من سينقذ أطفال غزة؟

    • من سينقذ أطفال غزة؟

      عنوان رفيع فيكتوريا بريتين

      من بين كل الحلول المعقدة طويلة المدى التي يتم السعي من أجل التوصل إليها في كوبنهاجن لتجنب كارثة بيئية في كل أنحاء العالم، هناك مكان حدثت فيه الكارثة بالفعل، ولكنه يمكن معالجتها في الحال بخطوة سياسية بسيطة واحدة.

      في غزة، لا توجد الآن مياه غير ملوثة؛ من بين الأطفال حديثي الولادة البالغ عددهم ما يقرب من أربعين ألفا، نصفهم على الأقل معرضون لخطر داهم للتسمم بالنيترات - فالإصابة بحالة "الطفل الأزرق" – المعروفة بالميتهيموجلوبينيميا – مرتفة بشكل كبير؛ وهناك عدد غير مسبوق من الناس معرضون للتسمم بالنيترات على مدى عشر سنوات؛ وفي بعض الأماكن، تبلغ نسبة محتوى النيترات في المياه ثلاثمائة ضعف معايير منظمة الصحة العالمية؛ والاقتصاد الزراعي يموت بسبب المياه الملوثة والمالحة؛ وطبقة المياه الجوفية أُرهقت وأوشكت على الانهيار؛ ومياه المجاري والنفايات تتدفق إلى الفراغات العامة والمياه الجوفية.

      لقد استمر الحصار على غزة لمدة أربع سنوات تقريبا، وتصدعت البنية الأساسية للمياه والصرف الصحي إلى حد الانهيار الفعلي أثناء الهجوم الذي استمر ثلاثة أسابيع على القطاع منذ ما يقرب من عام.

      ما المطلوب من أجل البدء في اثنين من مشروعات الأمم المتحدة لإصلاح الصرف الصحي اللذان وافقت عليهما إسرائيل؛ ومشروع الأمم المتحدة للمياه والصرف الصحي، الذي لم توافق عليه إسرائيل بعد؛ وشبكتي صرف صحي داخليتين برعاية الأمم المتحدة أيضا، لم توافق عليهما إسرائيل بعد؟ في الوقت الراهن، يمكن رفع ركن واحد فقط من الحصار لدخول مواد ومعدات البناء إلى غزة، من أجل البدء في أعمال المياه لإعطاء الأطفال فرصة للحياة. مكالمة هاتفية واحدة فقط من وزير الدفاع الإسرائيلي يمكن أن تفعل ذلك – هدية مبكرة في الكريسماس يتم تقديمها لموظفي الأمم المتحدة على الأرض الذين ظلوا مستعدين للعمل على مدى أشهر وأصبحوا يائسين على هذه الجبهة، كما هو الحال على جبهات أخرى كثيرة.

      في وقت مبكر من هذا العام، كان سؤال واحد فقط وجها لوجه إلى الحكومة الإسرائيلية وجهه السيناتور جون كيري بعد زيارته لغزة، هو الذي سمح للمعكرونة أن تدخل إلى غزة. فمن من أوروبا أو الولايات المتحدة سوف يسأل وزير الدفاع الإسرائيلي السؤال المتعلق بـ "الأطفال الزرق" وجها لوجه؟ ربما تكون سارا براون، زوجة رئيس الوزراء البريطاني، هي المرشح المثالي لهذا الأمر – فهي شخصية مستقلة تمتلك أذن الشخصية القوية، وهي أم تعرف شيئا عن حزن الأطفال الرضع. ويمكن أن يصحبها اللورد مانديلسون في حالة وجود أي استهداف لها بالنقد.

      والعلم في كل ذلك واضح لا ينازع فيه أحد. ففي سبتمبر الماضي، وضح تقرير للأمم المتحدة الأمر بتفصيل كامل، وشمل النتائج الإقليمية على كل من إسرائيل ومصر إن لم يتم إصلاح شبكة الصرف الصحي المشتركة وإيجاد موارد مياه بديلة. وقد قدر برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة أن المطلوب هو 1.5 مليار دولار على مدى عشرين عاما لاستعادة شبكة الصرف الصحي، بما في ذلك إنشاء محطات تحلية لتخفيف الضغط عن موارد المياه الجوفية.

      اعتادت شواطئ غزة الرملية الشاحبة أن تكون ملعبا للمجتمع وضمانا للسعادة والحياة الطبيعية، حيث تتنزه بها العائلات ويمارسون ركوب الخيل ويقوم الصيادون بإصلاح شبكاتهم والأطفال بالسباحة والشباب بممارسة الرياضة في الصباح الباكر، ولكنها أصبحت فارغة في هذه الأيام، وليس ذلك لمجرد أن الفصل هو فصل الشتاء. لقد تدفق ما بين 50 إلى 60 مليون لترا من مياه الصرف غير المعاجلة إلى البحر المتوسط كل يوم من هذا العام منذا انتهاء الغزو الإسرائيلي لغزة في يناير الماضي، ورائحة البحر كريهة وقليل من الأسماك هو المتوفر في مساحة الثلاثة أميال البحرية المسموح للفلسطينيين بدخولها. ويبدو هذا المورد وقد تحطم تماما مثل حطام البرلمان والوزارات في غزة.

      والزائر لغزة يمكن أن لا ينتبه لهذه الكارثة عندما يرى ما جلبه اقتصاد الأنفاق السوريالي من مصر إلى غزة: مقهى حديث أنيق مع أثاث جديد وملصقات على الجدران، لن يكون غريبا على بيكاديللي، وأسماك من عُمان للمطاعم، وأغنام وماعز سمينة لعيد الأضحى، وسيارات جديدة تم تجميعها بعد أن كانت كل منها مقسمة إلى أربعة أجزاء، ودراجات نارية ضخمة من "إيزي رايدر"، وأسواق مزدهرة مليئة بالأغذية والملابس والثلاجات والغسالات والمستحضرات الصيدلانية، وغيرها الكثير. وبعض الناس يصبحون أثرياء على كلا جانبي حدود رفح.

      ولكن الأنفاق هي شريحة ضئيلة من الواقع. "لقد نفدت الكلمات التي يمكن أن نصف بها سوء الأحوال هنا،" كما يقول جون جينج، مدير العمليات بوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين في غزة. ويرأس جينج فريقا مكونا من عشرة آلاف معظمهم من العاملين الفلسطينيين الذين يديرون موارد المساعدة التي هي كل شيء يقف بين أغلبية السكان في غزة وبين العوز. "لدينا نسبة 80% باحثين عن عمل واقتصاد في مستوى الكفاف وبنية أساسية محطمة، إلخ، ولكن الأسوأ من الكارثة الإنسانية هو تدمير المجتمع المدني."

      ويكمن الشغل الشاغل لجينج في "الأطفال البالغ عددهم 750000 عرضة للتأثر ببيئة تتحرك فيها الأمور بسرعة في الاتجاه غير الصحيح، حيث الظلم كبير وكل يوم أسوأ من سابقه."

      هناك مشكلة كبيرة تتمثل في انعدام الأمن والعنف هنا، والأمر يسير إلى الأسوأ. ويظهر معظم البالغين مرونة في الصبر على البلوى ويتشبثون إلى الإيمان بالقيم التقليدية، ولكن هناك خطابا قاهرا من جانب المتطرفين يصبح أكثر صعوبة على مواجهته. ورفع الحصار فقط هو الذي من شأنه أن يغير الديناميكية.

      إن المجتمع الدولي الذي قبل "الحياة الطبيعية" ذات اقتصاد الأنفاق المهين في غزة يجلب علينا جميعا العار. يجب أن يكون إنهاء كارثة المياه في غزة هو أول خطوة من خطوات كسر الحصار.

      More...