أحمــد المرشــد
فكرت طويلا عن عنوان للمقال الحالي الذي تقرأونه الآن، ووجدت أنه ليس من الحكمة أن أتناول بالتحليل قضايانا السياسية والاقتصادية. فهي كثيرة وأرهقتنا طويلا وأحيانا أشعر بأنها عصية على الحل أو إيجاد مخرج لها.. وأحيانا يحدث المرء نفسه بأن النفق مظلم وطويل والخروج منه صعب. ولكني وبعد تفكير، حدثت نفسي وقلت لماذا نفكر وأمامنا عام جديد يطرق أبوابنا، لنتمنى فيه أن يعم الرخاء والخير علينا جميعا وعلى شعوب الأمتين العربية والإسلامية، وعلى كل أوطاننا ومواطنينا وعلى حكمائنا وقادتنا. فنحن أمة أحوج ما نكون لأن نتكاتف ونتحاور ونتسامح.
وقد نقول إن أزمة التعايش بين الدول ومن ثم بين الشعوب، إنما ترجع إلى غياب صور التسامح. ولتبيان معنى التسامح، ننقل عن لسان العرب لابن منظور، أن السمح من العيدان هو ما لا عقدة فيه، وتسميح الرمح تثقيفه، أي إزالة ما به من نتوء وتليين ما به من تصلب وتقويم ما قد يكون من إعوجاجه مما يمنع انسياب الحركة فيه، ورمح مسمح حتى لان عوده واستقام. ومن هذا المعنى الأصيل للكلمة، قيل عن الدابة التي روضها صاحبها فلانت بعد استصعاب أنها قد أسمحت، وأسمحت النفس بدورها إذا لانت وأطاعت، ومنها قيل عن الرجل أنه أسمح صاحبه، إذا وافقه على مطلبه. والمقصود أنه إذا تساهل القوم ولم يتشددوا، فقد تسامحوا، وإذا تلاينت الآراء ولم تتصلب، فقد تسامح أصحابها، وبهذا تكون السماحة من مرادفات الجود. إذ يقال: سمح الرجل سماحة وسموحة وسماحا، أي جاد وصار من أهل الجود والكرم وأعطى بكرم وسخاء.
وننتقل من الجزء والمعنى إلى العام والفعل، فالمقصود ألا يجب على جماعة من أفراد المجتمع أن يتشددوا ولا يلينوا، ليكسر بعضهم بعضا، لأن التسامح يعني أن يجود الإنسان بما عنده، وأن يقبل في الوقت نفسه ما يجود به الآخرون، وهذا هو التسامح الذي يقيم مجتمعا مدنيا له القدرة على الاستمرار.
ومن هنا، يكون التسامح حين يجلس الأخ مع أخيه، المسلم إلى المسيحي، المسلم السني إلى المسلم الشيعي، اليساري مع اليميني والوسطي، يسمح كل منهما للآخر، لا مجاملة ولا استعراض، وإنما لالتقاط خيوط حقيقية وتتلاقى في نقطة محددة من التفاهم عبر الحوار. ويكون التسامح أيضا حين يجلس نواب البرلمان من كافة الأحزاب الممثلة فيه، لا لتهدئة النفوس ولا لكسب الوقت، وإنما لفهم المشاكل وطرح الحلول ورأب صدع سقف تآكلت جدرانه حتى كاد أن يسقط وينهار فوق رؤوس الجميع.
واتصالا بما سبق، يكون التسامح حين ينصت كل شعب لغيره من الشعوب، وذلك سعيا وراء حكمة أفرزتها تجارب تاريخية تنوعت بتنوع البشر وبالطبيعة البشرية، بعدما تفردت بتفرد الظروف والتحديات التي أنشأتهم شعوبا وجعلتهم أمما. ونحن على أعتاب عام جديد، نتمنى من المولى عز وجل أن تكون تباشيره طيبة علينا جميعا وعلى شعوبنا وأوطاننا وقياداتنا، وأن تعم فيه قيم التسامح، وهي القيم التي تمثل الروح المدنية وثقافة المجتمع المدني التي تقوم في ظل نسق من المعتقدات والمؤسسات والنظم والقيم والتي تقبل بالآخر المختلف.. وهي نظم تنقل المجتمع من حال متأخر إلى موقف متقدم ومتحضر، إذ تستند هذه النظم إلى حرية التعبير، ليس هذا فقط، بل تضمنها أيضا مع توفير الانفتاح الفكري. وهو ما ينعكس على صورة العلاقات الاجتماعية التي تسود بين أفراد المجتمع الواحد. وهي تنعكس أيضا على شكل وطبيعة وعمل التنظيمات السياسية والاجتماعية والتشريعية وتوجد مناخا يعتمد على الديمقراطية كأساس تقوم عليه الجماعة السياسية في المجتمع.
ونحن نستقبل تباشير عام جديد، نتمنى أن تعم ثقافة التسامح، تلك الثقافة التي ترفض استبعاد الآخر، بل تؤكد على معنى المواطنة بمفهومها الشامل. ومن نافلة القول، الإشارة إلى أن ثقافة التسامح تضم الأنساق والأعراف والمعايير وأساليب الحياة، وهي كلها محصلة تضم الاتجاهات والعواطف والتصورات وتوجه السلوك السياسي والاجتماعي.. وكل هذا يحدد مدى مساهمة الفرد في بنية النظام ووظائفه وأنشطته، بما ينمي قاعدة أن الفرد هو أساس المجتمع بشرط تزويده بقواعد العيش والمشاركة وتقاسم الأنشطة والمساهمة مع الآخرين عبر التحاور معهم في بناء هذا المجتمع البناء.
وفي ظل هذه الرؤية.. يصبح من المنطقي قبول أن فكرة التسامح كثقافة محددة، إنما تؤصل قاعدة احترام حقوق الإنسان وعدم تجاوز حقوق الآخر، وكل ذلك يأتي بعد ترك التعصب والعنف والاستبداد بالرأي الواحد.
ونحن نستقبل تباشير عام جديد، علينا صياغة ثقافة التسامح، التي تقبل بالآخر المختلف، وتنقلنا إلى التحضر، استنادا إلى قيمنا وتقاليدنا وانفتاحنا الفكري.. يقول المولى عز وجل في كتابه الكريم: "قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى" (سورة البقرة 272). ومن قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "الكلمة الطيبة صدقة".
ونحن نستقبل تباشير عام جديد، نتمنى عدم الوقوع في فخ التطرف والتشدد والتعصب، وهم نقيض التسامح، فالتعصب بكافة أنواعه الديني والسياسي والعقائدي ربما يدفع إلى ممارسة سلوك أو فعل ينطوي على نفي الآخر وإيقاع الأذى به أو حتى تدميره. ونحن نأمل من الجميع الابتعاد تماما عن التعصب سواء أكان لرأي أو عقيدة أو مشاعر، لأن التعصب في هذه الحالة يتحول إلى حالة من القيود الفكرية والعقائدية تؤدي إلى فقدان الرؤية والروية معا، مما يؤدي إلى ممارسة سلوك ضار بالمجتمع ويعم الكراهية فيه. فأحكام المتعصب سواء أكان فردا أو جماعة، تفتقر للحكمة وتبتعد عن الموضوعية وتتسم بالبعد عن العقلانية، ويظل صاحبها سجينا لقوالب جاهزة ونمطية تنشأ في وسط ثقافي واجتماعي يرفض الآخر ولا يقبل بوجوده.
الخوف كل الخوف، أنه إذا سقط التسامح من حساباتنا وقيمنا وتعاملنا، سقطنا نحن أنفسنا وتهالكت مجتمعاتنا.. فالتسامح مثل إطار الصورة، إذا هلك ضاعت الصورة وانعدمت أو تعرضت للتلف والزوال.
وفي النهاية.. ونحن نستقبل تباشير عام جديد، ندعو المولى عز وجل، أن تكون أيامه كلها حبا وإخاء ووئاما وسلاما، ليس بين الأفراد فقط ، إنما بين الشعوب، ليس بين الشعوب العربية أو الشعوب المتشابهة فقط، وإنما بين كل شعوب الأرض.. ونحن نتمنى ألا يكون عامنا الجديد مثل سلفه الذي شهد حروبا وتوترات سياسية وهزات اقتصادية.. وعلينا بثقافة التسامح، فهي الإطار الذي يحمينا من شرور أنفسنا ومن شرور من يتربص بنا وبأمتنا، سواء على المستوى القطري أو الخليجي أو العربي أو الإسلامي.
كاتب ومحلل سياسي بحريني
E-Mail: amurshed2030@gmail.com
فكرت طويلا عن عنوان للمقال الحالي الذي تقرأونه الآن، ووجدت أنه ليس من الحكمة أن أتناول بالتحليل قضايانا السياسية والاقتصادية. فهي كثيرة وأرهقتنا طويلا وأحيانا أشعر بأنها عصية على الحل أو إيجاد مخرج لها.. وأحيانا يحدث المرء نفسه بأن النفق مظلم وطويل والخروج منه صعب. ولكني وبعد تفكير، حدثت نفسي وقلت لماذا نفكر وأمامنا عام جديد يطرق أبوابنا، لنتمنى فيه أن يعم الرخاء والخير علينا جميعا وعلى شعوب الأمتين العربية والإسلامية، وعلى كل أوطاننا ومواطنينا وعلى حكمائنا وقادتنا. فنحن أمة أحوج ما نكون لأن نتكاتف ونتحاور ونتسامح.
وقد نقول إن أزمة التعايش بين الدول ومن ثم بين الشعوب، إنما ترجع إلى غياب صور التسامح. ولتبيان معنى التسامح، ننقل عن لسان العرب لابن منظور، أن السمح من العيدان هو ما لا عقدة فيه، وتسميح الرمح تثقيفه، أي إزالة ما به من نتوء وتليين ما به من تصلب وتقويم ما قد يكون من إعوجاجه مما يمنع انسياب الحركة فيه، ورمح مسمح حتى لان عوده واستقام. ومن هذا المعنى الأصيل للكلمة، قيل عن الدابة التي روضها صاحبها فلانت بعد استصعاب أنها قد أسمحت، وأسمحت النفس بدورها إذا لانت وأطاعت، ومنها قيل عن الرجل أنه أسمح صاحبه، إذا وافقه على مطلبه. والمقصود أنه إذا تساهل القوم ولم يتشددوا، فقد تسامحوا، وإذا تلاينت الآراء ولم تتصلب، فقد تسامح أصحابها، وبهذا تكون السماحة من مرادفات الجود. إذ يقال: سمح الرجل سماحة وسموحة وسماحا، أي جاد وصار من أهل الجود والكرم وأعطى بكرم وسخاء.
وننتقل من الجزء والمعنى إلى العام والفعل، فالمقصود ألا يجب على جماعة من أفراد المجتمع أن يتشددوا ولا يلينوا، ليكسر بعضهم بعضا، لأن التسامح يعني أن يجود الإنسان بما عنده، وأن يقبل في الوقت نفسه ما يجود به الآخرون، وهذا هو التسامح الذي يقيم مجتمعا مدنيا له القدرة على الاستمرار.
ومن هنا، يكون التسامح حين يجلس الأخ مع أخيه، المسلم إلى المسيحي، المسلم السني إلى المسلم الشيعي، اليساري مع اليميني والوسطي، يسمح كل منهما للآخر، لا مجاملة ولا استعراض، وإنما لالتقاط خيوط حقيقية وتتلاقى في نقطة محددة من التفاهم عبر الحوار. ويكون التسامح أيضا حين يجلس نواب البرلمان من كافة الأحزاب الممثلة فيه، لا لتهدئة النفوس ولا لكسب الوقت، وإنما لفهم المشاكل وطرح الحلول ورأب صدع سقف تآكلت جدرانه حتى كاد أن يسقط وينهار فوق رؤوس الجميع.
واتصالا بما سبق، يكون التسامح حين ينصت كل شعب لغيره من الشعوب، وذلك سعيا وراء حكمة أفرزتها تجارب تاريخية تنوعت بتنوع البشر وبالطبيعة البشرية، بعدما تفردت بتفرد الظروف والتحديات التي أنشأتهم شعوبا وجعلتهم أمما. ونحن على أعتاب عام جديد، نتمنى من المولى عز وجل أن تكون تباشيره طيبة علينا جميعا وعلى شعوبنا وأوطاننا وقياداتنا، وأن تعم فيه قيم التسامح، وهي القيم التي تمثل الروح المدنية وثقافة المجتمع المدني التي تقوم في ظل نسق من المعتقدات والمؤسسات والنظم والقيم والتي تقبل بالآخر المختلف.. وهي نظم تنقل المجتمع من حال متأخر إلى موقف متقدم ومتحضر، إذ تستند هذه النظم إلى حرية التعبير، ليس هذا فقط، بل تضمنها أيضا مع توفير الانفتاح الفكري. وهو ما ينعكس على صورة العلاقات الاجتماعية التي تسود بين أفراد المجتمع الواحد. وهي تنعكس أيضا على شكل وطبيعة وعمل التنظيمات السياسية والاجتماعية والتشريعية وتوجد مناخا يعتمد على الديمقراطية كأساس تقوم عليه الجماعة السياسية في المجتمع.
ونحن نستقبل تباشير عام جديد، نتمنى أن تعم ثقافة التسامح، تلك الثقافة التي ترفض استبعاد الآخر، بل تؤكد على معنى المواطنة بمفهومها الشامل. ومن نافلة القول، الإشارة إلى أن ثقافة التسامح تضم الأنساق والأعراف والمعايير وأساليب الحياة، وهي كلها محصلة تضم الاتجاهات والعواطف والتصورات وتوجه السلوك السياسي والاجتماعي.. وكل هذا يحدد مدى مساهمة الفرد في بنية النظام ووظائفه وأنشطته، بما ينمي قاعدة أن الفرد هو أساس المجتمع بشرط تزويده بقواعد العيش والمشاركة وتقاسم الأنشطة والمساهمة مع الآخرين عبر التحاور معهم في بناء هذا المجتمع البناء.
وفي ظل هذه الرؤية.. يصبح من المنطقي قبول أن فكرة التسامح كثقافة محددة، إنما تؤصل قاعدة احترام حقوق الإنسان وعدم تجاوز حقوق الآخر، وكل ذلك يأتي بعد ترك التعصب والعنف والاستبداد بالرأي الواحد.
ونحن نستقبل تباشير عام جديد، علينا صياغة ثقافة التسامح، التي تقبل بالآخر المختلف، وتنقلنا إلى التحضر، استنادا إلى قيمنا وتقاليدنا وانفتاحنا الفكري.. يقول المولى عز وجل في كتابه الكريم: "قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى" (سورة البقرة 272). ومن قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "الكلمة الطيبة صدقة".
ونحن نستقبل تباشير عام جديد، نتمنى عدم الوقوع في فخ التطرف والتشدد والتعصب، وهم نقيض التسامح، فالتعصب بكافة أنواعه الديني والسياسي والعقائدي ربما يدفع إلى ممارسة سلوك أو فعل ينطوي على نفي الآخر وإيقاع الأذى به أو حتى تدميره. ونحن نأمل من الجميع الابتعاد تماما عن التعصب سواء أكان لرأي أو عقيدة أو مشاعر، لأن التعصب في هذه الحالة يتحول إلى حالة من القيود الفكرية والعقائدية تؤدي إلى فقدان الرؤية والروية معا، مما يؤدي إلى ممارسة سلوك ضار بالمجتمع ويعم الكراهية فيه. فأحكام المتعصب سواء أكان فردا أو جماعة، تفتقر للحكمة وتبتعد عن الموضوعية وتتسم بالبعد عن العقلانية، ويظل صاحبها سجينا لقوالب جاهزة ونمطية تنشأ في وسط ثقافي واجتماعي يرفض الآخر ولا يقبل بوجوده.
الخوف كل الخوف، أنه إذا سقط التسامح من حساباتنا وقيمنا وتعاملنا، سقطنا نحن أنفسنا وتهالكت مجتمعاتنا.. فالتسامح مثل إطار الصورة، إذا هلك ضاعت الصورة وانعدمت أو تعرضت للتلف والزوال.
وفي النهاية.. ونحن نستقبل تباشير عام جديد، ندعو المولى عز وجل، أن تكون أيامه كلها حبا وإخاء ووئاما وسلاما، ليس بين الأفراد فقط ، إنما بين الشعوب، ليس بين الشعوب العربية أو الشعوب المتشابهة فقط، وإنما بين كل شعوب الأرض.. ونحن نتمنى ألا يكون عامنا الجديد مثل سلفه الذي شهد حروبا وتوترات سياسية وهزات اقتصادية.. وعلينا بثقافة التسامح، فهي الإطار الذي يحمينا من شرور أنفسنا ومن شرور من يتربص بنا وبأمتنا، سواء على المستوى القطري أو الخليجي أو العربي أو الإسلامي.
كاتب ومحلل سياسي بحريني
E-Mail: amurshed2030@gmail.com
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية