نفط العراق ... قوة أم ضعف؟

    • نفط العراق ... قوة أم ضعف؟

      جيمس دينسيلو

      ما كان للتوقيت أن يكون أسوأ مما كان عليه. في يوم الثلاثاء الماضي بعد الظهر، في أحد فنادق لندن الأنيقة، صرح نائب رئيس لجنة النفط والغاز العراقي، عبد الهادي الحسني، لمحطة الـ"بي بي سي" قائلا: إن الوقت مناسب الآن للاستثمار في العراق حيث إن "الحكومة تسير من قوة إلى قوة".

      وعلى بعد مسافة صغيرة في المدينة، رفض السير جون سكارليت، رئيس مجموعة "MI6" الاستخباراتية والحارس على بعض أهم المعلومات الاستخباراتية التي أشعلت الحرب في العراق، رفض تأكيد أو إنكار الخبر بأن سائق سيارة أجرة عراقيا كان هو المسؤول عن زعم أن صدام حسين يستطيع امتلاك أسلحة دمار شامل في غضون خمس وأربعين دقيقة.

      في الوقت الذي كانت تتم فيه مناقشة مستقبل وماضي العراق في لندن، كانت بغداد تحترق في الحاضر، حيث كانت معدات إطفاء الحريق مازالت منغمسة في حطام السيارات المشتعلة وكانت سيارات الإسعاف مازالت تقوم بحرص بتجميع أشلاء 127 ضحية تم تفجيرهم في التفجيرات المنسقة التي ضربت العاصمة.

      وعلى الرغم من إحراز تقدم في تقليل مستويات العنف، مازال العراق بوضوح مكانا عالي الخطورة وبعيدا عن التنمية إلى حد كبير. في الأشهر الستة الأولى من هذا العام عاد 25000 عراقي فقط إلى العراق، ومازال 4.6 مليون عراقي مشردين داخليا وخارجيا. وفي السنوات الست الماضية ازدادت مؤشرات سجلات حرية الصحافة والفساد سوءا. وقد أظهرت إحصائيات شهر فبراير أن نسبة 20% فقط من العراقيين يستطعيون الوصول إلى الصرف الصحي، ونسبة 45% يستطيعون الوصول إلى المياه النظيفة.

      ربما يكون العراق قد تجاوز المنعطف وهو في طريقه إلى الاتجاه الصحيح، ولكن مازال هناك طريق طويل يجب السير فيه. ولكي يحدث التغيير والتنمية الحقيقيان، سيلعب نفط العراق دورا كبيرا بوضوح. ينتج العراق حاليا 2.5 مليون برميل يوميا (بعد أن كان 2.8 مليون برميل قبل الغزو) وهو ما يمثل نسبة 90% من ميزانية الحكومة.

      وبقليل من الضجة، تحدث الجولة الثانية من التقدم بالعروض للعمل في حقول نفط العراق هذا الشهر، وهناك اتحاد بقيادة شل حصل الآن على حقوق تطوير حقل نفط "مجنون" العملاق. وفي الوقت الذي يسعى فيه الدبلوماسيون إلى إنقاذ العالم في كوبنهاجن، فإن هذا المؤتمر التقليدي سيسعى لمنح الامتيازات بتوزيع ثالث أكبر احتياطيات النفط، والذي به ما يقدر بحوالي 115 مليار برميل من النفط.

      وقد قدر وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني أنه باستثمار 50 مليار دولار في تحديث البنية الأساسية، سيكون العراق قادرا على إنتاج ستة ملايين برميل يوميا بحلول عام 2017.

      ومع ذلك، تحولت الجولة الأولى من مناقصات النفط في يونيو الماضي لتصبح شبه كارثة، حيث طلبت شركات النفط الكبرى أكثر كثيرا لكل برميل تنتجه من المبلغ الذي عرضته الشركات العراقية البالغ 2 دولار. وللمفارقة، بالنسبة لمن يجادلون بأن الحرب كلها تخص النفط، كان الصينيون جزءا من الامتياز الوحيد الذي تمت الموافقة عليه. وقد وقع اتحاد مكون من شركة النفط الوطنية الصينية والشركة البريطانية للبترول صفقة مدتها عشرون عاما تَعِدُ بالحفاظ على النفقات منخفضة باستخدام قوى عاملة ومعدات صينية منخفضة التكلفة. كان كثير من العراقيين مستاءين بسبب طول مدد هذه العقود التي "ستقيد الاقتصاد العراقي وتعوق استقلاله لمدة عشرين عاما قادمة. إنهم يهدرون عائدات العراق".

      لقد كان النفط – ومازال - شيئا يشبه اللعنة في التاريخ العراقي، جالبا معه مستويات أكبر من التدخل الأجنبي وتاريخا من الحكومات التي تستطيع استغلال نظرية "لا مشاركة بدون ضريبة". هناك سابقة واضحة لمخاطر "الدولة الريعية" الموجودة في الدول المجاورة مثل الكويت والمملكة العربية السعودية.

      في عام 1925صادق البرلمان العراقي على اتفاقية امتياز نفط مع شركة النفط التركية، والتي أصبحت في وقت لاحق شركة النفط العراقية، بشروط غير مواتية له هو نفسه. وبحلول عام 1953، كان النفط يمثل 94.3% من الدخل القومي، رغم أن كلا من الإنتاج والأسعار كانت تسيطر عليهما شركة النفط العراقية. وفي عام 1961 استعاد القانون النفطي رقم 80 الذي أصدره عبد الكريم قاسم المساحات غير المستغلة التي كانت قد منحت كامتياز لشركة النفط العراقية، ولكن لم يتم تأميم هذه الصناعة بالكامل إلا عام 1972. وقد نتج عما تلا ذلك من أزمة النفط عام 1973 الزيادة الضخمة لأسعار النفط، مما عزز بشكل كبير سلطة الدولة وشجع صدام حسين الذي قاد بعد ذلك بلاده إلى حروب كارثية مع إيران والكويت

      . وفي مارس عام 2003، قال بول وولفويتز، الذي كان حينئذ نائب وزير الدفاع الأمريكي، إن العراق يستطيع تمويل بنائه في فترة ما بعد الحرب، وكانت وزارة النفط هي أحد المباني القليلة التي تمت حمايتها بعد سقوط صدام

      . وفي حين أن فشل المحافظين الجدد في التنبؤ بما سوف يحدث في عراق ما بعد الغزو هو أمر موثق جيدا، إلا أن مستقبل دور النفط في العراق بعيد تماما عن التأكيد. إن هذه الدولة التي تستطيع بالكاد إطعام وتأمين شعبها وظلت تحارب تفشي وباء الكوليرا، تنظر في بناء نظام نقل جماعي في بغداد وشراء طائرات حربية إف 16، والأدهى من ذلك نظرا لعدم إمكانية التنبؤ بما يحدث في المنطقة، شراء محطات قوة نووية.

      إن النفط، بالتزامن مع كل هذا الإنفاق غير الخاضع للمساءلة، قد يعوق النمو المتفاوت للديمقراطية العراقية. وحقيقة أن الشخصيات الكبيرة بالحكومة العراقية تقدم امتيازات النفط رغم الفشل في الاتفاق على قانون هيدروكربون وطني هي مثال على ذلك. وقد أوضح الحسني على نحو أخرق هذا الأسبوع كيف أنهم كانوا يلجأون إلى القوانين التي تم تمريرها في عهد صدام من أجل تشجيع الاستثمار.

      ومع كون الانتخابات الآن قد تقرر إجراؤها في مارس القادم، يبقى أن نرى إذا ما كانت الحكومة العراقية لديها رؤية أو قوة كافية لتجنب إغراءات المكاسب قصيرة المدى على حساب تأمين المصالح بعيدة المدى.

      More...