بريطانيا تحافظ على التوازن في علاقاتها م3

    • بريطانيا تحافظ على التوازن في علاقاتها م

      لندن - يسري حسين:

      استطاعت بريطانيا تحت زعامة جوردون براون، تهيئة الأجواء لعلاقات دافئة مع الولايات المتحدة في السنة الأولى لحكم الرئيس الديمقراطي باراك أوباما في البيت الأبيض.
      كانت علاقات رئيس الوزراء البريطاني الحالي توترت مع الإدارة الأمريكية المحافظة تحت حكم الرئيس السابق جورج بوش، لاختلاف المزاج السياسي بين الزعيمين، واختيار (براون) طريقاً مختلفاً عن سلفه توني بلير، الحليف القوي والمشارك بحماس لتطبيق كافة السياسات التي كانت تنطلق من واشنطن في العهد الجمهوري الذي قاده المحافظون الجدد خلال ثماني سنوات. عندما جاء جوردون براون بعد تنحي توني بلير عن السلطة نتيجة احتجاج الرأي العام البريطاني على سياسة الإندماج الكامل مع واشنطن واختزال دور لندن في خانة < التابع > الذي ينفذ سياسات ولا يشارك في صنعها أو إقرارها. وكانت هذه الوضعية تحرض التيار الاستقلالي المحتج على هذه التبعية بكل أشكالها.
      وقد شهدت الأيام الأخيرة لحكم توني بلير، تظاهرات الاحتجاج الصاخب بسبب التورط في العراق والسير على خطى واشنطن دون مراعاة للمصالح البريطانية. ويعتقد بريطانيون أن غزو العراق أضر كثيراً ببلادهم وسمعتها في الشرق الأوسط، كما أنه حرك مظاهر الغضب من جالية إسلامية عريضة، عبّرت عن احتجاج ورفض لما قام به حزب العمال الحاكم بالتورط في هذا الغزو، الذي افتقد للتخطيط المتزن ولم يستند على رؤية سياسية لمرحلة ما بعد اسقاط النظام وإزاحته، إذ فرط الاحتلال في كيان الدولة العراقية وترك الجيش عماد سلطة الدولة يحل نفسه، مما كان له أكبر الأثر في انفجار التمرد وأشكال المقاومة الأخرى. وقد عكف (براون) منذ توليه السلطة على تسهيل مهمة انسحاب القوات البريطانية من (البصرة) وهذا ما حدث. وتميزت العلاقات مع إدارة بوش في فترة أيامها الأخيرة، بالتوتر بعد خروج الصديق (بلير) من السلطة: الحليف الذي كان يوقع على (بياض) للسياسة الأمريكية المحافظة ويتحمس لها ويسير على خطاها بالتأييد الكامل.
      هناك مساحة من الاقتراب بين منظومة حزب العمال البريطاني والحزب الديمقراطي الأمريكي. وقد تجاوز توني بلير الزعيم العمالي، سياسات العداء للولايات المتحدة، واحتضن توجهات الرئيس جورج بوش في مرحلة التصدي للإرهاب ومحاولة تقويض الدول المارقة والقضاء عليها.
      خلال العام الأول لحكم باراك أوباما أظهرت بريطانيا - براون، قدرة على إثبات عرى التحالف القائم على التكافؤ والمساواة وحرية الأطراف في الاختيار والتحرك طبقاً لقناعات ورؤى عملية، بعيداً عن المفهوم الأيديولوجي الذي كان يحرك إدارة المحافظين الجدد في البيت الأبيض.
      سمح أوباما لبريطانيا بأن تلعب دوراً حيوياً وتطرح مبادرات تتوافق مع السعي الأمريكي في معالجة القضايا الدولية بالحوار والتفاوض والتفاهم . وكانت مبادرات جوردون براون في ظل الأزمة الإقتصادية الدولية فاعلة للغاية لوضع القيود والضوابط أمام البنوك ومحاولة الاسترشاد بطريقة واعية لمعالجة الزلزال الاقتصادي الذي أربك النظام الرأسمالي كله في ظل الرياح العاتية التي هبت فجأة عليه.
      وقد تحركت بريطانيا - براون، بزخم على جبهة أفغانستان باعتبارها هي واجهة الالتحام مع خطر الإرهاب بالتصدي لحركة (طالبان) وتوابعها، خصوصاً على أرض باكستان. وأبدت لندن استعدادها لمساعدة حكومة إسلام أباد لتقوية ذراعها الاقتصادي ودعم التنمية للقضاء على كافة الثغرات التي تنفذ منها تجمعات الاحتجاج الديني المسلح. وقد أعطت الولايات المتحدة العاصمة البريطانية أداة البحث عن حل سياسي للوضع الأفغاني بالتنقيب عن طرف يقبل التفاوض وإلقاء السلاح وإنهاء التمرد العسكري بكل أشكاله. تحرك رئيس الوزراء البريطاني بمبادرة سريعة تجاه الوضع في اليمن بعد ظهور وجه (القاعدة) هناك والسعي لإنقاذ الموقف وعدم ترك (صنعاء) تسقط في أيدي التفتت والصراعات الداخلية وضغط المنظمات الإرهابية على إرادة حكومة الرئيس علي عبد الله صالح.
      تعطي إدارة أوباما، الضوء الأخضر للندن للتحرك وطرح المبادرات والاعتماد على قوة زخم سياسي يسمح للدور البريطاني بالتكامل مع التحرك الأمريكي تنفيذاً لسياسات الاستقلال واستبعاد منطق التبعية الذي ساد خلال حقبة جورج بوش والعلاقة مع توني بلير.
      سيدافع جوردون براون خلال حملته الانتخابية المقبلة عن دور فعال لبلاده على الساحة الدولية، وأنه استطاع دفع بريطانيا إلى علاقات متكافئة مع واشنطن تراعي المصالح وتدافع عنها. ويهدف رئيس الوزراء تعزيز هذا الوضع، والادعاء بأن المعارضة المحافظة إذا وصلت إلى السلطة ستفرط في هذا الإنجاز وستعود إلى مربع التبعية الذي تحقق في عهد تاتشر وريجان، وخرج عن مسار حزب العمال رئيس الوزراء السابق توني بلير إذ تحالف مع واشنطن في ظل علاقة التبعية، غير أن القيادة العمالية الحالية الواعية لمصالح بلادها، استطاعت تجاوز هذه الورطة، وحافظت على زمام المبادرة والتكافؤ مع الولايات المتحدة بشكل إيجابي للغاية، وهذا أيضاً يعود بفضل سياسات باراك أوباما التي تختار علاقات دولية بطريقة إيجابية حتى مع الحلفاء المقربين.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية