فضيلة الاسترخاء أخبار الشبيبة

    • فضيلة الاسترخاء أخبار الشبيبة

      هنرى بورتر

      لقد استغرق الأمر أياما قليلة حتى وصلتني أخبار مؤامرة ديترويت الإرهابية، لأنني دوما آخذ فترة راحة من الأخبار في إجازات الكريسماس، لا أقرأ الصحف ولا أتابع المواقع الإلكترونية، ولا بريدي الإلكتروني، وأتجنب كل نشرات الأخبار. وعندما ذكر أحدهم أمامي أخبار الهجمة الفاشلة تلك، كان ردة فعلي على الفور وقتها هي إن هذا الجنون البين لا علاقة له بي. لقد كتب الفيلسوف جوج سانتايانا ذات مرة، " العالم ليس مكانا محترما، العالم مكان مضطرب وهائج ومرتبك ومضلل ومخادع، لكنه مغلف بالجمال، والحب، وومضات من الشجاعة و لحظات من الضحك."

      ولو قبل المرء حقيقة هذا الوضع، ربما يجد أن أهمية أن يعرف الأخبار كل ساعة من اليوم هي أهمية بدأت تنمحي. فالكثير من الأحداث تحدث، وهي دوما ستحدث، وأفضل طريقة للتعامل مع كل هذا في الأغلب هي أن نتجاهله، أن نكتفي بالتحديق في السماء ونجومها، أو كما في حالتي، يمكن الاكتفاء بإطعام الطيور. في الإجازة الشتوية عرفت متعة الكسل وأتمنى أن تدوم هذه المتعة أطول وقت ممكن. وأمتع ما في هذه المتعة هو هذا الانفصال الحميد عن الأخبار، والذي لم أتمكن من القيام به في أي وقت آخر من العام. وربما يبدو هذا شذوذا من صحافي أن يتجنب الأخبار.

      لكن مزاجي الهادئ والمسترخي هذا، والذي هو أشبه بهدوء بوذا، أعتقد أنه لن يستمر حتى نهاية الأسبوع القادم. لكن ما كنت أتمنى أن آخذه معي إلى العام الجديد هذا، هو ذلك الاعتقاد القوي بأن كون المرء متصل بالانترنت وعلى اطلاع على الأخبار خلال اليوم كله، وشديد الاكتراث لما قالته وزيرة الأمن الداخلي الأمريكية، جانيت نابوليتانو حول إخفاق الأمن الداخلي أو بفكرة جوردون براون، رئيس الوزراء البريطاني الأخيرة حول عقد مؤتمر قمة لمناقشة قضايا اليمن وافغانستان والجريمة، هو مجرد مضيعة للوقت. لكن بدلا من هذا، وعن وعي كامل مني سألازم قدر ما استطعت الجلوس وعدم فعل أي شيء، بل سأفعل المزيد والمزيد من اللاشيء- سأقرأ حتى وقت متأخر في الفراش، وأتجول في المتاحف، وأحدق في النهر، وأضطجع على العشب.

      وقبل عشر سنوات، كنت مع أصدقاء لي في حفل عشاء، عندما طفق إلى ذهني نفس السؤال القديم، لو كان قدر الإنسان بيده، سيختار أن يكون أي حيوان، لو مقدر له أن يتخلى عن آدميته ليصير مخلوقا آخر، ليصير حيوانا؟ وقال الأصدقاء إنهم يريدون أن يصيروا قردة، ومنهم من قال دلافين، ومنهم من قال صقور، ومنهم من قال سمك قرش. لكن واحدا منهم قال إنه لو قدر له أن يصير حيوانا، فسيختار أن يكون خرتيتا، ووضح الأمر بأن ذلك سيعفيه من أن يفعل أي شيء ، فقط سيسترخي ولا يفعل شيئا. وفي العام الماضي جاء إلى بالي هذا الشخص بينما كنت في مطار هيثرو أراقب مئات المسافرين الذين يعج بهم المطار، مئات الرجال والنساء من رجال الأعمال والمهاجرين وغيرهم ،جميعهم منخرطون في إرسال الرسائل الإلكترونية، والحديث عبر هواتفهم النقالة، كان من الواضح أن جميعهم يؤمنون بأن فورة النشاط والحمية تضيف دوما لمعنى الحياة. لكن هذا ليس كذلك؛ فنحن نعتقد أن هذا الأمر: أن نكون دوما مشغولين ومتواصلين دوما مع كل الأمور من حولنا، وأن يكون الآخرون في حاجة لنا دوما، هذا يعطي الحياة معناها. لكن الحقيقة هي أننا لو توقفنا عن إرسال واستقبال الرسائل، لن يفقدنا الآخرون.

      ولو لم يفعل الإنسان منا شيئا، واهتم أقل بما يجري حوله، سيتسبب في أذى أقل للعالم من حوله. ولو أن البنوك صارت أقل نشاطا، للحق ضرر أقل بالعالم. وخلال إجازة الكريسماس، قرأت عن رجلين، فعلا القليل جدا في حياتهما. الأول كان عمي الكبير هووارد ستورجيس، الصديق المقرب من هنري جيمس، وابن عم الفيلسوف جورج سانتايانا. وطبقا لإيديث وارتون مؤلف الكتاب عن عمي الكبير، كان عمي الكبير يجلس طيلة يومه مسترخيا، لا يفعل إلا القليل، لكنه كان يقرأ ويسعد من حوله. كان الجميع يحبونه، وصفوه أنه أغرب الرجال على الأرض. وعلى الرغم من أن الرجل مات مفلسا، ترك ميراثا جيدا من الأدب. لكني لا أظن أن العالم سيتوقف عن إنتاج الأحداث. تابعناها أم لم نتابعها. وسواء كان ذلك عن كثب، أم عن بعد. لكن على أي حال من الحكمة ، كما فعلت، أن ينفصل المرء قليلا عن العالم ويأخذ لنفسه فترة راحة من الأخبار ومن الأحداث ومن الإنترنت أيضا. ليتمتع قليلا في حياته بميزة الكسل.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية