ما حدث في معركة سقوط بغداد( الرواية الكاملة لسقوط بغداد)

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • ما حدث في معركة سقوط بغداد

      صحيفة الوطن العمانية تنشر أول رواية بعثية عن ما حدث في معركة سقوط بغداد

      يرويها د. قاسم سلام عضو القيادة القومية:

      صدام حسين قاد معركة المطار ميدانيا جراء تخاذل

      الحرس الجمهوري وطيران الجيش رفض إسناده


      استقل الدبابة الأولى وقاتل معه الفدائيون والحزبيون

      وقتلوا آلاف الجنود الأميركيين وطهروا المطار وأبو غريب


      كتيبة صدام طهرت نفق الشرطة وساحة الإحتفالات

      في الكرخ من دبابات أنزلت في عدة مواقع داخل بغداد


      (التلاعب) بدأ في البصرة.. ضباط الجيش تركوا

      الفدائيين بمفردهم وانسحبوا لدى قصف الطيران معسكراتهم

      قوات الحرس الجمهوري اختفت من مواقعها بعد

      معركة المطار والتململ الذي بدأ في البصرة انتقل لبغداد


      حاوره في صنعاء ـ شاكر الجوهري: اسرار.. بل الغاز الإحتلال الأميركي لبغداد، هي العنوان الأبرز لهذا الحوار بالغ الأهمية مع الدكتور قاسم سلام العضو اليمني في القيادة القومية لحزب البعث العربي الإشتراكي.

      كان طنين انفجار الصواريخ والقنابل لا يزال يتواصل في أذني الدكتور سلام حين التقينا به في العاصمة اليمنية صنعاء، بعد اسبوع من وصوله إليها.. حيث غادر بغداد في الثاني عشر من ابريل بعيد سقوطها.

      وقد كشف لنا العضو القيادي البارز في الحزب الذي كان يحكم العراق جانبا شديد الأهمية من الأسرار. فقد كانت معركة المطار هي المعركة الفاصلة في الحرب.. بل هي (أم الحواسم) كما اسماها، غير أنه سبقها ظهور بوادر تململ في صفوف الجيش العراقي في البصرة، حيث عمد بعض كبار الضباط إلى تصرفات تهدف إلى التخلص من الفدائيين والمتطوعين العرب.. وعندما تم الإنزال الأميركي في مطار صدام الدولي، امتنع الحرس الجمهوري عن التوجه للقتال في المطار، ما دفع الرئيس صدام حسين إلى قيادة احدى كتائب الحرس شخصيا، مستقلا الدبابة الأولى التي هاجمت القوات الأميركية في المطار مسنوداً بقوات المتطوعين العرب والفدائيين، حيث تمكن بهذه القوات من تحرير المطار وأبو غريب، وقتل الآلاف من الجنود الأميركيين، رغم أن طيران الجيش امتنع عن توفير غطاء جوي له..!

      بعد هذه المعركة الفاصلة التي حسمت لصالح العراق، وبدلا من أن ترتفع المعنويات.. بدأ فصل جديد من المؤامرة تمثل في ازدياد كثافة عمليات انزال اعداد محدودة من الدبابات الأميركية داخل مواقع متعددة داخل بغداد، وانزال افراد معارضة عراقية بواسطة المروحيات الأميركية، وقد جيىء بهم من خارج العراق ليقوموا بإلقاء الورود على المحتلين الأميركان ونهب المؤسسات العامة بدءا من الثامن من ابريل بهدف خلخلة الجبهة الداخلية للعراق.

      وترافق هذا مع اشاعة خبر مقتل الرئيس صدام حسين بعد توقف الإذاعة والتليفزيون العراقيين.

      ومهد كل ذلك للصفحة الرئيسة متمثلة في تخاذل قيادة الصف الأول في الحرس الجمهوري، التي اعطت تعليمات لقادة الصف الثاني، مرروها بدورهم نزولا إلى الجنود، تفيد بانتصار الأميركان وانتهاء المعركة، ووجوب الإنسحاب والاختفاء استعدادا لمعركة المقبلة طويلة الأمد، مخلفين وراءهم اسلحة تكفي لخوض حرب تستمر لسنة ونصف.


      كان السؤال الأول في هذا الحوار:


      * ما هي الاستعدادات التي اتخذتموها في القيادة القومية لحزب البعث عشية الحرب للتعامل مع الحدث المقبل..؟ هل كنتم واثقون من حتمية الحرب..؟

      ـ كانت القيادة واثقة ومتأكدة من حتمية الحرب. وفي آخر اجتماع مشترك للقيادتين القومية والقطرية ومجلس قيادة الثورة انعقد في الثامن من مارس، كان هنالك تأكيد بأن الحرب قادمة، وأن القيادة في العراق وضعت حساباتها لكل الإحتمالات. وقال الرئيس صدام حسين في ذلك الاجتماع: لقد هيأنا انفسنا لكل الإحتمالات.

      * وما هي هذه الإحتمالات..؟

      ـ كان من بين تلك الإحتمالات لجوء اميركا لاستخدام اسلحة الدمار الشامل، والقيام بإنزال جوي للقوات، بما في ذلك انزال جزئي في مواقع مختارة.. والقصف الجوي والصاروخي.. واحتمال مهاجمة العراق بقوات برية من جميع الحدود مع دول الجوار.

      كل هذه الإحتمالات كانت قائمة، غير أن الاحتمال الأكبر كان يتمثل في شن الهجوم البري الرئيسي من الجنوب.. ذلك أن الكويت كانت قد تحولت إلى قاعدة اميركية رئيسية، بعد أن رفضت تركيا السماح للقوات الأميركية بمهاجمة العراق من اراضيها.

      وأكد الرئيس صدام حسين قائلا: نحن سننتصر بإذن الله لأننا ندافع عن ارضنا وكرامتنا واستقلالنا وحريتنا فوق اراضينا. ونحن لم نذهب لنبحث عن اميركا وقواتها داخل حدودها حتى نبالغ بالقول إننا سننتصر عليها داخل اراضيها.. إننا سننتصر عليها داخل اراضينا، وقد وضعنا كل الحسابات من حيث العدة والعدد، وقد تستمر المعركة لستة اشهر في أقل تقدير، وقد وضعنا حساباتنا وخططنا على هذا الأساس، وهيأنا كل متطلبات المعركة، اضافة إلى أنه تم توزيع تموين ومواد غذائية على جميع افراد الشعب تكفيه لمدة ستة أشهر.

      كذلك قال الرئيس: إن حسابات القيادة في العراق كانت تأخذ في اعتبارها احتمالات تركيز الهجوم الأميركي على منطقة دون أخرى خلال العمليات العسكرية، وبالتناوب، وذلك بهدف خلخلة الدفاعات العراقية. ولهذا تم تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق رئيسية، اضافة إلى منطقة الوسط. وقد اعطيت صلاحيات كاملة لقيادة القطاعات، بحيث لا تتكرر تجربة حرب 1991، حين كانت مركزية القيادة شديدة، وفوجئت القيادة العراقية بأعمال الغوغاء في المحافظات الجنوبية.

      * ذكر أنه في اطار الإستعدادات والإحتمالات التي تم تدارسها، أنه في حال انتصار القوات الأميركية، سيتم نزول الحزب تحت الأرض ليواصل المقاومة المسلحة، وممارسة الكفاح المسلح..؟

      ـ لا يزال هذا قائما. وفي الأساس اتخذ قرار بأن يقاتل مناضلو الحزب وفدائيو صدام وجيش القدس، ويتصدوا للقوات المعتدية، فيما تتم المحافظة على الجيش لخوض المواجهة الإستراتيجية الكبيرة.

      وبالفعل، فإن المناوشات والضربات الأولى التي وجهت للأميركان كانت من جيش القدس والفدائيين ومناضلي الحزب. وقد حدث ذلك في جميع المحافظات.. في الناصرية والبصرة والفاو وأم قصر والحلة والنجف وكربلاء.


      البصرة بداية التلاعب


      * لكن الجيش، وكذلك الحرس الجمهوري، لم يخوضا المعركة الإستراتيجية..لماذا..؟!

      ـ هذا هو السر الغامض الذي نريد أن نقف امامه الآن، بخلاف الطريقة التي تم تناوله فيها من قبل بعض وسائل الإعلام من إذاعات وفضائيات وصحف.. وبعض المزورين الذين اسموا انفسهم بشهود على التاريخ.

      التلاعب بدأ في البصرة..! وعبر الاحساس بأن شيئا من التململ بدأ يصيب الجيش ويظهر على سلوكيات بعض ضباط وقيادات الصف الأول في الجيش، وليس في صفوف كل الجيش، حتى لا نظلم الجيش. وقد رويت لي بعض الروايات، من قبل بعض الرفاق، تقول انه في احدى المواجهات التي وقعت في البصرة، كان هنالك ثلاثة من الفدائيين العرب واثنان من العراقيين هوجموا وتمت السيطرة عليهم وأسرهم من قبل القوات الأميركية. وعندها خاطب أحد الفدائيين ضابطا في الجيش العراقي متسائلا: كيف يأسرون رفاقنا ونحن نتفرج..؟! اجابه الضابط: ما عليك..! هنا قام الفدائي بإطلاق الرصاص من رشاشه على السيارة الأميركية التي كانت تقل الفدائيين الخمسة كأسرى، ما ادى إلى انقلابها. وتم تحرير الأسرى. وانضم المقاتلون العراقيون إلى الفدائي العربي وحرروا الفدائيين الأسرى، وقتلوا الجنود الأميركان الذين كانوا قد اسروا الفدائيين.

      هذه الرواية تشكل مؤشراً إلى أن هذا الضابط العراقي كان يريد ايهام الفدائيين بوجود كمين غير مرئي للجيش العراقي سيقوم باعتراض السيارة الأميركية التي كانت تقل خمسة من الفدائيين أسرى، في حين أنه كان يكذب.. كان يريد للأميركان أن يأسروا الفدائيين العرب.

      * هل كانت هنالك حساسية بين الجيش والفدائيين والمتطوعين العرب والعراقيين، ومقاتلي الحزب، على غرار الحساسية التي حدثت بين الجيش والحرس القومي للحزب في تجربة 1963..؟

      ـ هي ليست حساسية. كانت هنالك لعبة تخاذل عند البعض، الذي سقط وضعف، لأن الضابط الشريف والمقاتل.. الضابط العربي عندما يرى الفدائي العربي المتطوع يتقدمه ليقدم روحه من أجل الوطن، يفترض أن يفرح. هذا الفدائي لا يحتل مكانة الضابط، بل هو رديف له.. بل هو طليعة له.

      كان يفترض أن يفرحوا لشجاعة الفدائيين الذين قدموا ارواحهم دفاعا عن العراق، وفداء له. وقد جاءوا من مختلف الأقطار العربية، اضافة إلى الفدائيين العراقيين الذين كانوا يرمون بأنفسهم إلى الموت، فيهرب الموت منهم.

      ازاء حالة التململ التي بدأت في صفوف قادة الصف الأول في الجيش، بدأنا نشعر بوجود ثغرة في السيطرة.


      الجيش ترك الفدائيين وحدهم


      *
      هل حدثت حالات أخرى مماثلة..؟

      ـ تعرض معسكر للفدائيين العرب لقصف المروحيات الأميركية، وكان المعسكر يقع في أرض مفتوحة. ولم يكن في حوزة الفدائيين مضادات للطيران أو مدافع ميدان. وكان أن انسحب ضباط الجيش المشرفون على المعسكر دون اصدار أية اوامر، وقد اختفوا تماما. وأدى ذلك إلى سقوط الكثير من الشهداء والجرحى.

      غير أنه ظلت المقاومة في بقية المحافظات تشدنا للتقدم للأمام في توجيه الضربات الموجعة للقوات الأميركية والبريطانية المعتدية. ولهذا، فإن القوات الأميركية، وبعد الضربات التي تلقتها، ظلت اسبوعا كاملا لا تقوم بأي هجمات تذكر، وتحاول استدراج الجيش العراقي إلى خارج تحصيناته، لكنه لم يخرج. اما الفدائيون فقد واصلوا عمليات الكر والفر.. الهجوم والإنسحاب، ما أدى إلى الحاق أذى كبيرا بالقوات الأميركية.

      هنا، بدأت القيادة الأميركية تفكر بأنه إذا استمر القتال على هذا النحو، فإن الحرب ستطول، وفقا للمخطط الذي وصفه الرئيس صدام حسين، وعلى نحو ينهك القوات الأميركية، ويتعبها، وهي خارج اراضيها، في حين أن المقاومة العراقية موجودة في ارضها.

      ازاء ذلك، أحضرت القيادة الأميركية قوات اضافية كبيرة عبرت، مع كل الأسف المياه والمضائق العربية.. قناة السويس، باب المندب، مضيق هرمز.. وصولا إلى الكويت ومنها للعراق، فيما العرب يتفرجون، وكأن القضية لا تعنيهم، وأن هذه القوات ذاهبة في نزهة إلى العراق. هذه المسألة كانت تمثل غصة في نفسية المواطن العراقي، وخاصة بعد أن قطعت الكهرباء والمياه، والإتصالات الهاتفية، ما اوقف التواصل بين العراقيين الذين كانوا يتساءلون: أين اخوتنا العرب..؟

      في ظل هذه الأجواء مثل الإنزال الأميركي في مطار بغداد يوما فاصلا في الحرب، ومجرياتها. حدث ذلك الإنزال في الخامس من ابريل. وفي اليوم التالي كان صدام حسين شخصيا يقود المقاومة العراقية في المطار، بخلاف الكلام الفارغ والسخيف والمغرض والمحبط للنفوس الذي تم الترويج له بشأن حدوث صفقة.

      لقد تم انزال قوات اميركية مدرعة في المطار، وفي أبو غريب غرب بغداد، وكذلك في نفق الشرطة، وفي ساحة الإحتفالات في الكرخ. لقد تم انزال الدبابات بواسطة الطائرات، ولم تتقدم من البصرة كما زعموا.

      اميركا دولة عظمى، وكذلك بريطانيا، دون أن نستهين بقدرات اسرائيل التي شاركت كذلك في هذه الحرب العدوانية، وعمليات الإنزال الجوي التي تمت في المطار.

      لا استطيع القول أن هناك من أكد لي أن الرئيس طلب من الحرس الجمهوري التقدم إلى المطار، وأن تخاذلا قد حدث، وأن الرئيس قاد معركة المطار بنفسه، وأنه استقل الدبابة الأولى في الهجوم العراقي المضاد.. لا استطيع أن اقول هذا الكلام، لكن هذا ما حدث..!


      صدام قاد معركة المطار

      *
      ما الذي حدث..؟

      ـ الذي حدث أن الرئيس صدام حسين قاد كتيبة من الحرس الجمهوري توجهت إلى المطار، وقاتلت القوات الأميركية التي انزلت فيه، وأنه تولى قيادة الدبابة الأولى في هذه الكتيبة.

      * هل رفض الحرس الجمهوري التوجه إلى المطار وخوض القتال مع القوات الأميركية..؟

      ـ هذه هي المشكلة. صدام حسين خرج على رأس كتيبة من الحرس الجمهوري. ويقال، والعهدة على الراوي.

      * ومن هو الراوي..؟

      ـ هو مسؤول عراقي روى لي أن الرئيس صدام حسين طلب تغطية عمليات الكتيبة التي يقودها من قبل طيران الجيش، لكن طيران الجيش لم يحضر، ما جعل الدبابات العراقية مكشوفة، وصدام حسين مكشوفاً.. غير أن السماء وفرت الغطاء له.. إذ ثارت عاصفة رملية لم يعرف العراق مثلها من قبل. وشكلت هذه العاصفة ستاراً لكتيبة الحرس الجمهوري التي يقودها صدام حسين. فإلى جانب الظلام الدامس الذي ساد في الحادية عشرة من مساء السادس من ابريل، جاءت العاصفة الرملية لتكمل انجاز مهمة ستر الكتيبة العراقية التي يقودها صدام.

      وقد فوجئت القوات الأميركية بقوات من الفدائيين العرب تهاجمهم في المطار، وبصدام حسين على رأس كتيبة دبابات فوق رؤوسهم. ولم تبق تلك المعركة احدا من افراد القوات الأميركية في المطار، لقد دمر كل ما كان موجوداً من القطع العسكرية والأسلحة والبشر. وحاولت اميركا التقاط انفاسها عبر سحب بعض الجرحى والهرب من ذلك الجحيم، بواسطة طائراتها التي حلقت في السماء. وقد تم تحرير المطار، كما تم تحرير أبو غريب.. وعاد الرئيس إلى نفق الشرطة وتمت تصفية الدبابات التي انزلت هناك، وكذلك الدبابات التي انزلت في ساحة الإحتفالات، وكان عددها ست دبابات.

      وعلى ذلك، فقد كان كل شيء يوم السابع من ابريل تحت السيطرة.

      * كيف انقلبت الموازين إذاً..؟

      ـ فجأة، اختفى الحرس الجمهوري الذي كان متحصنا في البساتين، وذلك جراء تعليمات من قادة الصف الأول في الحرس، إلى قادة الصف الثاني، أن ابلغوا افراد الحرس بأنه كي نتمكن من تنظيم المواجهة في معركة مفتوحة طويلة الأمد، فإن أفضل ما يمكن فعله الآن هو الإختفاء.

      اضافة إلى ذلك، فقد تم ترويج اشاعة تقول أن صدام حسين قد قتل.


      اختفاء الحرس الجمهوري


      * حدث ذلك نهار السابع من ابريل..؟

      ـ نعم.. وفي اليوم التالي بدأ يختفي الحرس الجمهوري من مواقعه. وبدأت اعمال الغوغاء المنظمة التي أتي بها من تشيكوسلوفاكيا ورومانيا والكويت والسعودية، وبولندا وبلغاريا.

      كانت البداية في دخول هؤلاء الغوغاء الذين اسموا انفسهم بـ(المعارضة) إلى مطار المثنى، حيث كان يوجد آلاف السيارات التي استوردتها الدولة لتباع للمواطنين بأسعار مخفضة.. وقد تم نهب هذه السيارات.

      أعقب ذلك استئناف عمليات الإنزال الجوي الأميركي داخل بغداد.. كانت البداية انزال 8 دبابات امام جامع (ابن بنية) في العلاوي داخل الكرخ. وقد قصفت هذه الدبابات ودمرت بالكامل خلال لحظات، ولم يخرج منها اميركي واحد ليخبر بما جرى. وكان يوجد داخل كل دبابة ثمانية افراد.

      اعقب ذلك انزال ناقلة جنود مدرعة كانت تقل 27 جنديا، وتمت ابادتهم على الفور.

      وتكررت محاولة الإنزال في نفق الشرطة، حيث تم انزال ناقلتين مدرعتين كانتا تقلان ستين جنديا استراليا. وقد تعرضوا كذلك للضرب والإبادة.

      كانت المقاومة شديدة، وكانت اليقظة كبيرة، وكان الوعي متقدا لدى ابناء العراق.. كان الكل يتسابق نحو الشهادة.. الكل يريد أن يستشهد..رجال ونساء.. شباب وشيوخ.

      ادركت اميركا أن مثل هذا النوع من المعارك من شأنه أن ينهكها وقواتها، خاصة مع وجود الإعلام العراقي، وتميز أداء محمد سعيد الصحاف.. فكان أن تم قصف الإذاعة والتليفزيون العراقيين من جديد، وكذلك قبة جامع الإمام الكاظم لوجود صحن فوقها. وبدأوا يدخلون مستنقعا قذراً، وبدأوا يتصرفون بانهيار.

      لقد كانت القوات الأميركية غاية في الإرتباك خلال ايام السابع والثامن والتاسع من ابريل، وكان الرعب يزداد في نفوس افرادها.. غير أنها نجحت في وقف البث الإذاعي والتليفزيوني العراقي، حيث تم تدمير مباني القنوات الأولى والثانية والثالثة.. واصبحنا نسمع الصوت دون مشاهدة الصورة، بعد أن بدأ البث من مقر تحت الأرض ما لبث أن توقف. وفي ظل هذه الظروف تم ترويج اشاعة مفادها أن الرئيس قد استشهد، فكان أن ظهر يوم 8 ابريل في الوزيرية والكاظمية، وظهر لهم ثانية في اليوم التالي في شارع 14 رمضان. وقد رأيته بنفسي في الوزيرية.


      ظهور صدام

      *
      ما الحديث الذي دار بينكما..؟

      ـ لم اتمكن من محادثته.. كانت بيننا مسافة طويلة. كان هو خارجاً من منطقة كانت فيها دبابات اميركية، وكنت انا خارجا من منطقة أخرى كانت فيها دبابات.. ذلك أنه بعد ضرب الدبابات التي انزلت امام جامع (ابن بنية)، بدأ الأميركيون في انزال دبابات فوق الجسور بهدف السيطرة عليها، وكان مفترضا أن يتم تدمير الجسور من قبل القوات العراقية، غير أن هذا لم يحدث.

      عندما شاهدت الرئيس كان محاطاً بعدد كبير من الفدائيين، ولم يكن ممكنا التحدث معه. وقد حاول عدد من الرفاق اليمنيين اختراق الحشد للسلام عليه، فلم يتمكنوا من ذلك.

      في تلك الليلة نمت أنا في الوزيرية شمالي بغداد. وكانت ليلة من ليالي الجحيم.. إذ استمر القصف الأميركي على تلك المنطقة من السابعة والنصف مساء حتى السابعة والنصف من صباح التاسع من ابريل، دون أن يتوقف ولو لدقيقة واحدة. وكانت تشارك في ذلك القصف الطائرات والصواريخ، ويرافق ذلك انزال جوي للدبابات.

      صباح التاسع من ابريل كانت ساحة المنزل الذي نمت فيه قد أصبحت مليئة بمختلف انواع الشظايا. طلبت من الرفاق أن يستطلعوا الشارع الرئيسي الذي كانت تفصلنا عنه فقط اربع عمارات، فعادوا ليخبروني بوجود ارتال دبابات خضراء اللون قادمة من الجسر، فاعتقدت انها بريطانية. والجسر المقصود يلتقي مع عدة جسور تؤدي إلى علي الصالح والمنصور والموصل. واخبرني الرفاق بوجود اناس يلقون ورودا على الدبابات. فارتأيت أن اتأكد من هوية الدبابات، إذ أنها قد تكون عراقية، مع أن الدبابات العراقية ليست خضراء. وكان أن تبين لي أن الذين يقومون بالقاء الورود على الدبابات هم من افراد ما يسمى بالمعارضة، يتم انزالهم بواسطة المروحيات في الشوارع، ويقومون بالإصطفاف والقاء الورود على الدبابات الأميركية. لقد جيىء بهؤلاء من الكويت والسعودية حيث تم تدريبهم هناك.

      ازاء هذا المشهد، قدرت أن هذا الشارع لم يعد آمنا، فقررت مغادرته، وتم ذلك بواسطة سيارة أمنها لي الرفاق العراقيون العاملون في مكتبي، حيث تم نقلي إلى المنصور، وأقمت في منزل يعود لأحد الرفاق الذي سلمني مفتاح منزله.

      في طريقي إلى المنصور صباح التاسع من ابريل، شاهدت معركة طاحنة في مدخل الحي عند الأسواق المركزية بين الدبابات الأميركية والفدائيين الذين كانوا مزودين بقاذفات R.B.J. وازاء ذلك اضطررنا إلى الإلتفاف حول موقع الإشتباك وصولا إلى المنزل المقصود الذي كانت تفصله عن مكان المعركة فقط مسافة قصيرة يوجد فيها (بلوكين) بناء. وقد مكنني قربي من الأسواق المركزية من رؤية اعمال النهب والسلب التي استهدفتها من قبل غوغاء المعارضة، الذين نهبوا كل شيء في الأسواق. وفي الليل احالت ثلاثة صواريخ هذه الأسواق إلى اكوام من الردم.


      الفدائيون تصدوا للناهبين

      *
      إذاً المعارضة هي التي قامت بأعمال النهب..؟

      ـ نعم.. نعم. إنه ليس الشعب، فعلى مدى عشرين يوما من الحرب لم يحدث شيء من هذا مطلقا. على العكس من ذلك، فإنه سقط شهداء في احياء الشعلة والرحمانية والثورة التي كانت يتوقع الأميركان أن تشهد اعمالا معارضة للنظام، يشكل مفاجأة للحزب ونظام الحكم.

      اعمال النهب نفذها رجال المعارضة الآتون من الخارج، دون أن نتمكن من نفي أنهم كانوا يستقطبون معهم بعض العناصر الداخلية.. لكن الذين كانوا يتقدمون الصفوف هم الآتون من الكويت والسعودية وبلغاريا ورومانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا وايران. لقد دخل خمسة آلاف مسلح من ايران.

      * وأين كانت قوات الحكومة..؟

      ـ لقد تعامل الفدائيون بقسوة مع منفذي اول عملية نهب، وعند ذلك تدخلت الدبابات الأميركية لحمايتهم. كان يتم تسيير دبابات اميركية على شكل دوريات في المناطق المستهدفة بالنهب، أو يتم وضع دوريات ثابتة من الدبابات على شكل حواجز لتوفر الحماية لمن ينفذون اعمال النهب والحرق. وكانت الدبابات تسحب بعد الانتهاء من النهب والحرق.

      وكان جانب من اهداف اعمال النهب والحرب ارباك الجبهة الداخلية العراقية. ولم يترك هؤلاء الغوغاء مصنعا او مؤسسة أو متجراً حكوميا إلا دمروه، وكأنهم ارادوا الإنقضاض على كل ما بناه صدام حسين خلال 35 سنة من حكمه للعراق.

      * حدث ذلك صباح التاسع من ابريل..؟

      ـ نعم. وعصر ذلك اليوم ظهر لهم الرئيس صدام في حي المنصور.. في ذات المكان الذي جرت فيه المعركة واعمال النهب في الصباح، حيث صافح الناس الذين التقوا من حوله مؤكدا لهم حتمية النصر بإذن الله، طالبا منهم عدم القلق، واعتبار ماحدث في حيهم سحابة صيف.

      * هل رأيت الرئيس في المنصور..؟

      ـ لا.. لم أره، لكن الرفاق الذين رأوه ابلغوني. وفي ذلك اليوم اشاع الغوغاء أن حي المنصور سيضرب خلال الليلة المقبلة بقنبلتين من طراز (أم القنابل). وهذا ما حدث فعلاً، إذ القيت واحدة منهما على منزل كان الأميركان يعتقدون أن عدي ابن الرئيس كان موجودا فيه. والقيت القنبلة الأخرى على مكان كان الأميركان يعتقدون بوجود فدائيين فيه.

      * بم شعرت أثناء القاء هذا النوع من القنابل..؟

      ـ لقد شعرت أن السرير الذي كنت راقدا عليه قد ارتفع بي في الهواء من شدة الإنفجار. إن هذا النوع من القنابل تعادل الواحدة منه ثلثي القنبلة الذرية التي القيت على نجازاكي وهيروشيما في الحرب العالمية الثانية.

      يوم العاشر والحادي عشر من ابريل كانت شدة القصف لا توصف. وقد تكرر قصف القصور التي سبق أن قصف كلا منها بما بين خمسة إلى ستة صواريخ من طراز كروز خلال ايام التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر من ابريل، وعلى نحو جعل كل بغداد تهتز. وكان الأميركان يبررون تكرار القصف بالقول إن هذه القصور ربما تكون مواقع للحرس الجمهوري، بينما كان الحرس الجمهوري متمركزا في البساتين. وللأسف الشديد، فإن الأسلحة التي تركها الحرس لدى انسحابه تكفي للمقاومة لمدة سنة ونصف.. فقد كانت هناك اعدادا كبيرة من الدبابات والصواريخ والمدافع العملاقة والذخيرة والمؤن.

      شيء لا يصدقه العقل.. لقد ترك كل ذلك في البساتين. وكانت توجد إلى جانب ذلك كتائب من الحرس الجمهوري تحت الجسور، يردفها الفدائيون ومقاتلو الحزب، ولحماية قوات الحرس من أي محاولة تخريب قد تأتي من الداخل. كانت الإستعدادات لمواجهة غير عادية. ولهذا، فإن الرئيس صدام حسين، عندما قال: إن الغزاة سيندحرون عند اسوار بغداد، كان واعيا لما يقوله، ومؤمنا بما يقوله، ومدركا لمعانيه. لكن حالة التململ التي بدأت في الصف القيادي الأول في البصرة انتقلت إلى بغداد، مع التأكيد على أن الصف القيادي الأول في الحرس الجمهوري هو الذي لعب اللعبة الكبيرة.

      * لماذا الحرس وليس الجيش..؟

      ـ يبدو لي أنه حتى لو كان هنالك واحدا او اثنين من قادة الجيش يفكران في فعل أمر من هذا القبيل، فإنهما يظلان مترددين..لكن عندما رأى الجيش الحرس الجمهوري الذي يشكل الحلقة الأهم في المعادلة قد اختفى.. اقتدى الجيش به
    • شكراً أخي سعيد لنقلك لهذا الموضوع عن جريدة الوطن

      فعلاً لقد قامت الوطن بجهد تشكر عليه لكشف حقيقة الأيام الأخيرة لعملية إحتلال العراق، وكيف أن الخيانة الداخلية هي السبب الحقيقي لذلك السقوط السريع، الذي لولاه لكانت المقاومة والحرب مستمرة لحد الآن، والذي لولاه لتكبدت القوات الغازية ضحايا أكبر بكثير من ما تكبدته.
    • (الوطن) تنشر أول رواية بعثية لمعركة سقوط بغداد يرويها
      د. قاسم سلام عضو القيادة القومية : (2 ـ 2)


      صدام بعث بتوجيهات للقيادة القومية في
      الخارج وهو قادر على تنظيم المقاومة

      * أعضاء القيادة القومية غادروا العراق بعد توقف
      الاتصالات ونتواصل الآن لعقد اجتماع قريب في الخارج

      * الأنفاق المؤدية من قلب بغداد للمطار موجودة فقط
      في خيال مخترعيها الذين يريدون تعظيم أميركا


      * القصف الأميركي استهدف مقراتنا والمقار البديلة..
      العملاء الذين شملهم العفو العام قاموا بجهد استخباري كبير


      أمين الحافظ. الرئيس السوري الأسبق غادر العراق
      من تلقاء نفسه والرئيس عبد الرحمن عارف موجود في بغداد

      التنسيق مع دمشق كان على مستوى الحكومتين دون تواصل
      حزبي وسوريا تواجه ضغوطات ولا نريد تحميلها فوق طاقتها


      حاوره في صنعاء: شاكر الجوهري صدام حسين لا يزال على قيد الحياة..
      هذا ما يؤكده الدكتور قاسم سلام العضو اليمني في القيادة القومية لحزب البعث العربي الإشتراكي.. دليله على ذلك ظهور الرئيس العراقي علنا لآخر مرة في العاشر من ابريل الماضي، حيث أدى الصلاة في مسجد الإمام أبو حنيفة. كما أن صدام حسين بصفته الأمين العام للحزب أرسل من داخل العراق توجيهات إلى أعضاء القيادة القومية في خارج العراق.
      ويبدي القائد البعثي اعتقاده في أن صدام حسين هو الآن في وضع يسمح له بإعادة تنظيم مقاومة الاحتلال من قادة الصفين الثاني والثالث في الحرس الجمهوري، وأفراده.. ومن أعضاء الحزب، إذ نزل الجميع تحت الأرض.
      وينفي سلام وجود أنفاق تحت الأرض تؤدي من قلب بغداد إلى مطار صدام الدولي، ويقول هذه الأنفاق موجودة فقط في خيال من اخترعها بهدف تعظيم اميركا وقدرتها على اكتشاف ما هو فوق الأرض، وما هو تحتها..!
      ويكشف عن أنه قرر مغادرة العراق في 12 ابريل بعد انقطاع الاتصالات، وكذلك فعل الأعضاء الآخرون في القيادة القومية التي قال إنها ستجتمع قريبا بعد أن يتواصل اعضاؤها.
      ويقر سلام بالأهمية الفائقة للعمل الاستخباري الذي قام به عملاء المعارضة الذين عادوا للعراق بعد أن شملهم العفو العام الذي أصدره الرئيس العراقي. ويقول إنه بسبب ذلك تمكنت القوات الأميركية من قصف جميع المقرات القيادية، والمقرات البديلة، بما في ذلك مقرات القيادة القومية للحزب، ومنزله.
      هذا هو نص القسم الثاني والأخير من هذا الحوار :
      * لنعد قليلا إلى معركة المطار.. لقد رفض الحرس الجمهوري خوض تلك المعركة ما أدى إلى تولي الرئيس صدام قيادة احدى كتائب الحرس، والذهاب بنفسه لقيادة معركة المطار.. ألم يقرر أو يحاول فورا استبدال قيادة الحرس الجمهوري..؟
      ** المشكلة أن الكتيبة التي طلب الرئيس مشاركتها في المعركة بقيادته، وبمشاركة الفدائيين الذين اراد أن يكونوا رديفا عمليا للجيش، حتى لا يأتي يوم يقول فيه العسكر نحن..! لذلك أراد أن يشارك الحزب والمتطوعون والفدائيون العرب والعراقيون في الحرب، وأن يكونوا في مقدمة الشهداء.
      لقد تمكن الرئيس صدام من الخروج على رأس كتيبة من الحرس الجمهوري إلى معركة المطار، لكن الخلل حدث في الإمتناع عن توفير طيران الجيش حماية لهذه الكتيبة.
      بعد معركة المطار طلب الرئيس من كل جندي يجد نفسه خارج وحدته الالتحاق بأي وحدة قريبة منه. وعندما سمعت هذا الكلام ادركت، باعتباري قائدا في الحزب، أن خيانة قد حدثت..!
      وبعد ذلك، جاءني إلى المنزل نائب ضابط من الحرس الجمهوري، وهو رفيق (حزبي)، فسألته ما الذي حدث..؟ اجابني أن عميداً في الحرس الجمهوري أبلغ قوات الحرس أن الأمور انتهت، وأن الأميركان سيطروا. وعلى ذلك، فإن من يريد أن يقاتل.. الله وياه.. انما هذه هي الرتبة.. ونزع رتبته العسكرية عن كتفيه.. والقاها على الأرض وداس عليها بقدمه..!
      سألت نائب الضابط: ولم لم تقتل هذا العميد فوراً..؟ اجابني أن الضابط الصغير في الجيش لا يتجرأ على قتل الضابط الكبير. كما اننا اعتقدنا أن هذا الضابط ربما كان قد انهار، وقررنا تركه لبعض الوقت ريثما يعود إلى وعيه، لكن ما حدث بعد ذلك هو حدوث انهيار كامل في قوات الحرس الجمهوري.. وحدث ارتباك، وأصبح الجنود كذلك يتركون مواقعهم واسلحتهم، ويذهب كل واحد يبحث لنفسه عن ملجأ.
      هذه هي الحالة التي جعلت الرئيس يطلب من كل جندي الالتحاق بأقرب وحدة عسكرية إليه.
      هذا يعني عدم صحة ما روجت له اميركا من حدوث تسليم منظم ومسيطر عليه من قبل الحرس الجمهوري، وأنه تم شراء قادته بواسطة الأموال.
      * ولم تروج اميركا ذلك..؟
      ** بهدف اشعار الناس أن الإنسان العربي رخيص، ويمكن أن يبيع وطنه..

      العمالة في الصف الأول

      *
      معنى ذلك أن حدث انهيار وليس عمالة..؟
      ** هذا فيما يخص قيادات الصف الثاني والثالث. أما قيادة الصف الأول فقد انغمست في لعبة. لكنني لا استطيع حصر الاختراق الذي حدث فقط في المال. النفوس الضعيفة قد تخترق من خلال موقف سياسي أو طائفي، أو عرقي، أو بواسطة المال. وقد كانت كل هذه الأوراق تلعب ادوارا متفاوتة فيما جرى.. الطائفية والعرقية. وقد تحول قادة الأكراد ـ لشديد الأسف ـ إلى ما هو اسوأ من الصهاينة مليون مرة.
      لقد كان جلال الطالباني يتحرك، كما لو كان هو جورج بوش، وليس الطالباني الكردي المسلم. ولهذا، فإني أقول، إن كل من يخلع جلده يوما، لصالح جهة ما، لا يمكن أن يكون مؤمنا بأمته أو بشعبه أو بعقيدته.
      الطالباني ارتبط يوما بموسكو، وعندما لم يعد هنالك اتحاد سوفيتي، ارتبط بواشنطن. لا توجد عقيدة ولا ايمان ولا موقف أو اخلاق أو قيم. وبالتالي، فإن الطالباني، وكذلك مسعود البارزاني باعا الأكراد بسعر رخيص.
      الكلام الذي يقول انه تم توزيع اجهزة اتصالات دقيقة..الخ.. ليس هو الأساس. لقد استطاعت المخابرات العراقية أن تحصي في الأيام الأولى للحرب، انفاس كل الأجهزة التي كانت تتعامل مع الأقمارالصناعية الأميركية من الداخل، وتؤشر إلى الأهداف العراقية، وقد توهت هذه الأجهزة. واستطاعت المخابرات العراقية أن تستخدم العملاء لمدة اسبوع في عملية تشتيت لجهد القصف الصاروخي الذي كان لا يصيب اهدافه بفضل المخابرات العراقية، التي استطاعت فعل الشيء ذاته مع الطائرات المغيرة. وقد اضطرت اميركا لوقف استخدام أجهزة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية لأنها اخترقت، وهذا ما تم اعلانه من قبلهم.
      المخابرات العراقية لم تكن قليلة. كانت قوية. كانت تخرج العملاء في الليل والنهار، كما يتم اخراج الفئران من جحورهم.
      * كم عميلا ألقي القبض عليه..؟
      ** عشرات العملاء القي القبض عليهم.. وقد تم الإمساك بالشبكة الأساسية، وضبطت الأجهزة واظهرت عبر شاشات التليفزيون.
      * لقد تم اظهار فقط ثلاثة عملاء في التليفزيون..؟
      ** اربعة. وهؤلاء هم رؤوس العصابة، لكن الذين اعتقلوا شكلوا مجاميع كبيرة جداً.
      * ماذا فعل بالعملاء.. هل اعدموا فوراً..؟
      ** الأربعة الذين ظهروا على التليفزيون اعلن أنهم قد اعدموا. وهذا ما يفترض أن يحدث بكل من يتآمر على شعبه وأمته.
      * وماذا عن الآخرين..؟
      ** لا توجد لدي تفاصيل بسبب توقف الاتصالات.
      آخر ظهور علني لصدام


      * هل كان آخر ظهور علني للرئيس صدام حسين في التاسع من ابريل..؟
      ** يوم التاسع من أبريل أدى الرئيس الصلاة في مسجد عبد القادر الكيلاني في شارع السعدون، وسلم على الناس، وصافحهم. وفي اليوم التالي أدى الصلاة في مسجد الإمام أبو حنيفة (جامع الامام الأعظم)، والتف حوله الناس.
      وأنا هنا أريد أن أؤكد أن الرئيس صدام حسين لا يزال على قيد الحياة، وأنه موجود في بغداد.. وأنه قادر الآن على تنظيم قوات وقيادات الحرس الجمهوري من الصفين الثاني والثالث وما دونهما ليخوض بهم المقاومة من تحت الأرض.. وكذلك الحزب الذي نزل تحت الأرض.
      لا تنس أن الحزب في العراق مسلح. ويوجد داخل بغداد، دون أدنى مبالغة، أكثر من مليون بعثي مسلح بكل انواع الأسلحة الفردية.
      وعلى ذلك، فإن الحزب سينظم المقاومة وعملية الرد على الأميركان. وسيشارك في هذه المقاومة افراد الحرس الجمهوري والجيش. إذا كان قادة الصف الأول في الحرس الجمهوري قد باعوا انفسهم، فإن مقاتلي الحرس والجيش لا يمكن أن يبيعوا انفسهم. الجندي، ونائب الضابط، والضابط الصغير لا يمكن أن يكونوا لعبة أو دمية بيد الأميركان أو غيرهم.
      وأريد أن اؤكد أن المقاومة المنظمة ستبدأ بشكل استراتيجي يحسب حساب الطرف الآخر. اميركا لا تزال موجودة بكثافة داخل بغداد، وداخل المحافظات العراقية. ليس صحيحا أن قوات المارينز سلمت مواقعها لقوات الجيش. قوات المارينز لا تزال موجودة، وكذلك الجيش، وهم مزودون بكل انواع الأسلحة.
      لقد تورطت اميركا بدخول المستنقع العراقي..

      اجتماعات القيادة القومية

      *
      أثناء الحرب.. كيف كانت تتم الاتصالات بين اعضاء القيادة القومية وبهم..؟ هل كانت منظمة أم لا..؟
      ** كانت الاتصالات منتظمة. وكانت تعقد اجتماعات القيادة القومية بانتظام، الوحيد الذي لم يكن بالإمكان مشاركته في اجتماعات القيادة القومية هو الأمين العام صدام حسين، وذلك بسبب انشغاله في قيادة المواجهة. غير أنه كان هنالك تواصل بيننا وبينه.
      * هل كنتم تجتمعون في مقر بديل..؟
      ** بالطبع. وقد تم ضرب مقر القيادة القومية المعروف منذ بداية الحرب. كما تم ضرب المقر البديل. أذكر أنه في احدى الليالي عقدنا اجتماعا في منزل يقع في جزيرة اعراس بغداد. وقد بدأ ذلك الاجتماع في السابعة مساء وغادرنا المكان في التاسعة إلا ربع ليضرب المنزل المجاور للمنزل الذي كنا مجتمعين فيه بعد ربع ساعة من مغادرتنا، بثلاثة صواريخ حولته إلى ركام.. ما يعني أن الطابور الخامس كان يعمل.
      وأريد أن ألفت هنا إلى أن العفو العام الذي اصدره الرئيس صدام حسين كان اطلق بموجبه سراح اعداد كبيرة من المجرمين، وعاد من الخارج آلاف المشمولين بالعفو، كان من بينهم عدد كبير جدا من العملاء كلفوا برصد القيادات الحزبية.
      كان ذلك موضع اعتبار لدي جعلني اشعر بعد انتهاء الاجتماع الرسمي للقيادة القومية في جزيرة اعراس بغداد، بضرورة مغادرة المنزل الذي كنا مجتمعين فيه فوراً. ولذلك طلبت من الرفاق المغادرة فور انتهاء الاجتماع. وقد ادركوا ما رميت اليه، فضحكوا وغادروا المكان قبل قصفه بربع ساعة.. حيث سمعت صوت القصف وأنا في طريقي إلى منزلي. وقد علمت عبر اتصال هاتفي، حيث لم تكن الاتصالات الهاتفية قطعت بعد، أن القصف طال المنزل المجاور للمنزل الذي كان فيه الدكتور الياس فرح عضو القيادة القومية، حيث عقد الاجتماع.
      * هل أصيب..؟
      ** لا. لم يصب. لقد سقطت الصواريخ على مبعدة 12 مترا من المنزل الذي كنا مجتمعين فيه.
      * من هم اعضاء القيادة القومية الذين كانوا متواجدين في بغداد ويحضرون الاجتماعات..؟
      ** الجميع باستثناء الأمين العام لأنه كان يقود المعركة، والأستاذ عزت ابراهيم لأنه كان متواجدا في الشمال قائدا للمنطقة، والأستاذ عبد المجيد الرافعي لوجوده في لبنان حيث كان مريضا يتلقى العلاج منذ شهر فبراير.
      * ارجو ذكر اسماء الذين كانوا يشاركون في الاجتماعات..؟
      ** توجد اسماء معلنة واسماء غير معلنة في القيادة القومية..؟
      * نريد الأسماء المعلنة..؟
      ** كان يكون على رأس المجتمعين الأستاذ طه ياسين رمضان، والياس فرح وبدر الدين مدثر وقاسم سلام وآخرون من القيادة القومية الذين لا تعلن اسماؤهم.
      * ألم يكن شبلي العيسمي الأمين العام المساعد يشارك في الاجتماعات..؟
      ـ الرفيق شبلي كان قد أصر في المؤتمر القومي الثاني عشر الذي انعقد عام 1992 على الاعتذار عن ترشيح نفسه لعضوية القيادة القومية..مؤكدا أنه سيظل ملتزما بالحزب ومواقفه. وعلى ذلك فهو لم يعد عضوا في قيادة الحزب، أو أمينا عاما مساعدا للحزب. وكنا جميعنا نتواصل مع الأمين العام عبر الأستاذ طه ياسين رمضان منسق اللجنة التنظيمية في القيادة القومية.

      أم الحواسم

      *
      ما هو مضمون الرسائل التي كان يبعث بها إليكم الرئيس صدام حسين..؟
      ـ كان يؤكد لنا في رسائله أن الأمور تسير على ما يرام، وأريد أن اؤكد أن كل الأمور كانت تسير، حتى معركة المطار، وفقا للنسق المخطط والمرسوم. معركة المطار هي أم الحواسم الحقيقية التي قتل فيها آلاف من الأميركان..
      * آلاف..؟
      ـ نعم آلاف، وما عليك بالمزاعم الأميركية عن سقوط فقط 65 جنديا اميركيا في تلك المعركة، وذلك إلى جانب الدبابات والمدرعات ومدافع الميدان.
      لقد استمرت تلك المعركة من الساعة 11,30 ليلا حتى 6,30 صباحاً، لم يتوقف اطلاق النار خلالها اطلاقا.. حيث كان الرجال الذين هجموا على الأميركان اسوداً كاسرة فعلاً، وقد تشكلوا من الحرس الجمهوري والفدائيين والبعثيين الذين قادهم صدام حسين الذي كان في المقدمة، مصرا على أن يكون في أول دبابة، حين حاول البعض اثناءه عن ذلك خوفا على حياته. ولذلك، فقد اندفع الجميع في القتال، وكان كل واحد يبحث عن الاستشهاد لا عن الراحة والحياة.
      وهنا أريد أن أنفي صحة التقارير والتحليلات التي اعتقدت أن الصحاف حين تحدث عن معارك غير تقليدية متوقعة، فإنه كان يشير إلى مباغتة القوات الأميركية في المطار عبر انفاق متصلة به من داخل بغداد. لا وجود لمثل هذه الأنفاق خارج الخيال والأوهام. لقد ارادوا بهذه الكذبة التهويل من حجم الإنجازات الأميركية عبر الزعم أن اميركا تستطيع ان تلتقط الإبرة من تحت الأرض. وأنها استطاعت أن تكتشف الانفاق تحت الأرض..الخ..
      * بعد معركة المطار، وبعد الإنزال الواسع الذي تم ما هو مضمون الرسائل التي تلقيتموها من صدام حسين..؟
      ـ توقفت الرسائل.


      مغادرة العراق

      * كيف تمكن اعضاء القيادة القومية من مغادرة بغداد..؟
      ـ لقد اضطررنا إلى مغادرة العراق حين انقطع التواصل. فقد توقف التواصل مع مدير مكتب الأمانة العامة في القيادة القومية، الذي تغيب، خاصة وأنه تم قصف المواقع البديلة للقيادة القومية، كما اشرت لك، كما أنني غادرت منزلي في منطقة الحارثية الذي قصف هو الآخر.. لم يبق مجال للتواصل. ولذلك قررت مغادرة العراق في تاريخ 12 ابريل، وذلك بعد أن رأيت أن البقاء في العراق في ظل هذه الأجواء يشكل عبئاً، وليس مشجعا لي أو لغيري على البقاء. بالعكس، فإن وجودي في الخارج يمكن أن يكون أكثر جدوى وفائدة.
      وأعتقد أن هذا ما ارتآه كذلك الأعضاء الآخرون في القيادة القومية، لأن الدبابات أصبحت تسير في شوارع بغداد على شكل دوريات كثيفة ومتتالية، كانت تقوم بعملية تمشيط ينفذها برفقة الدبابات جنود مشاة. لقد توصلت إلى قناعة بعدم جدوى البقاء في العراق، إلا في حالة تلقي أمر بالبقاء والقتال بواسطة المدافع وقاذفات آرـ بي ـ جي. لعدم جدوى القتال بواسطة البنادق الرشاشة التي كنا مزودين بها. وقد كانت مهمة المقاومة الموصوفة على هذا النحو، موكلة لأناس معينين.
      إلى ذلك، فقد عرفنا بوجود توجيه يقضي بنزول الحزب تحت الأرض. والذي يستطيع الاختفاء، والنزول تحت الأرض هو ابن بغداد، في حين لا يكون ذلك متاحا لابن صنعاء او الخرطوم أو الجزائر..الخ.. طالما أن الأميركان جادون في متابعة قادة الحزب.
      وكما ذكرت لك، فإنني غادرت المنزل الذي نمت فيه ليلة 9 ابريل في الوزيرية بعد وصول الدبابات الأميركية إلى جواره. وبعد خروجي بساعتين اقتحم 25 جنديا اميركيا مزودين بالدبابات المنزل يريدون اعتقالي.. ما يعني وجود عناصر طابور خامس.
      * هذا يعني أن العامل الاستخباري لعب دوراً هاما في الحرب..؟
      ـ نعم. لقب لعب العامل الاستخباري دورا بالغ الأهمية. فالعملاء الذين عادوا من الخارج بعد أن دربتهم اميركا لا ينبغي الاستهانة بالعمل الاستخباري الذي قاموا به. انهم عملاء دربوا على العمالة والبيع والتجارة. وبلغ بهم الأمر التفتيش عن أي عربي وبيعه للقوات الأميركية.
      هذه العناصر التي جرى ادخالها للعراق ليست شيعية أو سنية ولا كردية أو عربية.. هي عناصر من العملاء.



      توجيهات من صدام


      * قررت مغادرة العراق يوم 12 ابريل.. هل تواصلت مع الأعضاء الآخرين من القيادة القومية..؟ هل كان بينكم تواصل لتنسيق خروجكم..؟
      ـ الآن أصبحت لدي هواتف اعضاء القيادة القومية الذين أصبحوا خارج العراق، وسوف اتواصل معهم في مواقعهم الجديدة. وقد تلقينا رسالة من بغداد يوم الاثنين الماضي (21 ابريل) بعد وصولي صنعاء بساعات حول كيفية العمل، ومع من نتواصل من البعثيين.
      * ممن في بغداد جاءت هذه الرسالة..؟
      ـ من بغداد.
      * هل هي من صدام حسين..؟
      ـ عمليا هي من صدام حسين.. هو الذي يصدر التوجيهات. لا يمكن أن تكون هناك توجيهات من شخص غير صدام حسين.
      * إذاً، لديكم الآن خطة عمل.. هل يمكن الحديث عن خطوطها العريضة..؟
      ـ مقاومة الأجنبي.
      * هذا في الداخل. أنتم في الخارج ماذا ستفعلون..؟
      ـ سنقاوم العدوان الأميركي والهيمنة الأميركية التي تحاول السيطرة على الأمة كلها، وليس فقط على العراق. ونحن كبعثيين سيستمر كما هو نفسنا ونهجنا، وهو يتلخص في رفض الوجود الصهيوني والأميركي والبريطاني.. رفض الوجود الأجنبي فوق الأرض العربية. وسنقاوم هذا الوجود بكل الوسائل الممكنة.
      * ما هو الطريق الذي استخدمته في الخروج من العراق..؟
      ـ خرجت عن طريق سوريا لأنني احببت أن أتعرف على الحدود السورية وأدخل من سوريا للأردن، لأواصل من هناك رحلتي لليمن. لقد وجدت هذا الطريق أكثر سهولة وسرعة. وقد تمكنت من دخول سوريا بعد تأخير دام اربع ساعات، قبل أن يسمح لي بالدخول كوني عضوا في مجلس الشورى اليمني، واكراما لشخص الرئيس علي عبد الله صالح. وقد ابلغت المسؤولين السوريين في الحدود شكري للرئيس بشار الأسد الذي كان اعلن فتح ابواب سوريا لكل العرب والبعثيين في العراق.
      * لكن سوريا عادت واغلقت حدودها مع العراق..؟
      ـ لم تكن اغلقت الحدود بعد حين مروري عبر اراضيها للأردن دون توقف داخل الأراضي السورية، مع أنني ابلغت أنه بامكاني البقاء في سوريا لمدة اسبوع.
      * هل كانت معكم سياراتكم..؟
      ـ لا. لقد استأجرت عدداً من سيارات الأجرة يملكها رفاق بعثيون نقلوني واقارب لي كانوا يقيمون في العراق، وعدد من الرفاق اليمنيين. وقد أبدى السائقون نخوة كبيرة تجاهنا. فقد حاولوا رفض تلقي أجرة.. واكدوا لنا أنهم سيظلون بعثيين صداميين حتى النهاية.
      وأريد أن ألفت إلى أن احدى سيارات السفارة اليمنية في بغداد كانت في صحبتنا خشية أن تسرق.


      مغادرة أمين الحافظ


      * لقد هوجمت منازل اللاجئين السياسيين السوريين في العراق، وطردوا منها. هل من فعل ذلك هم افراد المعارضة الذين دخلوا من الخارج..؟
      ـ هؤلاء عملاء ليسوا معارضة. عملاء نظمت حركتهم المخابرات والقوات الأميركية داخل شوارع بغداد. لقد نظموا وبرمجوا عمل هؤلاء العملاء. إن الخراب الشامل الذي الحق بالبنية التحتية العراقية كان عملا منظما بموجب منهج اميركي حاقد على تجربة العراق وثورته وتقدمه ونهضته.
      * هل طرد هؤلاء الرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ من منزله، أم أنه غادر من تلقاء نفسه..؟
      ـ بالنسبة للرئيس أمين الحافظ فإنه غادر من تلقاء نفسه وذلك بعد خروجنا بيومين، وكانت معه مجموعة كبيرة من الإخوة السوريين.
      والحقيقة أن خروج أمين الحافظ كان تعبيراً عن حالة من الحيرة. إذ ماذا سيبقى يفعل في بغداد وهو محاصر من قبل القوات الأميركية.. والغوغاء الآتين من الخارج..؟!
      * وماذا عن عبد الرحمن عارف رئيس العراق الأسبق..؟
      ـ موجود في العراق. كان يسكن في حي المنصور. وكان معززا مكرما ويعامل بمنتهى الكرم، وتوفر كل متطلباته. ولكني لم اتواصل معه خلال الفترة الأخيرة.
      * هل تعتزمون عقد اجتماع للقيادة القومية خارج العراق..؟
      ـ إن شاء الله. اعضاء القيادة القومية في الخارج سيتواصلون بهدف الإلتقاء.
      * هل هنالك مكان محدد للاجتماع..؟
      سنترك الأمر للظروف. وصلتني عناوين الرفاق في الأمس. وسأتصل بهم اليوم. (اجري الحوار بتاريخ الأول من مايو الجاري).
      * هل انقطع التنسيق الآن مع القيادة السورية..؟
      ـ كان التنسيق مع القيادة السورية عملية رسمية بين حكومتي بغداد ودمشق، دون أن يكون هناك تواصل حزبي.
      * هل يمكن أن يتم تواصل حزبي في المستقبل..؟
      ـ لا استطيع التكهن بشيىء لا أعرف ابعاده. سبق للإخوان في سوريا أن قالوا أنهم يمثلون حزباً آخر. ولذلك لا أريد أن اسبق الحدث، أو أن اتفاءل كثيراً. وتواجه سوريا الآن ضغوطات، ونحن لا نريد أن نحملها فوق طاقتها.
      * هل بقي ما لم اسأل عنه..؟
      ـ انك لم تسأل عن موقفنا وموقف القيادة من فلسطين والدولة الفلسطينية. هذا أهم سؤال ينبغي أن يطرح.
      نحن معركتنا الآن فلسطين والعراق.


      الإستفادة من التجربة


      * ماذا جرى في لقائك مع الرئيس علي عبد الله صالح بعد عودتك لصنعاء..؟
      ـ نقلت له صورة ما جرى، وأكدت له أن معنويات الرفاق في العراق لا تزال اقوى من نخيل العراق بشموخها، واقوى من الجبال ولا تهتز. قد تهتز بعض الشخصيات وارادات البعض، وهذا من الطبيعي حدوثه في أي ثورة وأي تجربة. وقلت له أن التوازن الذي كان بين الحرس الجمهوري والجيش اختل، فاختلت المعادلة.. ويفترض أن نستفيد في اليمن من تلك التجربة.
      * بم أجابك الرئيس..؟
      ـ كان متألما لما حدث وقال إن موقفه كان واضحاً بعد الحرب. وأكد قناعته بأن صدام حسين رجل شجاع وكريم ومناضل، لكنه كأي قائد له اخطاؤه وايجابياته.
      * هل تحدث عن اخطاء صدام حسين..؟
      ـ لا.
      * هل نقلت له أي رسالة من صدام حسين..؟
      ـ لا. ابلغته أني نقلت تحياته لصدام حسين في الاجتماع القيادي الموحد في بغداد في الثامن من مارس. وكان الرئيس صالح ابلغني أن أنقل تحياته لصدام حسين في أي وقت التقيه. وكان الرئيس صدام حسين سألني في ذلك الاجتماع: كيف الأخ الرئيس علي عبد الله صالح، فأجبته أنه بخير ويسلم عليك.
      ما استطيع قوله أن موقف الرئيس علي عبد الله صالح كان ايجابيا. كان موقفا عربيا.
    • في البداية اود شكركم مشرفي المنتدى وبالأخص البلوشية على تثبيت الموضوع وقد أعجبني مقال يتحدث عن هذا الموضوع ويؤكد ان الخيانة كانت وراء سقوط بغداد وبالتالي العراق ويكشف أسرارا عدة عن ما دار في هذا الغزو واليكم المقال :

      من أسرار الحرب

      ثمان وأربعون ساعة منحها «جورج بوش» إلى النظام العراقي ليغادر فيها صدام حسين، ومن معه العراق إلى الأبد، وإلا... ستندلع الحرب الضروس.. جورج بوش كان مصمما على الحرب، حتى وهو يختار توقيتا سيئا، ومهلة قصيرة بالنسبة للعالم، وللأمريكيين بالخصوص، لكن «بوش» كان يعرف أن الرئيس العراقي سيرفض تلك المهلة، وسيختار البقاء، ليس لأنه سيتحدى القوة الأمريكية، وليس لأن المهلة كانت محدودة، أو حتى مهينة كما اعتبرها بعض الأمريكيين من الحزب الديمقراطي حتى، جونس سميث قال في تصريح لتلفزيون «فوكس نيوز»: «ليس هنالك من يقبل على نفسه الرحيل عن بلده في ظرف ثمان واربعين ساعة»، كان الأمر أكبر من مجرد رأي، لأن الصقور هذه المرة تجاوزوا الحدود، لعلمهم أنهم سيجعلون من صدام حسين مهزلة عالمية.. وأنهم لن يستغرقوا وقتا طويلا للقضاء على النظام..


      يقول جيرالد مونستيراس في مقال نشر بصحيفة «اللموند» الفرنسية إن خطة «الصدمة والترويع» التي رسمها «دونالد رامسفيلد» كانت تبدو الأفضل، لأنها اعتمدت على الوقت، باعتبار أن النصر السريع يحقق أفضل النتائج.


      جريدة «الواشنطن بوست»، نشرت قبل يوم واحد من اندلاع الحرب، تصريحا آخر «لفرانكس وولف» يقول فيه بالحرف الواحد: «حربنا في العراق لن تستغرق بضعة أيام على أكثر تقدير»، طبعا لم تكن فكرته لوحده كانت فكرة الجميع، بمن فيهم الرئيس الأمريكي..


      التقارير التي كشفتها بعض الصحف الأمريكية، قبل الحرب، تؤكد أن المعلومات التي على أساسها صممت خطة رامسفيلد المعنونة «الصدمة والترويع» كانت معلومات مخابراتية غير صحيحة في مجملها، ويضيف مونستيراس قائلا: برايان هرمان مدير الفرع السياسي الثاني في مكتب الاستخبارات الأمريكية وصل من «تل أبيب» قبل عشرة أيام من الحرب.. تقرير سري نشره موقع «إسرائيل كوم» عن «قمة» مخابراتية ثلاثية أمريكية إسرائيلية وبريطانية انعقدت في مدينة أوسلو التي شهدت أكثر من حركة غير عادية من جانب سفارات الدول الثلاث، وأن آخر اجتماع دام 9 ساعات في فندق «المرج الأخضر» الذي يبعد 2 كيلو متر عن العاصمة النرويجية.


      نفس التقرير كشف عن تواجد شخصيات أمريكية مهمة في أوسلو، منها الرقم الثاني في البنتاجون «بول وولفويتز».. هذا الشخص بالذات الذي يقال عنه في البيت الأبيض: «الذئب الأبيض» لا يمكنه مغادرة مكتبه إلا إذا تعلق الأمر بالحرب.. لا يمكن القول إن الرئيس الأمريكي كان مهما في قرار الحرب على العراق.. الدور الذي كان عليه أن يلعبه هو أن يكون إلى جانب المحاربين ساعة يدق فيها الجرس وتدوي الطلقة الأولى..الصحف الأمريكية اتهمت رئيسها بأنه كان يجهل التاريخ المحدد للحرب، حتى حين كلم رئيس وزراء إسرائيل، كان يقول له: الحرب ستكون حتمية.. لكنه على غير ما جاء في بعض التصريحات، لم يكن يعلم هو نفسه بالوقت المحدد، قبل أن يلقي لشعبه خطابا يقول لهم فيه «في هذه اللحظة التي بدأت فيها الحرب على العراق».. لكن على عكسه تماما، كان أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل يعلم بالتوقيت، قبل يومين كاملين من الحرب.. فثمة من هو في الكونغرس، من أعلى مسؤول في وزارة الدفاع، من حمل على عاتقه مهمة إعلام رئيس وزراء الدولة العبرية بتاريخ وساعة الحرب..


      كم ستدوم الحرب؟


      ساعات، وربما أيام لن تتجاوز الأسبوع، هي المدة التي كان الجميع يراهن عليها.. إسرائيل نفسها رتبت خطة قمعية لمقاومة الفلسطينيين تتحدد في الأيام الأولى من الحرب مركزة على العنصر الأهم : انشغال العالم بالعراق.. لكن الحسابات لم تأت كما خطط لها!يجب القول إن النظام العراقي نفسه ساهم في إيصال التقارير الكاذبة إلى البيت الأبيض.. وزير الإعلام العراقي «محمد سعيد الصحاف» قال بتاريخ 14 فبراير: «العراق يوصل ما يريد إيصاله إلى الخارج، لن يحظى الآخرون بأكثر مما يريده العراقيون» طبعا كان الكلام موجها إلى الإدارة الأمريكية بعد أن تم اكتشاف شبكة عراقية تعمل لصالح الأمريكيين، وكان بعض أعضائها من ضباط الجيش.. الغريب في الأمر أن العراق تكتمت على القضية أول الأمر واعتبرت القبض على «الخونة» درسا جيدا للأمريكيين..


      جريدة «القادسية العراقية» كتبت في 25 فبراير، أي بعد أسبوعين تقريبا من كشف الشبكة العميلة تلك، تقول: «لن يهزنا نظام أمريكا الرجعي، ولن يثنينا عن القيام بدورنا في عراق لا يستسلم لأحد»، وكان المقال بقلم «محمد سعيد الصحاف» نفسه.. في الحقيقة كانت القوة العراقية تكمن في قدرتها على التعامل مع الظروف المتغيرة..
      صدام حسين قبل أسابيع من الحرب قام ببعض التغييرات «المهمة» في الجيش.. ربما أبشع ما ارتكبه الرئيس العراقي أنه ترك ابن عمه الجنرال المكلف بتحركات الحرس الجمهوري داخل بغداد مسؤولا ثانيا للحرس الجمهوري.
      تقرير بثته السي إن إن، تحدث لمدة ربع ساعة عن «ابن عم الرئيس العراقي ماهر التكريتي» قبيل سقوط بغداد بساعات.. ربما لم يستوعب أحد لماذا تركز شبكة بمستوى السي إن إن على ابن عم الرئيس مثلا، وليس على الرئيس نفسه، أو ابنيه.. أو الذين يقال إنهم أذرعته اليمنى على الأرض.. الجواب جاء في 21 مارس الماضي.
      حين خرج «دونالد رامسفيلد» يقول في ندوته الصحفية اليومية إن ثمة اتصالات سرية مع الحرس الجمهوري، وإنه يحاول إقناعهم أن الموت لأجل شخص مثل صدام حسين إهانة لهم! كان الربط سهلا في هذه الحالة..


      شيء آخر أكثر غرابة وهو أن جريدة إسرائيلية كشفت عن اتصالات أمريكية مع ضباط من الجيش العراقي، بالذات من الحرس الجمهوري الذي كان يشكل خطرا حقيقيا على الجنود الأمريكيين بخلاف فدائيي صدام الذين في النهاية كانوا ينتظرون أوامر العمليات الفدائية، على الرغم من أنهم كانوا يشكلون غطاء جيدا للحرس الجمهوري.. كان «ماهر التكريتي» واحدا من الذين جاء اسمهم في التقرير الذي نشرته الجريدة الإسرائيلية، نقلا عن تصريح «ليفي بلمار» مستشار سابق في مكتب المخابرات الإسرائيلية «الموساد».. لعل الشيء المدهش في الأمر أن تلك التقارير والتصريحات بدت للعراقيين وكأنها «مؤامرة» أو كأنها دعوة أمريكية إلى الفتنة.. العراقيون رفضوا الأخذ بها، معتبرين أن المعركة تحددها العمليات على أرض الواقع وأن النتيجة هي التي تأتي في الأخير.. ولعل الذي شجعهم على رفض تلك التصريحات هو التوافد العربي على بغداد.. آلاف من المتطوعين العرب تركوا كل شيء وجاءوا إلى بغداد للدفاع عنها، بعضهم لم يكن يعرف كيف يحمل البندقية بشكل صحيح، ومع ذلك كانت بغداد بالنسبة لهم وطنا آخر، وكان الدفاع عنها واجباً حقيقياً.. هذا التوافد المدهش كان من الأسباب الذي حمل القيادة العسكرية على اعتبار أن ما صرح به رامسفيلد ليس صحيحا.. إذ كيف يمكن تصديق أن البلد الذي جاء إليه الآلاف من المتطوعين للموت فيه، سيخونه أبناؤه؟


      دور الصحاف


      النقطة الثانية التي زعزعت الثقة الأمريكية في حربها على العراق هو التنظيم المدهش بين الآلية العسكرية والإعلامية.. ربما لأن «محمد سعيد الصحاف» الذي قال مرة للأمريكيين أنه يجيد الأمريكية أحسن من جورج بوش نفسه.. «لم يكن مدنيا، كان عسكريا في زي إعلامي، وبالتالي ثقافته العسكرية صنعت منه إعلاميا رهيبا.. وأن خروجه المستمر للكلام عن الحرب أثار ليس غضب الأمريكيين بل حنقهم.. كان «الصحاف» من أكثر المقربين إلى الرئيس العراقي دفاعا عن النظام، بأسلوب لا يخلو من الكراهية للأمريكيين، وبالتالي بالتحدي لهم إلى حد استعمال بعض الكلمات السوقية في وصف «دونالد رامسفيلد»..
      هذا الأخير قال عن الصحاف يوم 25 فبراير: «النصر في الحرب لن يكفيني دون حصولي على لسان الصحاف»!
      اللسان الذي كان خطيرا على الأمريكيين الذين اعتبروا المعركة الإعلامية ضد «الصحاف» مشابهة في ضراوتها المعركة العسكرية.


      اليوم الكارثي


      واليوم العاشر من الحرب كان كارثيا بالنسبة للأمريكيين.. عدد القتلى في صفوف المارينز كان أكثر من المتوقع والصمود العراقي كان أقوى بكثير مما حملته تقارير ما قبل الحرب عنهم.. حتى العدد الإجمالي للحرس الجمهوري ولفدائيي صدام، ولجيش الأقصى كان متناقضا.. «أبراهام أرابيتش» المنسق العسكري في المخابرات الإسرائيلية وصل إلى واشنطن، في صباح كانت فيه العاصمة السياسية الأمريكية تعيش حالة من الفوبيا الحقيقية..
      مجلة «نوتر إسرائيل» الصادرة في فرنسا كتبت في مقال لا يبدو مهما أن زيارة «أبراهام أرابيتش» إلى واشنطن جاءت في ظل الإحساس بالورطة الأمريكية في العراق، وأن «أبراهام» حمل إلى الصقور الأمريكيين مساعدات إسرائيلية.. لكنها لم تشر إلى نوع تلك المساعدات..جريدة «الغارديان» البريطانية كتبت دون أن تذكر اسم الشخص الإسرائيلي الموجود في واشنطن أن ثمة تنسيق بين إسرائيل والولايات الأمريكية فيما يخص الحرب على العراق..الخبر الأول لم يناقض الخبر الثاني.. وبالفعل إسرائيل حملت إلى أمريكا تقريرا سريا عن الجيش العراقي، وعن نقاط ضعفه وعن الأسماء التي يمكن التعاون معها، قائلة: «تلك التقارير جمعتها من بعض العسكريين العراقيين أنفسهم !»


      رامسفيلد على المحك!


      ويتابع مونيستيراس قائلا إن «رامسفيلد» الرجل القوي، بعد عشرة أيام من الحرب، بدا في أسوأ حالاته، كان شاحبا لحد المرض، وهو يحاول كل مرة تبريرالحرب.. جهات كثيرة بدأت بالضغط عليه.. هو الذي خطط لحرب الصدمة والترويع.. وصل به الأمر إلى حد التهديد بالاستقالة.. الكل اعتبره السبب في فشل الخطة وبالتالي فشل الحرب.. بعض الجنرالات الأمريكيين قالوا إنه لم يؤخذ برأيهم في الخطة.. طبعا ليس صحيحا، لأن الخطة لم تكن خارج اجتماعاتهم اليومية قبل الحرب، إنما كانت تلك طريقة للتنصل من مسؤولية السقوط التي كانت تلوح في الأفق..
      الواشنطن بوست ذهبت إلى حد توجيه نصيحة إلى «رامسفيلد» بإطلاق رصاصة على رأسه إن فشل في حربه تلك.. كانت الحقائق كلها تتوجه إلى الخسارة الأمريكية.لم يخف أحد مقارنة الحرب على العراق بالحرب على الفيتنام.. فيتنام أخرى ستجرد الأمريكيين من قوتهم إلى الأبد.. وهذا كان أفظع ما يمكن تحقيقه الدخول إلى الحرب بالعنجهية الأمريكية التي دخلت بها.الحرس الجمهوري ظل يقاتل بشراسة، والشعور الأمريكي بالرعب جعلهم يطلقون النار على المدنيين انتقاما من كل جندي أمريكي كانت جثته تهرب ليلا إلى قاعدة عسكرية بألمانيا، أو إسبانيا..
      موقع «دوتش كوم» الألماني، في تقرير نشره في اليوم الحادي عشر من الحرب، كشف عن مصادر عسكرية موثوق منها داخل القاعدة العسكرية الأمريكية أن عشرات جثث الأمريكيين تصل بشكل سري إلى القاعدة الألمانية، منذ بداية الحرب، وهذا يتناقض مع الأرقام الضئيلة التي كانت تبثها وزارة الدفاع الأمريكية عن القتلى في صفوفها.. وهو تأكيد كشفه الديمقراطي «فرانس كورتس» بأن الجنود الأمريكيين ضحية «دمويين داخل البيت الأبيض» (كان فرانس كورتس من أشد خصوم رامسفيلد).. كل هذا يؤكد أن التفوق العراقي كان ملحوظا، على الرغم من المنحنى الخطير الذي اتخذته الحرب باستهداف المدنيين.. فما الذي جرى كي تنقلب الأوضاع رأسا على عقب؟ سوف نعود إلى نفس الكلام الذي أدلى به رامسفيلد بأن ثمة اتصالات بين البنتاجون والحرس الجمهوري.. لم يكشف ما نوع الاتصالات تلك، وبالتالي هل هي على مستوى عال من الجيش؟ لكن المؤكد أنها كانت حقيقية..
      اليوم الحاسم للمعركة كان بغداد نفسها.. بغداد التي توعد رئيسها بأنها ستكون «مقبرة» للمغول (الخطاب قبل الحرب)، كانت العاصمة العراقية في غاية الأهمية في مستقبل الحرب كلها.. لهذا كان الرهان كبيرا.. وزير الإعلام العراقي قال إن الأمريكيين سيدخلون بغداد على جثته.. كان واثقا من نفسه وهو يرد على الأمريكيين الذين استولوا على مطار صدام.. كيف يحدث ذلك؟


      شهادات من الحرب


      «جمال» جزائري مقيم في ضاحية «سانت إتيان» بباريس.. عاد إلى أسرته قادما من بغداد الذي ذهب إليها متطوعا، كان يعمل مع أخيه في متجر خاص بهما، وحين بدأت تلوح وجه الحرب الأمريكية على العراق قرر التطوع لمساعدة إخوانه كما يقول.. في البداية رفض الكلام معنا، ولكن مع إلحاحنا عليه قبل، مشترطا علينا عدم أخذ صورته، وألا ينشر اسمه كاملا، ووعدناه بذلك.. قال: «ذهبت إلى بغداد قبل أسبوعين من بداية الحرب.. كان واجبا علي أن أساعد إخواني ضد التهديد الأمريكي الصهيوني.. تدربنا على حمل السلاح، بسرعة خيالية.. كنا نتدرب تسع ساعات يوميا.. في المكان الذي كنت فيه وجدت العديد من العرب.. من جنسيات كثيرة.. وكانت مهمتنا الأولى عدم الابتعاد عن بعضنا، وأن نتوزع على مناطق معينة في بغداد..» سألناه هل كان موجودا يوم استولى الأمريكيون على المطار؟ فرد ساخرا: «لا تصدق كلام الجرائد، لم يستولوا على المطار إلا حين انسحب منه الجنود.. لقد كنا ضمن فرقة تغطي جنوداً عراقيين.. وكان هدفنا هو منع أي تقدم نحو المطار..» قلت له: «لكنهم استولوا على المطار حقا..» قال غاضبا: «حين انسحبنا نعم!»


      لماذا حدث الانسحاب إذن؟


      تقارير الدفاع الأمريكية تكلمت عن «صفقة».. ربما ذهب ظن أغلبية المحللين إلى أنها كانت مع الرئيس العراقي صدام حسين.. ولكن.. كيف يمكن إبرام صفقة مع جيش ينتصر في المعركة؟
      الجواب أن الصفقة لم تكن مع الرئيس العراقي إنما مع ابن عمه الذي لم يستجب لعدة أوامر أعطيت له.. وربما أهمها نشر الفيلق الثالث والرابع على مشارف المطار.. وتدمير الجسور المؤدية منه وإليه.. كانت تلك أبرز المراحل التي من خلالها كانت الصفقة تسير إلى الأفضل.. أمريكا كانت تخشى تدمير الجسور، وبالتالي عدم تدميرها بمثابة رغبة لجنود أرادوا أن ينتصروا لوحدهم وخارج تفاصيل الحرب، على نظام صدام حسين.. كيف؟
      تأمين حياتهم وحياة أسرهم عبر نقلهم إلى مناطق أخرى، خارج العراق..
      التعهد لهم بأن يكون لهم دور عسكري في العراق المحررة..
      عدم التعرض إلى منازلهم وممتلكاتهم الخاصة إلى حين الرجوع إليها.. هذا يؤكده أن منازل ضباط في الحرس الجمهوري لم يمسسها القصف.. وأن الجنود تواجدوا (ليس صدفة) في شارع الروضة الذي يضم منازل العسكريين الهاربين من المعركة..
      الاثنين 7 ابريل، انفجار مهول هز أحد الأحياء البغدادية، كان الهدف: مطعم قيل إن الرئيس العراقي ونجليه كانا فيه.. كانت الصورة المفجعة لما تبقى من المطعم، وتقارير المخابرات تتسرب إلى الجيش العراقي قائلين له: صدام حسين قتل، فلن يكون هنالك داع لمقاومتكم».. النتيجة: حادثة المطعم الذي يعرف المقربون من صدام أنه كان يرتاد مخبأ كان مبنيا تحته، صدقوها مقتنعين برواية «الموت» ومن هنا كانت عملية الهروب أكثر حدة من ذي قبل..
      ابن عم الرئيس أدى دورا كبيرا في تنسيق العملية الأخطر: عدم المقاومة والسماح للجيش الأمريكي بالدخول إلى بغداد.. الثمن؟ ضمانات حقيقية.. الخروج من العراق!.الأمريكيون بعد الحرب اعترفوا أنهم هزموا الجيش العراقي بالحيلة.. وأن النتيجة كانت أهم من كل الحسابات الأخرى.. هذا يؤكد أن الحيلة ما هي إلا تسريب معلومات خاطئة عن اغتيال الرئيس العراقي مع نجليه في حادثة المطعم.. لهذا بالنسبة لهؤلاء الذين خاضوا معارك كثيرة، لم يكن هنالك سبب لمواصلة المقاومة طالما القائد الأعلى قد مات!
      حادثة خطيرة وقعت لم تكن أكثر من خطة لتهريب هؤلاء إلى جهة «آمنة».. القصف الذي تعرض له فندق فلسطين كان بمثابة الحيلة الأمريكية الأخرى، كي تشد أنظار العالم إلى مجزرة رهيبة.. لكن لأجل ماذا؟ لأجل عملية إنزال وشحن في الوقت نفسه في مطار صدام حسين الذي بثت القنوات التلفزيونية صوراً عن «وصول المارينز» إليه حقا، مكذبة كل الدفاعات التي كان يقوم بها «محمد سعيد الصحاف» ساعات قبل سقوط بغداد.. كانت عملية «فندق فلسطين» محضرة، بدقة متناهية.. قناة «فرانس دو» بثت صورة القصف.. حيث استدارت دبابة أمريكية نحو الفندق، وانتظرت بضعة ثوان قبل أن تطلق النار نحو المصورين الذين كانوا على سطح الفندق.. الإصابات كانت مهولة، ولم يتوقف ذلك على القصف.. كانت ثمة أوامر أخرى صارمة من الأمريكيين كي يحدوا من تحرك الصحفيين خارج الفندق.. كل الصحافيين والمصورين كانوا في سجن أمريكي حقيقي.. ليس هذا فقط، بل حدث أن حاصر الجنود مقرات لبعض التلفزيونات الدولية، والعربية.. كانت العملية منسقة مع الطيران الذي لم يتوقف ذلك اليوم من القصف على مقربة من الفندق.. الصحافيون وجدوا أنفسهم غير قادرين على التحرك.. الصدمة والحرب التي وجهت نحوهم.. لماذا؟ لأنه كان ثمة ما يحدث في الجهة الأخرى.«جمال» الذي قال إن سقوط المطار كان نتيجة هرب الحرس الجمهوري وليس العكس.
      قال لنا أيضا: «كنا خمسة، أنا وأخ من سورية وثلاثة مصريين، ولم ندر ما الذي يجري، فجأة وجدنا أنفسنا لوحدنا.. رأينا بعض العراقيين الذين بقوا، وهم يغيرون ثيابهم، يلبسون ثيابا عربية، ويهربون تاركين أسلحتهم.. لم نكن نعرف ماذا يجري، ولا ماذا كان علينا فعله.. لكننا ركضنا بدورنا بعيدا..» يقول أيضا: «كنا نجري، ولكن الذي لا يمكن نسيانه هو أزيز تلك الطائرة الكبيرة التي حطت في المطار، كان ثمة من يخرج منها ومن يدخل إليها.. رأينا النساء والأطفال يركبون على متن الطائرة، ورأينا بعض الضباط العراقيين بلباسهم العسكري يدخلون على متن الطائرة..» هذا الكلام جاء في تقرير بثته «فوكس نيوز» لكن لسبب غامض توقف المذيع عن مواصلة تقريره من بغداد.


      جثة البلغاري
      حادثة أخرى، لا تقل أهمية وهي العثور على جثة مصور بلغاري قريبة من مطار صدام حسين، كيف وصل المصور إلى ذلك المكان؟ الجنود الأمريكيون قالوا إنه راح ضحية القصف المكثف على المطار.. ولكن أي قصف؟ كان القصف موجه إلى المنطقة المحاذية لفندق فلسطين.الإجابة الوحيدة هي أن المصور لم يكن موجودا في الفندق لحظة بداية القصف.. وأنه كان يصور العاصمة، وبالذات منطقة المطار.. عثر على كاميرا المصور خالية من أي شريط للتصوير.. كيف يغامر صحفي بحياته بكاميرا خالية من أي شريط ؟ لا أحد أراد الرد على هذا السؤال.. لكن الإجابة الواضحة قالها زملاء الضحية الذين أكدوا أن زميلهم محترف، وأنه يحمل معه دائما أشرطة تصوير احتياطية، ولا يمكن أبدا استيعاب فكرة ما قيل أنه راح ضحية الغارة..شيء آخر، وهو أن الذين رأوا جثة المصور لاحظوا آثار طعنات.. هذا يدل على أن ثمة من اكتشف أمره، فقتله.. مساحة المطار كانت مفتوحة لطائرتين أمريكيتين حطتا فيه، باعتراف من البنتاجون نفسه.. وهذا يؤكد أن الأمريكيين ظلوا يحمون جوانب المطار من أي طارئ مهما كان نوعه.. بمعنى أن المصور كان ضحية الأمريكيين وليس العراقيين الذين فروا جماعات..
      ثانيا أن الكاميرا بلا أدنى شك لم تكن خالية، بل كان فيها شيء خطير، بدليل أن النهاية كانت القتل، أي محو أي حقيقة يمكن العثور عليها.. بالخصوص فيما يخص قيادات الجيش العراقيين الذين قال أكثر من شاهد عيان إنهم هربوا مع عائلاتهم على متن الطائرتين اللتين حطتا، والتي كانت تفصل بينهما ساعة من الزمن..نهاية أزمة فندق فلسطين كانت نهاية قصة أخرى.. بغداد التي سقطت «طواعية»، لا شيء يدل على وجود مقاوم واحد فيها يمكنه الدفاع عنها.. الكل هرب، وذاب خلف الضباب.. الصدمة ثم الفرحة !


      الأمريكيون يبحثون بعد سقوط بغداد على صدام حسين، للإعلان بطريقة مباشرة أن صدام حسين لم يمت.. وأن البحث عنه ما زال جاريا.. «محمد سعيد الصحاف» اختفى صباح سقوط بغداد.. والذين كانوا يشكلون ركيزة النظام العراقي لم يعدلهم وجود.. ثمة اعتقاد له مصادره يؤكد أن الذين يجري البحث عنهم سيقعون تحت قبضة الأمريكيين قريبا بمن فيهم الرئيس العراقي المخلوع نفسه، لأن الذين خانوا بغداد، لن يتورعوا عن خيانة رئيس يعرفون أنه كان ديكتاتوريا ومجرما.. ولن يتورعوا عن التبرؤ منه يوم يأتي وقت المحاكمة.. كأن يقولوا للأمريكيين: أعطيناكم العراق لأجل ضمان حياتنا..! سيكون الأمر بشعا يومها، لأن تاريخ العراق الجديد أصبح متورطا بالخيانة التي سمحت للاحتلال أن يكون تحريريا.. سمحت للديمقراطية أن تأتي على متن القنابل العنقودية.. تناقض قد يفهمه أحدنا ذات يوم، لكن الآن... لا أحد يفهم الحقيقة الأخرى التي ربما، سيراها الناس ذات يوم على شكل شهادات من أصحابها، الذين سينعمون بالدفء الأمريكي قليلا، قبل أن يكتشفوا اللعبة المرة التي لعبوها، ليس ضد رئيس فاشي وديكتاتوري، بل ضد شعب صدمه السقوط الرهيب والسهل لعاصمة كانت ذات يوم عاصمة للتاريخ كله!