اليابان..صداع فى رأس أوباما

    • اليابان..صداع فى رأس أوباما

      روجر كوهين :

      لدى الرئيس أوباما مشكلة مع اليابان، وأعرف أنها ليست بالقضية التي تأرق مضجعه. لكن عندما تتدهور العلاقات الأمريكية بأهم حليف آسيوي بسبب الأمن وليس أشباه الموصلات، فلابد أن العالم بالفعل يتغير. وبالتأكيد اليابان تتغير. فبعد أن أطاح الناخبون اليابانيون بالحزب الديموقراطي الليبرالي، الذي تقلد مقاليد السلطة لأكثر من نصف قرن، وأعلنوا الحرب على البيروقراطية التي نتج عنها كل تلك الاتفاقيات مع أمريكا في العهد القديم، ينظر اليابانيون إلى تلك القوة التي كتبت لهم دستورهم، وهي أمريكا، نظرة جديدة. والنتيجة وجود مشاكل، وصارت اليابان الموثوق بها يابان عنيدة. وصارت تتحدث عن شراكة بها المزيد من المساواة مع أمريكا. وأنا أجد في ماضي اليابان عبر تغير سياسي راديكالي في طريقته كما هو الحال في القضاء على أي هيمنة لحزب واحد بعد الحرب الباردة على مقاليد الحكم، أقول أجد هذا طبيعيا.

      رغم هذا، تثبت المشاكل بين أكبر اقتصادين في العالم أنها وبشكل غير متوقع مشاكل حادة. فالوزراء الأمريكان يهزون رأسهم ويتمتون " الوضع سيىء حقا". وفي وجه تلك المشاكل نجد أن الرئيس أوباما ورئيس وزراء اليابان هاتوياما، والذي قاد نهضة الحزب الديموقراطي لانتصار كبير في سبتمبر الماضي، لديهما الكثير مما هو مشترك، ومن بين ذلك التغيير نفسه. فكلا الزعيمين اكتسح الطريق للمنصب بدعم الطبقة المتوسطة وأزمتها مع الدخول المنهارة والوظائف المفقودة. وكلاهما يمر بعقد متخم بالمشاكل. وكلاهما يتأرجحان في الوسط (السياسي) على الرغم من تعلقهما بيسار الوسط والمثالية. وكلاهما يواجه مهمة الصعود ببلده إلى المستوى المنتظر منها في العالم، الذي فيه تتضاءل قوة كل من البلدين. وحقيقي أن أوباما جاء إلى البيت الأبيض من الخارج (من خارج رجاله) بينما هاتوياما هو سليل سلالة سياسية حاكمة شبيهة بسلالة كينيدي. لكن المخاوف المشتركة ربما تتمكن من التفوق على اختلافات بينهما في الخلفية التي جاءا منها.

      رغم هذا تفككت الثقة بشكل سريع، وكانت الشرارة هي الجدل حول مستقبل محطة المارينز الأمريكي الجوية في جزيرة أوكيناوا جنوبي اليابان، حيث ضجر السكان المحليون هناك من الضوضاء العالية والجريمة والتلوث المصاحبين للوجود العسكري الأمريكى هناك. والقضية الأعمق أكثر تعقدا: تزايد ضجر اليابانيين من اعتمادهم منذ نهاية الحرب الباردة على واشنطون، ذلك الاعتماد الذي أكثر رمز له واضح في اليابان هو هؤلاء الأمريكان العسكريون البالغ عددهم 37 ألف فرد. وساند هاتوياما ذلك الغضب الياباني. وخاض حملته الانتخابية متعهدا للناخبين بفتح ملف اتفاق العام 2006 القاضي بنقل تلك القاعدة الجوية الأمريكية إلى مكان آخر شمال الجزيرة أقل كثافة سكانية. هذا بينما يقترح نشطاء البيئة في حزبه نقل القاعدة إلى خارج الجزيرة كلها أو إلى خارج اليابان. أيضا وعد هاتوياما بمراجعة الدستور الياباني، الذي تقول المادة تسعة فيه بعدم أحقية اليابان بامتلاك عسكرية كاملة الأركان. قال أكيهيسا ناجاشيما، نائب وزير الدفاع الياباني:" نحن نتعامل مع التحالف الياباني الأمريكي بجدية، فهو قلب سياسة البلاد الخارجية، حتى ولو تحدث رئيس الوزراء عن تحالف مع أمريكا بلا قواعد عسكرية أمريكية على أرض اليابان."

      لكن الشكوك تغلغلت في الجانب الأمريكى. وتضاعفت تلك الشكوك بسبب سوء الفهم. وعندما كان الرئيس الأمريكى في اليابان الشهر الماضي، طلب هاتوياما من أمريكا الثقة في اليابان، وأكد أوباما على أنها موجودة بالفعل. لكن الاثنين لم يتفقا على هذه الثقة بشأنه. بالنسبة لهاتوياما، كانت تلك الثقة بخصوص مستقبل التحالف. بالنسبة لأوباما، كانت هذه الثقة بخصوص تطبيق اتفاقية أوكيناوا الموقعة عام 2006، والتي قيمتها 26 مليار دولار. وكان هذا غموض في المواقف كارثى. والآن الكل غير سعيد بالموقف. وأشارت العديد من المناقشات إلى أن هاتوياما لن يقوم يتخذ أي قرار نهائي قبل شهور، ربما ليس قبل إجراء الانتخابات البرلمانية اليابانية في يوليو المقبل، التي من الممكن أن تحرر الرجل من شركائه الصغار في جناح اليسار. أما ريتشارد أرميتيج، نائب خارجية سابق، هو التعبير الوحيد المرأى عن نفاد صبر أمريكا. وهو حاليا في طوكيو. وقد قال ناجاشيما، مشيرا إلى الضغط المتزايد على الحكومة وإلى غضب سكان جزيرة أوكيناوا، قال: "لا يمكنني تغيير الموقف السياسي هنا، وأنا أريد بالفعل أن يواصلوا العمل معنا رغم هذه الصعوبات."

      وبعد قضائه تسعين يوما لكي يتخذ قراره بخصوص أفغانستان، لا يمكن لأوباما أن يتعامل بعصبية مع هاتوياما. فالأخير يدير الآن الأنقاض التي تخلفت من نصف قرن من حكم الحزب الديموقراطي الليبرالي للبلاد. وهو يحتاج إلى الوقت، كما أن الفضيحة المالية المتعلقة بحملته الانتخابية حدت من قدراته. فاليابان مثلها مثل ألمانيا من قبلها، هي تريد الخروج من تبعية وسيطرة أمريكا. وبخلاف ألمانيا، تقع اليابان في جزء من العالم حيث لا تزال للحرب الباردة أثر- كوريا الشمالية المسلحة نوويا- بالإضافة إلى صين سريعة النهضة والنمو، مع عسكرية ضخمة جدا قريبة جدا من اليابان. باختصار، الحاجة إلى تحالف ياباني أمريكي هو واقع حتى لو كان اليابانيون يطالبون بالتحرر من الاعتماد على أمريكا، وحتى لو كانت مطالبتهم تلك تنمو بشكل أسرع عن أي وقت مضى. وهذا يدعو للطمأنينة. لذا لتزيح الدولتان مسألة القاعدة العسكرية تلك جانبا، وتركزان على العلاقات الاستراتيجية التي تربط بينهما.

      More...