماء المسلمين.. ويقتلون النساء والأطفال ممن لا يوافقونهم الرأي.. ويستحلون أموالهم وأعراضهم.. وتجدهم يختلفون فيما بينهم في أقل أمر.. وأنهم متوحشون همج.. قتله وبدو جفاه.. وكانوا حديثي العهد بالإسلام.. فليست لهم دراية بتعاليمه.. ولا بشرعه وأحكامه.. ولم يكتفِ هؤلاء المرتزقة الحاقدون على الإسلام وأهله.. بأن يلصقوا هذه التهمة في فئة معينة.. وإنما ألصقوا هذا المسمى.. على كل فرقة تناهض الحكم القائم.. على الاستبداد والقسوة والبطش.. والظلم والجور والتعسف..
    إني أدين بما دان الشُّراة به
    يوم النُّخيلة عند الجوسق الخرب
    النافرين على منهاج أولهم
    من الخوارج قبل الشكِّ والرِّيب
    قوماً إذا ذُكِّروا بالله أو ذكروا
    خرُّوا من الخوف للأذقان والركب

    ************************************

    *إضاءة :
    ذكرت كتب الفرق والنحل أن الخوارج انقسمت إلى عشرين فرقة.. وكل فرقة تخالف الأخرى في بعض تعاليمها.. ومن أشهر فرقهم:

    * المحكمة الأولى : وهم أتباع عروة بن حدير وأخوه مرداس ويزيد بن عاصم المحاربي كانوا مع علي بن أبي طالب في صفين.. فلما رأوا اتفاق الفريقين على التحكيم حمل أحدهم على أصحاب معاوية.. وقتل منهم رجلاً.. وحمل على أصحاب علي وقتل منهم رجلاً.. ثم نادى بأعلى صوته ألا أني قد خلعت علياً ومعاوية.. وبرئت من حكمهما ثم أن جماعة ممن كانوا مع علي في حرب صفين استمعوا منه ذلك الكلام واستقرت في قلوبهم تلك الشبهة.. وبعد ان عاد علي إلى الكوفة انشقوا عنه وذهبوا إلى حروراء وكانوا اثنى عشر ألف رجل من المقاتلة ومن هنا سميت الخوارج حرورية.. وكان زعيمهم يومئذ عبدالله بن الكواء وشبث بن ربعي.. وخرج إليهم علي وناظرهم فظهر بالحجة عليهم.. فاستأمن إليه ابن الكواء في ألف مقاتل.. واستمر الباقون على ضلالهم.. وخرجوا إلى النهروان وأمروا عليهم رجلين منهم أحدهما: عبدالله بن وهب الراسبي.. والثاني: حرقوص بن زهير البجلي.. وكان يلقب بذي الثدية.. والتقوا في طريقهم إلى النهروان برجل رأوه يهرب منهم.. فأحاطوا به وقالوا له: من أنت؟ قال : أنا عبدالله بن خباب بن الأرت.. فقالوا له : حدثنا حديثاً سمعته عن أبيك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سمعت أبي يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم.. والقائم خير من الماشي.. والماشي خير من الساعي.. فمن أستطاع أن يكون مقتولاً فلا يكون قاتلاً>>.. فقتله رجل من الخوارج.. كما قتلوا ولده وجاريته أم ولده.. فلما علم علي بن أبي طالب سار إليهم بأربعة آلاف مقاتل.. وأقام عليهم الحجة.. واستأمن إليه منهم يومئذ ثمانية آلاف.. وقاتل منهم أربعة آلاف.. ونصر الله علياً عليهم وقتلهم شر قتلة.. ولم يفلت منهم غير تسعة أنفس.. ذهب منهم رجلان إلى سجيستان.. ورجلان إلى اليمن.. ورجلان إلى عمان.. ورجلان إلى الجزيرة.. ورجل إلى تل موزن.. ومن أفكارهم ومعتقداتهم أنه يكفر المسلم في اعتقادهم بارتكاب معصية ما.. ودون تفريق بين معصية وأخرى.. أو صغيرة وكبيرة.. حتى ولو أنزلق إليها خطأ أو بدافع أجتهادي.. كأن أجتهد فأخطأ فهي خطيئة يكفر صاحبها.. وغيرها من الآراء والفرق التي نسبت إليهم..

    * الأزارقة : وزعيمه نافع بن الأزرق وانتهت زعامتهم إلى قطري الفجاءة وكان نفوذهم بالقرب من البصرة وبفارس وكرمان وهذه الفرقة هي أكثر فرق الخوارج عدداً وأعظمها قوة وأشدها تطرفاً وتصلباً وقد قضى عليهم المهلب بن أبي صفرة ومن أقوالهم : إن من أقام من المسلمين في دار الكفر فهو كافر ويرون قتال النساء والأطفال ويحتجون بقول الله تعالى :  {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} ( نوح: 26) وبالتالي يباح استرقاق مخالفيهم.. ويباح قتل من قعدوا عن القتال.. ويعتبر أطفال مخالفيهم في النار.. ولا يقرون حد الرجم ويقولون ليس في القرآن إلا حد الجلد للزاني والزانية.. وغيرها من الآراء والفرق التي نسبت إليهم..

    * النجدات : وزعيمه نجدة بن عامر وكانوا باليمامة والبحرين وحضرموت وقد انشقت هذه الفرقة عن الأزارقة وانتهت على يد عمر بن عبدالله بن معمر قائد الحجاج . خالفوا الأزارقة في تكفير قعدة الخوارج واستحلال قتل الأطفال.. كما خالفوهم في حكم أهل الذمة الذين يكونون مع مخالفيهم حيث قالوا بإباحة دمائهم كما أبيحت دماء من يعيشون في كنفهم من المسلمين.. ويرون أن أقامة إمام ليست واجباً شرعياً بل هي واجب وجوباً مصلحياً.. والذي تفردوا به أنهم قالوا إن المخطئ بالجهل يعذر فمن استحل شيئاً من طريق الاجتهاد مما هو محرم فهو معذور على جهله وقالوا : ومن خاف العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام حتى تقوم عليه الحجة فهو كافر.. وقالوا : إن أصحاب الحدود المذنبين منهم غير خارجين من الإيمان والمذنبين من غيرهم كفار وقالوا : لا ندري لعل الله يعذب المؤمنين بقدر ذنوبهم في غير النار وقالوا : من أصر على نظرة محرمة أو كذبة فهو مشرك ومن زنى أو سرق غير مصر فهو مسلم.. وغيرها من الآراء والفرق التي نسبت إليهم..

    * الصفرية : وزعيمهم عبدالله بن الصفار وزعم قوم أن الذي نسبوا إليه هو زياد بن الأصفر وهم يقولون : إن كل ذنب مغلط كفر وشرك وكل شرك كيادة للشيطان والصفرية يجيزون مناكحة المشركين والمشركات وأكل ذبائحهم وقبول شهاداتهم ومواريثهم ويحتجون بأن النبي r زوج بناته من المشركين في دار التقية وغيرها من الآراء والفرق التي نسبت إليهم..

    * العجاردة : وهم أتباع عبدالكريم بن عجرد.. وكان عبد الكريم من أتباع عطية بن الأسود الحنفي.. الذي خرج على نجده.. وذهب بطائفة من النجدات إلى سجستان.. وأنهم لهذا قريبون من منهاجهم من النجدات.. أذ هم انبعثوا من أصل نحلتهم.. ومن آرائهم يجب البراءة عن الطفل حتى يدعى إلى الإسلام.. ويجب دعاؤه إذا بلغ حتى يقر بدين الإسلام.. لا يرون وجوب الهجرة إليهم بل يستحبونها ويعدونها مفضلة.. لا يستبيحون أموال مخالفيهم ولا يأخذونه فيئاً إلا إذا قتلوه.. ولا يقتل من لا يقاتل.. ينكرون كون سورة يوسف من القرآن ويزعمون أنها قصة من القصص.. قالوا لا يجوز أن تكون قصة العشق من القرآن.. يجيزون نكاح بنات البنين.. وبنات الأخوة.. وبنات بني الأخوة.. ويقولون : إن الله حرم البنات وبنات الأخوة وبنات الأخوات.. وغيرها من الآراء والفرق التي نسبت إليهم..

    * البيهسية: وهم أصحاب أبي بيهس هيصم بن جابر.. ومن آرائهم أنه زعم أن لا يسلم أحد حتى يقر بمعرفة الله تعالى.. ومعرفة رسله.. ومعرفة ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام.. والولاية لأولياء الله تعالى.. والبراءة من أعداء الله.. والإيمان عنده أن يعلم كل حق وباطل.. وأن الإيمان هو العلم بالقلب دون القول والعمل.. وغيرها من الآراء والفرق التي نسبت إليهم..

    * الإباضية : أصحاب عبدالله بن أباض الذي خرج أيام الدولة الأموية وكان معاصراً لمعاوية بن أبي سفيان وعاش إلى أواخر أيام عبدالملك بن مروان وكان لهذه الطائفة دولة في عمان جنوب شرق جزيرة العرب وفي المغرب العربي ومن أفكارهم ومعتقداتهم: أجمعت الأباضية على القول بإمامة عبدالله بن أباض.. وافترقت فيما بينها فرقاً.. يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة ـ يعنون مخالفيهم من هذه الأمة ـ براء من الشرك والإيمان.. وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار.. وأجازوا شهادتهم.. وحرموا دمائهم في السر واستحلوها في العلانية.. وصححوا مناكحتهم والتوريث منهم.. وزعموا أنهم في ذلك محاربون لله ولرسوله لا يدينون دين الحق.. وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض والذي استحلوه الخيل والسلاح فأما الذهب والفضة فإنهم يردونها على أصحابها عند الغنيمة وقالوا إن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل.. فإن تاب وإلا قتل.. وقالوا من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم أستتيب فإن تاب وإلا قتل.. ليس من جحد الله وأنكره مشركاً حتى يجعل معه إلهاً غيره.. وغيرها من الآراء والفرق التي نسبت إليهم..

    هذا ما ذكرته كتب السير والفرق والتاريخ عن الخوارج وهذا ما ذكره المخالفون لهم ومناوئيهم بغض النظر عن صحة ذلك أو خطأه وهل استقوا معلوماتهم والتي ذكروها في كتبهم من مصدر موثوق نزيه وصادق أم من مدلس كذاب تغذى بالحقد وتشبع بالتعصب الأعمى.. ثم هل استقوا تلك المعلومات من مخالفيهم وأعدائهم ومناوئيهم أم من كتب الخوارج وأقوال زعمائهم.. وهل تدخلت العاطفة والهوى والمذهبية البغيضة في الكتابة أم ألجمت بالنزاهة والحيدة وتحكم العقل عند كتابة السطور..
    ============================================
  • تابع.. الخوارج بين الحقيقة والخيال!!!

    فقد يكون الخوارج ـ أقصد الفئة التي لم تستحل دماء المسلمين وأموالهم وإنما سلكت منهج الإسلام قولاً وعملاً ومنهجاً وسلوكاً وتطبيقاً والتي تعرف عند المخالفين بالمحكمة أو أهل النهروان* ـ وحسب وجهة نظري.. من الفئات التي ظلمها التأريخ.. وقسا عليهم الزمن.. وظلمهم الأخ والصديق.. أو بسبب حسد من عند أعدائهم.. لما رأوا من استمالة الناس إليهم.. مع ما اتصفوا به من رجاحة العقل وحسن البيان.. وسداد المنطق.. وقوة الحجة.. والنبل والكرم.. والعفة والفضيلة.. والأخلاق العالية الرفيعة.. وشدة عبادتهم وتبتلهم.. وخوفهم من الله.. وصلابتهم في الأمر بالمعروف.. والنهي عن المنكر..
    إذا ما الليل أقبل كابدوه
    فيسفر عنهم وهم ركوع
    أطار الخوف نومهم فقاموا
    وأهل الأمن في الدنيا هجوع
    لهم تحت الظلام وهم سجود
    أنين منه تنفرد الضلوع


    وكانوا لا يخافون في الله لومة لائم.. وبسبب ابتعادهم عن الكذب والخيانة.. وعن الغدر والتملق للحكام.. مع ما وصفوا به أيضاً من الصدق والأمانة.. وما اتصفوا به من حفظ العهود والمواثيق.. وغيرها من الصفات الحميدة.. والقيم النبيلة.. والأخلاق الفاضلة..
    هم قوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا
    أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
    بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن
    لأولهم يوم المعارك أول

    وهذه القيم والأخلاق التي اتصفوا بها لا تنم إلا عن ارتوائهم من رحيق النبوة.. وانغماسهم في حوض الرسالة.. وتقلبهم في أحضان الشريعة.. وذوقهم حلاوة الإيمان.. وبرد اليقين..
    إلا تجيئهم فإنهم
    رجف القلوب بحضرة الذكر
    متأوهين كأن جمر غضا
    للموت بين ضلوعهم يسري

    لهذا نسبت في حقهم أمور لم يفعلوها.. وأقوال لم يقولوها.. وحاكوا عنهم القصص والخيالات.. والتي ليست من الواقع في شيء .. حتى ينفر منهم الناس.. وبهذا يصبح من السهولة القضاء عليهم.. وإبادتهم من الوجود..
    وسائل عنهم ماذا يقدمهم
    فقلت فضل به عن غيرهم بانوا
    صانوا النفوس عن الفحشاء وابتذلوا
    منهن في سبل العلياء ما صانوا
    المنعمون وما منوا على أحد
    يوماً بنعمي ولو منوا لما مانوا
    قوم يعزون إن كانت مغالبة
    حتى إذا قدرت أيديهم هانوا

    وإن كان بعض الذي قيل عن الخوارج صحيح.. فهي فئة خرجت عن المنهج الذي خطه لهم أسلافهم .. لجهلهم وفهمهم الخاطئ لمبادئ وأفكار ومعتقدات أسلافهم.. وإما بسبب الوضع الذي كان متوتراً في تلك الفترة.. وذلك العصر.. ـ وإن كنت لا أبرئهم أو أعذرهم في تطرفهم وسفكهم دماء المسلمين واستعراض الناس ـ فقد كانت سياسة الأمويين مبنية على الشدة والقسوة.. فكانت سياستهم سياسة بطش وجبروت.. فأطلقوا أيدي عمالهم في الأمصار يقتلون كل معارض لسياستهم.. وكانوا يأخذون بالظنة.. ويعاقبون على الشبهة.. ويقضون بالهوى.. ويقتلون على الغضب.. فكانوا يقتلون كل من يخالف رأيهم.. ومثلوا بالشيوخ والنساء.. حتى أن زياد ابن أبيه كان يعري النساء ويصلبهن بعد قتلهن.. كما قال الشاعر:
    إن من أعجب العجائب عندي
    قتل بيضاء حرة عطبول
    قتلت هكذا على غير جرم
    إن لله درها من قتيل
    كتب القتل والقتال علينا
    وعلى الغانيات جرُّ الذُّيول

    لقد كان ذلك العصر عصراً دموياً.. قلما نجد فرقة أو حزباً سياسياً يوطد دعائم سلطانه في قوم تتناقض آراؤهم وتكثر اختلافاتهم إلا ويستعمل سياسة القتل والبطش والتنكيل.. حتى يخض الجميع لسلطانه..
    وقد أظهر الجور الولاة واجمعوا
    على ظلم أهل الحق بالغدر والكفر
    وفيك إلهي إن أردت مغير
    لكل الذي يأتي إلينا بنو صخر
    فقد ضيقوا الدنيا علينا برحبها
    وقد تركونا لا نقرُّ من الدهر

    ****************************************

    *إضاءة :
    لقد خلط كثير من كتاب الفرق والمقالات وكتاب الملل والنحل وكتاب التاريخ بين المحكمة وأهل النهروان وهم أسلاف الأباضية ولقد سموا بالمحكمة لرفضهم تحكيم الرجال في دين الله اعتماداً على قوله تعالى :{ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} ( يوسف: 40 ) هم الذين قالوا لا حكم إلا لله وذلك حين اتفق الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية بن أبي سفيان على التحكيم في النزاع الواقع بينهم في موقعة صفين في العراق.. والتحكيم خدعة من معاوية وعمرو بن العاص قبلها الإمام علي بن أبي طالب بإرغام من منافقي أصحابه ولما رأى صالحوهم ذلك أنكروا وقالوا هذا أمر حكم الله فيه من قبل وهو قتال الفئة الباغية ولا حكم فوق حكم الله فقالوا هذه المقالة المشهورة : ( لا حكم إلا الله ) وخرجوا عن علي بعدما كانوا أنصاره وخلصاءه في قصة مشهورة في السير .
    وأول من أنكر التحكيم وقال بهذا عروة بن حدير التميمي وهو من رجال النهروان وسيفه أول سيف سُل من سيوف أباة التحكيم وحضر حرب النهروان فكان أحد الناجين منها وعاش إلى زمن معاوية فأتشهد في أيام عبيدالله بن زياد حيث قتله سنة 58 هـ الموافق 678م . ومن أشعارهم قول عمرو بن ذكينة الربعي:
    وإن لحقت بقوم كنت أوحدهم
    في جور سيرتهم فالحكم لله

    ومن ذلك قول سميرة بن الجعد منادياً بأن الحكم لله وحده ورافضاً حكم عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري فيقول :
    ينادون للتحكيم بالله أنهم
    رأوا حكم عمرو كالرياح الهوائج
    وحكم ابن قيس مثل ذلك فأعصموا
    بجبل شديد المتن ليس بناهج

    ومن العجب العجاب أن أصحاب الملل والنحل وكتاب الفرق والتاريخ ينسبون إلى الخوارج أشياء تنافي الإسلام ثم يعرجون إلى الأباضية ويزجونهم بهم زجاً في أتون الخوارج شاءوا أم أبوا ثم بعد ذلك يخففون من حدة قسوتهم لما لم يجدوا مستنداً أو دليلاً جلياً دامغاً يثبت هذا الإدعاء لوا أعناق جملهم وقالوا : إلا أنهم أخف وأقل ضرراً أو أقرب إلى الاعتدال أو إلى المذاهب السنية رغم أنه لا يوجد في كتب التأريخ والفرق أن الأباضية أشترك مع الخوارج في الحروب إلا عندما أتحدت كلمتهم في الدفاع عن مكة المكرمة ووقفوا مع عبدالله بن الزبير في وجه طواغيت بني أمية وخوفاً أن تستباح حرماتها كما أستبيحت حرمات المدينة المنورة وما عداها فهناك حروب طاحنة دارت بينهم سواء في المشرق أو المغرب لما خالفوا منهج الإسلام واستباحوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم وكتب التاريخ شاهدة على ذلك لمن أراد الإنصاف أو كانت بغيته الحق.. أما ما عداه فلم يكن هناك كتاباً أو أثارة من علم تجمع الأباضية مع الخوارج سواء إنكارهم التحكيم ورأيهم في الإمامة أنها لا تنحصر في قريش إذ كل مسلم صالح لها إذا ما توفرت فيه الشروط.. ومرتكب الكبيرة كافر ولا يمكن في حال معصيته وإصراره عليها أن يدخل الجنة إذا لم يتب منها.. وهذا من حق أي مذهب أن يجتهد وتبع الحق والدليل بغض النظر من أتى به ولو كان من المخالفين في الرأي أو المعتقد فهذا هو منهج الإسلام وروحه لمن لم يعميه التعصب عن أتباع الحق .
    إن الإباضية فرقة إسلامية عرفتها الساحة الإسلامية قبل أن تعرف بهذا اسم لأنها فرقة إسلامية نشأت في ظل الكتاب والسنة أثر بعض التطورات السياسية التي عرفها التاريخ الإسلامي في عهد الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .
    والإباضية نسبة إلى الإمام عبدالله بن أباض التميمي أحد الزعماء السياسيين البارزين الذين انشقوا عن الخوارج عندما رأى منهم ما لا يتماشى مع سماحة الإسلام وقد ظهرت هذه التسمية لأول مرة في العصر الأموي ولعل هذا كان في عهد عبدالملك بن مروان الذي كانت له مراسلات تاريخية معروفة مع الإمام عبدالله بن أباض أما التسمية التي أطلقها الإباضية على أنفسهم فهي ( أهل الدعوة ) إيماناً منهم بأن الإسلام رسالة ودعوة لا تتوقف وقد اشتهر ابن أباض بمعارضته الشديدة للسياسة الجائرة التي كان الأمويون يتسلطون بها على رقاب الناس كما عرف أيضاً بمواقفه الحازمة ضد الخوارج حيث كان يجادلهم ويبين تطرفهم ويتبرأ من أعمالهم كما تشهد بذلك النصوص التاريخية مما يوضح لكل منصف نزيه انقطاع كل صلة بين مبادئ الخوارج وبين مبادئ الإباضية .
    أما الإمام الحقيقي للإباضية فهو الإمام جابر بن زيد الأزدي المولود سنة ( 21 هـ ) والمتوفي سنة ( 93 هـ ) على أرجح الأقوال وبهذا يكون الذين ينتسبون إليه ويأخذون علمهم ودينهم عن طريقة أول المذاهب الإسلامية نشوء والإمام جابر بن زيد تابعي من أفاضل التابعين ومشاهيرهم أخذ العلم عن كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكفي تتلمذه المباشر لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعبدالله بن عباس بحر الأمة وفقيهها بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن تلامذته الذين تلقوا العلم ورووا عنه الأحاديث الصحاح منهم : قتادة شيخ البخاري وأيوب وابن دينار وضمام بن السائب وحيان بن الأعرج وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وعنه روى الربيع بن حبيب مسنده المشهور في الحديث..
    =========================================
  • تابع.. الخوارج بين الحقيقة والخيال!!!

    فالخوارج وبحسب ما لمسناه.. انقسموا إلى فريقين فريق التزم بمنهج أسلافه ـ أهل النهروان ـ من سماحة الإسلام وعدله.. ولم يقاتلوا مخالفيهم والحكومات الجائرة.. إلا من مبدأ الدفاع عن النفس.. وحفاظاً على الدماء والأموال والأعراض.. أو لإظهار حق ودحر باطل ورد المظالم إلى أهلها.. وفريق آخر انتسب إلى الخوارج وهم منهم براء.. فقد التحقوا بالخوارج إما لأغراض ومطامع دنيوية.. وإما لتشويه صورة الخارجين في سبيل الله وحتى يمتنع الناس عن نصرتهم أو التعاطف معهم.. وإما أن يكونوا من أعوان وجواسيس السلطة القائمة وحتى يسهل القضاء على الخارجين عليها بسهولة ويسر.. وحتى يصلوا إلى غرضهم الدنيء.. ومخططهم الخطير.. استحلوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.. واشتدوا على المسلمين.. وعظمت محنتهم.. وأولوا الكثير من آيات الله تعالى ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.. واستعملوا سيوفهم وقتلوا من لا يحل قتله.. ونهبوا الأموال.. واستعبدوا النساء والرجال بحجة أنهم مشركون.. وأنهم كاليهود والنصارى حسب تأويلهم.. ولقد تم لهم ما أرادوا.. وتحقق لهم ما خططوا له.. فقد حكم الناس على الجميع بالكفر.. ولم يمايزوا بين الفريقين.. أو يفرقوا بين الطرفين.. فاستحلوا دمائهم بحجة أنهم خرجوا عن منهج الإسلام.. وحاربوهم دون هوادة أو كلل أو ملل.. واستغلت السلطة الحاكمة هذه الفرصة السانحة.. وهذا الغبش في التصور.. وهذا الجهل في الأحكام.. وأطلقت أبواقها بأن جميع الخارجين عليها هم من الخوارج المارقة تستباح دمائهم.. وكثير من الشواهد والوقائع تثبت ذلك..
    تحكموا فاستطالوا في تحكمهم
    وعما قليل كأن الأمر لم يكن
    لو أَنْصَفُوا أُنصِفُوا لكن بغوا فبغى
    عليهم الدهر بالأحزان والمحن
    فأصبحوا ولسان الحال ينشدهم
    هذا بذاك ولا عتب على الزمن

    لقد نشأ الخوارج نشأة إسلامية حقيقية وصادقة.. ولم تكن حروبهم التي خاضوها.. إلا لهدف الرجوع إلى الدين الحق.. في تعاليم الإسلام الأولى على نقاوتها دون ترخص أو التواء..
    لله درُّ الشُّراة إنهم
    إذا الكرى مال بالطُّلا أرقوا
    يرجعون الحنين آونة
    وإن علا ساعة بهم شهقوا
    خوفاً تبيت القلوب واجفة
    تكاد عنها الصُّدور تنفلق

    وأتركك عزيزي القارئ مع هذه القصيدة الرائعة.. والتي تعبر عن فكر ومعتقد أهل الحق والاستقامة.. أو ما يسمون عند بعض المناوئين بـ( الخوارج أو المحكمة أو الشراة أو أهل النهروان أو الحرورية).. حتى تتمعن في منهجهم.. وتستضئ من نورهم.. وتقارن بين ما يدعيه المغرضون الحاقدون.. وبين ما هو واقع وحقيقي*..
    يا رب فاسلكني سبيلهم
    ذا العرش واشدد بالتقى أزري
    في فتية صبروا نفوسهم
    للمـشرفية والقنا السمر
    تالله ألقى الدهر مثلهم
    حتى أكون رهينة القبر
    أوفي بذمتهم إذا عقدوا
    وأعف عند العسر واليسر
    متأهبون لكل صالحة
    ناهون من لاقوا عن النكر
    صمت إذا احتضروا مجالسهم
    أذن لقول خطيبهم وقر
    إلا تجيئهم فإنهم
    رجف القلوب بحضرة الذكر
    متأوهون كأن جمر غضا
    للموت بين ضلوعهم يسري
    تلقاهم إلا كأنهم
    لخشوعهم صدورا عن الحسر
    فهم كأن بهم جوى مرض
    أو مسهم طرف من السحر
    لا ليلهم ليل فيلبسهم
    فيه غواشي النوم بالسكر
    ألا كذا خلسا وآونة
    حذر العقاب وهم على ذعر
    كم من أخ لك قد فجعت به
    قوام ليلته إلى الفجر
    متأوه يتلو قوارع من
    آي القرآن مفزع الصدر
    نصب تجيش بنات مهجته
    بالموت جيش مشاشة القدر
    ظمآن وقدة كل هاجرة
    تراك لذته على قدر
    تراك ما تهوى النفوس إذا
    رغب النفوس دعت إلى النذر
    ومبرأ من كل سيئة
    عف الهوى ذو مرة شزر
    والمصطلى بالحرب يسعرها
    بغبارها وبفتية سعر
    يختاضها بأقل ذي شطب
    عضب المضارب قاطع البتر
    لا شيء يلقاه أسر له
    من طعنة في ثغرة النحر
    كخليلك المختار أذك به
    من مغتد في الله أو مسري
    خواض غمرة كل متلفة
    في الله تحت العثير الكدر
    تراك ذي النخوات مختضبا
    بنجيعة بالطعنة الشزر
    وهم مساعر في الوغى رجح
    وخيار من يمشي على الأرض
    حتى وفوا لله حيث لقوا
    بعهود لا كذب ولا غدر
    فتخالسوا مهجات أنفسهم
    وعداتهم بقواضب بتر
    وأسنة أثبتن في لدن
    خطية بأكفهم زهر
    تحت العجاج وفوقهم خرق
    يخفقن من سود ومن حمر
    فتفرجت عنهم كماتهم
    لم يغمضوا عيناً على وتر
    فشعارهم نيران حربهم
    ما بين أعلى السحر والنحر
    صرعى فحاجلة تنوبهم
    وخـوامع لحمانهم تفري


    *********************************

    إضاءة :
    ومن منا لا يذكر تلك الخطية العصماء التي خطبها أبو حمزة الشاري رحمه الله في أهل المدينة عندما عابوا عليه بأن أصحابه جلهم من الشباب فقال رداً عليهم وواصفاً أصحابه: "وقد بلغني مقالكم في أصحابي وما عبتموه من حداثة أسنانهم ويحكم! وهل كان أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآله المذكورون بالخير إلا أحداثاً شباباً.
    شباب والله مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الشر أعينهم ثقيلة عن الباطل أرجلهم أنضاء عبادة قد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مر أحدهم بآية من ذكر الله بكى شوقاً وكلما مر بآية من ذكر النار شهق خوفاً كان زفير جهنم في أذنيه.
    قد أكلت الأرض جباههم وركبهم ووصلوا كلال الليل بكلال النهار مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من طول القيام وكثرة الصيام أنضاء عبادة موفون بعهد الله منجزون لوعد الله.
    قد شروا أنفسهم حتى إذا التقت الكتيبتان وأبرقت سيوفهما وأشرعت رماحهما لقوا شبا الأسنة (حدها) وشائك السهام وظبات السيوف ينحورهم ووجوههم وصدورهم فمضى الشاب منهم حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه واختضبت محاسن وجهه بالدماء وعفر جبينه بالثرى وانحطت عليه الطير من السماء وتمزقته سباع الأرض.
    فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله وكم من وجه رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد"
    ثم بكى وقال: "آه آه آه على فراق الإخوان رحمة الله على تلك الأبدان وأدخل الله أرواحهم الجنان"
    يقول الشيخ محمد شحاته أبو الحسن رحمه الله واصفا أبو حمزة الشاري وأصحابه:" لقد رباهم على ما ربى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ... العقيدة الإيمان التضحية..
    هذه هي مقومات الرجولة الحقة ركائز الإيمان التي تجعل المؤمن يلقي كل شيء خلفه ليكون رضوان الله ورسوله نصب أعينهم وليكون الموت في سبيل الله أسمى أمانيهم.. إنه وصفهم فصدق ووفى وإنك لتتمثل تلك الصور الرائعة عن صفة رجاله فتتذكر صور العارفين بالله الذين ذاقوا حلاوة الحب في الله فاصفرت الأبدان وانهمرت الدموع من خشية الله واتجهت همتهم إلى الوفاء بعهد الله وعزمهم على إنجاز ما وعدوه : {يقاتلون ويقتلون} "(المختار بن عوف القائد الداعية ص83 ـ 85).
    ============================================
  • تابع.. الخوارج بين الحقيقة والخيال!!!

    ولو نظرنا إلى واقعنا المعاصر.. لوجدنا أن وصمة الإرهاب الشبيهة بوصمة الخوارج.. انبرت لها أيضاً بعض القنوات المغرضة.. والجرائد المستأجرة.. من أصحاب العقول المشوهة.. والضمائر المتحجرة.. والفطر المتعفنة.. أخذت تشوه الحقائق.. وتبدل في الوقائع.. وتغير في الأقوال.. وتختلق القصص.. وتحيك الدسائس والمؤامرات.. وتعرض كل ما يملي لها الهوى.. وما تطلبه منها الحكومات الجائرة .. ومن طواغيت وفراعنة وقياصرة الحاضر.. فأخذت تطلق على كل من رفض الهيمنة الغربية.. أو حارب الاحتلال الغاشم.. أو وقف في وجه الاستبداد.. أو قاوم الديكتاتورية.. أو تصدى للطواغيت.. أو كافح سرطان الحرية.. أو لم يعجبه تحكم قوارين المال على رقاب الضعفاء.. أو لم يرتضي سيطرة الطغاة على مقاليد البلاد..
    (على قدر أهل العزم تأتي العزائم)
    وتأتي على قدر الضعاف الهزائم
    وتعلو مكانات الرجال بجدهم
    ولا يبلغ العلياء إلا المزاحم
    وتوطأ بلدان ويندك صرحها
    إذا لم تذد عنها الخفاف الصوارم
    ومن لم يكن ضرغامة يدفع الردى
    ويحمي حماه تفترسه الضرائم

    فالإرهاب كلمة فضفاضة.. يستطيع أي ديكتاتور أو طاغية أو فرعون أن يلبسها أي شخص أو حزب أو هيئة أو منظمة أو دولة.. وعلى آثرها يتم القضاء عليهم بسهولة ويسر.. دون الحاجة إلى سن قوانين.. أو استمالة الرأي العام.. أو إظهار أدلة إثبات تدينهم.. فتحكموا برقاب الناس.. وسيطروا على مدخراتهم.. واستولوا على خيراتهم.. بدعاوى شتى.. وأساليب ملتوية.. وإثباتات زائفة.. وأدلة واهية.. وكم من الأبرياء قد قتلوا بسبب تلك التهمة؟!.. وكم من الأطفال تيتموا؟!.. وكم من الأسر تشتت؟!.. وكم من النساء ترملت؟!.. وكم من الدول ذلت وجوعت؟!.. وكم من الأفراد سلبت حقوقهم وامتهنت كرامتهم؟!..
    فقل للعيون الرمد للشمس أعين
    تراها بحق في مغيب ومطلع
    وسامح عيوناً أطفأ الله نورها
    بأهوائها لا تستفيق ولا تعي

    فالخوارج والإرهاب كلمتان فضفاضتان يستطيع ـ وكما قلنا ـ أي شخص أن يقتل أو يسجن ويعتقل من يشاء.. أو يحتل دولة ما.. أو يقضي على شعب ما.. أو يستأصل منظمة أو حزب أو هيئة ما.. أو يستولي على مدخرات شعوب ودول ما.. أو يذل ويجوع دول وأفراد.. دون أن يردعه قانون أو شريعة.. أو يحمي أولئك الأبرياء المقهورين اتفاقية أو معاهدة.. أو تنجدهم من براثن الطغاة هيئة أو منظمة.. مثل شريعة الغاب البقاء للأقوى.. وبرغم ما يطلقه أولئك الاستبداديون والدكتاتوريون الطغاة على حملاتهم الشعواء.. من شعارات جميلة براقة خلابة.. مثل الحرية أو نشر الديمقراطية أو نجدة المظلومين أو مساعدة الضعفاء أو أي مسمى آخر فلا يعود على الأفراد المقهورين الضعفاء إلا الموت أو الدمار والخراب والإذلال..
    أيفيـد فـي هـذا الزمـان بياني
    فأفيـض في قولـي وفـي تبياني
    أم أنـها الأهـوال تغمـر مهجتي
    فأعيـش فـي الآلام والأشجـان
    ماذا أحـدث والجروح خطيـرة
    من حقـد طاغيــة وكيـد جبان
    أحداث أمـة أحمـد ومصابـها
    أدمـى فـؤادي واستثـار لساني
    فالمسلمـون بكل أرض حوربوا
    في الهند والأقصى وفـي البلقان
  • من كتاب : &quot;الخوارج والحقيقة الغائبة&quot; للشيخ ناصر بن سليمان السابعي

    المبحث الأول:
    ظهور مصطلح الخوارج


    لفظ الخوارج ذو شهرة واسعة تكثر من استعماله كتب التاريخ والفرق القديمة والحديثة. ويتردد هذا المصطلح فيها بوفرة عند إيراد الأحداث المبتدئة من رفع المصاحف في صفين. ورغم أنه أسقط على فترة متقدمة من التاريخ الإسلامي إلا أن بدايات ظهوره - باعتباره مصطلحاً - متأخرة عن تلك الفترة. ويبدو أن هذا أمر طبيعي في عامة المصطلحات المتعلقة بالآراء والتيارات والفرق والمذاهب. وربما - في أحيان نادرة - تزامن المصطلح ومدلوله، مثل لفظ الحرورية الذي أطلقه الإمام علي على أهل حروراء بعد رجوعهم من هنالك( 1)، وبقي رديفاً للفظ الخوارج( 2) عند المؤرخين وغيرهم.
    ويفتقر مصطلح الخوارج إلى إعطاء تاريخ يكشف عن بدء نشأته دون الالتفات إلى الفترة أو الجماعة التي أطلق عليها. وقد تتبعت كلاًّ من تاريخ الطبري وأنساب الأشراف للبلاذري - وهما أوسع ما ألف في هذا الموضوع - ابتداءً من فترة التحكيم والأحداث المحيطة به إلى فترة وجود كيان للأزارقة الذين يمثلون القوة الفاعلة لمن سموا بالخوارج يومئذ - وهي فترة الصراع السياسي بينهم وبين عبدالله بن الزبير أولاً المبتدئ عام أربعة وستين من الهجرة(3 )، وبينهم وبين الأمويين ثانياً المبتدئ عام اثنين وسبعين من الهجرة( 4) - فلم أعثر فيما قبل عام خمسة وستين من الهجرة على هذا اللفظ إلا في نصين للإمام علي في تاريخ الطبري ونص لزياد بن أبيه في أنساب البلاذري.
    أما نصا الطبري فهما قول الإمام علي لربيعة بن أبي شداد الخثعمي أحد الذين انضموا إلى أهل النهروان: "أما والله لكأني بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت"( 5)، وقوله من كتاب له إلى مالك بن الحارث الأشتر: "... وكنت قد وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج"( 6). وأما نص زياد فيقول: "العجب من الخوارج أنك تجدهم من أهل البيوتات والشرف وذوي الغناء وحملة القرآن وأهل الزهد، وما أشكل عليّ أمر نظرت فيه غير أمرهم"( 7). وهناك أيضاً نصان آخران للإمام علي في غير هذين الكتابين، وهما: "لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه"( 8)، وقوله في الرسالة المنسوبة إليه التي وجهها إلى ابن عباس: "فلعمري لئن كنت تعلم أني قتلت الخوارج ظلماً ومالأتني على قتلهم ورضيت به...الخ"( 9). وثمة نصان أخيران اشتملا على هذا اللفظ منسوبان إلى غير الإمام علي، أحدهما الرسالة المنسوبة إلى ابن عباس الموجهة من قبله إلى علي، وفيها كلام أهل النهر لابن عباس: "أفتعلم يا ابن عباس أن الخوارج خرجت عليه منتقمين في شيء من الجمل"( 10)، وثانيهما: قول عبيدالله ابن زياد في"الكامل" للمبرد: "ما أدري ما أصنع بهؤلاء الخوارج، كلما أمرت بقتل رجل منهم اغتالوا قاتله فلم يعلم بمكانه"( 11).
    ولكن تزامل مصطلحي الحرورية والخوارج لا يعني تزامن نشأتهما، فإن من المتقرر في اللغة أن خوارج جمع لخارجة، إذ نجد في عبارات أخر: "إن الخارجة التي أقبلت من البصرة"( 12) و"خارجة خرجت"( 13). ولا تعدو كلمة خوارج – إذن - أن تكون جمعاً تكسيرياً لها دون أن يراد بها اصطلاح خاص بفرقة أو جماعة معينة، فقد عبر عن المعنى ذاته بلفظ الخارجين كما سيأتي. ولذا - وعلى سبيل التمثيل- فإن لفظ الخوالف - وهو جمع خالفة - لا يحمل على مصطلح معين، فمثلما عبَّر به عن الذين تخلفوا عن غزوة العسرة في قوله تعالى:  رضوا بأن يكونوا مع الخوالف (14)، عبر عنهم أيضاً بالخالفين – وهو جمع خالف – في قوله سبحانه:  إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين( 15). وبناءً عليه فإن ورود لفظ معين قبل وضوح دلالته الاصطلاحية لا يعني بالضرورة جريانه على مقتضى تلك الدلالة.
    ومما يرجح هذا القصد اللغوي أن يريد الإمام علي بلفظ الخوارج شيئين متغايرين بجامع واحد، فإن الخوارج المقصودين في نص الطبري الأول هم أهل النهروان، والخوارج المقصودين في نصه الثاني هم أصحاب معاوية، والذي أساغ هذا الإطلاق هو خروج أهل النهروان عن علي وخرج معاوية وأصحابه عليه. على أن الإمام علياً أطلق الخارجة أيضاً يريد بها شيعة عثمان الذين باليمن بعدما ثاروا على واليه هناك عبيدالله بن العباس وسعيد ابن نمران عامله على الجند فكتب إليهما الإمام علي: "أما بعد فإنه أتاني كتابكما تذكران فيه خروج هذه الخارجة..."( 16).
    ومثل هذا كمثل لفظ "شيعة"؛ فإنه أريد به في فترة متقدمة المعنى اللغوي دون الاصطلاحي، ففي الذكر الحكيم: وإن من شيعته لإبراهيم( 17)، وفي صحيفة التحكيم "شيعة علي" و"شيعة معاوية"( 18).
    وعلى هذا الفهم يحمل كلام الإمام علي في نصي الطبري ورسالته لابن عباس وكلام أهل النهروان لابن عباس.
    كما أن للرواية بالمعنى أثراً واضحاً في صياغة الإشكالية، فقد تكون بعض النصوص حورت من بعد لتعبر عن فكرة راسخة لدى الراوي، بدليل اختلاف الألفاظ. فمثلاً في الطبري يقول الإمام علي: "... فإنه بلغني قولكم لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت عليه فبدأنا بهم، فإذا فرغنا وجهنا إلى المحلين، وإن غير هذه الخارجة أهم إلينا منهم"( 19). وفي كامل ابن الأثير: "وبلغ عليًّا أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى قتال هذه الحرورية، فإذا فرغنا منهم توجهنا إلى قتال المحلين، فقال لهم: بلغني أنكم قلتم كيت وكيت، وإن غير هؤلاء الخارجين أهم إلينا"( 20).
    ومن هذه الطريق قول الإمام علي: "لا تقاتلوا الخوارج بعدي"، إذ يروي ابن أبي شيبة عن رجل من بني نضر بن معاوية قال: "كنا عند علي فذكروا أهل النهر فسبهم رجل، فقال علي: لا تسبوهم، ولكن إن خرجوا على إمام عادل فقاتلوهم، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم، فإن لهم بذلك مقالاً( 21)، ورواه الطوسي بلفظ "ذكرت الحرورية عند علي عليه السلام، قال: إن خرجوا على إمام عادل أو جماعة فقاتلوهم...الخ"( 22)، وروى أيضاً: لما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من أهل النهروان قال: "لا يقاتلهم بعدي إلا من هم أولى بالحق منه"( 23). وغير خفي أنه لا ذكر للخوارج في هذين النصين، بل يذكر الحرورية وأهل النهروان، فيأتي إلى مثل هذه الألفاظ والعبارات من بعد رواة يأخذون المعنى ويصوغونه بألفاظهم. وعلى هذا أيضاً يحمل كلام زياد بن أبيه وابنه عبيدالله، فإن أثر الرواية بالمعنى في الأول واضح، وأما الثاني فيؤكد قصد المعنى فيه وروده من جهة أخرى دون لفظ الخوارج، ففي كامل المبرد أيضاً: "ما أدري ما أصنع بهؤلاء، كلما أمرت رجلاً بقتل رجل منهم فتكوا بقاتله"( 24)، وفي البلاذري: "ما أدري كيف أصنع، ما أقتل رجلاً من هذه المارقة إلا قتل قاتله"( 25).
    إضافة إلى ما سبق، فإن هناك محوراً آخر تدور حوله بعض الروايات وهو الانتحال، وعليه توجه بعض النصوص، فقول أبي بلال مرداس في كتابـه الذي بعث به -زعماً- إلى الحسين بن علي: "إني لست أرى رأي الخوارج وما أنا إلا على دين أبيك"( 26) من هذا الباب، وذلك لأن أبا بلال -كما مضى- كان من رموز أهل النهروان. نعم يتفق مع الحسين بن علي في قضية الخروج، فقد خرجا جميعاً( 27) على عبيدالله بن زياد، ولهذا عد الحافظ ابن حجر الحسين من الخوارج( 28). غير أنه لا وجود لمن يطلق عليهم الخوارج يومئذ، فقد ظهروا في عام أربعة وستين من الهجرة، فتنصل أبي بلال من "الخوارج" لا معنى له، لأن السلطة كانت تنظر إليه أنه ممن يمثلهم في تلك الفترة، وإن كانت الحقيقة أن ظهور "الخوارج" هو ظهور الأزارقة عام أربعة وستين من الهجرة كما سيأتي بيانه في المبحث الرابع من هذا الفصل. ولعل السبب في اعتبار البعض أبا بلال شيعياً هو نفسه في اعتباره أيضاً من المعتزلة( 29)، وهو كونه صالحاً خرج منكراً للجور داعياً إلى الحق والعدل.
    والذي يشد النظر ويسترعي الانتباه افتقاد مصطلح الخوارج طيلة هذه الفترة مع بقاء استعمال مصطلح الحرورية، فقد ظل هذه المصطلح سائداً طوال الفترة السابق تحديدها( 30). ومن الجدير ذكره أن لفظ الخوارج يظهر لأول مرة - بعد الفترة المذكورة - في رسالة عبدالله بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة سنة خمس وستين من الهجرة حينما اشتدت شوكة نافع بن الأزرق وكثرت جموعه وصارلهم كيان مستقل عن مركز الحكم، يقول ابن الزبير مخاطباً أخاه مصعباً: "... وقد رأيت حيث ذكر هذه الخوارج أن تكون أنت تلي قتالهم..."( 31). ورغم أن هذا اللفظ من الصعب الجزم بأنه أريد به اصطلاح خاص لانقطاعه ثم ظهوره عام ثمانية وستين من الهجرة مرة أخرى في نص لمصعب بن الزبير: "والله ما أدري ما الذي أغنى عني أن وضعت عمر بن عبيدالله بفارس... تقطع أرضه الخوارج إلي"( 32) وبسبب بقاء استعمال مصطلح الحرورية أيضاً( 33)، إلا أنه يمكن اعتباره مؤشراً لبدايته، ونص معصب أصرح قليلاً في الاصطلاح.
    ولعل الظهور الحقيقي لهذا المصطلح كان سنة اثنتين وسبعين للهجرة، حيث تتوالى عدة رسائل تحمل هذه اللفظ ويبدو عليه سمة الاصطلاح، ففي رسالة بعث بها خالد بن عبدالله القسري إلى عبدالملك بن مروان: "أما، بعد فإني أخبر أمير المؤمنين -أكرمه الله- أني بعثت عبدالعزيز بن عبدالله في طلب الخوارج..."( 34)، ورد عليه عبد الملك بجواب فيه: "أما بعد فقد قدم رسولك في كتابك تعلمني فيه بعثتك أخاك على قتال الخوارج..."( 35) وفي رسالة أخرى من الحجاج بن يوسف الثقفي إلى المهلب عام خمسة وسبعين من الهجرة: "أما بعد إذا أتاكم كتابي هذا فناهضوا الخوارج"( 36). والغريب أن يتواكب هذه المصطلح مع لفظ آخر وثيق الصلة به، وهو لفظ المارقة الذي يحمل صبغة دينية أفرزتها المواجهات الدامية يومئذ، إذ يطلق عبدالله بن الزبير هذا اللقب على الأزارقة، ففي رسالته السابقة: "أما، بعد فإن الحارث بن عبدالله كتب إلي أن الأزارقة المارقة أصابوا جنداً للمسلمين"( 37) كما أطلقه الأمويون وأعوانهم يعنون به من يعنون بالخوارج وهم الأزارقة، ففي سنة اثنتين وسبعين نفسها نجد رسالة من خالد بن عبدالله إلى عبدالملك: "أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين - أصلحه الله - أني خرجت إلى الأزارقة الذين مرقوا من الدين..."( 38).وفي العام نفسه يبعث عبدالملك إلى أخيه بشر: "... فليسيروا إلى فارس في طلب المارقة..."( 39) ، وفي سنة خمس وسبعين يقول سراقة بن مرادس البارقي( 40):
    وضارب عنه المارقين عصابــة
    من الأزد تمشي في السيوف القواضبِ

    كما يبعث الحجاج عام ستة وسبعين رسالة إلى سورة بن أبجر جاء فيها:"ثم سر بهم حتى تلقى هذه المارقة"(41 ). والمقصود بالمارقين في هاتين الرسالتين وفي شعر سراقة هم الأزارقة.
    ولا تنافي هذه النتيجة – وهي أن بداية بروز مصطلح الخوارج في سنة اثنتين وسبعين - ما ورد في رسالة عبدالله بن إباض إلى عبدالملك من قوله: "...وكتبت إلى تعرض على الخوارج تزعم أنهم يغلون في دينهم ويفارقون أهل الإسلام..."( 42)، لأنها حتماً ليست قبل سنة سبع وستين للهجرة، فقد ذكر عبدالله بن إباض فيها هزيمة المختار ابن أبي عبيد الثقفي على يد مصعب بن الزبير(43 ) وكانت عام سبعة وستين للهجرة(44 ) وهي السنة التي بويع فيها لعبدالملك( 45)، ولكن لا يمكن تحديد تاريخ هذه الرسالة. ولا يخفى أنها حول الفترة المترجح ظهور المصطلح فيها أو بعدها بقليل.
    وأيضاً فإن استعمال الأزارقة أنفسهم هذا المصطلح إنما كان في الفترة المذكورة، ومما ورد من ذلك قول قطري بن الفجاءة( 46)، وقد بايعه أصحابه عام ثمانية وستين من الهجرة( 47):
    أتزعم أن الخارجي على الهـدى
    وأنت مقيم بين لص وجاحــد
    ( 48)
    وقول سميرة بن الجعد( 49):
    فمن مبلغ الحجاج أن ســـميرة
    قلى كل دين غير دين الخوارج
    ( 50)

    وأما قول عيسى بن فاتك (أو عاتك) الخطي في أبي بلال مرداس وأصحابه وقد قتلوا سنة ستين من الهجرة:
    أألفا مؤمن فيما زعمتم
    ويهزمهم بآسـك أربعونـــا
    كذبتم ليس ذاك كما زعمتـــم
    ولكن الخـوارج مؤمنونـــا
    ( 51)

    فمحتمل لأن يكون عيسى قد قالها بعد ذلك بزمن، فقد اشترك مع عبدالله بن الزبير في الدفاع عن الكعبة المشرفة حين حصارها من قبل يزيد بن معاوية(52 ) وذلك عام أربعة وستين من الهجرة( 53). ويبدو أن الاحتمال الأقوى أن هذين البيتين قالهما عيسى بن فاتك عقب الحادثة مباشرة، وذلك على نهج الشعراء في تضمين أثر وقع حادثة ما على نفوسهم بقصيدة تخلد ذكرى تلك الحادثة، ولكن لا يمكن الجزم بصراحة هذا الاستعمال في الاصطلاح.
    ومن خلال ما تقدم يتراءى أن هذا المصطلح كان لكل فريق من مستخدميه وجهة هو موليها، فعلى حين يبدو من الربط بين الخوارج والمارقة من قبل الأمويين قصد الذم واللمز يتضح من عبارات الأزارقة وأشعارهم إرادة الثناء والتمدح، كما تصرح عبارة عبدالله بن إباض بالثناء على الخوارج في قوله: "... فهذا خبر الخوارج نشهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداء وأنا لمن والاهم أولياء بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا..."( 54) مع سحبه هذا اللقب عن الأزارقة في قوله: "… غير أننا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس..."( 55).


    الهامش:
    (1) المبرد (الكامل) جـ3 ص1300.
    (2 ) الأشعري (المقالات) جـ1 ص206، 207.
    (3 ) الطبري (التاريخ) جـ3 ص400.
    (4 ) المصدر السابق جـ3 ص527.
    (5 ) الطبري (التاريخ) جـ3 ص116.
    (6 ) المصدر السابق جـ3 ص127.
    (7 ) البلاذري (الأنساب) جـ5 ص212.
    (8 ) ابن أبي الحديد (شرح النهج) جـ5 ص78.
    (9 ) ابن أبي طالب، علي (السير) ورقة 101ظ (مخطوط).
    (10 ) ابن عباس (السير) ورقة102ظ (مخطوط).
    (11 ) المبرد (الكامل) جـ3 ص1202.
    (12 ) الطبري (التاريخ) جـ3 ص119.
    (13 ) عبدالرزاق (المصنف) جـ10 ص117، 152.
    (14 ) التوبة آية 87، 93.
    (15 ) التوبة آية 83.
    (16 ) ابن أبي الحديد (شرح النهج) جـ2 ص4.
    (17 ) الصافات آية 83.
    (18 ) الطبري (التاريخ) جـ3 ص103/ ابن أعثم (الفتوح) جـ4 ص204.
    (19 ) الطبري (التاريخ) جـ3 ص118.
    (20 ) ابن الأثير (الكامل) جـ3 ص340، 341.
    (21 ) ابن أبي شيبة (المصنف) جـ15 ص320.
    (22 ) الطوسي (التهذيب) جـ6 ص145.
    (23 ) المصدر السابق جـ6 ص144.
    (24 ) المبرد (الكامل) جـ3 ص1174.
    (25 ) البلاذري (الأنساب) جـ5 ص419.
    (26 ) المبرد (الكامل) جـ3 ص1137.
    (27 ) الطبري (التاريخ) جـ3 ص294.
    (28 ) ابن حجر (الفتح) جـ14 ص289.
    (29 ) المبرد (الكامل) جـ3 ص1136.
    (30 ) يرد مصطلح الحرورية على سبيل المثال سنة 50 للهجـرة: البلاذري (الأنساب) جـ5 ص176، سنة53: ابن خياط (التاريخ) ص262/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1170/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص240، سنة58: البلاذري (الأنساب) جـ5 ص193.
    (31 ) الطبري (التاريخ) جـ3 ص426.
    ( 32) الطبري (التاريخ) جـ3 ص499.
    ( 33) سنة 65 للهجـرة: البلاذري (الأنساب) جـ6 ص 13.
    ( 34) الطبري (التاريخ) جـ3 ص528.
    ( 35) المصدر السابق جـ3 ص528.
    ( 36) المصدر السابق جـ3 ص551.
    ( 37) المصدر السابق جـ3 ص551.
    ( 38) المصدر السابق جـ3 ص529.
    ( 39) الطبري (التاريخ) جـ3 ص530.
    ( 40) المصدر السابق جـ3 ص553.
    ( 41) المصدر السابق جـ3 ص562.
    ( 42) ابن إباض (السير) جـ2 ص341.
    ( 43) المصدر السابق ص339.
    ( 44) الطبري (التاريخ) جـ3 ص491.
    ( 45) ابن خياط (التاريخ) ص261/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص423.
    ( 46) قطري بن الفجـاءة (واسمه جـعونة) بن مازن التميمي من رؤساء الأزارقة وأبطالهم، بويع بالإمارة من قبل أصحابه واستفحل أمره في زمن مصعب بن الزبير، وبقي ثلاث عشرة سنة يقاتل ويسلم عليه بالخلافة.وسير إليه الحجـاج عدة جـيوش وهو يردهم حتى توفي عام78هـ/ 697م، قيل عثر به فرسه فمات وقيل قتل في المعركة: ابن (خلكان) وفيات الأعيان جـ4 ص 93،94/ الزركلي (الأعلام) جـ5 ص200، 201.
    ( 47) الطبري (التاريخ) جـ3 ص502.
    ( 48) المبرد (الكامل) جـ3 ص1082.
    ( 49) سميرة أو سمرة بن الجـعد أبو الجـعد أحد الأزارقة كان في سمر الحجـاج بن يوسف، فلما سار قطري بن الفجـاءة إلى جـيرفت من أرض كرمان كتب إلى سمرة يعيره بمقامه عنهم بأبيات، فلما قرأ كتابه لحق بهم وكتب إلى الحجـاج من طريقه بأبيات منها البيت المذكور: الصفدي، خليل (الوافي بالوفيات) جـ5 ص456، 457.
    ( 50) المسعودي (مروج الذهب) جـ3 ص77، 78.
    ( 51) البلاذري (الأنساب) جـ5 ص193/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1179.
    ( 52) البلاذري (الأنساب) جـ5 ص424.
    ( 53) الطبري (التاريخ) جـ3 ص360.
    ( 54) ابن إباض (السير) جـ2 ص342.
    ( 55) ابن إباض (السير) جـ2 ص342.


    الخوارج والحقيقة الغائبة ص 141 ـ 149
  • تابع..&quot;الخوارج والحقيقة الغائبة&quot; للشيخ ناصر بن سليمان السابعي

    المبحث الثاني:
    معنى الخوارج


    أ- من الناحية الصرفية:
    لفظ خوارج جمع تكسير لكلمة خارجة، لأن فواعل جمع لفاعلة أو لفاعل غير العاقل( 1)، وليس جمعاً لخارج العاقل ولا لخارجي. ولا يبعد أن يراد بالخوارج جمع خارجي من جهة المعنى، وحينئذ فهو منسوب إلى خارجة. وإن كان صرفياً يجمع خارجي على خارجيين كما يجمع خارج على خارجين.

    ب- من الناحية اللغوية:
    الخوارج مأخوذ من الخروج مصدر خرج. ولهذا الأصل تصاريف عدة رجع بها ابن فارس إلى معنيين، الأول: النفاذ عن الشيء، والثاني: اختلاف لونين( 2).
    فمن الأول: الخراج والخرج: الإتاوة، لأنه مال يخرجه المعطي. ومنه الخارجي، وهو الرجل المسوَّد بنفسه من غير أن يكون له قديم، كأنه خرج بنفسه( 3)، ومنه قول كثير عزة:
    أبا مروان لست بخارجـــي وليس قديم مجدك بانتحــال( 4)
    ومن الثاني: الخرج: لونان من سواد وبياض، ومنه: أرض مخرجة: إذا كان نبتها في مكان دون مكان( 5).
    ولعل التصاريف العائدة إلى المعنى الأول من الأليق أن يعاد بها إلى معنى الظهور والبروز، ولذا يقال: خرجت خوارجه، أي ظهرت نجابته( 6)، ويوم الخروج: أي يوم العيد، وخرج فلان في العلم والصناعة خروجاً إذا نبغ، وخرجت السماء: أصحت وانقشع عنها الغيم( 7).
    وأما ربط المعنى الثاني باللون فلعله مجرد تمثيل، وإلا فإن تصاريف أخرى من الباب نفسه لا علاقة لها باللون،ومنه خرّج عمله:جعله ضروبا مختلفة. وفلان خرّاج ولاج، للمتصرف، وهو يعرف( 8) موالج الأمور ومخارجها، ومواردها ومصادرها( 9).اللهم إلا أن يحمل النفاذ على الحقيقة والظهور على المجاز في المعنى الأول، ويحمل اختلاف اللونين على الحقيقة ومجرد الاختلاف على المجاز في الثاني، وهو جلي من صنيع الزمخشري ( 10)، وإن كان لم يوضح فيما يرجع إلى المعنيين اللذين ذكرهما ابن فارس.
    ولا يخفى أن كلمة الخوارج التي نحن بصدد بيانها تعود إلى المعنى الأول الدال على النفاذ أو على البروز والظهور.

    جـ- من الناحية الاصطلاحية:
    قلما يوجد من وضع حداً للفظ الخوارج يمكن من خلاله تصنيف فكر معين على أنه فكر خارجي. وسبب الإشكالية في هذا الأمر الربط الحاصل بين الخوارج – باعتبارهم فرقة – وبين الأحاديث المحمولة عليهم، لأن الصفات والخصائص التي تسرد كميزات للخوارج – وسيأتي بيانها - غير محصورة فيهم، بل نجد من غيرهم من يتصف بها أو ببعضها، وهذا ما أفضى إلى عدم الانضباط فيما يصدق عليه هذا الاصطلاح.
    ويتفق عدد وافر من الباحثين على أن الخوارج هم "الذين خرجوا عن علي في حروراء والنهروان ومن انتمى إليهم فيما بعد"( 11)، وهذا هو أشهر ما يوجد في تعريف الخوارج، وهو كما لا يخفى تعريف خاص، أو بالأحرى تعريف فرقي تاريخي. ويفهم من ضم أهل النهروان مع من أطلق عليهم الخوارج -كالأزارقة والنجدات وغيرهم ممن ينتسب إلى أهل النهروان - في نسق واحد أن الجامع بينهم أمران، الخروج على الأئمة، وتكفير المخالفين ومرتكبي الكبائر.
    وكلا الأمرين مستفاد من محاولة كثير من العلماء تعداد فرق الخوارج وتبيان صفاتهم وتحديد معتقداتهم، والسمة الواضحة عليها جميعاً هذان الأمران. بيد أن الثاني منهما ليس محل اتفاق، إذ يعرف الشهرستاني الخارجي بأنه: "كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان"( 12)، وهو -كما لا يخفى- تعريف عام.
    ولذا نجد الحافظ ابن حجر قد وسع الدائرة لتشمل أهل النهروان في قسم أول للخوارج، و"من خرج في طلب الملك لا للدعاء إلى معتقده" في قسم ثانٍ لهم، وهؤلاء أيضاً على قسمين:

    أ- قسم خرجوا غضباً للدين من أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة النبوية وهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسين بن علي وأهل المدينة في الحرة والقراء الذين خرجوا على الحجاج.
    ب- قسم خرجوا لطلب الملك فقط سواء كانت فيهم شبهة أم لا، وهم البغاة( 13).
    وكلامهما صريح في اعتبار أمر واحد وهو الخروج على الإمام المنصوب مع تخصيصه بالعادل عند الشهرستاني.
    وقد جرى بعض العلماء والباحثين مع الشهرستاني في تعريف الخوارج( 14)، ويوازيه مصطلح البغاة الذي ذكره ابن حجر.
    ويبدو أن كلمة الخوارج - بهذا المعنى- لم تقتصر في أحيان أخرى على الخارجين على الإمام الحق، بل "أصبحت مع التوسع في الاستعمال تطلق على من ينتزي على السلطان أو يثور على الدولة"( 15)، وهو الذي أراده ابن حجر من تناول جميع أجزاء التعريف عنده كل من خرج على الإمام عادلاً كان أو جائراً. ومقتضاه أن تخصيص الخوارج بأهل النهروان ومن جرى مجراهم غير دقيق، فكل من أهل الجمل وأهل صفين من الخوارج أيضاً دون الحاجة إلى تبني القول بالتكفير على أنه جزء من أجزاء التعريف.
    والذي يتبادر من خلال ما مضى أن لمصطلح الخوارج ثلاث وجهات:

    الأولى: الوجهة اللغوية المتمثلة في النفاذ أو البروز والظهور، وهي التي يستوحى منها العلاقة بين الخوارج وبين الخروج اللغوي الذي يتسق مع معنى الخوارج عند ابن حجر. وهذا يستدعي شيئاً من التفصيل وذلك باحتمال الخروج معاني ثلاثة:
    1- الخروج عن جماعة معينة، وبمعنى آخر: الانفصال.
    2- الخروج على جماعة، ودلالته أوفق بالانقلاب - بالتعبير المعاصر- أو محاولته.
    3- الخروج في سبيل الله، أي الجهاد.

    وبضرب الأمثلة من الواقع التاريخي تتضح الدقة في التفريق بين هذه المعاني الثلاثة:
    أما المعنى الأول فمثله كمثل خروج أهل النهروان من الكوفة عن الإمام علي، وخروج أبي بلال مرداس التميمي وأصحابه؛ فقد ورد عن أهل النهروان قولهم: "فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة"( 16). كما سبق ذكر قول أبي بلال: "إنه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل مفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكننا ننتبذ عنهم ولا نجرد سيفاً ولا نقاتل إلا من قاتلنا".
    وأما المعنى الثاني فمثاله خروج أهل صفين من بلاد الشام، وذلك واضح من الزحف العسكري الذي جرى بين الفريقين.
    وأما المعنى الثالث فيمثله سرايا وبعوث وغزوات المجاهدين في سبيل الله في كل زمان ومكان، وهو المراد بقوله تعالى: {ولوأرادوا الخروج لأعدوا له عدة} (17 )، فإن هذا الخروج بملاحظة المعنى الوضعي يعد لغوياً.

    الثانية: الوجهة التاريخية، والمراد بها التقسيم الفرقي للأمة الإسلامية فإن مصطلح الخوارج - كما هو معروف - قسيم لكل من أهل السنة والشيعة، بغض النظر عن الجانب اللغوي والجانب الشرعي الآتي. ولذا رفض ابن حجر في موضع آخر تسمية الصحابة من أهل الجمل الخارجين على الإمام علي بالخوارج( 18)؛ نظراً منه إلى هذا التقسيم التاريخي. وعليه فإن إطلاقه - أي ابن حجر- الخوارج على الحسين بن علي وغيره من قبيل الإطلاق اللغوي. وسيأتي تفصيل الحديث عن الفرق المسماة بفرق الخوارج في المبحث الرابع من هذا الفصل إن شاء الله تعالى.

    الثالثة: الوجهة الدينية، وهي المرتبطة بالحكم الشرعي. وعلى هذه الوجهة تحمل سائر النظرات التي تبلور معنى الخوارج، لأنها مستفادة من نص شرعي. واللائق بهذه الوجهة -كما يتبادر- المعنى الأول والأشهر للخوارج وتعريف الشهرستاني، فإن هذين التعريفين أعطيا صفة دينية لهذا الاصطلاح. غير أن الفارق بينهما أن الأول أضاف -حسبما سبق التنويه بملاحظته - قضية التكفير. وهذان التعريفان يتجلى منهما حكم على الخوارج سلبي منطلق من فهم النص الشرعي - سواء حديث المروق الآتي وأحاديث الأمر بلزوم الجماعة - بأن المراد منه هذان المعنيان أحدهما أو كلاهما.
    غير أننا ينبغي ألا نغفل عن أن للخوارج نظرة مختلفة تماماً عن هذه النظرة مع كونها تحمل طابعاً شرعياً أيضاً، وهي نظرة من أطلق عليهم الخوارج إلى هذا الاصطلاح، حيث تصرح عباراتهم بارتضاء هذا الإطلاق، وفيما مضى من نص عبدالله بن إباض ومن أشعار الأزارقة تجلٍّ لهذا المعنى. والافتخار والمديح الواضحان من تلك النصوص برهان على صحة القول بأن لفظ الخوارج لا يشعر في أصل معناه وابتداء أمره بشيء من الصلة بينه وبين الاصطلاح الذي يحمل حكماً سلبياً.
    ولعل النظرة كانت تراعي الجانب اللغوي في المقام الأول دون إعارة اهتمام لأمر سواه، ثمّ أضفـي عليه نصـوص شرعية ليأخذ صبغة أكثر تألقاً، كقوله تعالى:  ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ( 19)، وقوله عز وجل: ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورســوله ثـمّ يدركـه المـوت فقـد وقـع أجـره علـى الله( 20)، ولا يجرح في صحة هذا التخريج حديث المروق؛ فإن الخروج المأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم فيه: "يخرج فيكم" لا يعدو كونه خروجاً لغوياً، أما الحكم فمأخوذ من قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث نفسه: "يمرقون من الدين"( 21).
    ثم لما كثر استعمال هذا المصطلح ليدل على المروق من الدين بسبب حمل حديث المروق وغيره على من أطلق عليهم الخوارج صار أمراً قابلاً للتنازل بل داعياً إلى التخلي عنه، وبهذا نفهم سبب ثناء عبدالله بن إباض على "الخوارج" ثمّ فرار الإباضية المنسوبين إليه - اصطلاحاً- منه، يقول الشيخ السالمي: "واعلم أن اسم الخوارج كان في الزمان الأول مدحاً، لأنه جمع خارجة، وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى، قال عز وجل: ولـو أرادوا الخـروج لأعـدوا لـه عدة(  22)، ثم صار ذماً لكثرة تأويل المخالفين أحاديث الذم فيمن اتصف بذلك آخر الزمان، ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية، فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبحت لغيرها، فمن ثم ترى أصحابنا لا يتسمون بذلك وإنما يتسمون بأهل الاستقامة لاستقامتهم في الديانة"( 23).
    ولعل الملاحظة التي سبق ذكرها، وهي بروز لقب المروق ومشتقاته في الفترة التي ظهر فيها مصطلح الخوارج يؤيد تأويل أحاديث الذم في الخوارج، وهم الأزارقة يومئذ، وإن كان توافق زمن ظهورهما ينافي قول الشيخ السالمي بتقدم مصطلح الخوارج عليه، إلا أن يعني ذلك التقدم فترة وجيزة جداً - وهو بدوره يقوي أن تكون بدايات ظهوره في فترة الصراع الزبيري على يد المهلب مع الأزارقة - أو أن يعني بلفظ الخوارج تصاريفه الأخرى كالخروج المذكور في الآية الكريمة لا نفس اللفظ.
    وجلي للمتأمل أن تعريف الخوارج غير منضبط، شأنه شأن كثير من الألفاظ والمصطلحات التي يشترك فيه معانٍ متعددة، ذلك أن اعتبار الوجهة اللغوية يلغي الاعتبار الاصطلاحي المراد بيانه. وأما اعتبار الوجهة التاريخية فمشكل أولاً من حيث خشية اللبس بينها وبين الحكم الشرعي، لعدم الفصل أحياناً كثيرة بينهما، أي أن الخوارج - بناءً على الربط بالنص الشرعي- يعني المارقين من الدين، وثانياً من حيث إن من يشملهم -تاريخياً- هذا الإطلاق مبادئهم غير متفقة، بل إن كثيراً مما ينسب إليهم غير صحيح، وهذا كنسبة التقتيل والتكفير المخرج من الملة إلى أهل النهروان، وقد ثبتت براءتهم منهما.
    وأما الوجهة الدينية فوجه الحيرة من قبلها هو تحديد نوع الحكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه.
    وعند إنعام النظر في كل من التصنيف التاريخي والديني يتضح أن التشريك هو المدار لكلتا الوجهتين، أما الوجهة الدينية السلبية فالتشريك هو طريق الحكم فيها، وأما الإيجابية فمبنية على أن الفارق بين "الخوارج" وبين غيرهم هو الحكم على المخالفين بالشرك. ولذا نجد أن نافع بن الأزرق تبرأ من عبدالله بن إباض وعبدالله بن صفار حين لم يوافقاه في الحكم على مخالفيهم بالشرك( 24). ولا يؤثر هاهنا أن عبدالله بن إباض وأصحابه لم يشرِّكوا مع عدهم من الخوارج، لأن عدهم منهم إنما هو تصنيف تاريخي فحسب، بصرف النظر عن مدى صحة هذا التصنيف. وأيضاً فإن ما ينسب إليهم من التشريك غير صحيح، مثلهم في ذلك كمثل أهل النهروان في ضمهم إلى زمرة الخوارج، رغم انتفاء الصلة بينهم وبين التشريك أو التكفير المخرج من الملة.
    فإذا عرفنا أن قضية التشريك هي مدار أمر الخوارج سواء الذين ثبت عنهم ذلك أو نسب إليهم فإنه يمكن أن يعد معياراً لتصنيف الفكر الخارجي، وذلك أنه يترتب عليه أمور أخرى كاستباحة الدماء والأموال وسبي النساء كما سيِأتي بيانها. وبناءً عليه يجوز لنا الاصطلاح على من يدين بهذا الأمر بأنه من الخوارج، لا سيما إذا كان القائلون به قديماً - وهم الأزارقة ومن نهج نهجهم - رضوه لقباً لهم.
    وبهذا نخرج من مأزق تحديد ضابط لمصطلح الخوارج، وبه يجتمع شمل الآراء، شريطة أن يكون هذا الإطلاق اصطلاحاً مجرداً، ولا مشاحّة حينئذ فيه.

    الهامش :
    ( 1) ابن عقيل (شرح ابن عقيل) جـ4 ص131، وشذ من ذلك فارس وفوارس، وسابق وسوابق: المصدر نفسه.
    ( 2) ابن فارس (معجـم مقاييس اللغة) جـ2 ص175.
    ( 3) المصدر السابق.
    ( 4) ابن منظور (اللسان) جـ2 ص250، باب الجـيم فصل الخاء.
    ( 5) ابن فارس (معجـم مقاييس اللغة) جـ2 ص176.
    ( 6) الفيروز آبادي (القاموس) جـ1 ص192.
    ( 7) الزمخشري (أساس البلاغة) ص157.
    ( 8) هكذا في النسخة التي اعتمدتها، ويبدو أن فيها سقطاً، وأن أصل العبارة: وهو من يعرف …الخ.
    (9 ) الزمخشري (أساس البلاغة)،ص:175.
    (10 ) المصدر السابق،ص:175.
    (11 ) الشنتناوي (دائرة المعارف الإسلامية) جـ8 ص469، 470/ الأمين، شريف (معجـم الفرق الإسلامية) ص122/ أبو جـيب، سعدي (القاموس الفقهي) ص115/ خليل (معجـم المصطلحات الدينية) ص68/ مرتضى، جـعفر (دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام) جـ3 ص155.
    (12 ) الشهرستاني (الملل والنحل) جـ1 ص114.
    (13 ) ابن حجر (فتح الباري) جـ14 ص289.
    (14 ) انظر: الآمدي (الإمامة) ص172، 174/ حكمي، حافظ بن أحمد (معارج القبول) جـ2 ص478/ البغدادي (الفرق بين الفرق) هامش محيي الدين ص72/ البخاري (الصحيح) جـ6 هامش ص2539 لمصطفى البغا.
    (15 ) إحسان عباس (شعر الخوارج) ص10. وانظر: الآجري (الشريعة) ص28.
    (16 ) الطبري (التاريخ) جـ3 ص115.
    (17 ) التوبة آية 46.
    (18 ) ابن حجر (الفتح) جـ1 ص113، شرح حديث رقم447.
    (19 ) التوبة آية 46.
    (20 ) النساء آية 100.
    (21 ) انظر الكلام على هذا الحديث في الفصل الأول من الباب الثاني.
    (22 ) التوبة آية 46.
    (23 ) السالمي (شرح الجـامع) جـ1 ص59.
    (24 ) الطبري (التاريخ) جـ3 ص399.


    الخوارج والحقيقة الغائبة ص 151 ـ 158
  • تابع..&quot;الخوارج والحقيقة الغائبة&quot; للشيخ ناصر بن سليمان السابعي

    المبحث الثالث:
    الآراء المنسوبة إلى الخوارج


    بعد تحديد المبدأ الذي يميز الخوارج عن غيرهم يصبح من اليسير إثبات نسبة فرقة معينة أو شخصية ما إليهم أو نفي تلك النسبة، بحسب الجامع الذي يجمع بينهما. بيد أنه من المتعين اعتبار النظرة إلى الخوارج ماهي ؟ وما يترتب عليها ؟ ومن الصعب المجازفة بإطلاق القول بأن فئة تنتسب إلى الخوارج ما لم يعلم السبب ويعرف المراد من ذلك الإطلاق.
    ومع تحديد مبدأ تشريك المخالف معياراً لفكر الخوارج، فلا مانع من التعرف على بعض الآراء المنسوبة إلى من عرفوا في التاريخ باسم الخوارج، ومحاولة تسليط الضوء على أبرز ما نسب إليهم، ثمّ التعرف على الفرق المحشورة في صفوفهم والتي حظيت بعناية كتب المقالات والفرق وأفردت لها أبواباً وفصولاً، وعرض ذلك على المحك الذي توصلت إليه الدراسة.

    الآراء المنسوبة إلى الخوارج:
    يتفق عدد من المصادر -كما سبق ذكره - على أن رأي المحكّمة كان واحداً منذ أن فارقوا الإمام علياً إلى أن افترقوا عام أربعة وستين من الهجرة بعد مشاركتهم عبدالله ابن الزبير في الدفاع عن مكة المكرمة حين حصار يزيد بن معاوية لها في عام ثلاثة وستين من الهجرة( 1). يقول د. نايف معروف: "ظلت الخورج على رأي واحد من لدن أن فارقوا علياً إلى أن كان من أمرهم ما كان مع ابن الزبير وتفرقهم عنه، فقد كانوا حتى ذلك الحين يتولون أهل النهر ومرادس بن أدية ولا يختلفون إلا في صغائر الأمور"( 2).
    وأما الحوادث الفردية التي سبق ذكرها -كالاستعراض- فإنها تعد خروجاً عن منهج عامة المحكّمة، إذ لم تؤد إلى وجود تيار يتبناه فريق منهم، بل غالباً ما تكون تلك الحوادث ردة فعل لسياسات القمع المشهورة، بخلاف ما أحدثه نافع من انحيازه إلى الأهواز ودعوته أصحابه الذين كانوا معه قبل الانقسام إلى الانضمام إليه والاقتناع بمبادئه، ثم انضواء عدد وافر من الناس تحت رايته ومبايعتهم إياه، فإن هذا يختلف تماماً عن الحوادث السابقة. وعليه فإن انشقاق نافع عن المحكّمة يعد أول انشطار في صفوفهم( 3)، وتلاه غيره من أصحابه كنجدة بن عامر وعبدالله بن الصفار.
    أما الآراء التي تنسب إلى من سموا بالخوارج عامة فهي:

    1- رفض التحكيم:
    وصحة نسبة( 4) هذا القول إلى من سموا بالخوارج صحيحة واضحة، فإن التحكيم هو الأساس الذي انطلق منه أهل النهروان في مخالفتهم للإمام علي، وأما من بعدهم ممن خرج فواضح من خلال عباراتهم وأشعارهم إنكارهم التحكيم ورفضه، ولذا يسمى كل هؤلاء بالمحكّمة( 5).
    وقد سبق في المبحث الثالث من الفصل الماضي توضيح القول مسهباً في بيان مسألة التحكيم. على أن فكرة رفضها رأي لبعض من لا ينسب إلى "الخوارج" أيضاً، فقد نسب إلى الحسن البصري قوله: "لم يزل أمير المؤمنين علي رحمه الله يتعرف النصر ويساعده الظفر حتى حكَّم، ولم تحكّم والحق معك ؟ ألا تمضي قدماً لا أبالك وأنت على الحق"( 6).

    2- جواز أن تكون الإمامة في غير قريش:
    وقد نسب إليهم أنهم أول من أجاز أن يكون إمام المسلمين من غير قريش( 7). ويبدو أن هذا مأخوذ من مبايعة أهل النهروان عبدالله بن وهب الراسبي إماماً وهو من الأزد كما سبق.
    إلا أن الحقيقية التاريخية تأبى أن يكون القول بعدم اشتراط القرشية مبتدأ من قِبَل أهل النهروان، بل هو أقدم من ذلك، يقول الشيخ الخضري:" رأي عدم التخصيص (يعني تخصيص الخلافة بقريش) كان للأنصار، فإنهم كانوا يريدون أن يكون الخليفة منهم لما كان لهم من فضيلة النصر والإيواء والمساعدات العظيمة التي قاموا بها، وإن لم يتيسر ذلك كان منهم أمير ومن المهاجرين أمير، وأخذ بهذا الرأي من بعدهم جميع الخوارج الذين كانوا يخرجون على الخلفاء في أزمنة مختلفة"( 8).
    وكلامه صريح في أن فكرة عدم التخصيص مأخوذة من مسارعة الأنصار يوم السقيفة إلى اختيار خليفة منهم. وأما كلام الشيخ التباني بأن الأنصار لم يكونوا يرون عدم التخصيص بقريش بل كانوا يرونها مختصة بهم ( 9) فمجرد تحكم؛ إذ ليس له مستند تاريخي، وعلى فرض صحته فإنه يؤكد فكرة عدم التخصيص، إذ لازمها القول بأن الخلافة غير منحصرة في قريش.
    غير أن رأي المهاجرين بتخصيص الخلافة بقريش الذي استفاده الخضري مما نسبه(10 ) إلى أبي بكر الصديق من احتجاجه على الأنصار بحديث "الأئمة من قريش "( 11) فيه نظر، فإن أبا بكر لم يحتج على الأنصار بهذا الحديث (12)، بل احتج عليهم بقوله: "ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش،وهم أوسط العرب نسبا ودارا "( 13) ، كما احتج عمر بقوله: "والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم ووليّ أمورهم منهم " ( 14).
    يقول الجابري: "الأمر الثاني اللافت للانتباه هو أنه لا واحد من المهاجرين لا أبو بكر ولا عمر ولا أبو عبيدة ولا غيرهم احتج بالحديث الذي ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بلفظ: (الأئمة من قريش). وإنه لمما يثير الاستغراب حقا أن يعمد أبو بكر وعمر كلامهما إلى التأكيد على مكانة قريش، والاحتجاج لأحقية المهاجرين في خلافة النبي صلى الله عليه وسلم بكون العرب لا تقبل أن يسود عليها غير قرشي، ثم لا يذكر أي منهم هذا الحديث مع أنه أقوى الحجج ضد الأنصار، إذ الأنصار ليسوا من قريش، وبالتالي لا حق لهم في الخلافة بنص ديني لو كان ذلك الحديث مما احتج به في تلك الجلسة "، ويقول: "والنتيجة التي تفرض نفسها أن الصحابة عالجوا مسألة الخلافة معالجة سياسية محضة"( 15).
    وبقطع النظر عن مدى شرعية هذا القول، فإن منطلق المحكّمة في ذلك هو مبدأ الشورى الذي جاءت رسالة السماء العالمية لتؤكد حق كل فرد في تحديد مصير الأمة من خلال ممارسة هذا المبدأ العظيم، ومبدأ "الناس سواسية" الذي أعلنته خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فكانوا يرون أن الخلافة حق لكل مسلم ما دام كفؤاً لا فرق في ذلك بين قرشي وغير قرشي(16 ).

    3- الاستعراض:
    سبق ذكره فيما عُزي إلى أهل النهروان. وقد عد ظاهرة من أخطر الظواهر التي اتصف بها الخوارج. ولا شك أن الاستعراض أمر فظيع تتجلى فيه وحشية كاسرة وتتخلى فيه النفس البشرية عن إنسانيتها بسبب عدوانها على نفس بريئة، وقد قال الله تعالى: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً( 17). بيد أن نسبة الاستعراض إلى المحكّمة عامة أو انفرادهم به أو ابتدائهم فعله مسألة فيها نظر.
    وينبغي - بادئ الأمر- التفرقة بين الخروج الذي كان سمة لكل من سموا بالخوارج وبين الاستعراض. فقد يوجد خروج ولا يوجد استعراض، وليس الخروج شكلاً من أشكال الاستعراض، لأن الخروج بمعنى الانقلاب -في حد ذاته- لا يهدف إلى القتل، بل إلى تغيير وضع معين، وإن كان غالباً لا يتم إلا بحد السنان. ولا مراء أن هذه النتيجة اضطرارية، لأنه إن تحقق الغرض من الخروج بغير مواجهة فلا تحل قطرة دم واحدة تسيل من نفس مؤمنة.
    وملف المحكّمة في مسألة الخروج كان في أغلبه من هذا القبيل، وما كان من إراقة الدماء إنما حدث نتيجة المواجهات بينهم وبين بني أمية وأتباعهم. أما الاستعراض فكان حالات تكاد أن تكون فردية شاذة كما سيتضح. وليس في تاريخ الذين سموا بالخوارج ما يدينهم كلهم - لاسيما المحكّمة - في مسألة الاستعراض إدانة صريحة، إذ كان الأمر إما مواجهة أو انتقاماً، وكلمة عبيدالله بن زياد صريحة في ذلك: "ما أدري ما أصنع بهؤلاء الخوارج، كلما أمرت بقتل رجل منهم اغتالوا قاتله فلم يعلم بمكانه"( 18).
    غير أنه يمكن أن تسجل بعض حالات الاستعراض المنسوبة إليهم، منها:

    أولاً: مقتل الإمام علي بن أبي طالب:
    ولخبر مقتله قصة ملخصها أن ثلاثة من "الخوارج" - حسب زعم الرواية - وهم عبدالرحمن بن ملجم والبرك بن عبدالله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا فاتعدوا على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، فكان ابن ملجم لعلي والبرك لمعاوية وعمرو لعمرو، فتعاهدوا على ذلك. ولقي ابن ملجم في الكوفة امرأة تدعى قطام بنت الشجنة قتل أبوها وأخوها يوم النهر وكانت فائقة الجمال فسبت عقله ونسي حاجته التي جاء لأجلها، ثمّ خطبها فاشترطت عليه ثلاثة آلاف وعبداً وقينة وقتل علي فوافق، ثمّ استعان ابن ملجم برجل يدعى وردان بن مجمع العكلي، وآخر هو شبيب بن بجرة الأشجعي، فلما كانت الليلة التي واعد فيها ابن ملجم صاحبيه على أن يقتل كل منهم صاحبه كمنوا للإمام علي صبيحة إحدى الليالي فضربه شبيب فأصاب سيفه عضادة الباب فهرب وردان فلحقه رجل فقتله، وضرب عبدالرحمن علياً في قرنه بالسيف، فتوفي الإمام علي -كرّم الله وجهه- بعد ذلك من أثر تلك الضربة( 19).
    ومهما قيل من التشكيك في بعض أحداث القصة – مثل انبهار ابن ملجم بجمال قطام - فإن الإجماع حاصل على أن ابن ملجم هو الذي قتل الإمام علياً كرّم الله وجهه.
    وبعد هذه الحقيقة التاريخية يتساءل الأستاذ أحمد سليمان معروف قائلاً: "هل كان السيف الذي قتل علياً سيفاً خارجياً حقاً؟ أم هل كان خنجر ثأر شخصي لبعض قتلى أهل النهروان لا يد لعامة الخوارج فيه ؟ أم كان رسول غرام لامرأة خارجية اسمها قطام؟ أم هل كان طعنة اغتيال سياسي نفذتها - عبر الخوارج - يد داهية الشام ومستشاره النابغة عمرو بن العاص؟"( 20).
    إن اتهام المحكّمة بمقتل الإمام علي يعتوره شكوك جمة ويحيط به إشكالات عديدة نتبينها من خلال طرح الأمور التالية.
    لقد كان البرك وشبيب ووردان في الحقيقة مع أهل النهروان( 21)، وأما ابن ملجم وعمرو بن بكر فلم يرد أنهما اشتركا معهم. ويبدو على فرض ثبوت صلة عبدالرحمن بأهل النهروان أن عمله هذا عمل مستقل محتاج إلى قرينة قوية تثبت تواطؤهم عليه. ومن المريب أن نجد موقفين لمن ينسب إلى الخوارج نسبة تاريخية يفيدان قطع حبل الوصل بينهم وبين ما فعله عبدالرحمن بن ملجم. أما الموقف الأول فكلام المسعودي: "وكثير من الخوارج لا يتولى ابن ملجم لقتله إياه غيلة"( 22) يعني لقتله علياً. وهذا يعني أن قتل الإمام علي غير مرضي عند كثير من المحكّمة، ولئن جاز أن تعني هذه العبارة رضا المحكّمة أو الخوارج عن قتل ابن ملجم الإمام علياً أن لو لم يقتله غيلة فإن الموقف الثاني لا يؤيد ذلك وهو مقولة أبي سفيان محبوب بن الرحيل القرشي - من كبار علماء الإباضية في أواخر القرن الثاني الهجري - حين سئل عن عبدالرحمن بن ملجم قال: "ما سمعت أحداً يمدحه ولا يذمه وما بلغني فيه شيء" قيل: ولعل ذلك من قبل الغيلة؟ قال: لا( 23).
    يقول الأستاذ أحمد السيابي: "عبدالرحمن بن ملجم شخص أقحم في المحكّمة أو أهل النهروان إقحاماً وزج به في أوساطهم زجّاً مع أنه مجهول في صفوفهم… وقول هذا الإمام الجليل (لم أجد من أصحابنا من يمدحه) لأنه ليس منهم ولا متصل بهم (ولا من يذمه) لترفعهم وتنـزههم عن السب والشتم"( 24).
    ولا ريب أن أبا سفيان لا يعني بقوله: "ما سمعت أحداً" كل من ينسب إلى الخوارج، لما جاء عن عمران بن حطان الصفري من مدح ابن ملجم كما سيأتي، ولكن بناءً على اعتبار الإباضية الخط المعتدل الذي يمثل كل المحكّمة قبل الافتراق –كما سيأتي في المبحث الآتي - فيمكن أن يحمل كلام أبي سفيان على أنه يريد كل تيار المحكّمة وكل الإباضية. والخلاصة من هذا أن المحكّمة قبل الافتراق عام أربعة وستين من الهجرة بالإضافة إلى الإباضية الممثلين للثبات على تيار المحكّمة وكثيراً من غيرهم ممن ينسب إلى الخوارج غير راضين عن مقتل الإمام علي.
    إن ذينك النصين وهذه الملاحظات تدعو إلى التحقق من كون ابن ملجم مدفوعاً من قبل بقايا أهل النهروان إلى قتل علي، وفي أحداث القصة ما لا يسعف على كونه كذلك، فإن الواضح أن ذلك اختيار ثلاثة أشخاص، واحد منهم فقط كان من أهل النهروان، وهو البرك بن عبدالله( 25)، وسياق الرواية يؤكد ذلك: "كان من حديث ابن ملجم وأصحابه أن ابن ملجم والبرك بن عبدالله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس وعابوا على ولاتهم ثمّ ذكروا أهل النهر فترحموا عليهم، وقالوا ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئاً، إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم... فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب - وكان من أهل مصر- وقال البرك بن عبدالله: أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان، وقال عمرو: أنا أكفيكم عمرو بن العاص"( 26).
    فهذه الرواية صريحة في أن هؤلاء الثلاثة هم الذين دبروا هذه المؤامرة، غير أن ابن ملجم استعان بعد ذلك باثنين ينسب إليهما أنهما كانا في أهل النهر وهما شبيب بن بجرة ووردان بن مجمع العكلي( 27).
    ولعل وصف هؤلاء الثلاثة الذين اتعدوا على تنفيذ مؤامرة قتل الثلاثة بأنهم من الخوارج وأنهم ذكروا إخوانهم من أهل النهر فترحموا عليهم هو الذي سحب التهمة على جميع المحكّمة الذين حُمِّلوا وزرها، وإلا فإن ثمة من الروايات ما لا يجعل لهؤلاء الثلاثة الذين دبروا المؤامرة صلة بالمحكّمة، بل تعبر عنهم بأن "نفراً اجتمعوا"( 28).
    ويزيد هذا الأمر شكّاً ما تقوله رواية أخرى من أن القتلة كانوا ثلاثة من بني ملجم عبدالرحمن وقيساً ويزيد، فكان القاصد إلى معاوية قيس بن ملجم والقاصد إلى عمرو بن العاص يزيد بن ملجم وأن أباهم نهاهم، وأن أمهم قد حضتهم على ذلك( 29). ولهذا يروى أن رجلاً من مراد جاء إلى علي وهو في المسجد فقال: احترس فإن ها هنا قوماً من مراد يريدون قتلك( 30).
    وقد حكم البلاذري على كون القتلة كلهم من بني ملجم بأنه "خبر شاذ" لأنه "لا يرويه إلا قوم من الخوارج"( 31)، ولكن رواية الذين سموا بالخوارج هذا الخبر تفيد تبرؤهم من التواطؤ على قتل الإمام علي.
    يضاف إلى ذلك ما في بعض الروايات أن ابن ملجم أتى الكوفة "فكان يكتم أمره ولا يظهر الذي قصد له، وهو في ذلك يزور أصحابه الخوارج فلا يطلعهم على إرادته"( 32).
    والمثير للانتباه أن يكون اجتماع أولئك الثلاثة سرّاً واتعادهم على المؤامرة في الخفاء ثمّ يتحول ذلك إلى رواية على كل لسان.
    ولا يؤثر في هذه التخريجات ما يروى عن ابن ميّاس المرادي من قوله:
    ونحن ضربنا يالك الخير حيدراً
    أبـا حسـن مأمومة فتفطّـرا
    ونحن خلعنا ملكه من نظامه
    بضربة سيف إذ عـلا وتجبـرا
    ونحن كرام في الصبـاح أعـزّة
    إذا الموت بالموت ارتدى وتأزّرا(33 )

    فإنه افتخار قبلي - كما هو جلي- لا يمت بصلة إلى فكر المحكّمة، فكل من عبدالرحمن ابن ملجم وابن مياس من مراد. على أن هذه الأبيات نفسها تروى لابن ملجم نفسه إثر ضربه الإمام علياً( 34).
    وأما ما نسب إلى بعض الخوارج - دون أن يذكر من هو - من قوله:
    دسسنا له تحت الظلام ابن ملجـم
    جزاءً إذا ما جاء نفساً كتابهـا
    أبا حسن خذها على الرأس ضربة
    بكف كريم بعد موت ثوابهــا(35 )

    فيخالفه ما في البلاذري( 36) من أن قائلها هو النجاشي الشاعر(37 )، قال عنه ابن قتيبة: "كان فاسقاً رقيق الإسلام"، وذكر أنه كان يشرب الخمر حده الإمام علي عليها ثم وقفه للناس ليروه فهجا أهل الكوفة( 38).
    ويبدو أنه كان مولعاً بالهجاء، فقد هجا كلاًّ من: بني العجلان( 39)، ومعاوية( 40)، وقريشٍ( 41)، ولا يبعد بمثل هذه الشخصية أن تكون ممن أضمرت البغضاء للإمام علي بسبب أنه حده في الخمر فقال تلك الأبيات من باب العداوة المشتركة بينه وبين ابن ملجم ضد الإمام علي، وإلا فما له ولابن ملجم يمدحه من دون أية صلة بينهما ؟!
    ومع هذا فلا يمكن تبرئة ساحة جميع المنسوبين إلى الخوارج من الرضا بمقتل الإمام علي على يد عبدالرحمن بن ملجم، فهذا عمران بن حطان الصفري يقول في عبدالرحمن ابن ملجم:
    يا ضربة من تقي ما أراد بها
    إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
    إني لأذكره يوماً فأحسبه
    أوفى البرية عند الله ميزانا( 42)

    على أنه ينبغي استشعار كون عمران بن حطان من الصفرية الذين كانوا ضمن المنشقين عن التيار المعتدل للمحكمة إلى التطرف والغلو، وذلك في حادثة الانقسام التي سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
    ولئن اتهمت المحكّمة بمقتل الإمام علي فإن الأيادي تشير كذلك إلى معاوية بن أبي سفيان بالتهمة نفسها. فقد روي أن عبدالرحمن بن ملجم بات ليلة مقتل الإمام علي عند الأشعث بن قيس الكندي يناجيه حتى كاد أن يطلع الفجر، فقال له الأشعث: فضحك الصبح، وبعث الأشعث لما أصبح ابنه قيساً قائلاً له: أي بني، انظر كيف أصبح أمير المؤمنين، فذهب فنظر إليه ثم رجع فقال: رأيت عينيه داخلتين في رأسه، فقال الأشعث: عينا دميغ ورب الكعبة( 43). ويروى أن حجر بن عدي الكندي سمع الأشعث يقول لابن ملجم: فضحك الصبح، فلما قتل علي قال له حجر: يا أعور أنت قتلته( 44). كما يروى أن الذي سمع ذلك أخو الأشعث بن قيس وأنه قال لأخيه: عن أمرك كان هذا يا أعور( 45). ويروى أيضاً أن الذي سمعه عم الأشعث عفيف فلما قتل علي قال عفيف: هذا من عملك وكيدك يا أعور( 46). وتضيف رواية أن حجراً خرج مبادراً إلى علي وأسرج دابته وسبق ابن ملجم فضرب علياً وأقبل حجر والناس يقولون: قتل أمير المؤمنين( 47).
    والحقيقة أن دور الأشعث مع الإمام علي دور مشبوه كما سيأتي. ويبدو أن العلاقة قد ساءت جداً بينهما في آخر حياة الإمام علي، فقد روي أن الأشعث دخل على علي فأغلظ له علي فعرض له الأشعث بأن يفتك به، فقال له الإمام علي: "أبالموت تهددني؟ فوالله ما أبالي وقعت على الموت أو وقع الموت علي"( 48). وهذا - إذن - يقدح في صحة ما روي من أن الأشعث نظر إلى عبدالرحمن متقلداً سيفاً وليس بأوان حرب، فقال: إني أردت أن أغربه جزور القرية، فركب الأشعث بغلته وأتى علياً فخبره فقال له: قد عرفت بسالة ابن ملجم وفتكه فقال علي: ما قتلني بعد( 49).
    والسؤال الآن: ما علاقة معاوية بالأشعث في أمر قتل علي ؟!
    ربط عدد من الباحثين( 50) بين الأشعث ومعاوية في هذا الفعل، يقول الأستاذ السيابي: "وإنما ابن ملجم دبر من قبل الأشعث بن قيس، وطبيعي أن يتم ذلك بإيعاز من معاوية أو علم منه.."( 51).
    وهذا الكلام له ما يسيغه، فقد كان لمعاوية رجال دسهم في جيش علي، إذ يروي ابن شهاب الزهري – في أحداث ما قبل صفين – عن معاوية قوله: "… وطفقت أكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق، فسمع بذلك مني جواسيس علي الذين عندي من أهل العراق…"(52) ، كما يروي البرّادي أن معاوية جعل يرسل إلى وجوه أصحاب علي يعدهم ويمنّيهم، وذلك بعد دخول أهل حروراء الكوفة( 53)، بينما يجعل البلاذري ذلك بعد معركة النهروان(54 ). ومع أن تلك العلاقة غير صريحة من خلال هذه الرواية فهل ثمة ما يؤكد أن هذا العرض لاقى في نفس الأشعث هوى وقبولاً ؟
    إن استعراض تاريخ الأشعث بن قيس الكندي يبرهن على أنه لم يكن مخلصاً لعلي وأن شكوكاً كثيرة تحوم حول صدق نواياه تجاهه، بل "إن ماضيه لم يكن مشرّفاً"( 55)، فقد ارتد مع من ارتد في خلافة أبي بكر الصديق ثم عاود الإسلام( 56). ورغم ذلك فقد ندم أبو بكر – بعد حين- على أنه لم يقتل الأشعث فقال: "وددت يوم أتيت بالأشعث بن قيس ضربت عنقه، فإنه يخيل إلي أنه لا يرى شرّاً إلا سعى فيه وأعان عليه"( 57). ولعل مما أثار حفيظة الأشعث على علي أنه عزله عن أذربيجان بعدما ولاه إياها عثمان بن عفان( 58)، وقد جاء أن علياً قال له في كتاب عزله: "إنما غرك من نفسك إملاء الله لك، فما زلت تأكل من رزقه وتستمتع بنعمه وتذهب طيباتك في أيام حياتك، فأقبل واحمل ما قبلك من الفيء ولا تجعل على نفسك سبيلاً( 59).
    وهذا الذي دفع بالأشعث -كما يروى- أن يكاتب معاوية( 60). "وبذلك يكون الأشعث قد بدأ حياته مع علي بداية غير ودية ولا مخلصة فكان يتربص به الدوائر ويتحين الفرص لينتقم منه وقد فعل"( 61).
    ومنذ صفين نشاهد للأشعث دوراً فعالاً ووجوداً ملحوظاً، ومن ذلك:
    1- إصراره على وقف القتال.
    2- إصراره على اختيار أبي موسى.
    3- عرضه صحيفة التحكيم على القبائل في جيش علي.
    4- إلحاحه على علي بالتراجع عن وعده أهل حروراء بعدم إنفاذ أبي موسى إلى أذرح.
    5- إلحاحه على علي في النخيلة بالانعطاف إلى أهل النهروان بدلاً من أهل الشام وذلك بعد ظهور نتيجة التحكيم.
    6- تخذيله أصحاب علي بعد النهروان عن نصرته لحرب أهل الشام.
    وإذن لا غرابة في أن يقول ابن أبي الحديد: "كل فساد كان في خلافة علي عليه السلام وكل اضطراب حدث فأصله الأشعث"( 62)، وأن يعد الشهرستاني الأشعث "من أشدهم خروجاً عليه ومروقاً من الدين"( 63).
    إن هذه الأحداث متسقة تماماً مع ما سبق ذكره من توعد الأشعث عليّاً بقتله ثمّ علمه بتبييت ابن ملجم نية مقتل الإمام علي وتشجيعه إياه على ذلك، وإن كان لا يمكن الجزم بأن كل مواقف الأشعث تفسر هذا التفسير. وما يراه فلهوزن من أن موقف الأشعث حتى عرض الصحيفة لا يعد خيانة أمر له وجاهته، إذ من الممكن تفسير ذلك أنه "سعى جاهداً ليبرز سيداً"( 64)، وهو ما يحاوله الهلابي أيضاً( 65). ولهذا ما يؤيده تاريخيّاً، فإن من الروايات ما يفيد أن الأشعث لم يكن منقاداً لمعاوية حتى رفع المصاحف، فقد بعث معاوية أثناء معركة صفين عتبة بن أبي سفيان إلى الأشعث قائلاً له: "أَلِنْ إلى الأشعث كلاماً فإنه إن رضي بالصلح رضيت به العامة" فلما كلمه كان جواب الأشعث: "يا عتبة، أما قولك إن معاوية لا يلقى إلا عليّاً فلو لقيني ما زاد ولا عظم في عيني ولا صغرت عنه، ولئن أحب أن أجمع بينه وبين علي لأفعلن، وأما قولك: إني رأس أهل العراق وسيد أهل اليمن، فالرأس الأمير والسيد المطاع، وهاتان لعلي، وأما ما سلف إلي من عثمان فوالله ما زادني صهره شرفاً ولا عمله غنى، وأما عيبك أصحابي فإن هذا الأمر لا يقربك مني، وأما محاماتي عن العراق فمن نـزل بيننا حميناه وأما البقية فلسنا بأحوج إليها منكم"( 66).
    والظاهر أن معاوية كان يلاحق الأشعث ابتداءً من عزله عن أذربيجان، ونجاحه متوقع، لكن ليس قبل ظهور ضعف جانب الإمام علي الذي بدأ بانفصال أهل حروراء عنه أو بقضاء علي على أهل النهروان أخلص أصحابه لقضيته، هنالك تكون الصلة أكثر احتمالية ومعقولية.
    وأما نفي فلهوزن هذه الصلة - مطلقاً - اعتماداً على أن الأشعث لم ينل مالاً( 67) - حسبما فهم - فكلام لا وزن له، إذ إن السيادة عند مثل هذه الشخصيات لا تقدر بمال، ولذا فإن الأشعث كان يستعمل سلطته أحياناً على الإمام علي، فقد هدده - مثلاً- بالانسحاب عنه في صفين إن لم يقبل مطالب أهل الشام( 68).
    وإذن فمن الطبيعي أن ينصرف الأشعث عن علي بعد النهروان حين يرى ضعف علي ويقبل بوجهه على من يرى أن المستقبل لأجله.
    ولا يستلزم الأمر عناءً عند البحث عن المستفيد الحقيقي من إزاحة علي عن ساحة الحكم، وإلا فلأي شـيء جرد معاوية ومعه جموع أهل الشام سيوفهم في صفين. ويبدو أن الإمام عليّاً – كرم الله وجهه – كان ضمن قائمة من الأشخاص الذين خطط لاغتيالهم، وإذا كان كل من محمد بن أبي بكر والأشتر النخعي – وهما من أعوان علي- أول أهداف تلك المؤامرة، إذ قتل عمرو بن العاص محمداً( 69) ودُس السم للأشتر حتى قال معاوية: "فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين – يعني عمار بن ياسر - وقطعت الأخرى اليوم -يعني الأشتر"( 70)، فإن من المنطقي جدّاً أن يكون علي هو المستهدف الحقيقي، وكيف يترك معاوية خصماً ظل يحرض الناس على قتاله سنتين( 71) دون أن يقصده بقتل أو مكيدة.
    والغريب أن تكون وفاة الحسن بن علي أيضاً بدس السم له من قبل زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس( 72).
    وعليه فمن الطبيعي أن نجد من أصحاب الإمام علي من يتهم معاوية صراحة بقتل الإمام علي، يقول أبو الأسود الدؤلي(73 :(
    ألا أبلغ معاوية بن حرب
    فلا قرت عيون الشــامتينا
    أفي شهر الصيــأم فجعتمونا
    بخير الناس طرّاً أجمعينـا( 74)

    وسـواء كـان قتـل عبد الرحمن بن ملجم للإمـام علي بتدبير من معاوية، أو الأشعث بن قيس، أو استجابة لرغبة امرأة جميلة، أو كان ثأراً شخصياً لبعض قتلى أهل النهروان، فإن الخلاصة من كل ذلك أن "الخوارج أبرياء من دم علي وأيديهم نظيفة من اغتياله" كما يقول الأستاذ أحمد سليمان معروف ( 75). والمراد أنه مع انتساب عبدالرحمن ابن ملجم إلى المحكّمة فإن فعله لا تلقى عهدته عليهم ما داموا لم يتظاهروا معه على قتل الإمام علي.
    وعلى كل حال فمثل هذه الحادثة مثل حادثة مقتل عبدالله بن خباب، فإن ما فعله عبد الرحمن بن ملجم من قتل الإمام علي كمثل ما فعله مسعر بن فدكي من قتل عبدالله ابن خباب. وإذا كانت هذه هي السبب في القضاء على أكثر أهل النهروان، فإن تلك كافية في تشويه سمعة المحكّمة وتأليب خصومهم عليهم، مع أن المحكّمة لا يتحملون تبعة ما فعله ابن ملجم على افتراض أنه يرى رأيهم، فكيف إن لم يكن كذلك.
    ثانياً: حادثة قريب وزحاف عام خمسين من الهجرة، وقد مر ذكرها في المبحث الرابع من الفصل الأول، كما سبق ذكر قول أبي بلال فيهما: "قريب لا قربه الله من كل خير، وزحاف لا عفا الله عنه لقد ركباها عشواء مظلمة".
    ثالثاً: أمر شبيب بن بجرة الأشجعي، يقول البلاذري: "وكان شبيب إذا جن عليه الليل خرج فلم يلق صبياً ولا رجلاً ولا امرأة إلا قتله"( 76).
    أما حادثة سهم بن غالب الهجيمي والخطيم يزيد بن مالك أحد بني وائل وعباد بن حصين حين قتلوا عبادة بن قرص الليثي - أحد الصحابة- ومعه ابنه وابن اخته، التي حدها البلاذري بعام واحـد وأربعين من الهجرة( 77) ففيها نظر، فإن الضياء المقدسي يروي أن عبادة بن قرص وقعت له هذه الحادثة مع الأزارقة(78 )، وقد ظهر الأزارقة عام أربعة وستين كما سيأتي.
    هذه حوادث الاستعراض والقتل بغير نفس أو وجه شرعي من قبل المحكّمة في فترة ما قبل الانقسام، ويبدو أن في الإضافة عليها صعوبة، وهي - بلا شك - أمور منكرة لا يرضاها عقل ولا خلق ولا دين، ولكن ينبغي ألا تحمل على أنها منهج لعامة من سموا بالخوارج، إذ ليس فيها ما يدل على ذلك.
    والحقيقة أن من سموا بالخوارج لا يتفردون بحوادث الغشم والاستعراض، ولا تخلو حركة معارضة أو تيار أو سلطة معينة في تلك الفترة من بعض مثل هذه الحالات على تفاوت فيما بينها. وهذا هو الذي يغفل عنه كثير من الباحثين، إذ يصورون المسمين بالخوارج أصحاب الاختصاص في موضوع الاستعراض.

    4- الخروج على الإمام الجائر(79 ):
    ومبدأ الخروج على الجورة ليس منحصراً فيمن ذكروا في التاريخ في عداد الخوارج، فإنه سمة عامة للقرن الهجري الأول، كخروج الحسين بن علي ومن معه بالكوفة، وخروج أهل الحرة بالمدينة وخروج عبدالله بن الزبير في مكة كلهم على يزيد بن معاوية، وثورة التوابين وخروج القراء والفقهاء على عبد الملك بن مروان.
    واتفاق المحكّمة أو الخوارج مع غيرهم في مبدأ الخروج وتطبيقه يدعو إلى البحث عن أسباب الخروج، فإن الخروج نفسه في هذه الحال لا يختلف من شخص إلى آخر أو من فرقة إلى أخرى.
    وفي الحوادث التي ارتكبها بنو أمية وولاتهم سبب مقنع وكافٍ لثورة جميع التيارات عليهم، وأقرب مثال لسبب يجمع بين التيارات المختلفة في التصدي لبني أمية هو الدفاع عن الكعبة المشرفة حين توجه جيش يزيد بن معاوية إليها بعد موقعة الحرة لقتال ابن الزبير بمكة، فقد اشترك معه كل من المحكّمة( 80)، والمختار بن عبيد الثقفي ( 81)، كما يروى أن النجاشي أرسل مائتي رجل من الحبشة إلى ابن الزبير للدفاع عن الكعبة ( 82).
    وأفعال بني أمية وولاتهم تفسير لبعض ما يروى عن (الخوارج) "أنهم خرجوا منكرين للجور والظلم"( 83)، ولذلك كان من السهل أن ينضم إليهم عدد من الناس كما فعل الأزد عندما مالوا إلى نجدة بن عامر الحنفي في البحرين، قائلين: "نجدة أحب إلينا من ولاتنا؛ لأنه ينكر الجور وولاتنا جائرون".
    وهذه النتيجة منطقية من خلال مثل هذه المقارنة، فقد بُعث إبراهيم التيمي إلى الخوارج يدعوهم، فقال له إبراهيم النخعي: إلى من تدعوهم ؟ إلى الحجاج ؟!( 84).
    وإذا كان التطرف إزاء سياسات القمع أمراً محتمل الوقوع، فلا علاقة للخروج بما يحدث فيه أحياناً من الاستعراض، فإن شرعية الخروج لا تعني شرعية الاستعراض والتطرف.

    5- التكفير:
    ويندرج تحته كل ما ورد من إطلاق الذين ينسبون إلى الخوارج الكفر على مرتكب الكبيرة أو المخالف أو على بعض الصحابة الذين يقف بعضهم منهم موقفاً ما( 85). إلا أن من الأهمية القصوى تحديد معنى الكفر، فإنه -كما سبق- يشمل كفر النعمة وكفر الملة. أما الكفر الذي يراد به كفر النعمة فإنه لا يعدو المعصية التي هي دون الشرك، أي التي لا يخرج مرتكبها عن نطاق الإسلام. وقد سبق القول بأن إطلاق الكفر على مطلق المعصية اصطلاح شرعي دل عليه الكتاب العزيز والسنة النبوية، وبناءً على هذا فإن مجرد استعمال الكفر لا ينبغي أن يفسر على أنه كفر الملة المقتضي لخروج الموصوف به من الإسلام حتى يدل على تخصيصه أمر صريح.
    هذا وقد تكرر القول بأن أول من حكم بالشرك أو الكفر الملي هو نافع بن الأزرق، وهذا الرأي هو الذي أحدث في صفوف المحكّمة شرخاً وأوجد فيما بينهم فرقاً. أما قبل نافع فلا يتعين حمل الكفر في نصوص المحكّمة على كفر الشرك ما دام الأمر محتملاً، وإلا لساغ أن تحمل عليه كل النصوص الشرعية وهذا ما لا يتأتى. وفي الحقيقة من الممكن أن نعد القول بتشريك المخالفين أو التكفير الملّي ميزة للخوارج. وأما ما يوجد عن كثير من المؤرخين من تسمية أهل النهروان ومن انتسب إليهم بالخوارج فبالنظر إلى عزو هذا الأمر إليهم، وإذ قد ثبت نفيه عنهم فإن من المعقول أن يحصر الخوارج فيمن تحققت فيه تلك الصفة وهو التشريك أو التكفير المخرج من الملة.

    الهامش:
    ( 1) الطبري (التاريخ) جـ3 ص352 - 359.
    ( 2) معروف، نايف (الخوارج في العصر الأموي) ص219.
    ( 3) الأشعري (المقالات) جـ1 ص168.
    ( 4) الأشعري (المقالات) جـ1 ص167، 207/ البغدادي (الفرق) ص73/ الشهرستاني (الملل) جـ1 ص116.
    ( 5) الأشعري (المقالات) جـ1 ص206.
    ( 6) المبرد (الكامل) جـ3 ص1138.
    ( 7) الأشعري (المقالات) جـ1 ص204/ الشهرستاني (الملل) جـ1 ص116.
    ( 8) الخضري (تاريخ الأمم) الدولة الأموية ص 149، وانظر: الدجيلي (فرقة الأزارقة) ص 76.
    ( 9) التباني (تخذير العبقري) جـ 1ص190.
    ( 10) الخضري (تاريخ الأمم) الدولة الأموية ص 149.
    ( 11) رواه بهذا اللفظ الإمام أحمد (المسند) جـ 3ص 129،183 جـ 4 ص 421.
    ( 12) روى الإمام أحمد (المسند) جـ 1ص 5 أن أبا بكر احتج على سعد بن عبادة في السقيفة بقوله: ولقد علمت يا سعد أن رسول  قال وأنت قاعد: "قريش ولاة هذا الأمر،فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم"، فقال له سعد:صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء. غير أن هذا لا ينهض لمقاومة الروايات الأخرى الثابتة، فإنه من رواية داود بن عبدالله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن، وهو الحميري، إذ هو الذي روى له كما في "التهذيب" جـ 3 ص 171رقم 1876، وكلاهما ثقتان، ولكن في السند انقطاعاً، فإن حميداً متأخر لم يشهد حادثة السقيفة، بل لم يدرك لا أبا بكر ولا عمر، وإنما ذكر ابن سعد أنه روى عن علي بن أبي طالب، "التهذيب" جـ 3 ص41 رقم 1630.
    ( 13) الخضري (تاريخ الأمم) الدولة الأموية ص 149، وانظر: الدجيلي (فرقة الأزارقة) ص 76.
    ( 14) الطبري (التاريخ) جـ 2 ص 243.
    ( 15) الجابري (نقد العقل) العقل السياسي العربي:محدداته وتجلياته ص 135،136.
    ( 16) محمد شرف (نشأة الفكر السياسي) ص75.
    ( 17) المائدة آية 32.
    ( 18) المبرد (الكامل) جـ3 ص1202.
    ( 19) ابن سعد (الطبقات) جـ3 ص35-37/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص248-253/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص155-157.
    ( 20) معروف، أحمد (قراءة جـديدة في مواقف الخوارج) ص59.
    ( 21) ابن خياط (التاريخ) ص119.
    ( 22) المسعودي (التنبيه والإشراف) ص273.
    ( 23) البرّادي (الجـواهر) ص145.
    ( 24) الشماخي (السير) جـ1 ص54، تعليق السيابي هامش (1).
    ( 25) ابن خياط (التاريخ) ص119.
    ( 26) الطبري (التاريخ) جـ3 ص155،156.
    ( 27) ابن خياط (التاريخ) ص119.
    ( 28) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص250.
    ( 29) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص264/ المبرد (الكامل) جـ3ص1116،وفيه أن القاصد إلى معاوية يزيد لا قيس.
    ( 30) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص260.
    ( 31) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص264.
    ( 32) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص249، 253.
    ( 33) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص265،266/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص159،160.
    ( 34) ابن أبي الحديد (شرح النهج) المجـلد 3 جـ6 ص119.
    ( 35) إحسان عباس (ديوان شعر الخوارج) ص52
    ( 36) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص266.
    ( 37) اسمه قيس بن عمرو بن مالك من بني الحارث بن كعب: ابن قتيبة (الشعر والشعراء) ص204.
    ( 38) ابن قتيبة (الشعر والشعراء) ص204.
    ( 39) المصدر السابق ص205.
    ( 40) المصدر السابق ص205.
    ( 41) المصدر السابق ص206.
    ( 42) المبرد (الكامل) جـ3 ص1085/ البغدادي (الفرق) ص93.
    ( 43) ابن سعد (الطبقات) جـ3 ص37.
    ( 44) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص254/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1169/ أبو الفرج (مقاتل الطالبيين) ص47.
    ( 45) المبرد (الكامل) جـ3 ص1169/ أبو الفرج (مقاتل الطالبيين) ص47.
    ( 46) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص254.
    ( 47) أبو الفرج (مقاتل الطالبيين) ص47.
    ( 48) المصدر السابق ص47.
    ( 49) المبرد (الكامل) جـ3 ص1117.
    ( 50) العقاد (عبقرية الإمام) ص135/ حسين، طه (الفتنة الكبرى) جـ2 ص81،82/ إسماعيل (قضايا في التاريخ) ص55-60/ جـعيط (الفتنة) ص208-210/ معروف، أحمد (قراءة جـديدة في مواقف الخوارج) ص64-73، وذكر منهم فلهوزن: فيل ودوزي وبرنوف وملر: (الخوارج والشيعة) ص29.
    ( 51) الشماخي (السير) جـ1 ص54 تعليق الأستاذ السيابي هامش (1).
    ( 52) الزهري (المغازي النبوية) ص 156.
    ( 53) البرّادي (الجـواهر) ص125، 126.
    ( 54) البلاذري (الأنساب) جـ 3 ص156.
    ( 55) معروف، أحمد (قراءة جـديدة في مواقف الخوارج) ص71.
    ( 56) الطبري (التاريخ) جـ2 ص 301-304.
    ( 57) البلاذري (فتوح البلدان) ص112.
    ( 58) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص80.
    ( 59) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص388.
    ( 60) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص80.
    ( 61) معروف، أحمد (قراءة جـديدة في مواقف الخوارج) ص70.
    ( 62) ابن أبي الحديد (شرح نهج البلاغة) جـ2 ص279.
    ( 63) الشهرستاني (الملل والنحل) جـ1 ص114.
    ( 64) فلهوزن (الخوارج والشيعة) ص30.
    ( 65) الهلابي (إلقاء الضوء على الدور المزعوم للقرار في صفين) مجـلة كلية الآداب ص28-30.
    ( 66) ابن قتيبة (الإمامة والسياسة) (منسوب) ص102،103.
    ( 67) فلهوزن (الخوارج والشيعة) ص30.
    ( 68) ابن قتيبة (الإمامة والسياسة) (منسوب) ص111.
    ( 69) الطبري (التاريخ) جـ3 ص132.
    ( 70) الطبري (التاريخ) جـ3 ص133.
    ( 71) ابن حجـر (الإصابة) جـ4 ص570.
    ( 72) ابن حجـر (التهذيب) جـ23 ص274 رقم 1331.
    ( 73) ظالم بن عمرو الدؤلي الكناني، واضع علم النحو وأول من نقط المصحف، كان معدوداً من الفقهاء والأعيان والأمراء والشعراء والفرسان والحاضري الجـواب من التابعين. سكن البصرة في خلافة عمر، وولي إمارتها في أيام علي ثمّ كان مع معاوية في أيامه (ت69هـ/688م): ابن خلكان (وفيات الأعيان) جـ1 ص530 /الزركلي (الأعلام) جـ3 ص236، 237.
    ( 74) البلاذري (الأنساب) جـ3 ص625/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص160/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1169، وينسبها لامرأة تكنى أم العريان/ المسعودي (مروج الذهب) جـ2 ص428/ المقدسي (البدء والتاريخ) جـ5 ص233. والظاهر في أمر نسبة هذه الأبيات أنها لأبي الأسود، فإن البلاذري يجـعل أبيات أم العريان بنت الهيثم (الأنساب) جـ3 ص264 غير هذه الأبيات التي نسبها لأبي الأسود. هذا ويتفرد ابن عبد البر (الاستيعاب) جـ3 ص1132 بإيراد صدر البيت الأول هكذا: (ألا قل للخوارج حيث كانوا) وينسبها لأم الهيثم. ولست أدري من أين أخذ ابن عبد البر هذه الأبيات بهذه الصيغة. والغريب أن ابن الأثير يتابع الطبري في (الكامل) جـ3 ص395 فتصبح الأبيات موجـهة إلى معاوية، بينما يتابع في (أسد الغابة)جـ3 ص621 ما في (الاستيعاب)لابن عبد البر فيكون البيت عندهما واحداً.
    ( 75) معروف، أحمد (قراء جـديدة في مواقف الخوارج) ص76.
    ( 76) البلاذري (الأنساب) جـ5 ص172.
    ( 77) البلاذري (الأنساب) ص179.
    ( 78) الضياء (الأحاديث المختارة) جـ8 مسند أنس بن مالك ص370.
    ( 79) الأشعري (المقالات) جـ1 ص204/ البغدادي (الفرق) ص173/ الشهرستاني (الملل) جـ1 ص115.
    ( 80) البلاذري (الأنساب) جـ5 ص 333،358،360،366،373،423/ الطبري (التاريخ) جـ 3 ص397.
    ( 81) البلاذري (الأنساب) جـ5 ص340،352.
    ( 82) البلاذري (الأنساب) جـ5 ص 362،372.
    ( 83) المصدر السابق جـ 5 ص 175،178.
    ( 84) المصدر السابق جـ 5 ص 175،178.
    ( 85) الأشعري (المقالات) جـ1 ص167/ البغدادي (الفرق) ص74/ الشهرستاني (الملل) جـ1 ص115،120،121


    الخوارج والحقيقة الغائبة ص 159 ـ 177
  • تابع..&quot;الخوارج والحقيقة الغائبة&quot; للشيخ ناصر بن سليمان السابعي

    المبحث الرابع:
    الفرق المنسوبة إلى الخوارج


    تنسب كتب المقالات إلى الخوارج عدداً من الفرق، وتدرج تحت كل فرقة عدداً آخر من المنشقين عليها أو المتفرعين عنها. وقد سبقت الإشارة إلى أن كثيراً مما أوردته كتب المقالات محتاج إلى التحقق. لأجل هذا فإن من الأحرى بنا الاقتصار على الفرق الكبرى المشهورة وهي الأزارقة والنجدات والصفرية والإباضية التي جعلها الأشعري أصلاً لجميع الخوارج – حسب قوله ( 1) - والتي كانت أثراً لانقسام عام أربعة وستين من الهجرة، وقبل الحديث عن هذه الفرق الأربع يجدر بيان حادثة الانقسام.
    حادثة الانقسام:
    اشترك المحكّمة -كما مضى- مع عبدالله بن الزبير في الدفاع عن الكعبة المشرفة عام أربعة وستين من الهجرة، وكان بعضهم قدم من اليمامة( 2) وآخرون جاؤوا من البصرة( 3). وكان ممن اشترك منهم نجدة بن عامر الحنفي( 4) ونافع بن الأزرق الحنظلي وعبدالله بن الصفار السعدي من بني صريم بن مقاعس وعبدالله بن إباض من بني صريم أيضاً( 5). وبعد فراق المحكّمة لابن الزبير عاد فريق منهم إلى اليمامة وعاد آخرون إلى البصرة( 6)، أما أهل البصرة فأمسك بهم عبيدالله بن زياد فحبسهم مع من كان في حبسه من أصحابهم( 7).
    وبعد وفاة يزيد بن معاوية انتقض الناس على عبيدالله بن زياد فلجأ إلى مسعود ابن عمرو المعني الأزدي، فقتل مسعود وهرب ابن زياد إلى الشام( 8). وقيل استخلف مسعوداً ثمّ لحق بالشام وقتل مسعود بعد ذلك( 9)، وأثّر مقتله فتنة بين الناس ومقتلة، فبينما تورد بعض الروايات أن بعض الخوارج قتلوه( 10) تورد أخرى أن الأزد اتهمت بني تميم بقتله( 11). وقد سبب ذلك نشوب قتال بين الأزد وربيعة وبين بني تميم وقيس( 12). واتفق أن كسر المحكّمة أبواب السجون وخرجوا منها( 13)، ويقال إن ابن زياد - قبل هربه - أخرجهم منها بناءً على طلب أهل البصرة( 14)، فاغتنم المحكّمة اشتغال الناس بعضهم ببعض فتهيأوا واجتمعوا، فخرج نافع بن الأزرق على ثلاثمائة رجل إلى الأهواز(15 )، "واصطلحت الأزد وبنو تميم فتجرد الناس للخوارج فاتبعوهم حتى خرج من بقي منهم بالبصرة فلحق بابن الأزرق إلا قليلاً منهم ممن لم يكن أراد الخروج يومه ذاك، منهم عبدالله بن صفار وعبدالله ابن إباض ورجال معهما على رأيهما"( 16). هنالك أحدث نافع قضية التشريك فكتب بذلك إلى أصحابه يدعوهم إلى متابعته فيها( 17)، فافترقت مقالاتهم في ذلك إلى ما يأتي:

    أ- الأزارقة:
    وهم المنسوبون إلى نافع بن الأزرق، وقد شهد نافع الدفاع عن مكة المكرمة مع
    ابن الزبير( 18)، وكان ممن عاد إلى البصرة( 19)، وسجنه ابن زياد مع أصحابه( 20)، ثمّ خرج إلى الأهواز مع بعض أصحابه كما مر.
    وتجمع المصادر على أن نافع بن الأزرق هو الذي انتحل مسألة التشريك وابتدأ أمرها( 21)، ورتب على ذلك وجوب الهجرة من دار المخالفين وكل ما يتعلق بالمشركين من أحكام التعامل معهم. ومن خطابه لأصحابه: "...أليس حكمكم في وليكم حكم النبي صلى الله عليه وسلم في وليه، وحكمكم في عدوكم حكم النبي صلى الله عليه وسلم في عدوه، وعدوكم اليوم عدو الله وعدو النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن عدو النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ هـو عـدو الله وعدوكم اليوم؟ فقالوا: نعم، قال: فقد أنـزل الله تبارك وتعالى: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين( 22)، وقال: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن(  23)، فقد حرّم الله ولايتهم والمقام بين أظهرهم وإجازة شهادتهم وأكل ذبائحهم وقبول علم الدين عنهم ومناكحتهم وموارثتهم.."( 24).
    ومما أحدثه نافع استحلال الأمانة وقتل الأطفال وقطع عذر من قعد عن الخروج لقتال الجورة( 25)، واستحلال السبي والغنيمة( 26)، واستعراض المخالفين( 27). ويبدو أن هذا كله مبني على الحكم بالشرك، كما نسب إليهم إنكار الرجم أيضاً( 28).
    فتلخص مما سبق أن نافعاً أحدث - فيما يتعلق بمخالفيه - تشريك المخالفين، ورتب عليه الأحكام العملية التالية:
    1-وجوب الهجرة من دار المخالفين.
    2-تحريم مناكحتهم.
    3- تحريم موارثتهم.
    4- تحريم أكل ذبائحهم.
    5- استحلال أماناتهم.
    6- جواز قتل أطفالهم.
    7- استحلال سبيهم.
    8- استحلال الغنيمة منهم.
    9- جواز استعراضهم.
    10-قطع عذر القاعد عن القتال مع الأزارقة.

    ب- النجدات أو النجدية:
    نسبة إلى نجدة بن عامر الحنفي الذي ثار باليمامة بعد مقتل الحسين بن علي( 29)، وحج نجدة بأصحابه في السنة التي حوصر فيها ابن الزبير، فلما هجم جيش الأمويين على مكة شارك نجدة في الذب عنها( 30). ويبدو أنه كان ممن رجع إلى اليمامة موطنه الذي ثار به. وتورد المصادر أن نجدة تابعَ نافعاً في الحكم بالتشريك وما ترتب عليه( 31)، ما عدا قطع عذر القعدة عن القتال وقتل الأطفال واستحلال الأمانة( 32)، وما عدا جواز المناكحة وأكل ذبائح المخالفين( 33). وتنسب إليهم بعض المصادر أيضاً إجازة الموارثة( 34)، لكن الذي في سيرة سالم بن ذكوان عكس ذلك( 35).

    جـ- الصفرية:
    أتباع عبدالله بن الصفار، وكان ضمن المشاركين مع ابن الزبير في قتال جيش بني أمية ثمّ رجع إلى البصرة، وأخذه ابن زياد مع من حبسه من أصحابه( 36). لكنه لم يخرج مع نافع إلى الأهواز.
    وبعد أن اعتنق نافع مبدأ التشريك كان عبدالله بن صفار ممن بعث إليه نافع. وتذكر بعض المصادر أن ابن صفار خالف نافعاً في أمور( 37)، غير أنه لا تحدد المصادر نوعية تلك المخالفة، فبينما يقول بعضها بأن ابن صفار برئ من عبدالله بن إباض وبرئ من ابن الأزرق( 38)، يقول بعضها بأن الصفرية أخذوا بقول عبدالله بن إباض ورأوا القعود( 39). والذي يظهر أن الاتفاق بين عبدالله بن صفـار والإباضية إنما هو في أمر القعود عن الخروج، وهي المسألة التي خالف فيها نافع بن الأزرق، وهذا واضح من المقارنة بين رأي نافع وكلام عبدالله بن إباض الآتي ومن نظرة عبدالله بن صفار إلى ابن الأزرق بأنه "غلا" وإلى ابن إباض بأنه "قصر"( 40). وهذا هو تفسير ما تذكره بعض المصادر من أن الأزارقة والصفرية استحلوا السبي والغنيمة( 41)، وما يذكره بعضها أيضاً من أنه "قام نجدة بن عامر وعبدالله بن صفار فدعوا إلى مثل ما دعا إليه نافع غير أنهما خالفاه في أمور برئا منه عليها جميعاً"( 42). وعليه يكون معنى وصف ابن صفار نافع بن الأزرق بالغلو لأجل قطعه العذر في القعود وإيجابه القتال، ومعنى وصفه ابن إباض بالتقصير لعدم حكمه على المخالفين بالشرك، وعلى هذا يكون رأي الصفرية كرأي النجدات، ويكون التمييز بينهما تمييز نسبة لا غير. والذي يؤيد هذا أن ينسب إلى الصفرية عين ما ينسب إلى النجدات من إباحتهم المناكحة والموارثة بينهم وبين مخالفيهم، وأكل ذبائحهم( 43)، وعدم قتل الأطفال والنساء( 44)، وعذر القعدة( 45). وتضيف بعض المصادر أن الصفرية أجازوا أيضاً الصلاة وراء مخالفيهم والحج معهم( 46).

    د- الإباضية:
    وهم المنسوبون إلى عبدالله بن إباض التميمي( 47)، وكان ممن شارك مع أصحابه في
    الذب عن الكعبة ثمّ عاد إلى البصرة( 48)، وسجنه ابن زياد( 49) ولم يخرج مع نافع إلى الأهواز( 50)، ثمّ كان ممن كتب إليه نافع فخالفه عبدالله قائلاً: "قاتله الله، أي رأي رأى، صدق نافع لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأياً وحكماً فيما يشير به، وكانت سيرته كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المشركين، ولكنه قد كذب وكذّبنا فيما يقول. إن القوم كفار بالنعم والأحكام وهم براء من الشرك ولا تحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام"( 51).
    من خلال ما مضى يتبين أن الفرق الثلاث الأزارقة والنجدات والصفرية تتبنى القول بأن محاربيهم مشركون، ويرتبون على ذلك ما يترتب على حرب المشرك، ويستثنى من ذلك بعض ما يختلفون فيه.
    أما الإباضية فتمثل تيار المحكّمة السابق على الافتراق، يقول الدجيلي: "وفيما يتصل بفرقة الإباضية فإن عقائدها تتعارض تماماً مع معظم آراء الأزارقة، وهي تمثل الاتجاه الذي سار عليه أبو بلال"( 52)، فقد أعلن عبدالله بن إباض تبرؤه من قضية التشريك وأن أمر المعصية لا يتجاوز كفر النعمة الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. وهذا هو ما تثبته المصادر الأخرى، إذ ذكرت أن إطلاق الإباضية الكفر على الموحدين العصاة لا يتجاوز كفر النعمة( 53) الذي لم يحرم المناكحة والموارثة( 54).
    وأما قول عبدالله بن إباض: "ولا تحل لنا إلا دماؤهم" فلا يخفى أنه يعني أمر القتال، والمراد أنه إن حلَّ قتال أحد من المسلمين بحكم شرعي كقتال البغاة الذي نصت على شرعيته آية الحجرات، فلا يحل بعده شيء من الغنيمة والسبي ونحوهما، فليس المراد به – إذن - الاستعراض، بل إن الخوارج برئت من الإباضية على ذلك( 55)، أي بسبب عدم تجويزهم الاستعراض.
    وأما اعتزال من سبق على زمن الافتراق كخروج أبي بلال إلى آسك فليس من باب الهجرة التي دان بها نافع بن الأزرق كما ظن د. نايف معروف( 56)، فإن كلام مرداس صريح في أن فعله هذا فرار بدينه، فقد لقيه عبدالله بن رباح الأنصاري - وكان له صديقاً- فسأله: أين تريد ؟ قال: "أريد أهرب بديني ودين أصحابي هؤلاء من أحكام الجورة والظلمة"( 57)، ولذلك قال ابن حجر في شرح حديث "يهلك الناس هذا الحي من قريش" قالوا: فما تأمرنا ؟ قال: "لو أن الناس اعتزلوهم" قال ابن حجر: "يؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فها إظهار المعصية، فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك، قال ابن وهب عن مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهاراً، وقد صنع ذلك جماعة من السلف"( 58).
    وما مضى من أن "جميع أصناف الخوارج أجمعوا على تشريك أهل القبلة واستحلال سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم"( 59)، يؤكد ما تقرر سابقاً من حصر الخوارج فيمن قال بتشريك مخالفيهم أو محاربيهم. وإذن فالإباضية على هذا المعيار ليسوا من الخوارج، والسبب الذي من أجله عدهم البعض من الخوارج -كما يظهر- هو اتفاقهم جميعاً على الآراء التي تقدم ذكرها في مبحث آراء الخوارج عدا التشريك والاستعراض. ولعل قول الإباضية بكفر مرتكب الكبيرة يعنون به كفر النعمة لبس على غيرهم فزج بهم في عداد الخوارج لعدم التفريق عند من جعلهم منهم بين الكفر والشرك والتكفير والتشريك.
    يقول الشيخ السالمي وهو من علماء الإباضية:
    والكفر قسمان جحود ونِعَمْ
    وبالنفاق الثانِ منهما وُسِمْ

    ثم فسّر كفر النعمة فقال:
    "أي كفر نعم، وهو ما نشأ عن تأويل الخطأ كاستحلال ما حرمه الله تعالى بتأويل الخطأ من فاعله أو قائله كخلاف جميع من خالف المسلمين وبراءتهم منهم بتأويل الخطأ، وما فعل انتهاكاً كمقارفة شيء مما أوعد الله على فعله النكال في الدنيا والعذاب في الآخرة، أو عذب به أمم من الأمم الماضية كالقتل والزنا والربا والسرقة وبخس المكيال والميزان وإتيان الرجال وعقر الناقة والاعتداء في السبت لأهل ذلك الزمان وغير ذلك"( 60).
    ونجد المفاصلة بين الخوارج والإباضية في نصوص علماء الإباضية الأوائل بالإضافة إلى كلام ابن إباض. فهذا جابر بن زيد الإمام المنظر للمذهب الإباضي يخرج إلى الخوارج فيناظرهم في قضية استحلال دماء المخالفين( 61)، وإذا علمنا الصداقة بينه وبين أبي بلال مرداس بن أدية الذي نجا في معركة النهروان( 62) تبين أن المراد بالخوارج ها هنا إذن من كان بعد أبي بلال وهم الأزارقة ومن نحا نحوهم كما هو مصرح به في هذه الرواية( 63). وأيضاً فمن أقدم ما يبرز آراء الإباضية المخالفة لآراء الخوارج سيرة سالم بن ذكوان السالف الحديث عنها التي خصها لمناقشة آراء الخوارج. فقد أعلن - معبراً عن الإباضية- تبرؤه من القضايا التي تبناها الأزارقة وأمثالهم في النصوص التالية:
    - "نرى حق الوالدين وحق ذي القربى وحق اليتامى والمساكين وحق أبناء السبيل وحق الصاحب وحق الجار وحق ما ملكت أيماننا علينا حقاً أبراراً كانوا أو فجاراً، ونؤدي الأمانة إلى من استأمننا عليها من الناس كلها من قومنا( 64) أو غيرهم، ونوفي بعهود قومنا من أهل الذمة إن استطعنا الذي يأخذونهم به من الظلم من قومنا ومن غيرهم، ونجير من استجارنا من قومنا ومن غيرهم، ويأمن عندنا منهم حضرة القتال الكاف المعتزل".
    - "... من غير أن نكون نراهم نـزلوا منازل عبدة الأوثان فنستحل سباهم وقتل ذراريهم وخمس أموالهم وقطع الميراث منهم، ولا نرى الفتك بقومنا وقتلهم في السر وإن كانوا ضلالاً ما دمنا بين ظهرانهم ونظهر لهم الرضا بالذي هم عليه، وذلك بأن الله لم يأمر به في كتابه ولا نعلم أحداً ممن مضى من أولياء الله في الأمم الماضية استحل شيئاً من ذلك وهو مثل منـزلتنا فنقتدي بسنتهم في ذلك، ولم يفعله أحد من المسلمين ممن كان بمكة بأحد من المشركين فنفعله نحن بأهل القبلة...".
    - "... ونرى مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ما داموا يستقبلون قبلتنا".
    - "... ولا نرى استعراض قومنا ما داموا يستقبلون القبلة من قبل أن ندعوهم إلى مراجعة الحق والأخذ به، لأن الله رضي الدعاء لنبيه وأمره به وأهل الإيمان".
    - "... ولا نرى قتل صغير من أهل قبلتنا لا ذنب له".
    - "... ولا نرى أن نستحل فرج امرأة رجل تزوجها بكتاب الله وسنة نبيه حتى يطلقها زوجها أو يتوفى عنها ثمّ تعتد عدة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها".
    - "... ولا نرى انتحال الهجرة من دار قومنا كهجرة النبي وأصحابه من دار قومهم، ولكن يخرج من خرج منا مجاهداً في سبيل الله على طاعته، فإن هو رجع إلى دار قومه توليناه إذا كان عارفاً لحق الله مقراً به في نفسه وماله...".
    - "وندعو إلى الله أن يطاع الله فنحل حلاله ونحرم حرامه ونحكم بما أنـزل الله في كتابه ونتبع سنة نبيه وسنة الصالحين من عباد الله، ليس من رأينا بحمد الله الغلو في ديننا ولا الغشم في أمرنا ولا العدا على من فارقنا، حكمنا اليوم فيمن ترك قبلتنا ووجه غيرها حكم نبينا فيمن ترك قبلته وحكم المسلمين بعده فيمن وجه غير قبلتهم، وحلالنا اليوم في دار قومنا حلال لنا إذا خرجنا، وحرامنا إذا خرجنا حرامنا اليوم في دار قومنا، نعلم بحمد الله أنه لا يحرم على الخارج منا شيء هو للقاعد حلال، ولا يحل للقاعد منا شيء هو على الخارج حرام"( 65).

    الهامش:

    ( 1) الأشعري (المقالات) جـ1 ص183.
    ( 2) البلاذري (الأنساب) جـ5 ص334،358،424.
    ( 3) المصدر السابق ص424.
    ( 4) المصدر السابق ص324،334،358.
    ( 5) الطبري (التاريخ) جـ3 ص397،398.
    ( 6) البلاذري (الأنساب) جـ6 ص13/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص398.
    ( 7) البلاذري (الأنساب) جـ5 ص365.
    ( 8) البلاذري (الأنساب) جـ6 ص7-38/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص364-373.
    ( 9) البلاذري (الأنساب) جـ6 ص13.
    ( 10) المصدر السابق ص 25،34،35.
    ( 11) المصدر السابق ص 35.
    ( 12) الطبري (التاريخ) جـ3 ص399.
    ( 13) البلاذري (الأنساب) جـ6 ص 25/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص339.
    ( 14) البلاذري (الأنساب) جـ6 ص 30،31.
    ( 15) البلاذري (الأنساب) جـ6 ص29/ الطبري(التاريخ) جـ3 ص398، 399.
    ( 16) الطبري (التاريخ) جـ3 ص399.
    ( 17) المصدر السابق جـ3 ص399.
    ( 18) المصدر السابق جـ3 ص397.
    ( 19) المصدر السابق جـ3 ص398.
    ( 20) البلاذري (الأنساب) جـ5 ص364.
    ( 21) ابن ذكوان (السيرة) ورقة65 ظ (مخطوط)/ أبو سفيان (السير) جـ1 سيرة محبوب إلى أهل عمان ص297، سيرة محبوب إلى أهل حضرموت ص311/ أبو المؤثر (السير) جـ2 ص307/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1203/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص399/ أبو قحطان (السير) جـ1 ص112، 113/ البسيوي(السير) جـ2 ص85.
    ( 22) التوبة آية 1.
    ( 23) البقرة آية 221.
    ( 24) الطبري (التاريخ) جـ3 ص399، وانظر: ابن ذكوان (السيرة) ورقة65ظ (مخطوط)/ الأشعري (المقالات) جـ1 ص169، 174/ البغدادي (الفرق) ص83/ الشهرستاني (الملل) جـ1 ص122.
    ( 25) ابن ذكوان (السيرة) ورقة 65ظ، 66ب (مخطوط)/أبو سفيان (السير) جـ1 سيرة محبوب إلى أهل عمان ص297/ الأشعري (المقالات) جـ1 ص169/ ابن عبدربه (العقد الفريد) جـ2 ص98/ البغدادي (الفرق) ص84/ ابن حزم (الفصل) جـ5 ص52/ الشهرستاني (الملل) جـ1 ص121.
    ( 26) ابن ذكوان (السيرة) ورقة65 ظ (مخطوط)/ ابن الرحيل (السير) جـ1 سيرة محبوب إلى أهل عمان ص297.
    ( 27) ابن ذكوان (السيرة) ورقة65 ظ (مخطوط)/ ابن حزم (الفصل) جـ5 ص52.
    ( 28) ابن ذكوان (السيرة) ورقة66 ظ (مخطوط)/ الاشعري (المقالات) جـ1 ص173/ البغدادي (الفرق) ص84/ ابن حزم (الفصل) جـ5 ص52/ الشهرستاني (الملل) جـ1 ص121.
    ( 29) البلاذري (الأنساب) جـ5 ص334.
    ( 30) المصدر السابق جـ5 ص334.
    ( 31) ابن ذكوان (السير) ورقة66ب، 66ظ (مخطوط)/ أبو المؤثر (السير) جـ2 ص307، 308/ أبو قحطان (السير) جـ1 ص112/ البسيوي (السير) جـ2 ص125/ البغدادي (الفرق) ص88.
    ( 32) المبرد (الكامل) جـ3 ص1215، 1216/ ابن عبد ربه (العقد الفريد) جـ2 ص97.
    ( 33) ابن ذكوان (السيرة) ورقة 66ب، 66ظ (مخطوط) / البسيوي (السير) جـ2 ص125.
    ( 34) البسيوي (السير) جـ2 ص125.
    ( 35) ابن ذكوان (السيرة) ورقة 66ظ (مخطوط).
    ( 36) الطبري(التاريخ)جـ3 ص398.
    ( 37) الطبري (التاريخ) جـ3 ص399.
    ( 38) المصدر السابق جـ3 ص399.
    ( 39) ابن عبدربه (العقد الفريد) جـ1 ص121.
    ( 40) الطبري (التاريخ) جـ3 ص399.
    ( 41) ابن الرحيل (السير) جـ1 سيرة محبوب إلى أهل حضرموت ص311.
    ( 42) أبو المؤثر (السير) جـ2 ص307.
    ( 43) أبو عمار (الموجـز) جـ2 ص116.
    ( 44) البغدادي (الفرق) ص91.
    ( 45) الشهرستاني (الملل) جـ1 ص137.
    ( 46) أبو عمار (الموجـز) جـ2 ص116.
    ( 47) نسبة الإباضية إلى عبدالله بن إباض إنما هي نسبة اصطلاحية فحسب، وإلا فإن نسبتهم –في الواقع – إلى الإمام جابر بن زيد الأزدي أبي الشعثاء صاحب ابن عباس، وهذا الذي أطبقت عليه كلمة الإباضية. وإنما نسبوا إلى ابن إباض بالنظر إلى مواقفه السياسية البارزة، ومنها رسالته إلى عبدالملك بن مروان، ومنها هذه الحادثة التي خالف فيها نافع ابن الأزرق وأصحابه . على أن مخالفة ابن إباض لنافع لا تعني أن عبدالله رسم بفعـله هذا منهج الإباضية، لأن دوره هاهنا إنما هو إبراز الرأي لا إنشاؤه. والمراد أن عبدالله بن إباض واحد من الذين ثبتوا على المنهج المعتدل الذي سار عليه أهل النهروان وتتابع عليه الإباضية فيما بعد. وأيضاً فإن علاقة جابر بن زيد بأبي بلال مرداس كانت قبل ظهور عبدالله ابن إباض ومخالفته لنافع، إذ كان جابر صديقاً حميماً لأبي بلال المقتول عام 59هـ كما تقدم، مما يعني وضوح الرؤية لجابر وأصحابه قبل حادثة نافع. وهذا بدوره يدفع بنا إلى القول بأن تبني عبدالله بن إباض لرأيه الذي خالف به نافع بن الأزرق لم يكن وليد تلك الساعة، بل كانت تلك الحادثة بمثابة امتحان لعبدالله بن إباض، هل يتطرف كما فعل نافع وصاحباه؟ أم يثبت على منهج الاعتدال كنظرائه جابر بن زيد ومن معه؟ وهذا ما فعله حقاً.
    والخلاصة أن جابر بن زيد هو الإمام المنظر للإباضية، وكتب الإباضية طافحة برواياته وأقواله الفقهية وآرائه السياسية وسيرته الذاتية مما لم يتسن من ذلك شيء لعبدالله بن إباض سوى الإشادة به والثناء عليه وكونه من كبار دعاتهم. ومسألة إمامة جابر بن زيد للإباضية - فضلاً عن مجرد انتمائه إليهم - لم تعد قابلة للأخذ والرد، نظراًً لتضافر الأدلة على صحتها.
    لمزيد من التفصيل، انظر: خليفات (نشأة الحركة الإباضية) ص92-97 / هاشم (الحركة الإباضية في المشرق العربي) ص45-55/ أبو داود، سامي (الإمام جابر بن زيد) ص42-48 (رسالة ماجستير).
    ( 48) الطبري (التاريخ) جـ3 ص398.
    ( 49) البلاذري (الأنساب) جـ6ص13.
    ( 50) الطبري (التاريخ) جـ3 ص399/ الشماخي (السير) جـ1 ص72.
    ( 51) الطبري (التاريخ) جـ3 ص399.
    ( 52) الدجيلي (الأزارقة) ص85.
    ( 53) الأشعري (المقالات) جـ1ص184، 189/ البغدادي (الفرق) ص103/ الشهرستاني (الملل) جـ1 ص134.
    ( 54) الأشعري (المقالات) جـ1 ص184/ البغدادي (الفرق) ص103/ الشهرستاني (الملل) جـ1 ص134.
    ( 55) الأشعري (المقالات) جـ1 ص185، 204.
    ( 56) معروف، نايف (الخوارج في العصر الأموي) ص198.
    ( 57) ابن عبد ربه (العقد الفريد) جـ2 ص98، 99.
    ( 58) ابن حجر (فتح الباري) جـ14 ص500، شرح حديث رقم7058.
    ( 59) البسيوي (السير) جـ2 ص26.
    ( 60) السالمي (مشارق أنوار العقول) جـ2 ص 312، 313.
    ( 61) الدرجيني (الطبقات) جـ2 ص208، 209.
    ( 62) المصدر السابق.
    ( 63) المصدر السابق ص209.
    ( 64) يظهر من تكرار كلمة "قومنا" في العبارات اللاحقة عند سالم بن ذكوان أنها اصطلاح يراد به مخالفو الإباضية.
    ( 65) ابن ذكوان (السير) ورقة 70ظ - 72ظ (مخطوط).


    الخورج والحقيقة الغائبة ص 179 ـ 188