روجر كوهين
بعد أسبوعين هنا في بكين وجدتني مندهشا ومتفائلا بخصوص الصين، وربما يبدأ هذا الشعور من (رؤيتي) الأباطرة الصغار والامبراطورات الصغيرات. ففي متنزهات المدينة الكبيرة الحجم وفي الشوارع المدينية، رأيت الأطفال الصينيين يدللهم أجدادهم، يداعبهم آباؤهم، يتلقون الرعاية والعناية من العائلة الكبيرة. وربما تفسر الندرة هذا الشغف بالأطفال: فسياسة طفل واحد لكل أسرة، والتي تسير وفقها الصين، تجعل من الأطفال شيئا مميزا. لكن هناك عوامل أعمق في العمل. فالسباق نحو الحداثة لم يفكك عرى وحدة العائلة، مهما كانت التوترات. وبعد مشاهدتها لتفكك المجتمع الأمريكي، حيث الكبار في الأغلب لا يكترث بهم أحد سوى أنفسهم، تشعر الصين حتما بالتماسك. الصين تشهد النوع الأكثر طبيعية من المؤامرات- ذلك الذي بين الأجداد والأحفاد- وهو يزدهر. الصين تستمع لامرأة شابة تعمل في مصنع في الساحل الجنوبي وهي تتحدث عن إرسالها نصف راتبها لأهلها في قرية ما في إقليم جوانجزي، ربما ليبنوا طابقا ثانيا في بيت العائلة. الصين تسمع الشباب والفتيات حديثي الزواج وهم يتناقشون في مدى قدرتهم على رعاية طفل قبل أن ينجبوه، والرعاية معناها توفير المال اللازم لدراسته حتى الشهادة العامة، وإرساله – احتمال قائم- للدراسة الجامعية في الخارج، والمال اللازم لشقته السكنية بعدما يكبر. تتمتع الأسرة في الصين بأساس عاطفي وضمان اجتماعي. قال لي صديق أمريكي من أصل صيني يعيش الآن في بكين:" مالي هو مال أسرتي. وكل استثمارات الآباء تعود عليهم عندما يكبرون في شكل رعاية من الأبناء، والأطفال هنا أشبه بصندوق التقاعد، وإن لم يكن لديك أطفال، ماذا ستفعل عندما تهرم؟"
والصينيون، بمعنى آخر تجدهم بعد انتهاء العمل في المصنع يجتمعون معا ليمارسوا الرياضة، لا يعيشون الحياة الفردية وفق النمط الأمريكي. هم لا يتعرضون للضغط ، لأنهم وحدهم ، جميعهم وحدهم ، وليسوا فرادى. هذا أمر مهم جدا. فهناك في الصين الآن شكل من أشكال التغيير الكبير- تخطط الصين لافتتاح 79 مطارا جديدا و83 نظام مواصلات تحت أرضية في السنوات الخمس القادمة. والأسرة في الصين، بالنسبة لي ، هي العامل الأهم في الاستقرار، بل هي أهم من القبضة الحديدية للنظام الحاكم. وكما قال أرثر كريوبر، عالم اقتصاد:" قصص النمر المرتفع ليست بالأمر الهين، لو أنك تنمو بمقدار 10 بالمئة في العام، الكثير من الأمور تتغير. والصين تنهض من التراب، والأسرة الصينية أثبتت مرونة كبيرة، تلطف من أثر صدمات ما لم يتحقق لأفرادها من أمنيات، وتعوضهم معنويا عن الخسائر وتحفزهم معنويا لتحقيق النجاحات ( قائلة: الفساد لا يدوم)." وبعد الأباطرة والامبراطورات، في تقييمي المتواضع، يأتي التركيز الذي لا يتشتت على المستقبل. فبعد برهة لك في آسيا تلاحظ غياب الضوضاء الحقيقية. وكأنك أزلت لحنا أمريكيا رتيبا من حياتك. وينتابك شعور تماما مثل الذي تشعر به عندما يتوقف طنين جهاز التكييف.
وما هذا اللحن الأمريكي الرتيب ؟ هو الحروب بلا شك ، أعني تكلفتها، والدين المرتبط بها، وكل الكلام عن الخوف والإرهاب . هناك أيضا التبعات الممزوجة في الشعور بالاستياء؛ تبعات الانهيار المالي، والذي أبحرت فيه الصين ببراعة ساعدت في إنقاذ اقتصاد العالم من الزوال. وبدلا من كل ذلك الغضب العارم في الصين تجد النمو والنمو والنمو، بتوجهات ( تخوض أي تناقض وتضارب كان) تستلهم من الأزمة والخوف وليست تتيبس بسببهما. وأنا أعلم أن الصين واضعة يدها تحرزا على حزمة التحفيز لديها منذ وقت طويل ، وأن هناك علامات على النمو الوهمي في قطاعات الإسكان والقوى العاملة، وأن هناك ضغطا يمثله التضخم. أيضا أعرف أن هناك توترات بين اتجاه الاقتصاد المملوك للدولة و قوى السوق ، بمحصلة ضائعة. لكن اعرف أكثر أن اقتصاد الصين يدخل فترة رخاء وراحة، سيقود فيها الدخل الذي في المتناول السوق المحلية.
ولنفكر فيما حققته اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية طوال عقود مضت، لكن بتعداد سكان مقداره 1.3 مليار نسمة، في حالة الصين. لنفكر في عدد السكان المدينيين الجدد كل عام والذي يتراوح بين 10 و15 مليون وحدة كل سنة، و عدد المنازل وحجم البنية الأساسية الذي يحتاجونه. لنفكر في كل الأمور التي يطالب بها العالم ولا يستطيع الحصول عليها في أي مكان آخر بنفس الجودة والكمية والسعر . بالطبع، انقلاب سياسي واحد قادر على قصم ظهر كل ما سبق. وبالنظر إلى أن تجربة الصين المنغلقة - المنفتحة هي تجربة فريدة في التاريخ، لا أحد يمكنه قول كيف سيتم حكم الشعب في عام 2050، مثلا. فالتوترات الكثيفة، أقله بسبب الغضب من انتشار الفساد وصعوبة التعامل معه دون وجود صحافة حرة، موجودة بالفعل الآن. ولايزال المبرر ، من وجهة نظري ، وهو المفاجأة ، لتمكن الصين من إدارة كل هذه المتداخلات، هو نظام ديموقراطية الحزب الواحد.
هو نظام لا وجود فعلي له. هو أشبه بجمع المختلف ( كقولنا قاتل رحيم) – لاحظوا أن الانتخابات التمهيدية في أمريكا هي تصويت داخل الحزب الواحد. ويمكن لديموقراطية الحزب الواحد أن تكون القناع الفضي الزائف للغضب والاضطهاد. وربما يكون الفكرة السياسية الأهم في القرن الحادي والعشرين. فمقاومة أنصار حقوق الإنسان والحركة الحقوقية تنمو في الصين. والمواطنون يؤكدون على حقوقهم، ليس من خلال تنظيم ضد الدولة ومخاطرها، بل من خلال استخدام المواطنين للقانون ليكون لهم قول ورأي. والمنظمات غير الحكومية تكثف من جهودها لتمضي قدما بأجندات لها تتراوح من شؤون البيئة إلى حقوق العمال. وهذا يحدث بقبول من الحكماء الأذكياء. قال لي ما جو، وهو نشط متميز في البيئة:" هم لا يستطيعون حجز ماء النهر، بل يمكنهم أن يسيروا مع التيار ثم يوجهوه إلى حيث يريدون." لكني لا أعرف ما إذا كان هذا المكان حيث يوجهون ماء النهر هو ديموقراطية الحزب الواحد أم لا. لكني لم أعد أسخر بعد الآن من الفكرة ذاتها. فالاختلاف المنسجم هو فكرة صينية قديمة. وما العائلة الصينية الكبيرة إلا ممارسة يومية لتلك الفكرة.
نيويورك تايمز –الشبيبة
بعد أسبوعين هنا في بكين وجدتني مندهشا ومتفائلا بخصوص الصين، وربما يبدأ هذا الشعور من (رؤيتي) الأباطرة الصغار والامبراطورات الصغيرات. ففي متنزهات المدينة الكبيرة الحجم وفي الشوارع المدينية، رأيت الأطفال الصينيين يدللهم أجدادهم، يداعبهم آباؤهم، يتلقون الرعاية والعناية من العائلة الكبيرة. وربما تفسر الندرة هذا الشغف بالأطفال: فسياسة طفل واحد لكل أسرة، والتي تسير وفقها الصين، تجعل من الأطفال شيئا مميزا. لكن هناك عوامل أعمق في العمل. فالسباق نحو الحداثة لم يفكك عرى وحدة العائلة، مهما كانت التوترات. وبعد مشاهدتها لتفكك المجتمع الأمريكي، حيث الكبار في الأغلب لا يكترث بهم أحد سوى أنفسهم، تشعر الصين حتما بالتماسك. الصين تشهد النوع الأكثر طبيعية من المؤامرات- ذلك الذي بين الأجداد والأحفاد- وهو يزدهر. الصين تستمع لامرأة شابة تعمل في مصنع في الساحل الجنوبي وهي تتحدث عن إرسالها نصف راتبها لأهلها في قرية ما في إقليم جوانجزي، ربما ليبنوا طابقا ثانيا في بيت العائلة. الصين تسمع الشباب والفتيات حديثي الزواج وهم يتناقشون في مدى قدرتهم على رعاية طفل قبل أن ينجبوه، والرعاية معناها توفير المال اللازم لدراسته حتى الشهادة العامة، وإرساله – احتمال قائم- للدراسة الجامعية في الخارج، والمال اللازم لشقته السكنية بعدما يكبر. تتمتع الأسرة في الصين بأساس عاطفي وضمان اجتماعي. قال لي صديق أمريكي من أصل صيني يعيش الآن في بكين:" مالي هو مال أسرتي. وكل استثمارات الآباء تعود عليهم عندما يكبرون في شكل رعاية من الأبناء، والأطفال هنا أشبه بصندوق التقاعد، وإن لم يكن لديك أطفال، ماذا ستفعل عندما تهرم؟"
والصينيون، بمعنى آخر تجدهم بعد انتهاء العمل في المصنع يجتمعون معا ليمارسوا الرياضة، لا يعيشون الحياة الفردية وفق النمط الأمريكي. هم لا يتعرضون للضغط ، لأنهم وحدهم ، جميعهم وحدهم ، وليسوا فرادى. هذا أمر مهم جدا. فهناك في الصين الآن شكل من أشكال التغيير الكبير- تخطط الصين لافتتاح 79 مطارا جديدا و83 نظام مواصلات تحت أرضية في السنوات الخمس القادمة. والأسرة في الصين، بالنسبة لي ، هي العامل الأهم في الاستقرار، بل هي أهم من القبضة الحديدية للنظام الحاكم. وكما قال أرثر كريوبر، عالم اقتصاد:" قصص النمر المرتفع ليست بالأمر الهين، لو أنك تنمو بمقدار 10 بالمئة في العام، الكثير من الأمور تتغير. والصين تنهض من التراب، والأسرة الصينية أثبتت مرونة كبيرة، تلطف من أثر صدمات ما لم يتحقق لأفرادها من أمنيات، وتعوضهم معنويا عن الخسائر وتحفزهم معنويا لتحقيق النجاحات ( قائلة: الفساد لا يدوم)." وبعد الأباطرة والامبراطورات، في تقييمي المتواضع، يأتي التركيز الذي لا يتشتت على المستقبل. فبعد برهة لك في آسيا تلاحظ غياب الضوضاء الحقيقية. وكأنك أزلت لحنا أمريكيا رتيبا من حياتك. وينتابك شعور تماما مثل الذي تشعر به عندما يتوقف طنين جهاز التكييف.
وما هذا اللحن الأمريكي الرتيب ؟ هو الحروب بلا شك ، أعني تكلفتها، والدين المرتبط بها، وكل الكلام عن الخوف والإرهاب . هناك أيضا التبعات الممزوجة في الشعور بالاستياء؛ تبعات الانهيار المالي، والذي أبحرت فيه الصين ببراعة ساعدت في إنقاذ اقتصاد العالم من الزوال. وبدلا من كل ذلك الغضب العارم في الصين تجد النمو والنمو والنمو، بتوجهات ( تخوض أي تناقض وتضارب كان) تستلهم من الأزمة والخوف وليست تتيبس بسببهما. وأنا أعلم أن الصين واضعة يدها تحرزا على حزمة التحفيز لديها منذ وقت طويل ، وأن هناك علامات على النمو الوهمي في قطاعات الإسكان والقوى العاملة، وأن هناك ضغطا يمثله التضخم. أيضا أعرف أن هناك توترات بين اتجاه الاقتصاد المملوك للدولة و قوى السوق ، بمحصلة ضائعة. لكن اعرف أكثر أن اقتصاد الصين يدخل فترة رخاء وراحة، سيقود فيها الدخل الذي في المتناول السوق المحلية.
ولنفكر فيما حققته اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية طوال عقود مضت، لكن بتعداد سكان مقداره 1.3 مليار نسمة، في حالة الصين. لنفكر في عدد السكان المدينيين الجدد كل عام والذي يتراوح بين 10 و15 مليون وحدة كل سنة، و عدد المنازل وحجم البنية الأساسية الذي يحتاجونه. لنفكر في كل الأمور التي يطالب بها العالم ولا يستطيع الحصول عليها في أي مكان آخر بنفس الجودة والكمية والسعر . بالطبع، انقلاب سياسي واحد قادر على قصم ظهر كل ما سبق. وبالنظر إلى أن تجربة الصين المنغلقة - المنفتحة هي تجربة فريدة في التاريخ، لا أحد يمكنه قول كيف سيتم حكم الشعب في عام 2050، مثلا. فالتوترات الكثيفة، أقله بسبب الغضب من انتشار الفساد وصعوبة التعامل معه دون وجود صحافة حرة، موجودة بالفعل الآن. ولايزال المبرر ، من وجهة نظري ، وهو المفاجأة ، لتمكن الصين من إدارة كل هذه المتداخلات، هو نظام ديموقراطية الحزب الواحد.
هو نظام لا وجود فعلي له. هو أشبه بجمع المختلف ( كقولنا قاتل رحيم) – لاحظوا أن الانتخابات التمهيدية في أمريكا هي تصويت داخل الحزب الواحد. ويمكن لديموقراطية الحزب الواحد أن تكون القناع الفضي الزائف للغضب والاضطهاد. وربما يكون الفكرة السياسية الأهم في القرن الحادي والعشرين. فمقاومة أنصار حقوق الإنسان والحركة الحقوقية تنمو في الصين. والمواطنون يؤكدون على حقوقهم، ليس من خلال تنظيم ضد الدولة ومخاطرها، بل من خلال استخدام المواطنين للقانون ليكون لهم قول ورأي. والمنظمات غير الحكومية تكثف من جهودها لتمضي قدما بأجندات لها تتراوح من شؤون البيئة إلى حقوق العمال. وهذا يحدث بقبول من الحكماء الأذكياء. قال لي ما جو، وهو نشط متميز في البيئة:" هم لا يستطيعون حجز ماء النهر، بل يمكنهم أن يسيروا مع التيار ثم يوجهوه إلى حيث يريدون." لكني لا أعرف ما إذا كان هذا المكان حيث يوجهون ماء النهر هو ديموقراطية الحزب الواحد أم لا. لكني لم أعد أسخر بعد الآن من الفكرة ذاتها. فالاختلاف المنسجم هو فكرة صينية قديمة. وما العائلة الصينية الكبيرة إلا ممارسة يومية لتلك الفكرة.
نيويورك تايمز –الشبيبة
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية