سامي عبد الشافي
في طريقي لزيارة أحد الأصدقاء في حي عبد ربه شمال قطاع غزة، ناولني سائق التاكسي عبوة صغيرة من البسكويت بدلا من قطع النقد الصغيرة المستحقة لي. لا يوجد تقريبا أية عملات معدنية هنا، ولذلك يقوم سائقو التاكسي باستبدال نصف الشيكل الإسرائيلي بعبوات بسكويت صغيرة تم إدخالها عبر الأنفاق الموجودة بين مدينة رفح الجنوبية وشمال سيناء المصرية. لقد لجأ بعض أهل غزة ممن كانوا في يوم من الأيام يحصلون على دخل محترم إلى صهر العملات المعدنية وبيع النحاس الناتج منها في مقابل الحصول على المواد الغذائية.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أُجبَر فيها على أساليب غامضة للمقايضة. فمنذ عدة أسابيع أُخبرت أن مرشحات (فلاتر) الزيت لمولدات الكهرباء ذات الصناعة البريطانية لا يمكن جلبها إلا من خلال الأنفاق. وكان أحد البدائل هو تركيب فلتر محرك سيارة في مولد الكهرباء.
وعند صديقي، جلسنا نحتسي القهوة التي تم صنعها عن طريق إشعال الخشب، بجوار حطام منازل عائلة صديقي السابقة – والتي تمت تسويتها جميعها بالأرض أثناء حرب الثلاثة أسابيع الإسرائيلية على غزة التي بدأت منذ عام. وكان مصدره الوحيد للرزق، الذي يتمثل في التاكسي، قد حطمته الدبابات الإسرائيلية أثناء الهجمات. إنه يتألم وهو يرى كيف أن أطفاله لم يعودوا ينظرون إليه نظرة احترام كأب لهم؛ فهو عاجز عن تزويدهم بالأمن في بيت وبالحياة الأسرية المستقلة؛ فقد فقدوا كل شيء.
هذه الأسرة مقسمة بين منازل الأقارب. ولكن رجل الأسرة العجوز كان قد انتقل لتوه إلى منزل مساحته ستون مترا مربعا مبني من الطين والقرميد بجوار حطام منزله السابق ذي الثلاثة طوابق والذي كان قد بناه بما وفره طوال حياته من مال. كان هذا البيت الطيني أحد أوائل المنازل التي قامت ببنائها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بعد فقد الأمل تقريبا في أي نية إسرائيلية بالسماح بدخول مواد البناء إلى غزة. وتحصل ابنة صديقي هذا على أعلى الدرجات في فصلها الدراسي وتتطلع للحصول على منحة دراسية في إحدى الجامعات في غزة عندما تنجح في المرحلة الثانوية. ولكن مثابرة وتفوق هذه الفتاة لن يجدا مكانا للذهاب إليه طالما أن غزة مازالت محاصرة.
ليس هناك شيء أكثر خداعا من طرح قضية غزة باعتبارها حالة إنسانية. لقد أصبحت هذه إشكالية بشكل مضاعف كثيرا بعد عام من الحرب. إن غزة بحاجة ماسة وعاجلة إلى كميات أكثر كثيرا من هذه المواد التي يرى الجيش الإسرائيلي أنها كافية لسد حاجات غزة الإنسانية. فقائمة المواد المسموح بها ضئيلة جدا مقارنة باحتياجات الناس للوصول إلى الحد الأدنى من الحياة المدنية المحترمة.
لا تتم معاملة غزة بشكل إنساني؛ فقد مهدت الاهتمامات العاجلة بالوضع القائم الطريق بوضوح أمام رضا طويل الأجل، بينما أصبحت السياسة الفاشلة راكدة الآن. والتصنيف الإنساني يحجب الحاجة العاجلة للتعامل مع هذا الوضع. وعلاوة على ذلك، لجأ الكثيرون في المجتمع الدولي براحة نفس إلى إلقاء اللوم على الفلسطينيين على انقساماتهم السياسية، كما لو أنه لا صلة لهذه الانقسامات بسياسات إسرائيل – وأبرزها حصار غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2005.
يبدو جليا أن معظم المسؤولين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والدول القوية الأخرى في أوروبا والشرق الأوسط لا يريدون – أو ربما لا يستطيعون – الضغط على إسرائيل لتغيير سياستها المتمثلة في فرض اللادولة على الفلسطينيين للأبد. إن مدى اضطرار الفلسطينيين للعيش في مستويات معيشة مهينة في غزة، ومدى عدم امتلاكهم لأية وسائل لصد الهدم والمصادرة لممتلكاتهم وأراضيهم في الضفة الغربية والقدس الشرقية هو أمر بغيض. ومدى انقسام الفلسطينيين رغم معاناتهم المتزايدة لا يقل بغضا. ومع ذلك، يجب ألا يخدع أحد نفسه بالاعتقاد بأن تصالحهم سيغير من سياسة إسرائيل.
يجب على المجتمع الدولي بالتأكيد تبني منهجا جديدا، لا يبدو من خلاله مذعنا لسياسات إسرائيل. وإذا استمرت السياسة الراهنة فعلى الأقل دعوها لا تكن على حساب احترام الفلسطينيين لأنفسهم. إن الفلسطينيين هم شعب له كرامته، لا يقل في حضارته وتنافسه عن أي شعب آخر في العالم. وإنه لمن المذل لأبعد الحدود بالنسبة للفلسطينيين أن يتحملوا ليس فقط احتلالهم ولكن أيضا أن يصبحوا متسولين.
على مدى سنوات كان من المستحيل ألا يشك أحد في أن إسرائيل لا تريد السلام. ومنذ فترة، قامت هذه الدول التي تعاضدها الولايات المتحدة بانتظام بتهيئة ظروف مستحيلة للمفاوضات العادلة المتساوية مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ومازالت تقوض الأصوات المعتدلة وتدفع الناس نحو التطرف في غزة. إن حقيقة أن الفلسطينيين مازالوا بإخلاص يريدون السلام يجب ألا تسمح لإسرائيل برفض أبسط قواعد التهذيب. يجب أن تأتي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى غزة؛ ثم بإمكانهما بعد ذلك استخلاص استنتاجاتهما الخاصة عن السياسة الإسرائيلية التي قاما بدعمها وتمويلها بدون حتى رؤية عواقبها على حياة المدنيين البسطاء. بالتأكيد عندئذ لن يفشلا في التوصل إلى أن تغيير سياساتهما قد أصبح ضرورة أخلاقية.
في طريقي لزيارة أحد الأصدقاء في حي عبد ربه شمال قطاع غزة، ناولني سائق التاكسي عبوة صغيرة من البسكويت بدلا من قطع النقد الصغيرة المستحقة لي. لا يوجد تقريبا أية عملات معدنية هنا، ولذلك يقوم سائقو التاكسي باستبدال نصف الشيكل الإسرائيلي بعبوات بسكويت صغيرة تم إدخالها عبر الأنفاق الموجودة بين مدينة رفح الجنوبية وشمال سيناء المصرية. لقد لجأ بعض أهل غزة ممن كانوا في يوم من الأيام يحصلون على دخل محترم إلى صهر العملات المعدنية وبيع النحاس الناتج منها في مقابل الحصول على المواد الغذائية.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أُجبَر فيها على أساليب غامضة للمقايضة. فمنذ عدة أسابيع أُخبرت أن مرشحات (فلاتر) الزيت لمولدات الكهرباء ذات الصناعة البريطانية لا يمكن جلبها إلا من خلال الأنفاق. وكان أحد البدائل هو تركيب فلتر محرك سيارة في مولد الكهرباء.
وعند صديقي، جلسنا نحتسي القهوة التي تم صنعها عن طريق إشعال الخشب، بجوار حطام منازل عائلة صديقي السابقة – والتي تمت تسويتها جميعها بالأرض أثناء حرب الثلاثة أسابيع الإسرائيلية على غزة التي بدأت منذ عام. وكان مصدره الوحيد للرزق، الذي يتمثل في التاكسي، قد حطمته الدبابات الإسرائيلية أثناء الهجمات. إنه يتألم وهو يرى كيف أن أطفاله لم يعودوا ينظرون إليه نظرة احترام كأب لهم؛ فهو عاجز عن تزويدهم بالأمن في بيت وبالحياة الأسرية المستقلة؛ فقد فقدوا كل شيء.
هذه الأسرة مقسمة بين منازل الأقارب. ولكن رجل الأسرة العجوز كان قد انتقل لتوه إلى منزل مساحته ستون مترا مربعا مبني من الطين والقرميد بجوار حطام منزله السابق ذي الثلاثة طوابق والذي كان قد بناه بما وفره طوال حياته من مال. كان هذا البيت الطيني أحد أوائل المنازل التي قامت ببنائها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بعد فقد الأمل تقريبا في أي نية إسرائيلية بالسماح بدخول مواد البناء إلى غزة. وتحصل ابنة صديقي هذا على أعلى الدرجات في فصلها الدراسي وتتطلع للحصول على منحة دراسية في إحدى الجامعات في غزة عندما تنجح في المرحلة الثانوية. ولكن مثابرة وتفوق هذه الفتاة لن يجدا مكانا للذهاب إليه طالما أن غزة مازالت محاصرة.
ليس هناك شيء أكثر خداعا من طرح قضية غزة باعتبارها حالة إنسانية. لقد أصبحت هذه إشكالية بشكل مضاعف كثيرا بعد عام من الحرب. إن غزة بحاجة ماسة وعاجلة إلى كميات أكثر كثيرا من هذه المواد التي يرى الجيش الإسرائيلي أنها كافية لسد حاجات غزة الإنسانية. فقائمة المواد المسموح بها ضئيلة جدا مقارنة باحتياجات الناس للوصول إلى الحد الأدنى من الحياة المدنية المحترمة.
لا تتم معاملة غزة بشكل إنساني؛ فقد مهدت الاهتمامات العاجلة بالوضع القائم الطريق بوضوح أمام رضا طويل الأجل، بينما أصبحت السياسة الفاشلة راكدة الآن. والتصنيف الإنساني يحجب الحاجة العاجلة للتعامل مع هذا الوضع. وعلاوة على ذلك، لجأ الكثيرون في المجتمع الدولي براحة نفس إلى إلقاء اللوم على الفلسطينيين على انقساماتهم السياسية، كما لو أنه لا صلة لهذه الانقسامات بسياسات إسرائيل – وأبرزها حصار غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2005.
يبدو جليا أن معظم المسؤولين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والدول القوية الأخرى في أوروبا والشرق الأوسط لا يريدون – أو ربما لا يستطيعون – الضغط على إسرائيل لتغيير سياستها المتمثلة في فرض اللادولة على الفلسطينيين للأبد. إن مدى اضطرار الفلسطينيين للعيش في مستويات معيشة مهينة في غزة، ومدى عدم امتلاكهم لأية وسائل لصد الهدم والمصادرة لممتلكاتهم وأراضيهم في الضفة الغربية والقدس الشرقية هو أمر بغيض. ومدى انقسام الفلسطينيين رغم معاناتهم المتزايدة لا يقل بغضا. ومع ذلك، يجب ألا يخدع أحد نفسه بالاعتقاد بأن تصالحهم سيغير من سياسة إسرائيل.
يجب على المجتمع الدولي بالتأكيد تبني منهجا جديدا، لا يبدو من خلاله مذعنا لسياسات إسرائيل. وإذا استمرت السياسة الراهنة فعلى الأقل دعوها لا تكن على حساب احترام الفلسطينيين لأنفسهم. إن الفلسطينيين هم شعب له كرامته، لا يقل في حضارته وتنافسه عن أي شعب آخر في العالم. وإنه لمن المذل لأبعد الحدود بالنسبة للفلسطينيين أن يتحملوا ليس فقط احتلالهم ولكن أيضا أن يصبحوا متسولين.
على مدى سنوات كان من المستحيل ألا يشك أحد في أن إسرائيل لا تريد السلام. ومنذ فترة، قامت هذه الدول التي تعاضدها الولايات المتحدة بانتظام بتهيئة ظروف مستحيلة للمفاوضات العادلة المتساوية مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ومازالت تقوض الأصوات المعتدلة وتدفع الناس نحو التطرف في غزة. إن حقيقة أن الفلسطينيين مازالوا بإخلاص يريدون السلام يجب ألا تسمح لإسرائيل برفض أبسط قواعد التهذيب. يجب أن تأتي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى غزة؛ ثم بإمكانهما بعد ذلك استخلاص استنتاجاتهما الخاصة عن السياسة الإسرائيلية التي قاما بدعمها وتمويلها بدون حتى رؤية عواقبها على حياة المدنيين البسطاء. بالتأكيد عندئذ لن يفشلا في التوصل إلى أن تغيير سياساتهما قد أصبح ضرورة أخلاقية.
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية