وليام فاف
باريس - لقد حان الوقت لنطرح سؤالا لا يرغب أي أحد في موقع سياسي أو رسمي في الولايات المتحدة في مجرد التفكير في طرحه. حيث إنه بالنسبة لمسؤول يشغل منصبا عاما، فإن طرح هذا السؤال سيكون مخاطرة بإقصائه عن عالم النقاشات السياسية "الجادة". أي أنه يمكن أن يكون، كما يقولون في عالم البيروقراطية، "مدمرا للمنصب".
ربما يشبه طرح هذا السؤال أن تعلن بعد تحليل طويل أنك خلصت إلى نتيجة بأن الكرة الأرضية مسطحة، وليست كروية، وأن فكرة كروية الأرض كانت مجرد وهم قبله الجميع وأقلم نفسه عليه - ويخشى الجميع من تغيير هذه الفكرة.
وسؤالي هو التالي: هل كان خطأ فادحا أن قامت الولايات المتحدة ببناء نظام مكون من أكثر من سبعمائة قاعدة ومحطة عسكرية حول العالم؟ وهل هذه القواعد تثير الحرب بدلا من أن تضمن الأمن؟
في كل واحدة من مناطق العالم الست الآن هناك قيادة أمريكية منفصلة معها أفرادها واستخباراتها وتخطيطها وقدراتها العملياتية. والقيادة المركزية، الموجودة في فلوريدا، هي المسؤولة حاليا عن حروب أمريكا في الشرق الأوسط ووسط آسيا. أما القيادات الخمس الأخرى - قيادة المحيط الأطلنطي، قيادة المحيط الهادي، القيادة الجنوبية (لأمريكا اللاتينية)، أفريقيا، أوروبا - فهي تشرف بالتفصيل على ما يجري في مناطقها المحددة من العالم، منتجة التحليلات والتقديرات والسيناريوهات لردود الفعل المحتملة لعدد لا يحصى من التهديدات المتصورة المحتملة للولايات المتحدة.
كما أن كل قيادة من هذه القيادات على اتصال مع القوات المسلحة للحكومة الإقليمية، بقدر الإمكان، مكوّنة علاقات جيدة وتبادلات مهنية وتدريبات. وتقوم كل منها بتعزيز بعثات التدريب إلى الولايات المتحدة والمساعدة العسكرية ودعم شراء المعدات. ويقوم كل قائد إقليمي بالتحكم في "قواعد عمليات رئيسية" في الخارج، والتي بدورها تدعم مواقع عمليات كاملة التجهيز، عادة ما تشمل قوات أمريكية متمركزة بشكل دائم وقاعدة جوية. وبخلاف هؤلاء، هناك "مواقع أمنية تعاونية" مقامة بالاشتراك مع قوات الحلفاء أو العملاء.
إن آثار الهيمنة والقصد من وراء كل ذلك، والذي يقدم التركيب العسكري الذي يجري من خلاله إجراء تدخلات عالمية (أو في الحقيقة حرب عالمية ثالثة)، معترف بها سلفا في واشنطن، ويحفزها ما تعتبره واشنطن أنه أسباب صالحة دوليا وبناءة.
كان السؤال الذي لا يمكن طرحه الذي بدأت به هذا المقال هو ما إذا كان كل ذلك خطأ فادحا. يعارض كثير من الأمريكيين أو يتشككون في هذا النظام، ولكن عادة بدوافع غير ذات نزعة عسكرية، أو لأنهم يرونه نظاما استعماريا، أو جزءا من نظرة سياسة خارجية تدخلية أو عدوانية يعارضونها.
والسبب في إثارتي للسؤال عن هذه القواعد هو أنها تولّد القلق والعداء والخوف من الولايات المتحدة؛ وتعزز عدم الأمن باستمرار؛ وقد أثارت الحروب بالفعل - الحروب غير الضرورية. كما أنها تمثل عقبة أمام العلاقات السلمية طويلة الأجل بين الولايات المتحدة والدول الأخرى، ومع المجتمع الدولي ككل.
واليوم نجد أن الولايات المتحدة متورطة في حربين ونصف - أو ربما أكثر - أثارها هذا النظام المتمثل في التدخل العسكري الأمريكي العالمي. وأنا أقول "أكثر" من حربين لأنه بالإضافة إلى الحرب في أفغانستان مازال هناك أكثر من مائة ألف جندي أمريكي في العراق، استعدادا لأي نشوب لحرب تتطلب تدخلهم. كما أن الولايات المتحدة تشارك في القتال ضد طالبان داخل باكستان، وفي الوقت نفسه تشهد توترات خطيرة مع الحكومة والشعب الباكستانيين. ثم هناك اليمن.
لقد كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حسبما قال أسامة بن لادن نفسه، رد فعل على الوجود العسكري الأمريكي في ما يعتبره المسلمون أراضي مقدسة، أي المملكة العربية السعودية. لقد ذهبت القوات الأمريكية إلى هناك في وقت حرب الخليج وظلت هناك بعد ذلك رغم اعتراضات حكومة المملكة العربية السعودية. (من الجدير بالذكر أنه بعد غزو العراق مباشرة، أعلنت الولايات المتحدة إغلاق القواعد السعودية).
في النقاش الراهن حول انسحاب الولايات المتحدة من الحرب في أفغانستان، كتب واحد من أفضل الخبراء الأمريكيين في شؤون المنطقة، سليج هاريسون، أن ذلك سيكون ممكنا فقط على أساس إقليمي بتأييد ودعم من جانب كل من روسيا وإيران والصين وباكستان ودول أخرى معينة. كتب هاريسون يقول: "كل هذه الدول المجاورة منزعجة بدرجات متفاوتة من اتساع القواعد الأمريكية بالقرب من حدودها؛ وهم يقرون بأنه لا يحتمل أن يقوم أي فصيل من طالبان بالتفاوض على السلام حتى تضع الولايات المتحدة والناتو جدولا زمنيا يغطي كلا من انسحاب قواتهم وإغلاق القواعد الأمريكية. لقد تم تجاهل اقتراح وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في مارس عام 2009 بعقد مؤتمر إقليمي، والذي أحياه مؤخرا هنري كسنجر، بواسطة مشاركين مفترضين في هذا المؤتمر لأنه يفترض استمرار الوجود العسكري الأمريكي للأبد".
لقد أصبحت القواعد الأمريكية في اليابان، الدولة الحليفة منذ نصف قرن، اليوم موضوعا للتوتر بين واشنطن والحكومة اليابانية الجديدة. وقد كان ما مهد الطريق لهجوم جورجيا على أوسيتيا الجنوبية والقوات الروسية في أغسطس عام 2008 هو الضغط الأمريكي لإدخال جورجيا في حلف الناتو. وفي اليمن هناك احتجاجات بالفعل على إمكانية قيام الولايات المتحدة بعمليات هناك.
هذا دليل على أن نظام القواعد الأمريكية العالمية هو نظام لانعدام الأمن للولايات المتحدة وللآخرين كذلك. ولكن من هو الرئيس الذي يجرؤ على تفكيك هذه القواعد؟
باريس - لقد حان الوقت لنطرح سؤالا لا يرغب أي أحد في موقع سياسي أو رسمي في الولايات المتحدة في مجرد التفكير في طرحه. حيث إنه بالنسبة لمسؤول يشغل منصبا عاما، فإن طرح هذا السؤال سيكون مخاطرة بإقصائه عن عالم النقاشات السياسية "الجادة". أي أنه يمكن أن يكون، كما يقولون في عالم البيروقراطية، "مدمرا للمنصب".
ربما يشبه طرح هذا السؤال أن تعلن بعد تحليل طويل أنك خلصت إلى نتيجة بأن الكرة الأرضية مسطحة، وليست كروية، وأن فكرة كروية الأرض كانت مجرد وهم قبله الجميع وأقلم نفسه عليه - ويخشى الجميع من تغيير هذه الفكرة.
وسؤالي هو التالي: هل كان خطأ فادحا أن قامت الولايات المتحدة ببناء نظام مكون من أكثر من سبعمائة قاعدة ومحطة عسكرية حول العالم؟ وهل هذه القواعد تثير الحرب بدلا من أن تضمن الأمن؟
في كل واحدة من مناطق العالم الست الآن هناك قيادة أمريكية منفصلة معها أفرادها واستخباراتها وتخطيطها وقدراتها العملياتية. والقيادة المركزية، الموجودة في فلوريدا، هي المسؤولة حاليا عن حروب أمريكا في الشرق الأوسط ووسط آسيا. أما القيادات الخمس الأخرى - قيادة المحيط الأطلنطي، قيادة المحيط الهادي، القيادة الجنوبية (لأمريكا اللاتينية)، أفريقيا، أوروبا - فهي تشرف بالتفصيل على ما يجري في مناطقها المحددة من العالم، منتجة التحليلات والتقديرات والسيناريوهات لردود الفعل المحتملة لعدد لا يحصى من التهديدات المتصورة المحتملة للولايات المتحدة.
كما أن كل قيادة من هذه القيادات على اتصال مع القوات المسلحة للحكومة الإقليمية، بقدر الإمكان، مكوّنة علاقات جيدة وتبادلات مهنية وتدريبات. وتقوم كل منها بتعزيز بعثات التدريب إلى الولايات المتحدة والمساعدة العسكرية ودعم شراء المعدات. ويقوم كل قائد إقليمي بالتحكم في "قواعد عمليات رئيسية" في الخارج، والتي بدورها تدعم مواقع عمليات كاملة التجهيز، عادة ما تشمل قوات أمريكية متمركزة بشكل دائم وقاعدة جوية. وبخلاف هؤلاء، هناك "مواقع أمنية تعاونية" مقامة بالاشتراك مع قوات الحلفاء أو العملاء.
إن آثار الهيمنة والقصد من وراء كل ذلك، والذي يقدم التركيب العسكري الذي يجري من خلاله إجراء تدخلات عالمية (أو في الحقيقة حرب عالمية ثالثة)، معترف بها سلفا في واشنطن، ويحفزها ما تعتبره واشنطن أنه أسباب صالحة دوليا وبناءة.
كان السؤال الذي لا يمكن طرحه الذي بدأت به هذا المقال هو ما إذا كان كل ذلك خطأ فادحا. يعارض كثير من الأمريكيين أو يتشككون في هذا النظام، ولكن عادة بدوافع غير ذات نزعة عسكرية، أو لأنهم يرونه نظاما استعماريا، أو جزءا من نظرة سياسة خارجية تدخلية أو عدوانية يعارضونها.
والسبب في إثارتي للسؤال عن هذه القواعد هو أنها تولّد القلق والعداء والخوف من الولايات المتحدة؛ وتعزز عدم الأمن باستمرار؛ وقد أثارت الحروب بالفعل - الحروب غير الضرورية. كما أنها تمثل عقبة أمام العلاقات السلمية طويلة الأجل بين الولايات المتحدة والدول الأخرى، ومع المجتمع الدولي ككل.
واليوم نجد أن الولايات المتحدة متورطة في حربين ونصف - أو ربما أكثر - أثارها هذا النظام المتمثل في التدخل العسكري الأمريكي العالمي. وأنا أقول "أكثر" من حربين لأنه بالإضافة إلى الحرب في أفغانستان مازال هناك أكثر من مائة ألف جندي أمريكي في العراق، استعدادا لأي نشوب لحرب تتطلب تدخلهم. كما أن الولايات المتحدة تشارك في القتال ضد طالبان داخل باكستان، وفي الوقت نفسه تشهد توترات خطيرة مع الحكومة والشعب الباكستانيين. ثم هناك اليمن.
لقد كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حسبما قال أسامة بن لادن نفسه، رد فعل على الوجود العسكري الأمريكي في ما يعتبره المسلمون أراضي مقدسة، أي المملكة العربية السعودية. لقد ذهبت القوات الأمريكية إلى هناك في وقت حرب الخليج وظلت هناك بعد ذلك رغم اعتراضات حكومة المملكة العربية السعودية. (من الجدير بالذكر أنه بعد غزو العراق مباشرة، أعلنت الولايات المتحدة إغلاق القواعد السعودية).
في النقاش الراهن حول انسحاب الولايات المتحدة من الحرب في أفغانستان، كتب واحد من أفضل الخبراء الأمريكيين في شؤون المنطقة، سليج هاريسون، أن ذلك سيكون ممكنا فقط على أساس إقليمي بتأييد ودعم من جانب كل من روسيا وإيران والصين وباكستان ودول أخرى معينة. كتب هاريسون يقول: "كل هذه الدول المجاورة منزعجة بدرجات متفاوتة من اتساع القواعد الأمريكية بالقرب من حدودها؛ وهم يقرون بأنه لا يحتمل أن يقوم أي فصيل من طالبان بالتفاوض على السلام حتى تضع الولايات المتحدة والناتو جدولا زمنيا يغطي كلا من انسحاب قواتهم وإغلاق القواعد الأمريكية. لقد تم تجاهل اقتراح وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في مارس عام 2009 بعقد مؤتمر إقليمي، والذي أحياه مؤخرا هنري كسنجر، بواسطة مشاركين مفترضين في هذا المؤتمر لأنه يفترض استمرار الوجود العسكري الأمريكي للأبد".
لقد أصبحت القواعد الأمريكية في اليابان، الدولة الحليفة منذ نصف قرن، اليوم موضوعا للتوتر بين واشنطن والحكومة اليابانية الجديدة. وقد كان ما مهد الطريق لهجوم جورجيا على أوسيتيا الجنوبية والقوات الروسية في أغسطس عام 2008 هو الضغط الأمريكي لإدخال جورجيا في حلف الناتو. وفي اليمن هناك احتجاجات بالفعل على إمكانية قيام الولايات المتحدة بعمليات هناك.
هذا دليل على أن نظام القواعد الأمريكية العالمية هو نظام لانعدام الأمن للولايات المتحدة وللآخرين كذلك. ولكن من هو الرئيس الذي يجرؤ على تفكيك هذه القواعد؟
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية